QAWA’ID BAHASA ARAB

قواعد اللغة العربية ( الكفاف )

أ. يوسف الصيداوي

العدد والمعدود
1- العدد:
يكون العدد مفرداً، نحو: سَبْع، ومركَّباً، نحو: سبعَ عشرةَ، ومعطوفاً، نحو: سبع وعشرين(1).
وقد يوافق العددُ معدودَه في التذكير والتأنيث، وقد يخالفه، ودونك بيان ذلك:
¨ الواحد والاثنان، يوافقان المعدود في كل حال، سواء كان ذلك في الإفراد أو التركيب أو العطف، فيقال:
رجل واحد – امرأة واحدة
رجلان اثنان – امرأتان اثنتان
أحدَ عشرَ رجلاً – إحدى عشرةَ امرأة
اثنا عشرَ رجلاً – اثنتا عشرةَ امرأة
واحد وعشرون رجلاً – إحدى وعشرون امرأة
¨ الأعداد من الثلاثة إلى العشرة تخالف المعدود في كل حال، سواء كان ذلك في الإفراد أو التركيب أو العطف، فيقال:
سبعة رجال – سبع فتيات
سبعةَ عشرَ رجلاً – سبعَ عشرةَ فتاة
تسعة وتسعون رجلاً – تسع وتسعون فتاة
ولا يستثنى من هذا الحكم إلاّ الأعداد الترتيبية، فإنها توافق المعدود في كل حال(2) فيقال: وصل المتسابق السابعَ عشر، والمتسابقة الخامسةَ عشرة.
¨ ثمان: يستعمل العدد: [ثمان] – سواء أضيف أو لم يُضف – استعمال الاسم المنقوص.
ففي حال الإضافة، تقول:
سافر ثماني نساءٍ كما يقال: سافر ساعي بريدٍ.
و: مررت بثماني نساءٍ كما يقال: مررت بساعي بريدٍ.
و: رأيت ثَمانيَ نساءٍ كما يقال: رأيت ساعيَ بريدٍ.
وفي حال عدم الإضافة تقول:
سافر من النساء ثمانٍ كما يقال: سافر من السُّعاة ساعٍ.
مررت من النساء بثمانٍ كما يقال: مررت من السعاة بساعٍ.
رأيت من النساء ثمانياً(3) كما يقال: رأيت من السعاة ساعياً.
فإذا كانت [ثمان] في عدد مركب، صحّ أن تستعملها على صورة واحدة، هي صورة [ثماني عشرةَ]، فلا تتغيّر في كل حال، ولا تتبدّل، فيقال مثلاً:
سافر ثماني عشْرةَ امرأة.
رأيت ثماني عشْرةَ امرأة.
سلّمت على ثماني عشْرةَ امرأة.
2- المعدود:
الأعداد من 3 … إلى 10، معدودُها مجموعٌ مجرور، يقال مثلاً:
ثلاثة رجالٍ … وعشر فتياتٍ.
ومن 11 …. إلى 99، معدودها مفرد منصوب، يقال مثلاً:

(1/1)


أحدَ عشرَ كتاباً
خمسةَ عشرَ كتاباً
عشرون كتاباً
تسعة وتسعون كتاباً
والمئة والألْف، ومثناهما وجمعهما، معدودها مفرد مجرور، يقال مثلاً:
[مئةُ كتابٍ، ومئتا كتابٍ، وثلاثُ مئةِ كتابٍ(4)].
و[ألْفُ كتابٍ، وألْفَا كتابٍ، وثلاثةُ آلافِ كتابٍ(5)].
¨ تعريف العدد بـ [ألـ]:
ليس لتعريف العدد بـ [ألـ] أحكام خاصّة، فهذه الأداة تدخل على أوّل العدد عند تعريفه، مثل دخولها على سائر الأسماء عند تعريفها. ودونك الأمثلة:
العدد العقديّ: اشتريت العشرين كتاباً.
العدد المركب: اشتريت الثلاثة عشركتاباً.
العدد المعطوف: اشتريت الثلاثة والثلاثين كتاباً. (هنا عددان، كلّ منهما مستقل بنفسه – وإن جَمَع بينهما حرف العطف – فحقُّ كلٍّ منهما إذاً أن يكون له تعريفه).
تنبيه: ليس لتعريف العدد المضاف نحو [خمسة كتبٍ] قاعدة خاصّة، فقد جاء عن فصحاء العرب، إدخال [ألـ] على الأوّل، وعلى الثاني، وعلى الاثنين معاً؛ فجاز أن يقال مثلاً: [اشتريت خمسةَ الكتبِ، والخمسةَ كتبٍ، والخمسةَ الكتبِ](6).
أحكام:
¨ العدد المركَّب: لا يكون إلاّ مفتوح الجزأين، نحو: [أربعَ عشرةَ، وأربعةَ عشرَ، والسابعَ عشرَ، والسابعةَ عشرةَ]. إلاّ ما كان جزؤه الأوّل مثنى، فيُعامل معاملة المثنى، نحو: [سافر اثنا عشر رجلاً، واثنتا عشرة امرأة، ورأيت اثني عشر مودِّعاً، مع اثنتي عشرة مودِّعةً]. أو كان جزؤه الأول منتهياً بياء، فتبقى على ما هي، نحو: [الحادي عشر، والثاني عشر].
¨ عشر: في العدد المركَّب، تُوافِق المعدود قولاً واحداً، فيقال: [تسعة عشَر رجلاً، وتسع عشْرة امرأةً].
وأمّا شِينها فتُفتح مع المذكر، وتُسكَّن مع المؤنث، سواء كان ذلك في عدد مفرد أو مركَّب.

(1/2)


¨ بضع: كلمة تدل على عدد غير محدد، غير أنه لا يقلّ عن ثلاثة ولا يزيد على تسعة، ولذلك تُعامل معاملة هذه الأعداد، فتذكَّر مع المؤنث، وتؤنث مع المذكر، [أي: تخالف معدودها]، فيقال مثلاً: [بضعة رجال، وبضع نساء]. وتُركَّب تركيب هذه الأعداد، فيقال: [بضعةَ عشَرَ رجلاً، وبضع عشْرةَ امرأةً].
¨ إذا اشتمل المعدود على ذكور وإناث، روعي الأول نحو: [سافر خمسة رجالٍ ونساءٍ، وزارنا خمس نساءٍ ورجال].
¨ تُقرأ الأعداد من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، فيقال مثلاً: [هذا عامُ ستةٍ وتسعين وتسع مئةٍ وألف]، كما يقال: [هذا عام ألفٍ وتسعِ مئةٍ وستةٍ وتسعين]. فكلاهما فصيح، والمتكلِّم بالخيار.
¨ في تذكير العدد وتأنيثه، يُراعى مفرد المعدود. يقال مثلاً: [خمسة رجال]، لأن المفرد: [رجل]، و [خمس رقاب]، لأن المفرد: [رقبة].
¨ إذا قيل مثلاً: [خالدٌ سابعُ سبعةٍ سافروا]، فالمعنى: أنّ الذين سافروا سبعة، منهم خالد. فإذا أُريد الترتيب والتسلسل، قيل: [خالدٌ سابع ستةٍ سافروا]، أي: هو السابع في تسلسل سفرهم وتتابعه.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال العدد
· تُقرأ الأعداد من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين:
· قال ابن عباس (جمهرة خطب العرب 1/417): [يا أهل البصرة… أمرتكم بالمسير مع الأحنف بن قيس، فلم يشخص إليه منكم إلاّ ألفٌ وخمس مئة، وأنتم في الديوان ستون ألفاً]. وهاهنا مسألتان:
1- تُقرأ الأعداد من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، وكلا الاستعمالين فصيح، والمرء بالخيار، وقد اختار ابن عباس – كما ترى – البدء من اليسار، فقال: [ألف وخمس مئة].
2- الأعداد من 11… إلى 99 معدودها مفرد منصوب، فـ [ستون] أحد هذه الأعداد، و[ألفاً] معدودُه، وقد جاء في كلام ابن عباس – كما رأيت – مفرداً منصوباً، على المنهاج.
· والطبريّ أيضاً على التأريخ من اليسار إلى اليمين:

(1/3)


فقد بدأ التأريخَ في الصفحة /10/ من كتابه، فقال وهو يورد ما قيل في عمر الدنيا: [فقد مضى (أي مضى من عمر الدنيا) ستة آلاف سنة ومئتا سنة].
وقال في الصفحة /17/: [كان قدر ستة آلاف سنة وخمس مئة سنة].
و قال في الصفحة / 18/: [خمسة آلاف سنة وتسع مئة سنة واثنتان وتسعون سنة]. وفي الصفحة نفسها يقول: [ثلاثة آلاف سنة ومئة سنة وتسع وثلاثون سنة].
وقال عن الطوفان في الصفحة /211/: [وذلك بعد خلق آدم بثلاثة آلاف وثلاث مئة سنة وسبع وثلاثين سنة].
· ]يا أبت إني رأيت أحدَ عشَرَ كوكباً[ (يوسف 12/4)
[أحدَ عشَرَ] عددٌ مركّب، وهو مفتوح الجزءين، شأن كل عدد مركب؛ ومعدوده: [كوكباً] مفرد منصوب، على المنهاج.
· ]الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة[ (المائدة 5/73)
الترتيب والتسلسل والتتابع غير مرادة في الآية، وإنما المراد أنهم قالوا: إنّ الله تعالى واحد من ثلاثة. ولو كان الترتيب مراداً لقالوا: إنه ثالث اثنين. وانظر إلى ما جاء في صحيح البخاري (6/556) تجد المسألة على أوضح الوضوح. فدونك النصّ الحرفي، كما ورد فيه: [عن… خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا أحدهم، وسفيان بن مجاشع، ويزيد بن عمرو بن ربيعة، وأسامة بن مالك بن حبيب بن العنبر، نريد ابن جفنة الغسّانيّ بالشام فنَزلنا على غدير…]. ولو أراد الترتيب لقال: [خرجت رابع ثلاثة] أي: تَقَدَّمَه الثلاثةُ، ثم خرج هو بعدهم، فكان رابعاً.
· ]إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه… [ (التوبة 9/40)
الآية شاهد ثانٍ على أنّ هذا التركيب، لا يدلّ على ترتيب وتسلسل وتتابع. وذلك أن الذين كفروا لم يُخرجوا الرسول من مكة بعد أن أخرجوا صاحبه منها، فيكون هو الثاني، ويكون صاحبُه الأوّلَ !! بل أخرجوه وصاحبَه معاً، لا سابق ولا مسبوق. فحاقُّ المعنى إذاً أنهما اثنان هو أحدهما.
· ]ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعُهُم ولا خمسةٍ إلاّ هو سادسُهُم[ (المجادلة 58/7)

(1/4)


الترتيب في الآية هاهنا مرادٌ مقصود، والمعنى: أنه جاعل الثلاثة أربعة، وجاعل الخمسة ستة. ونعتقد أنّ الفرق بين التركيب ومعناه في هذه الآية، وفي الآيتين السابقتين، أصبح فرقاً واضحاً جليّاً.
· ]فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مئةَ جَلدةٍ[ (النور 24/2)
معدود المئة والألف ومثناهما وجمعهما، مفردٌ مجرور. فاستعمال كلمة: [جلدةٍ] في الآية – وهي المعدود – مفردةً مجرورةً بعد المئة – جاء إذاً على المنهاج.
· ]يودُّ أحدُهُم لو يُعَمَّرُ ألفَ سنةٍ[ (البقرة 2/96)
يصحّ أن يقال في الآية هنا، ما قيل في الآية السابقة، فمعدود المئة والألف ومثناهما وجمعهما، مفردٌ مجرور. ومن ثم يكون استعمال كلمة: [سنةٍ] – مفردةً مجرورةً بعد الألف – جاء إذاً على المنهاج.
· تعريف العدد المضاف بـ [ألـ]، كل صوره جائزة بلا قيد:
ففي الحديث (مسلم 9/10): [أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم رَمَلَ الثلاثة أطوافٍ من الحجر إلى الحجر]. وقد أورد النوويّ هنا، روايتين أخريين للحديث هما: [الثلاثة الأطواف وثلاثة أطواف] ثم استأنف فقال: [وقد سبق مثلُه في رواية سهل ابن سعد في صفة منبر النبي صلى الله عليه وسلّم قال: فعمل هذه الثلاث درجات…].
وقد جَمعتْ هذه الأسطر القليلة ثلاثة استعمالات من العدد المضاف هي: [ثلاثة أطواف، والثلاثة أطواف، والثلاثة الأطواف]، يضاف إليها استعمالٌ رابع، هو تعريف المضاف إليه بالألف واللام، أي: [ثلاثة الأطواف]. وهو الأفشى.
وفي الحديث أيضاً (البخاري 3/71 باب استعانة اليد في الصلاة): قال ابن عباس: [فجلس فمسح النومَ عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآياتِ خواتيمَ سورة آل عمران].
وفي الحديث كذلك، عن أبي هريرة (البخاري 4/469 باب الكفالة في القرض والديون): [كنت تسلّفتُ فلاناً ألف دينار… فأتى بالألف دينار… فانصرِفْ بالألف الدينار راشداً].
· قال أبو عبيد (تفسير القرطبي 1/416): [لم يُسمع في فَعَل وفِعْل غير هذه الأربعة الأحرف].

(1/5)


· وفي (تاريخ الطبري 1/50): [خَلَقَ في أوّل الثلاث ساعات…].
وعن ابن عباس أنه قال (تاريخ الطبري 1/59): [الستة الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض].
وعن مجاهد أنه قال (تاريخ الطبري 1/60): [يومٌ من الستة الأيام، كألف سنة مما تعدّون].
ويخلص المرء من هذه الأمثلة إلى أن تعريف العدد المضاف بالألف واللام لا يقيِّده قيد، وأنه من السهولة بحيث يستعمله المرء بغير تفكير فلا يخطئ.
· ]إنّ عِدَّة الشهور عند الله اثنا عشَرَ شهراً[ (التوبة 9/36)
[اثنا]: الواحد والاثنان يوافقان المعدود في كل حال، والمعدود في الآية مذكر: [شهر]، وقدجاء العدد [اثنا] مذكّراً – على المنهاج – موافَقَةً للمعدود.
[عشَرَ]: حكمها في العدد المركب، أن توافق المعدود، وقد وافقته في الآية، فجاءت مذكرةً مثلَه، وفُتحت شينها، والقاعدة أن تُفتح مع المذكّر.
· ]إنّ هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجة[ (ص 38/23)
[تسع]: عددٌ مذكر، ومعدودُه [نعجة] مؤنث. وذلك أن الأعداد من الثلاثة إلى العشرة – وتسعٌ منها – تخالف المعدود في كل حال، سواء كان ذلك في الإفراد أو التركيب، أو العطف. والذي في الآية من الصنف الثالث، أي: [العطف]، فتذكير العدد [تسع] جاء – إذاً – على المنهاج.
* * *
1- العدد المفرد في هذا البحث، مصطلح، يراد به أنه عدد ليس مركَّباً ولا معطوفاً.
2- السرّ في أن العدد الترتيبي لا يكون إلاّ موافقاً للمعدود، هو أن العدد الترتيبي لا يكون إلاّ نعتاً لمعدوده، ومن المعلوم أن النعت يطابق المنعوت – قولاً واحداً – فلا يصح في العبارة الآتية – مثلاً – إلاّ أن تقول: فاز المتسابق الرابع عشر، والمتسابقة الر ابعة عشرة. فيتطابق المذكران، ويتطابق المؤنثان…
3- يصحّ هنا – فضلاً على [ثمانياً] – أن يقال أيضاً: [ثمانيَ] أي يصحّ هنا التنوين وعدمه، فالتنوين على أنه اسم منقوص، وعدم التنوين على أنه اسم ممنوع من الصرف.

(1/6)


4- يصحّ أيضاً أن يقال: [ثلاث مئات كتابٍ].
5- من العجائب: اِعلمْ أن الأميين وصغار الصبيان أيضاً، يستعملون المعدود – من حيثُ الجمع والإفراد – استعمالاً صحيحاً فصيحاً، فيأتون به مفرداً، حيثُ يجب إفراده، ومجموعاً حيثُ يجب جمعه، فتغنيهم سليقتهم عن كل هذا الذي فصّلنا القول فيه، واخترنا الأمثلة له !! ومَن وجد في نفسه شيئاً مِن قولنا هذا، فلْيجرِّبْ.
6- وما أكثر الأمثلة والشواهد !!

(1/7)


الأحرف المشبّهة بالفعل (1)
الأحرف المشبّهة بالفعل هي: [إنّ وأنّ (للتوكيد)، كأنّ (للتشبيه)، لكنّ (للاستدراك)، ليت (للتمنّي)، لعلّ (للترجّي)، لا (لنفي الجنس)]. ولكلٍّ منها أحكام خاصّة تُذكر معها في موضعها من قسم الأدوات.
أحكامها العامة:
¨ تدخل على المبتدأ والخبر، فتنصب الأوّل، ويسمّى اسمها، وترفع الثاني، ويسمّى خبرها، نحو: [إنّ خالداً مسافرٌ، لكنّ زهيراً مقيمٌ].
¨ يمتنع تقديم أخبار هذه الأحرف على أسمائها، إلاّ أن يكون الخبر شبه جملة فيجوز، نحو: [إنّ في الرياضة نشاطاً](2).
¨ إذا اتصلت بها [ما] كفَّتها عن العمل، فعاد الكلام مبتدأً وخبراً، نحو: [إنما أنت بَشَر].
¨ إذا عطفتَ على أسماء هذه الأحرف نصبتَ المعطوف فقلت مثلاً: [إنّ سعيداً وخالداً مسافران. ولعلّ سعيداً مسافرٌ وخالداً](3).
¨ تُخفَّف أربعة أحرف منها هي: [إنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنَّ]، فيقال: [إِنْ وأنْ وكأنْ ولكنْ]، فتُهمَل عندئذٍ فلا تعمل.
* * *
1- سمَّوها: [مشبّهة بالفعل]، لأنها – ماعدا [لا] – مفتوحة الآخر كالفعل الماضي، وقيل غير ذلك.
2- مذهب كثير من النحاة الميسّرين، ويتقدّمهم الإمامان: ابن السراج وابن يعيش، أن شبه الجملة (الظرف والجارّ والمجرور) هو نفسه الخبر، لا أنّ الخبر محذوف يتعلّق به شبه الجملة. وبهداهم اقتدينا.
3- إنْ وقعْتَ على نصٍّ مثل: [إن سعيداً – وخالدٌ – مسافران]، فاعلم أن الاسم بعد الواو مبتدأ خبره محذوف، أي: [وخالدٌ كذلك] وجملتهما اعتراضية.

(2/1)


العَلَم
العَلَم: اسم أو كنية أو لقب.
مثال الاسم: أحمد – عبد الرحمن – بعلبكّ – سيبويه…
ومثال الكنية: أبو خالد – أمّ خالد… وهي مُصَدَّرةٌ أبداً بـ [أب] أو [أمّ].
ومثال اللقب: هاشميّ – حلبيّ – مصريّ… مما يدل على نسبة إلى عشيرة أو بلد، أو نحو ذلك مما يُنْتَسَبُ إليه؛ ويدل في كثير من الأحيان على مدح أو ذمّ، كالأمين والمأمون والسفّاح والجاحظ…(1)
قاعدة: إذا اجتمع اسم وكنية ولقب، أو اثنان منهما، نحو: [أبو عثمان، عمرو بن بحر، الجاحظ] أو [عليّ، أبو الحسن] أو [المسيح عيسى ابن مريم]، جاز لك – بغير قيد – أن تقدم وتؤخر أيّاً منها شئت. ويتبع الثاني والثالثُ الأوّل، على البدلية فيقال مثلاً:
رحم الله الجاحظَ أبا عثمان عمروَ بنَ بحر!!
فلقد كان أبو عثمان عمرُو بنُ بحر الجاحظُ واحدَ الدنيا!!
ومَن مِثلُ عمرِو بنِ بحر الجاحظِ أبي عثمان؟!
* * *
1- في اللغة أعلام تدل على كل فرد من أفراد الجنس. مثال ذلك [فرعون] لكل من كان يملك بلاد مصر، و[كسرى] لكل من كان يملك بلاد فارس، و[أسامة] للأسد، و[ثُعالة] للثعلب… وهي أعلام سماعية تستعمل ولا يقاس عليها. ولا تدخل عليها [ألـ].

(3/1)


الحال(1)
الحال: اسم نكرة، فَضْلة(2) منصوب. يبيّن هيئة صاحبه. نحو: [سافر خالدٌ حزيناً] و[جاء زهيرٌ ثعلباً. (أي: مراوغاً)](3).
أحكام ستّة:
1- تتعدّد الحال وصاحبها واحد، نحو: [جاء خالدٌ مسرعاً باسماً]. وتتعدّد ويتعدّد صاحبها، فتكون القريبة للقريب والبعيدة للبعيد، نحو: [لقي خالدٌ زهيراً مُصعِداً مُنحدِراً]. فـ [منحدراً] حال من [خالدٌ]، و[مصعداً] حال من [زهيراً].
2- تتأخر الحال عن الفعل وشبهه(4) وتتقدّم عليهما، نحو: [جاء خالدٌ راكباً، فسرّني رجوعه منتصراً] و[راكباً جاء خالدٌ، فسرّني منتصراً رجوعه].
3- تتأخّر الحال عن صاحبها، وتتقدّم عليه، نحو: [سافر زهيرٌ مُعْجَلاً] و[سافر مُعْجَلاً زهيرٌ].
4- يكون صاحب الحال معرفةً ونكرة، نحو: [جاء عليٌّ مستعجلاً]. و: [جاء ضيفٌ مستعجلاً].
5- إذا تقدّمت صفةٌ نكرة على موصوفها، انقلبت إلى حال. نحو: [لِزيدٍ ممزَّقاً كتابٌ]. والأصل قبل التقديم: [لِزيدٍ كتابٌ ممزَّقٌ].
6- قد تأتي الحال مستقلّةً بنفسها، بدون فعل، فتقترن:
إمّا بالفاء: إذا أردتَ الدلالة على تدرّج في نقص أو زيادة، نحو فصاعداً، فنازلاً، فأكثر، فأقلّ، فأطول، فأقصر… تقول مثلاً: [يباع الكتاب بدينار فصاعداً] و[أستريح ساعةً فأكثر].
وإمّا بهمزة: للدلالة على استفهام توبيخيّ، نحو: [أقاعداً وقد سار الناس؟!].
الحال الجملة
قد تكون الجملة حالاً(5)، وذلك إذا وقعت موقع الحال. نحو: [جاء خالدٌ يضحك = جاء ضاحكاً]. ويربطها بصاحب الحال عند ذلك وجوباً، ضميرٌ أو واو؛ وقد يجتمع الرابطان.
فمن مجيء الرابط ضميراً: [سافر خالدٌ محفظتُه بيده] (الضمير المتصل، أي الهاء، مِن محفظته هو الرابط).
ومن مجيئه واواً: [سافرت والشمسُ طالعةٌ](6).
ومن اجتماع الرابطَين: [أَقْبَل زهيرٌ ويدُه على رأسه].
أحكام واو الحال:
قاعدة كليّة: [إذا خَلَت الجملةُ من ضميرٍ يربطها بصاحب الحال، وجبت الواو]، نحو: [سافر زهير و الشمس مشرقة].

(4/1)


1- أحكامها مع الجملة الاسمية:
¨ تجب الواو قبل الجملة الاسمية، إذا خَلَتْ من ضميرٍ يربطها بصاحب الحال (القاعدة الكلية). وتجب أيضاً إذا كان صدر الجملة ضميراً منفصلاً، نحو: [جاء زهيرٌ وهو يضحك]. ويجوز الوجهان بعد [إلاّ]، نحو: [ما جاء إلاّ وبيده كتاب = إلاّ بيده كتاب].
2- أحكامها مع الجملة الماضوية:
¨ تجب الواو – وتلزمها [قد] – قبل الجملة الماضوية، غير المشتملة على ضمير صاحب الحال(7). وتمتنع إذا كان بعد الماضوية [أو]، نحو: [اُنصرْ أخاك جارَ أو عَدَلَ].
¨ ويجوز مجيئها وعدمُه، قبل الجملة الماضوية في ما يلي:
– إذا كان في الجملة ضمير رابط، نحو: [زارني زيدٌ وما قال كلمةً = زارني ما قال كلمةً]، ونحو: [هذه كتبنا وقد أعيدَت إلينا = هذه كتبنا أعيدَت إلينا].
– أو سبقتها [إلاّ]، نحو: [ما زارنا زيدٌ إلاّ وكان مستعجلاً = إلاّ كان مستعجلاً].
3- أحكامها مع الجملة المضارعية:
¨ تجب الواو مع الجملة المضارعية، إذا خلت من ضمير يربطها بصاحب الحال (القاعدة الكلية)، وسبقتها [لم]، نحو: [جاء زهيرٌ ولم تطلع الشمس]. فإن وجد ضمير رابط، جاز الوجهان، نحو: [زارنا خالدٌ ولم يتأخر = زارنا لم يتأخر].
¨ كما تجب الواو مع الجملة المضارعية المقترنة بـ [قد]، نحو: [نجح زهيرٌ وقد ينجح المجتهد].
¨ وتمتنع قبل الفعل المضارع المثبت، نحو: [جاء زهيرٌ يسعى]، والمنفي بـ [ما] أو [لا]، نحو: [عرفتك ما تحبّ التهاون] فـ [ما لك لا تجدّ](8).
4- حكمها مع [لَمّا]:
قال ابن مالك عن المضارع المسبوق بـ [لمّا]: “لم أجده إلاّ بالواو”(9). فقلْ إذاً: [حضر خالدٌ ولمّا أَرَه].
صيغٌ وتراكيبُ حاليّة:
في اللغة صيغ لا تكاد تتغير، تُستعمل كأنها الرواسم، وتُعرب حالاً. دونك أهمّها، مع شيء من التعليق لمزيد إيضاح. مِن هذا قولهم مثلاً:
· سلّمته الكتابَ (يداً بيد): يلاحظ هاهنا اشتراك جانبين.

(4/2)


· جاء خالدٌ (وحدَه): الحال هنا معرفة، (تَعَرّفَت بإضافتها إلى معرفة هي: هاء الضمير) ومجيء الحال معرفةً، قليل في كلامهم.
· رجع (عودَه على بدئه): الحال هنا معرفة أيضاً، والشأن فيها كالشأن في [جاء وحدَه]، فلا نعيد.
· اُدخلُوا (واحداً واحداً): و[اثنين اثنين، وثلاثةً ثلاثةً…] و[تمر السنون شهراً شهراً، وتنقضي الشهور أسبوعاً أسبوعاً، وتنصرم الأسابيع يوماً يوماً…]، ومنه: [قرأت الكتاب باباً باباً] إلخ… والحال في كل ذلك نكرة – على المنهاج – ولكنها قد تكون معرفة، كقولهم: [اُدخلوا الأولَ فالأول]. وهاهنا مسألتان: الأولى: مايلاحظ من الترتيب في كل ذلك. والثانية أنّ العطف [بالفاء وثمّ] واردٌ في كلّ ذلك، أي: واحداً فواحداً، أو واحداً ثمّ واحداً.
· أمّا (عِلْماً) فعالِمٌ: ومثله: أمّا شجاعةً فشجاعٌ… وذلك في وصفك مَن تعلم فيه ذلك.
· تفرّقوا (شذَرَ مذَرَ): أي: مشتَّتين. والكلمتان مركّبتان تركيباً مزجياً.
· زهيرٌ جاري (بيتَ بيتَ): أي: ملاصقاً. والكلمتان مركّبتان تركيباً مزجياً.
· ذهبوا (أياديَ سَبَأ): أي: مشتَّتين.
· حاوِل النجاح (جهْدَك): أي: جاهداً.
· اُدرس (طاقتَك): أي: مطيقاً، يعني: باذلاً طاقتك.
· لقيته (وجهاً لوجه): أي: متقابلَين.
· كلّمته (فاهُ إلى فيّ): أي: فمه إلى فمي، مشافهةً، وفيه معنى الاشتراك.
· بعنا الزيت (رطلاً بدينار): يكثر استعمال هذه الصيغة في البيع والشراء، لما فيها من الدلالة على سعر.
· كافّةً، وقاطبةً، وطُرّاً: كلمات ثلاث، لا تكاد تُستعمل إلاّ [حالاً].
وظائف الحال المعنوية:
للحال وظائف معنوية نوردها فيما يلي:
آ- قد تأتي للتبيين، وهي التي لا يُستفاد معناها إلاّ بذكرها نحو: [جاء زهيرٌ ماشياً]. ويسمّونها: [الحال المؤسسة].
ب- أو تأتي لتوكيد عاملها، نحو: ]فتبسّم ضاحكاً[. أو توكيد مضمون الجملة قبلها نحو: [هو الحقّ واضحاً]. ويسمّونها: [المؤكدة].

(4/3)


ج- وقد تأتي توطئةً لصفةٍ بعدها نحو: ]إنّا أنزلناه قرآناً عربياً[. ويسمّونها [الموطّئة].
د- وقد تأتي لتبيين هيئةِ ما يتعلّق بصاحبها، نحو: [جاء سعيدٌ ممزّقاً قميصه]. ويسمّونها [السببية].
ملاحظة: في كتب الصناعة أنّ الحال تكون شبه جملة. ولم نعرض لهذا هنا، إذ عالجنا مسألة التعليق بالمحذوف، في بحث [التعليق = الربط]. وقد يكون مفيداً الاطّلاعُ على ذلك في موضعه.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الحال
· [صلّى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم قاعداً، وصلّى وراءه رجالٌ قياماً]. (حديث شريف)
[قياماً]: حال، صاحبها: [رجالٌ]، وهو نكرة. وهذا شاهدٌ لا يُدحَض، على أنّ ذلك في العربية أصلٌ صحيح. ولقد وقف سيبويه عند هذه المسألة، فأجازها جوازاً مطلقاً بغير قيد.
· ومن مجيء صاحب الحال نكرة، قولُ قطريّ ابن الفجاءة:
لا يَركَنَنْ أحَدٌ إلى الإحجامِ يومَ الوغى متخوِّفاً لِحِمامِ
[متخوِّفاً]: حال، صاحبها: [أحَدٌ]، وهو نكرة.
· ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ]وما أهلكنا من قريةٍ إلاّ ولها كتابٌ معلوم[ (الحجر 15/4)
جملة: [ولها كتاب] حالية، صاحبها نكرة، وهو: [قرية]. وفي الآية مسألة أخرى هي أنّ [لها كتابٌ معلوم] جملة اسمية، سبقتها [إلاّ]. ومتى سُبِقَت الاسمية بـ [إلاّ] جاز بعدها مجيء واو الحال – كما في الآية – وجاز عدم مجيئها، نحو: ]وما أهلكنا من قرية إلاّ لها منذرون[ (الشعراء 26/208) فجملة: [لها منذرون] حالية، لم تسبقها واو الحال بعد [إلاّ]، وذلك جائز على المنهاج.
· قال طرفة بن العبد (الديوان /88):
فسقى ديارك غيرَ مفسِدِها صوبُ الغمامِ وديمةٌ تَهْمِي
[غيرَ]: حال تقدَّمت على صاحبها وهو [صوبُ]. وتقدُّمُها هذا، على المنهاج، إذ الحال تتقدّم على صاحبها وتتأخّر عنه.
· قال كثيّر عزة (الديوان /522):
لئن كان برْدُ الماء هيمانَ صادياً إليَّ حبيباً، إنها لَحبيبُ

(4/4)


[هيمانَ صادياً] حالان، تقدَّمتا على صاحبهما وهو الياء [الضمير المجرور بـ (إلى)]. إذ الأصل قبل التقديم: [لئن كان بردُ الماء حبيباً إليَّ – هيمانَ صادياً – إنها لحبيب]. وفي البيت مسألتان: الأولى تعدُّدُ الحال وصاحبها واحد، والثانية تقدّمُها عليه. وذلك جائز بغير قيد.
· قال كثيّر عزة (الديوان /506):
لِميّةَ موحشاً طلَلُ يلوح كأنه خِلَل
(شبّه آثار منْزلها، بخِلَل السيوف، أي: وشْي أغمادها).
كان الأصل أن يقول: [لِمَيّةَ طللٌ موحشٌ]، فتكون كلمة [موحشٌ] صفةً لـ [طلَلٌ]. ولكنه عكس الترتيب فقدّمَ الصفة على الموصوف. والقاعدة: أنّ الصفة النكرة، إذا قُدِّمت على موصوفها نُصِبت على الحال، وهو ما قاله الشاعر.
· ومثله في تقديم الصفة النكرة على موصوفها، ونصبها على الحال، قولُ عمرو ابن أسد الفقعسيّ (الخزانة 3/30):
فهلاّ أَعَدُّوني لمثليْ – تفاقَدوا – وفي الأرض مبثوثاً شجاعٌ وعقربُ
(الشجاع: الخبيث من الحيّات. دعا عليهم بأن يفقد بعضُهم بعضاً، إذ لم يجعلوه عُدَّةً لقتالِ مَن كان مثلَه من أبطال أعدائهم).
كان الأصل أن يصف الشاعر الحيّات بأنها مبثوثة، ولكنه قدَّمَ الصفة النكرة: [مبثوث]، على الموصوف: [شجاع]، فنُصِبَت على الحال، فقال: [وفي الأرض مبثوثاً شجاعٌ].
· قال الشاعر (أوضح المسالك 2/89):
تسلّيتُ طُرّاً عنكمُ بعدَ بينِكُمْ بذكراكمُ حتى كأنكمُ عندي
[طُرّاً]: كلمة لا تكاد تستعمل في اللغة إلاّ [حالاً]. وقد تقدّمتْ في البيت على صاحبها، وهو الضمير [كم] المجرور بـ [عن]، وكان الكلام قبل هذا التقديم: [تسلّيت عنكم طُرّاً]. والحال تتقدّم على صاحبها بغير قيد.
· قال امرؤ القيس (الديوان /14):
خرجتُ بها أمشي تجُرُّ وراءنا على أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ
(المِرط: كساء من خزّ أو صوف. والمرحّل: المخطّط).

(4/5)


قد تتعدّد الحال ويتعدّد صاحبها. وقد تحقق ذلك في البيت. وبيان ذلك أن جملة [أمشي] حال من ضميرالفاعل، وهو التاء مِنْ [خرجتُ]. وجملة [تجرّ] حال من الضمير [ها] المجرور بالباء. وهكذا تعدّدت هي وتعدّد صاحبها. والقاعدة في هذا أن تكون الحال الأولى للاسم الثاني، والحال الثانية للاسم الأول (الحال القريبة للقريب والبعيدة للبعيد). ولكنّ الشاعر لم يجرِ على هذا، بل أتى بالحالين على ترتيب صاحبيهما، لقيام قرينة تمنع اللبس، وهي التذكير في الأول، والتأنيث في الثاني.
· ]لِمَ تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم[ (الصفّ 61/5)
[وقد تعلمون]: الجملة مضارعية، والمضارعية إذا اقترنت بـ [قد] وجبت الواو قبلها. وقد تحقق ذلك في الآية.
· قال الشاعر:
إنّ الكريم لَيُخْفي عنك عُسرَتَهُ حتى تراهُ غنيّاً، وهو مجهودُ
لا بدّ لكل جملة حالية، من رابط يربطها بصاحب الحال، وإلاّ انقطعت الصلة بينهما. وقد يكون الرابط ضميراً، أويكون واو الحال. وقد يجتمع الرابطان معاً. وهو ما تراه متحققاً في بيت الشاعر حيث يقول: [وهو مجهود]. فقد اجتمع هاهنا الرابطان معاً: الواو الحالية والضمير [هو].
· ]لا تقربوا الصلاةَ وأنتم سُكارى[ (النساء 4/43)
في الآية مسألتان، الأولى: أنّ كتب الصناعة حين تعرّف الحال، تصفها بأنها [فضلة]. ونحبّ أنْ ننوّه هنا بأنْ ليس معنى قولهم [فضلة] أنّ المعنى لا يفتقر إليها، ومن ثمّ يصحّ إسقاطها والاستغناء عنها. وإنما معناه أنها ليست عُمدَةً كالفعل والفاعل، والمبتدأ والخبر. يدلّك على ذلك أنّك لو أسقطتها لفسد المعنى أحياناً. واعتَبِر بالآية التي نحن بصددها، فإنّك لو حذفت الحال: [وأنتم سكارى] لفسد المعنى. ومثل ذلك قوله تعالى: ]وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين[ (الأنبياء 21/16) فإنك لو حذفت الحال: [لاعبين] لفسد المعنى.

(4/6)


والمسألة الثانية: أنّ الواو واجبة هنا قبل الجملة الاسمية. وذلك لوقوع الضمير المنفصل صدراً لها: [وأنتم سكارى].
· ]إليه مرجعُكمْ جميعاً[ (يونس 10/4)
[جميعاً] حال من الضمير في [مرجعكم]، وهو مضاف إليه. وصاحب الحال يكون مضافاً إليه مطلقاً، بغير قيد. ومنه قولُ مالك بن الريب (شرح ابن عقيل 1/664):
تقول ابنتي إنّ انطلاقك واحداً إلى الرَّوع يوماً تارِكِيْ لا أبا ليا
فإنّ كلمة [واحداً]: حال من المضاف إليه، وهو الضمير في [انطلاقك]. وهذا كثير كثير في كلامهم، ولو عمَدتَ إلى الإحصاء لأعجزك ذلك. ومنه الآية: ]أيحبُّ أحدُكم أن يأكل لحم أخيه ميْتاً[ (الحجرات 49/12) فإنّ كلمة: [ميتاً] حال من المضاف إليه [أخ]…. ودونك منه شاهداً أخيراً، هو قوله تعالى: ]ونزعنا ما في صدورهمْ من غلٍّ إخواناً[ (الحِجْر 15/47)، فكلمة: [إخوانا] حال من الضمير في [صدورهم] وهو مضاف إليه.
· ]لئن أكله الذئب ونحن عصبةٌ إنّا إذاً لخاسرون[ (يوسف 12/14)
[نحن عصبة]: جملة حالية، والواو قبلها واجبة، لخلوّ الجملة من ضمير رابط.
· قال الشاعر (شرح ابن عقيل 1/323):
فجاءتْ به سَبْطَ العظام كأنما عمامتُه بين الرجال لواءُ
(يصف ابنَه بطول القامة).
وقد أتى بكلمة [سَبْطَ] حالاً من الضمير المجرور بالباء، وهو: الهاء مِن [به].
· ]يا حسرةً على العباد ما يأتيهم مِن رسولٍ إلاّ كانوا به يستهزئون[ (يس 36/30)
[إلاّ كانوا]: يجوز قبل الجملة الماضوية المسبوقة بـ [إلاّ] وجهان: مجيء الواو وعدمها. والآية – كما ترى – مما لا واوَ معه بعد [إلاّ]، وجملة [كانوا…] ماضوية.
ومثل ذلك قوله تعالى ]لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها[ (الكهف 18/49) فجملة: [أحصاها] ماضوية مسبوقة بـ [إلاّ]، وليس بعد [إلاّ] واو.
· قال عليّ كرّم الله وجهه، لكُمَيل بن زياد النخعي:

(4/7)


[ما مِن أحدٍ أَوْدعَ قلباً سروراً إلاّ وخلق الله له من ذلك السرور لُطفاً]. وفي قوله: [إلاّ وخلق…] جملةٌ ماضوية سبقتها [إلاّ] والواو. وذلك جائز، إذ القاعدة أن الواو يجوز مجيئها وعدمه إذا كانت الجملة ماضوية مسبوقة بـ [إلاّ].
· وقال زهير بن أبي سلمى:
نِعْمَ امرأً هرِمٌ، لم تَعْرُ نائبةٌ إلاّ وكان لِمُرتاعٍ بها وَزَرَا
[إلاّ وكان…] هاهنا جملة ماضوية، سبقتها [إلاّ] والواو. وذلك جائز على المنهاج.
تنبيه: ما قلناه عن جواز مجيء الواو وعدم مجيئها قبل الجملة الماضوية المسبوقة بـ [إلاّ]، ينطبق أيضاً على الجملة الاسمية. ولقد أوردنا آنفاً شاهداً على عدم مجيئها، وهو قوله تعالى: ]وما أهلكنا من قرية إلاّ لها منذرون[ (الشعراء 26/208) وقلنا هناك: متى سُبِقَت الاسمية بـ [إلاّ] جاز بعدها مجيء واو الحال، وجاز عدم مجيئها، فالجملة الاسمية: [لها منذرون] حالية، لم تسبقها واو الحال بعد [إلاّ]، وذلك جائز على المنهاج.
ودونك من هذا نماذج:
· روى الجاحظ قال: [ما قِلْتُ (من القيلولة) ولا بِتُّ ولا اتّكأتُ إلاّ والكتاب موضوعٌ على صدري]. (الحيوان 1/53)
قال: [إلاّ والكتابُ…]، فأتى قبل الجملة الاسمية بـ [إلاّ] والواو.
· وقال: [والعصافير لا تقيم في دار إلاّ وهي مسكونة]. (الحيوان 2/262)
قال: [إلاّ وهي…] فأتى كذلك قبل الجملة الاسمية بـ [إلاّ] والواو.
· قال أبو عمرو بن العلاء لعيسى بن عمر (مجالس العلماء /1): [نمتَ… وأدلج الناس، ليس في الأرض حجازيٌّ إلاّ وهو ينصب].
قال: [إلاّ وهو…] فأتى قبل الجملة الاسمية بـ [إلاّ] والواو.
· ]قلنا اهبطوا بعضُكمْ لبعضٍ عدوٌّ[ (البقرة 2/36)
[بعضكم لبعض عدوّ]: جملة اسمية حالية، والذي ربطها بصاحب الحال هو الضمير [كُم]، وأما صاحب الحال فهو الضمير (الواو من اهبطوا). ومعلوم أنّ الرابط قد يكون الضمير وحده، وقد يكون الواو وحدها، وقد يجتمع الرابطان.

(4/8)


· ]والله يَحكُم لا مُعقِّبَ لحكمه[ (الرعد 13/41)
[لا معقب لحكمه]: جملة حالية اسمية، والرابط هاهنا هو الضمير وحده. أي: الهاء من [لحكمه]، وذلك على المنهاج.
· قال الشاعر:
عهدتك ما تصبو وفيك شبيبةٌ فما لكَ بعدَ الشيب صبّاً متيَّما
[ما تصبو]: جملة حالية مضارعية، منفيّة بـ [ما]. ومتى كانت المضارعية منفيّة بـ [ما] أو [لا] امتنع مجيء الواو قبلها.
· قال تعالى ]وتفقّد الطيرَ فقال ماليَ لا أرى الهدهد[ (النمل 27/20)
[لا أرى]: جملة حالية مضارعية، منفيّة بـ [لا]. وهي شاهد على امتناع مجيء الواو قبلها.
· قال أبو عبيدة بن الجراح وهو يوصي قبل موته:
[أَقْرِئوا أمير المؤمنين السلام، وأعلموه أنّه لم يبقَ مِن أمانتي شيءٌ إلاّ وقد قمتُ به].
[إلاّ وقد قمت به]: جملة ماضوية مسبوقة بـ [إلاّ] و[قد]. ويكثر هذا في كلامهم كثرة بالغة. فرأينا الإشارة إليه، وإيرادَ الشواهد عليه.
· فمنه قول عليّ كرّم الله وجهه، في وصفه الطاووس: [وقلّ صِبغٌ إلاّ وقد أخذ منه بقسط]. (نهج البلاغة – د. الصالح /238)
· وقولُه: [ما قال الناسُ لشيءٍ (طُوبَى له) إلاّ وقد خَبَأَ له الدهرُ يومَ سَوْء]. (نهج البلاغة – د. الصالح /526)
· وقولُ هشام بن محمد الكلبي (ديوان حاتم الطائي /140): [فلما كان في بعض الليل لم تشعر به إلاّ وقد أخذ…].
· وقول الخليفة المنصور: [ما أرى صاحبَكم إلاّ وقد غبن صاحبنا]. (مجالس ثعلب /17)
* * *
1- كلمة [الحال] تُذَكَّر وتؤنث، فيقال: هذا الحال وهذه الحال.
2- كلمةُ [فضلة] هنا، لا تعني صحّةَ الاستغناء عن الحال، بل تعني أنّ الحال ليست عُمدة في الجملة كالمبتدأ والخبر، أو الفعل والفاعل.
3- [حزيناً]: حال مشتقّة، و[ثعلباً] حال جامدة تؤوّل بمشتقّ، أي: مراوغاً.
4- شبه الفعل: المصدر والمشتقّات.

(4/9)


5- يقتضي المنهج العلمي أن يكون البحث في الجملة الحالية، في موضعه من بحث الجُمل (44). لكن الترابط والتداخل بينها وبين صاحب الحال والضمير العائد إليه والواو الحالية واجتماعهما أحياناً وانفراد كل منهما أحياناً… كل ذلك أَرانا أنّ الأقوم جمعهما في موضع واحد.
6- يسمون هذه الواو: واو الحال.
7- لا فرق في هذا بين جملةٍ منفيةٍ نحو: [سافر زهيرٌ وما طلعت الشمس]، وجملةٍ مثبتةٍ نحو: [سافر وقد طلعت الشمس]. فالواو واجبة في الحالين.
8- يسهّل عليك استظهارَ هذه المواضع، أنْ تجمعها متتابعة، فتقول: [جاء زهيرٌ يسعى] فقلتُ: [عرفتك ما تحبّ التهاون] فـ [مالك لا تجدّ]؟
9- انظر جامع الدروس 3/103

(4/10)


عمل المصدر
يعمل المصدر عَمَلَ فِعله، فينصب مفعولاً به، ويتعلق به شبه الجملة… نحو: [ساءني ضربُكَ الطفلَ]: فالضرب مصدر، والطفلَ مفعول به. و[أعجبتني كتابتك على السبورة]: فالكتابة مصدر، وشبه الجملة (الجار والمجرور) متعلق بهذا المصدر.
تنبيه: يجوز أن يتقدم على المصدر شبهُ الجملة دون غيره، نحو: [أُحبّ معه السفر]، و [لا تأخذْك بالخائن رأفة].
* * *
نماذج فصيحة من عمل المصدر
· قال الشاعر (كتاب سيبويه – هارون 1/189):
فلولا رجاء النصر منك ورهبةٌ عقابَك قد صاروا لنا كالموارِدِ
(يقول: لولا رجاء أن تنصرنا عليهم، ورهبتنا لعقابك إن نحن انتقمنا منهم بأيدينا، لوطئناهم كما توطأ الطرق المؤدية إلى الموارد، فإنها أكثر الطرق استعمالاً ووطئاً).
وقد نصب [عقابَ] على أنه مفعول به للمصدر: [رهبةٌ].
· ]فلما بلغَ معه السّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أَرَى في المنامِ أنِّي أَذبحكَ[
(الصافات 37/102)
[مع]: شبه جملة (ظرف)، متعلق بالمصدر: [السعي]. والآية شاهد على تقدُّم شبه الجملة على المصدر.
ومنه قول الفِند الزِّمّانيّ (الخزانة 3/432):
وبعضُ الحِلم عند الجهل للذلّةِ إذْعانُ
فقد تقدّم شبهُ الجملة: [للذلّة] في البيت، على المصدر [إذعان].
وقوله تعالى: ]لا يَبْغُونَ عنها حِوَلاً[ (الكهف 18/108)
فقد تقدّم شبهُ الجملة (الجار والمجرور) وهو: [عنها] على المصدر: [حِوَلا].
· قال المرّار بن منقذ (شرح ابن عقيل 2/94):
بضربٍ بالسيوف رؤوسَ قومٍ أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المَقيلِ
(أراد بالمقيل: الأعناق). [ضربٍ] في البيت مصدر، وقد عمِل عَمَل فِعله فنصب كلمة [رؤوس] على أنها مفعول به.
· وقال الشاعر (كتاب سيبويه – هارون 1/116):
على حين أَلْهَى الناسَ جُلُّ أُمورهمْ فنَدْلاً زُرَيْقُ المالَ نَدْلَ الثَّعالِبِ
(زريق: اسم قبيلة، منادى، وقوله: ندلاً ندل الثعالب، أراد به: اختلسوا اختلاس الثعالب).

(5/1)


[ندلاً]: مصدر، عمِل عَمَل فعله [اُندل] فنصب كلمة [المال] على أنها مفعول به.
· وقال تعالى: ]ولولا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ[ (البقرة 2/251)
[الناسَ] مفعول به، وناصبُه المصدر [دفْع].
· وقال الشاعر (شرح ابن عقيل 2/95):
ضعيفُ النِّكايةِ أعداءَهُ يَخال الفرارَ يُراخِي الأَجَلْ
وفيه أنّ [أعداءَه] مفعول به للمصدر [النكاية].
* * *

(5/2)


أسماء الأصوات
أسماء الأصوات: كلمات مبنيّة، خاطب بها العربُ الحيوانَ وصغار الأطفال. مثل: [حاي] لزجر الإبل، و[نَخْ نخ] لإناختها، و[بسّ] لتسكينها عند حلبها، و[عَدَسْ] لزجر البغل، و[هَجْ] لزجر الكلب، و[كِخ] لزجر الطفل(1).
أو قلّدوا بها أصوات الحيوان والأشياء؛ فقد حاكَوا صوت وقع الحجر مثلاً، فقالوا: [طَق]، وصوت الضرب، فقالوا: [طاق]…
تنبيه:
يقف النحاة حين يبحثون في أسماء الأصوات، عند مسألة الاشتقاق منها، فيذكرون أن العرب اشتقت من ذلك مصادر وأفعالاً… وأنهم قالوا: عَيَّط الصبيانُ، وطقطقوا بالحجارة، وجَهْجَهَ القومُ بالسَّبُع…
وقد اطّرحنا ذلك ولم نعرض له بالبحث، إذ كانت علاقته باللغة لا ببحوث القواعد. وإن منهجية البحث لتوجب التفريق بينهما، وقد أخذنا بما توجبه هذه المنهجية.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال أسماء الأصوات
· قال القلاخ (شرح المفصل 4/85):
مُعاوِدٌ للجوعِ والإمْلاقِ يَغضَبُ إن قال الغرابُ: [غاقِ]
[غاقِ]: حكاية صوت الغراب.
· وقال بيهس الجرمي:
ألا ليت شعري هل أقولنْ لبغلتي [عَدَسْ] بعد ما طال السِّفارُ وكَلَّتِ
[عدسْ]: اسم صوت لزجر البغال.
· وقال الراجز (الخزانة 6/48):
إذا حملتُ بِزّتي على عَدَسْ على التي بينَ الحمارِ والفَرَسْ
فما أبالي مَنْ غَزا ومَنْ جَلَسْ
يلاحَظ أن الراجز سمّى البغلة باسم الصوت الذي تُزجر به، والمعنى: إذا حملتُ بزتي على البغلة التي يقال في زجرها [عدس]…
* * *
1- ما يزال الكثير من أسماء الأصوات التي جاءتنا عن العرب مستعملاً في عصرنا، ففي الخطاب يقال اليوم: [كخ-نخ-بسّ-حاي-حاء]، وفي زجر الكلب يقال: [هشت=هج]. ويقلبون القاف همزة فيقولون في تقليد صوت وقع الحجر: [طَأْ]، وفي تقليد صوت الضرب: [طاءْ]، وقد يجمعون بينهما فيقولون: [طاءْ وطِيءْ].

(6/1)


أسماء الإشارة
أسماء الإشارة هي:
[ذا] (للمفرد المذكر) [ذِي – تِي – ذِه – تِه] (للمفرد المؤنث)
[ذانِ – ذَيْنِ] (للمثنى المذكر) [تانِ – تَيْنِ] (للمثنى المؤنث)
[أولاء] (لجمع العاقل وغير العاقل، مذكراً ومؤنثاً)
[هُنا – ثَمَّ] (1) ( للإشارة إلى المكان)
ملاحظات ثلاث:
1- كثيراً ما يسبق أسماءَ الإشارة حرفُ التنبيه [ها]، فيقال: [هذا – هذه – هؤلاء…]
2- قد يُفصَل بين [ها] التنبيهية واسم الإشارة، بضمير المشار إليه، فيقال مثلاً: [ها أنا ذا] و[ها أنتم أولاء]…
3- قد تلحق اللامُ بعضَ أسماء الإشارة للدلالة على البُعد، والكافُ للدلالة على الخطاب(2).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال أسماء الإشارة
· قال المتنبي (الديوان 3/316):
ذِي المَعالي فلْيَعْلُوَنْ مَنْ تعالى هكذا، هكذا وإلاّ فلا، لا
(أراد: أن المعالي والمكارم هي هذه الأعمال التي نهض لها سيف الدولة حين علم بمحاصرة الروم لقلعة “الحَدَث”. فمَنْ رام العلوّ فلينهض لمثل ما نهض له سيف الدولة، وإلاّ فليَدَعِ التعالي).
[ذي]: اسم إشارة للمفرد المؤنث(3).
· ]فذانِكَ برهانان من ربّك[ (القصص 28/32)
[ذانك]: ذان، اسم إشارة للمثنى المذكر، والكاف للخطاب.
· وقال خُفاف ابن ندبة (الخزانة 5/439):
فقلتُ له والرمحُ يأطِر مَتْنَهُ تَأَمَّلْ خُفافاً إنني أنا ذلِكا
[ذلكا]: ذا، اسم إشارة للمفرد المذكر، واللام للبعد، والكاف للخطاب، والألف للإطلاق.
· وقال الفرزدق (الديوان 1/418):
أولئك آبائي فجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ إذا جَمعتْنا يا جريرُ المجَامِعُ
[أولئك]: أولاء: اسم إشارة، وهو هنا للعقلاء: [آبائي]، والكاف للخطاب.
· وقال جرير (المقتضب 1/185):
ذُمَّ المنازلَ بَعدَ منْزلةِ اللِّوى والعَيْشَ بَعْدَ أولئك الأيَّامِ
(يتأسف على أيام مضت له بـ “اللّوى” لا تعدلها في حُسنها الأيام، ومنْزلٍ لا تعدِلُه في طِيبه المنازل).

(7/1)


[أولئك]: أولاء: اسم إشارة، وهو هنا لغير العقلاء: [الأيام]، والكاف للخطاب.
· ]ها أنتم أُولاءِ تُحبّونهم[ (آل عمران 3/119)
[ها]: التنبيهية، و[أولاء]: اسم إشارة، وهو هنا لجمع العقلاء، وقد فُصِل بين [ها] التنبيهية واسم الإشارة بضمير المشار إليه: [أنتم].
· ]إنّا هاهنا قاعدون[ (المائدة 5/24)
[هاهنا]: ها: التنبيهية، و[هنا]: اسم إشارة للمكان.
· ]وأزلفنا ثَمّ الآخَرِين[ (الشعراء 26/64)
(أزلفنا: قرّبنا)، [ثَمَّ]: اسم إشارة للمكان…
* * *
1- قد يلحق [ثَمَّ] التاءُ المربوطةُ، فيقال: [ثَمَّةَ]. انظر [ثمّ (127)] في قسم الأدوات.
2- إذا قيل: [ذلك] مثلاً، فإن [ذا] اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف للخطاب.
3- جمعُ ما لا يعقل يجوز أن يعامل معاملة المفرد المؤنث أو الجمع، نحو: أنهار جارية وجاريات، وجبال شاهقة وشاهقات… ومن ذلك قول المتنبي هنا: [ذي المعالي]، فالأنهار والجبال والمعالي جموع لغير العاقل، وقد عوملت معاملة المفرد المؤنث، فأشير إليها بـ (هذه) و(هذي).

(7/2)


الأسماء الخمسة
في العربية خمس كلمات، اصطلح النحاة على تسميتها بـ [الأسماء الخمسة]. تُرفَع بالواو وتُنصب بالألف وتُجَرّ بالياء. شريطة أن تُضاف إلى غير ياء المتكلم(1). وهي: [أبٌ – أخٌ – حمٌ – فو – ذو]. نحو: [جاء أخوك – رأيتُ أخاك – سلّمتُ على أخيك]، فقس على هذا.
* * *
1- إذا قُطِعت هذه الكلمات الخمس عن الإضافة، أو أُضيفت إلى غير ياء المتكلم، أُعرِبت – كسائر الأسماء – بالضمة والفتحة والكسرة. على أنّ من العرب مَن يُلزِمها الألف دوماً، كأنها اسمٌ مقصور فيقول مثلاً: [جاء أباك – رأيتُ أباك – سلّمتُ على أباك].

(8/1)


أسماء الزمان والمكان(1)
يُشتقّ اسم الزمان للدلالة على زمان الحدث، نحو: [اقترب مَذهَبُ القطار]، أي زمان ذهابه. ويُشتقّ اسم المكان للدلالة على مكان الحدث، نحو: [مَدخل المحطة واسع]، أي: مكان دخولها واسع.
صوغهما:
1- من الثلاثي:
تصاغ أسماء الزمان والمكان من الفعل الثلاثي، على وزن [مَفْعِل]، إذا كان مضارعه مكسور العين صحيحَ الآخر، نحو: [يجلِس – مجلِس، يغرِس – مغرِس، يرجِع – مرجِع]. وعلى [مَفْعَل](2) فيما عدا ذلك، نحو: [مَذْهَب – مَدْخَل – مَرْمَى – مَلْهَى…](3).
هذا، وقد أدخلَت العرب تاء التأنيث على اسم المكان، فقالت: [مَزرَعة -مَقبَرة – مَزلَّة – مَدبغَة…] لمكان: الزرع والقبر والزلل والدبغ…
2- من غير الثلاثي:
يصاغان من غير الثلاثي على وزن المضارع، مع إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وفتح ما قبل الآخر، وذلك نحو:
[يُدحرِج – مُدحرَج، يُسا فر – مُسافَر، يَستخرج – مستخرَج…]
3- من الأسماء:
يصاغ اسم المكان من الأسماء، على وزن [مَفْعَلة]، بفتح العين، للدلالة على المكان الذي يكثر فيه الشيء. نحو: [مَأْسَدة – مَسْبَعة – مَذْأَبة – مَرْمَلة – مَحْجَرة – مَقْطَنة – مَعْنَبة – مَبْطَخة…] للمكان الذي تكثر فيه الأُسود – السباع – الذئاب – الرمل – الحجر – القطن – العنب – البِطيخ…
* * *
نماذج من استعمال أسماء الزمان والمكان
1- من الثلاثي:
· مَجْلِس العلماء معمورٌ بالفوائد: (أي مكان جلوسهم معمور بها).
[مَجْلِس] اسم مكان وزنه [مَفْعِل] بكسر العين، لأن مضارعه [يَجْلِس] مكسورُها، وهو صحيح الآخر.
· وقد اختاروا يوم الغد مَجْلِساً لهم: (أي اختاروا يوم الغد زمانَ جلوسٍ لهم).

(9/1)


[مَجْلِس] – في هذا المثال – هو اسم زمان، وتلاحظ أنْ لا فرق بينه وبين اسم المكان المذكور قبله. فكلاهما [مَجْلِس]، وإنما يفرق بينهما سياقُ الكلام. وكذلك الشأن في الأمثلة الآتية كلِّها، فاسم الزمان واسم المكان، لفظُهما واحد، والذي يفرق بينهما هو السياق.
· هذه التربة مَغْرِس الشجرة: (أي مكان غرسها).
[مَغْرِس] اسم مكان، وزنه [مَفْعِل] بكسر العين، لأن مضارعَه [يغرِس] مكسورُها، وهو صحيح الآخر.
· وشهركانون الأول مَغْرِسها: (أي زمان غرسها).
[مَغْرِس] اسم زمان، وحكمُه حكمُ اسم المكان في المثال الذي قبله…
2- من غير الثلاثي:
· هذا مُنْفَتَح باب المدرسة: (أي هذا مكان انفتاحه).
[مُنْفَتَح] اسم مكان، مصوغ على وزن مضارعِه [يَنْفَتِح] مع إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وفتح ما قبل آخره.
· والساعة السابعة مُنْفَتَحُه: (أي الساعة السابعة زمان انفتاحه).
[مُنْفَتَح] اسم زمان، وحكمُه حكمُ اسم المكان في المثال الذي قبله…
· الملعبُ مُدحرَج الكرة، لا الطريقُ: (أي الملعب مكان دحرجتها).
[مُدحرَج] اسم مكان، مصوغ على وزن مضارعِه [يُدَحْرِج] مع إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وفتح ما قبل آخره.
· والصباح مُدَحْرَجُها: (أي الصباح زمان دحرجتها).
[مُدَحْرَج] اسم زمان، حكمُه حكمُ اسم المكان في المثال الذي قبله…
· هنا مُسافَر زينب: (أي هنا مكان سفرها).
[مُسافَر] اسم مكان، مصوغ على وزن مضارعِه [تُسافِر] مع إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وفتح ما قبل آخره.
· وقد دنا مُسافَرها: (أي دنا زمان سفرها).
[مُسافَر] اسم زمان، حكمه حكم اسم المكان في المثال الذي قبله…
3- من الأسماء:
· سهول الجزيرة مَقْمَحَة: (أي سهولُها يكثر فيها القمح).
[مَقْمَحَة] اسم مكان، وزنه [مَفْعَلَة] بفتح العين؛ مصوغ من الاسم، وهو [القمح]، للدلالة على المكان الذي يكثر فيه.
* * *

(9/2)


1- تَجمَع كتبُ الصناعة الاسمين في بحث واحد، لِتَطابُق اشتقاقهما وأحكامهما، وإنما يُعرف أن المقصود هذا أو ذاك، من سياق الكلام.
2- القياس [مَفْعَل]، ولكن شذت كلمات جاءت بالكسر، كالمغرِب والمشرِق والمسجِد والمنبِت…
3- إذا كان الفعل الماضي معتلّ الأول، نحو: [وعد- ورد- وصل…] جاز فتحُ العين: [مَفْعَل]، وجاز كسرها: [مَفْعِل]، فيقال: [مَوْعَد ومَوْعِد – مَوْرَد ومَوْرِد – مَوْصَل ومَوْصِل…].

(9/3)


عطف البيان
ليس في الكلام [عطف بيان]، وما تُطلِق عليه كتب الصناعة اصطلاحاً [عطف بيان] إنما هو عند التحقيق، بدل كلّ من كلّ.
فسيبويه أهمل البحث فيه، وكذلك فَعَلَ كثير من الأئمة الرؤوس !! فصفحة [عطف البيان] إذاً مطويَّة، وياليتها من قبلُ لم تُنشَر(1).
* * *
1- ليس وارداً عَرض وتحليل نماذج وأمثلة لمسألة لا حقيقة لها. وأما نماذج بدل الكلّ من الكلّ فتراها في موضعها من بحث البدل (29).

(10/1)


العطف بالحرف(1)
هو أن يتوسّط بين المعطوف عليه والمعطوف، حرفٌ من حروف العطف، فيتبع الثاني الأولَ رفعاً ونصباً وجرّاً وجزماً. نحو: [مررت بخالدٍ وزهيرٍ]. وحروف العطف تسعة هي: (الواو) و(الفاء) و(ثمّ) و(حتى) و(أَمْ) و(أو) و(بل) و(لكنْ) و(لا).
الأحكام:
¨ يُعطَف الاسم على الاسم، والضمير على الضمير، أو أحدُهما على الآخر، بغير شروط، ودونك النماذج:
[سافر سعيدٌ وخالدٌ] : عَطْفُ اسمٍ على اسم.
[أنا وأنت طالبان] : عَطْفُ ضميرٍ على ضمير.
[أكرمتُ عليّاً وإيّاكَ] : عَطْفُ ضميرٍ على اسم.
[ما زرتُ إلاّ إيّاكَ وزهيراً] : عَطْفُ اسم على ضمير. (في محلّ نصب)
[ما مررتُ إلاّ بكَ وخالدٍ] : عَطْفُ اسم على ضمير. (في محلّ جرّ)
ملاحظة: في نحو قولك: [سافرتُ أنا وخالدٌ]، التاء فاعل. وأما الضمير [أنا] – وكتب الصناعة تستحسن ذكره هنا – فيُعرَب توكيداً للتاء.
¨ يُعطَف الفعل على الفعل إذا لم يختلف زمانُهما، نحو: [ذهبتم ورجعتم] أو [تذهبون وترجعون]. ويجوز عطف أحدهما على الآخر – وإن اختلفت صيغتاهما – إذا كان زمانهما واحداً. وذلك كنحو قولك لطلاّبك: [إذا كان يومُ العطلة، ذهبتم إلى الغوطة ماشين وترجعون راكبين = تذهبون ماشين وترجعون راكبين].
* * *
نماذج فصيحة من العطف بالحرف
· ]فاذهبْ أنت وربُّكَ فقاتلا[ (المائدة 5/24)
الواو: حرف عطف، و[ربُّك] معطوف على فاعل [اِذهبْ] وهو ضمير رفع مستتر. وعطف الظاهر على المضمر جائز في العربية. وأما الضمير البارز: [أنت] فإنه توكيد لضمير الرفع المستتر، الذي هو فاعلُ [اذهب]. وكتب الصناعة تستحسن هذا التوكيد.
· ومِن عطف الظاهر على المضمر أيضاً، قوله تعالى ]ما أشركنا ولا آباؤنا[ (الأنعام 6/148).
فـ [آباؤنا] اسم مرفوع، لأنه معطوف على [نا]، الضمير المتصل بـ [أشرك]. وهذا الضمير في محل رفع فاعل لـ [أشرك].
· ]وكفرٌ به والمسجدِ الحرام[ (البقرة 2/ 217)

(11/1)


[المسجدِ]: اسم مجرور، لأنه معطوف على الهاء (الضمير المجرور بالباء). ومثل ذلك الآية ]واتّقوا اللهَ الذي تساءلون به والأرحامِ[ (النساء 4/1)، بكسرالميم: [الأرحامِ]، وهي إحدى القراءات السبع، وفيها عطف [الأرحام] على الضمير المجرور بالباء.
هذا، على أنّ كتب الصناعة، تستحسن عند عطف الاسم على الضمير المجرور، أن يعاد حرف الجرّ. ومنه الآية ]فقلنا لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً[ (فصّلت 41/11)
· ]هذا يومُ الفصل جمعناكم والأوّلين[ (المرسلات 77/38)
[الأوّلين] اسم منصوب، لأنه معطوف على الضمير [كم] الذي هو في محل نصب، مفعول به للفعل [جَمَع].
· ]وإنْ تؤمنوا وتتّقوا يؤتِكم أجورَكم[ (محمد 47/36)
[تتقوا] فعل مضارع مجزوم لأنه معطوف على فعل الشرط المجزوم: [تؤمنوا]. والفعل يعطف على الفعل، إذا كان زمانهما واحداً،كما ترى في الآية، إذ الفعلان مضارعان.
هذا، على أنّ من الجائز عطف الفعل على الفعل-وإن اختلفت صيغتاهما-إذا كان زمانهما واحداً. ومنه قوله تعالى عن فرعون ]يَقْدُمُ قومَه يومَ القيامة فأوردهم النار[ (هود 11/98). ففي الآية عطْف الماضي [أوردهم] على المضارع [يقدم]، لمَّا كان زمانهما واحداً هو المستقبل في الآخرة.
* * *
1- يسميه النحاة أيضاً: [عطف النسق].

(11/2)


أوزان الأفعال وإيقاعها
(مجتمع) الأفعال في العربية، يتألف من أُسر، في كل أسرة منه ثلاثة أفراد، هي: الماضي والمضارع والأمر. وتمتاز كل أسرة من سائر الأسر الأخرى، بتنغيم وإيقاع، هما كالهويّة لها، فلا هما يفارقانها، ولا هي تفارقهما. ومتى سمعتَ تنغيم وإيقاع أحد أفراد الأسرة، فقد عرفت بالضرورة، تنغيم وإيقاع أخويه.
ونورد هذه الأسر – فيما يلي – أسرة أسرة، مصحوبةً بما يمثّل حركاتها وسكناتها، موقوفاً على آخرها بالسكون (1) – عملاً بما توجبه قواعد اللفظ في العربية. وذلك ما يفعله بعض التلاميذ، إذا أرادوا تقطيع بيت من الشعر. فالدائرة عندهم تمثّل الحرف الساكن، والخط المائل يمثّل الحرف المتحرك – مهما تكن حركته – كما ترى مثلاً، في الكلمتين الآتيتين والخطوطِ والدوائرِ التي تمثّلهما:
اِستغفرْ /5/5/5
ينطلقْ /5//5
فدونك ذلك(2):
أولاً – الثلاثي:
الوزن
فَعَلْ
يَفْعَلْ
اِفْعَلْ
الإيقاع
//5
/5/5
/5/5
مثال
مَنَع
يَمْنَع
اِمْنَع
وقس على هذا كل فعل ثلاثي نحو: فتح ونصر وجلس، وانتبه إلى أن حركة عين المضارع سماعية، تُعرَف بالرجوع إلى المعاجم، وأن حركة عين الأمر هي حركة عين المضارع نفسها. ويتبين لك ذلك من الأمثلة الثلاثة الآتية:
(يفتَح – اِفتَح، ينصُر – اُنصُر، يجلِس – اِجلِس).
ثانياً – غير الثلاثي:
1- الأسرة الأولى:
الوزن
أَفْعَلْ
يُفْعِلْ
أَفْعِلْ
الإيقاع
/5/5
/5/5
/5/5
مثال
أَطْعَم
يُطْعِم
أطْعِم
مثال
أَلْبَس
يُلْبِس
أَلْبِس
2- الأسرة الثانية:
الوزن
فَعَّلْ
يُفَعِّلْ
فَعِّلْ
الإيقاع
/5/5
/ /5/5
/5/5
مثال
عَظَّم
يُعَظِّم
عَظِّم
مثال
فَرَّح
يُفَرِّح
فَرِّح
3- الأسرة الثالثة:
الوزن
فاعَلْ
يُفاعِلْ
فاعِلْ
الإيقاع
/5/5
/ /5/5
/5/5
مثال
سامَح
يُسامِح
سامِح
مثال
قاتَل
يُقاتِل
قاتِل
4- الأسرة الرابعة:
الوزن
اِنْفَعَلْ
يَنْفَعِلْ
اِنْفَعِلْ
الإيقاع
/5/ /5
/5/ /5
/5//5
مثال
اِنْطَلَق
يَنطلِق
اِنطلق
مثال

(12/1)


اِجْتَمَع
يَجتمِع
اِجتمع
5- الأسرة الخامسة:
الوزن
تَفَعَّلْ
يَتَفَعَّلْ
تَفَعَّلْ
الإيقاع
//5/5
///5/5
//5/5
مثال
تَعَلَّم
يَتَعَلَّم
تَعَلَّم
مثال
تَحَدَّر
يَتَحَدَّر
تَحَدَّر
6- الأسرة السادسة:
الوزن
تَفَاْعَلْ
يَتَفَاْعَلْ
تَفَاْعَلْ
الإيقاع
//5/5
///5/5
//5/5
مثال
تَصالَح
يَتَصالَح
تَصالَح
مثال
تَسابَق
يَتَسابَق
تَسابَق
7- الأسرة السابعة:
الوزن
اِسْتَفْعَلْ
يَسْتَفْعِلْ
اِسْتَفْعِلْ
الإيقاع
/5/5/5
/5/5/5
/5/5/5
مثال
اِستغفَر
يَستغفِر
اِستغفِر
مثال
اِعشَوْشَب
يَعْشَوْشِب
اِعشَوْشِب
8- الأسرة الثامنة:
الوزن
فَعْلَلْ
يُفَعْلِلْ
فَعْلِلْ
الإيقاع
/5/5
//5/5
/5/5
مثال
دَحْرَج
يُدَحرِج
دَحْرِج
مثال
سَيْطَر
يُسَيْطِر
سَيْطِر
9- الأسرة التاسعة:
الوزن
تَفَعْلَلْ
يَتَفَعْلَلْ
تَفَعْلَلْ
الإيقاع
/ /5/5
///5/5
//5/5
مثال
تَدَحْرَج
يَتَدَحْرَج
تَدَحْرَج
مثال
تَكَوْثَر
يَتَكَوْثَر
تَكَوْثَر
ثالثاً- المنتهي بإدغام:
1- الأسرة الأولى:
الوزن
اِفْعَلَّ
يَفْعَلُّ
اِفْعَلَّ
الإيقاع
/5/5/
/5/5/
/5/5/
مثال
اِسْوَدَّ
يَسْوَدُّ
اِسْوَدَّ
مثال
اِحْمَرَّ
يَحْمَرُّ
اِحْمَرَّ
2- الأسرة الثانية:
الوزن
اِفْعَاْلَّ
يَفْعَاْلُّ
اِفْعَاْلَّ
الإيقاع
/5/55/
/5/55/
/5/55/
مثال
اِدْهَامَّ
يَدْهَامُّ
اِدْهَامَّ
مثال
اِسْوَادَّ
يَسْوَادُّ
اِسْوَادَّ
3- الأسرة الثالثة:
الوزن
اِفْعَلَلَّ
يَفْعَلِلُّ
اِفْعَلِلَّ
الإيقاع
/5//5/
/5//5/
/5//5/
مثال
اِقْشَعَرَّ
يَقْشَعِرُّ
اِقْشَعِرَّ
مثال
اِسْتَعَدَّ
يَسْتَعِدُّ
اِسْتَعِدَّ
ملاحظة لا يجوز إغفالها:
إن وزن الفعل وموسيقاه، إنما يرسخان في عقل الطالب، بالإعادة والتكرار، إلى أن يغدُوَا من سليقته.

(12/2)


فيرجى أن يدعوَ الأستاذ طلابه إلى أن يرددوا – مرّات – ترديداً جماعياً كلَّ أسرة من الأسر التي عرضنا لها، حتى يستقر في أذهانهم ما يرددون، ويستوطن واعيتَهم، فيصبح من رصيدهم اللغوي، يستعملونه كلما احتاجوا إليه، عن غير وعي، عفو الخاطر.
* * *
1- عمدنا إلى الوقوف على الساكن، في آخر الكلمات الممَثَّل بها؛ وما كان يمنع مانع من الوقوف على متحرك، وتعديل الإيقاع بما يناسب ذلك. غير أننا آثرنا التقيّد بقواعد اللفظ في العربية. هذا، على أننا سنكسر هذه القاعدة – كما تَرى بعدُ – في حالة واحدة، فنقف على متحرك، إذا كانت الكلمة مما ينتهي بإدغام، نحو: (افعلَّ: احمرَّ…) وإنما نعمد إلى ذلك، تيسيراً وتبياناً، لا تعذّراً واستحالةً، فهذا وهذا ممكن.
2- قد تَشرَكُ فعلاً من الأفعال في لحنه وإيقاعه، أفعالٌ أخرى، فيكون لحنُه لحنَها وإيقاعُه إيقاعَها. مثال ذلك: (دحرج)، فهو فعل رباعي، جميع حروفه أصلية، لحنُه وإيقاعه: فتحة فسكون فحركة، فسكون الوقف: (فعللْ /5/5)، ويشركه في لحنه وإيقاعه سبعة أفعال، حركاتُها حركاتُه، وسكناتها سكناته. نحو: (فيعل – سيطر) و(فَعْوَل – شعوذ) إلخ… فهذه لا نتوقف عندها، إذ لسنا هنا بصدد البحث في مجرد ومزيد، ولا ثلاثي ورباعي… وإنما نحن بصدد تنغيم الكلمة وإيقاعها.

(12/3)


البَدَل
البدل: تابعٌ لما قبله، رفعاً ونصباً وجرّاً. غير أنه خلافاً للتوابع الأخرى، هو المقصود بالحكم دون ما قبله، نحو: [قرأت خطبة الإمامِ عليٍّ](1). فـ [عليّ]: بدل من [الإمام]، وهو المقصود بالحكم المنسوب إلى [الإمام]…
صنوف البدل أربعة هي:
· [بدل كلّ من كلّ]، نحو: [سافر سعيدٌ جارُك].
· [بدل بعض من كلّ]، نحو: [أسفت على ضياع كتابين: كتابٍ في اللغة، وكتاب في الأدب].
· [بدل اشتمال]، نحو: [قُتِلَ أصحابُ الأُخدودِ النارِ ذات الوقود] (2)
· [البدل المباين]، نحو: [جاء المعلّمُ… التلميذُ](3).
أحكام:
¨ يُبدَل كلٌّ من الجملة والفعل والاسم من مثله:
– ففي الآية: ]أمدّكمْ بما تعلمون أمدّكم بأنعام وبنين[ إبدال جملة من جملة(4).
– وفي الآية: ]ومَنْ يفعلْ ذلك يلقَ أثاماً يضاعَفْ له العذاب[ إبدال فعل من فعل(5).
– وفي قولك: [جاء زهيرٌ أخوك] إبدال اسم من اسم.
¨ يُبدَل كلّ من النكرة والمعرفة من مثله، ومن ضدّه أيضاً:
– ففي الآية: ]اِهدنا الصراطَ المستقيم صراطَ الذين أنعمتَ عليهم[ إبدال معرفة من معرفة(6).
– وفي قول كثيّر عزّة (الديوان /99):
وكنتُ كذي رِجلَين: رِجلٍ صحيحةٍ ورِجلٍ رمَى فيها الزمانُ فشلَّتِ
إبدال نكرة من نكرة(7).
– وفي الآية: ]وإنكَ لَتَهْدي إلى صراطٍ مستقيمٍ صراطِ الله[ إبدال معرفة من نكرة(8).
– وفي الآية: ]لنسفعاً بالناصية ناصيةٍ كاذبة[ إبدال نكرة من معرفة(9).
¨ يُبدَل الاسم من الضمير: ومنه الآية: [وأسَرّوا النجوى الذين ظلموا] (10)
¨ الضمير لا يكون بدلاً(11).
تنبيه ذو خطر:
إنْ كان المبدَلُ منه اسمَ استفهام، سَبَقَ البدلَ – وجوباً – همزةُ استفهام. نحو: [مَنْ زارك]؟ أزهيرٌ أم خالدٌ؟(12)
أو كان المبدَلُ منه اسمَ شرط، سَبَقَ البدلَ – وجوباً – [إنْ] الشرطية. نحو: [مَا تقرأْ إنْ كتاباً وإنْ صحيفةً يُفِدْكَ](13).
ملاحظة:

(13/1)


رأينا النماذج الفصيحة، التي أوردناها في البحث، مغنية عن مزيد منها بعده.
* * *
1- [عليّ]: بدل، و [الإمام] مبدَل منه. ويدلّك على أن البدل: [عليّ] هو المقصود بالحكم المنسوب إلى المبدَل منه، أنك لو حذفت المبدل منه، أي: [الإمام]: فقلت: [قرأت خطبة عليّ] لاستقلّ المعنى بذكر [عليّ].
2- البروج 85/4-5
3- لو تأملت أسماء صنوف البدل الأربعة الاصطلاحية، لرأيتها تعبيراً عن علاقة البدل بالمبدل منه. فقد سمّي الأول: بدل كلّ من كلّ (ويسمى: البدل المطابق أيضاً) لأنه عين المُبْدَل منه. وسمّي الثاني: بدل بعض من كل، لأنّه بعضُ المبدل منه. وسمّي الثالث: بدل اشتمال لأن المبدَل منه مشتملٌ على البدل. وسمّي الرابع: البدل المباين، لأنه بدل شيءٍ مما يباينه، لغلطٍ أو نسيانٍ أو إضراب.
4- الشعراء 26/132-133: جملة: [أمدكم] الثانية بدل من جملة: [أمدكم] الأولى.
5- الفرقان 25/68-69: فعل: [يضاعف]، بدل من فعل: [يلقَ].
6- الفاتحة 1/6-7: [صراطَ] الثاني، معرفة بإضافته إلى الذين، وهو بدل من [الصراط] الأول، المعرّف بـ [ألـ].
7- [رِجلٍ صحيحة]: نكرة، وهي بدل من [رِجلَيْنِ]، وهي نكرة كذلك.
8- الشورى 42/52-53: [صراطِ] الثاني، معرفة بإضافته إلى اسم الجلالة، وهو بدل من [صراطٍ] الأول، النكرة.
9- (العلق 96/15): [ناصية]: نكرة، وهي بدل من [الناصية] – قبلها – المعرفة.
10- (الأنبياء 21/3): [الذين] بدل من واو الضمير المتصل في [أسرّوا]، وهو فاعل.
11- قال ابنُ مالك في التسهيل /172: ولا يُبدَل مضمَرٌ من مضمَر ولا من ظاهر.
12- زهير: بدل مِن مَن.
13- كتاباً: بدل مِن ما.

(13/2)


الضمير
الضمير اسمٌ يدل على متكلِّم أو مخاطَب أو غائب، مثال ذلك: [أنت – نحن – هم – إيّاكَ – إيّاهم – إيّانا، والتاءُ مِنْ سافرْتُ، والهاءُ مِنْ سَألَه…]. وهو صنوف:
آ- الضمير المنفصل: ويصحّ أن يُبتدأ به الكلام، نحو: [أنا – هو – هي – هُما – نحن – هُم(1) …].
ب- الضمير المتصل: ويأتي في آخر الكلمة، متصلاً بفعلٍ، نحو: [سافرْت] أو اسم: [كتابُه]، أو حرف: [عليك].
قاعدة عظيمة القيمة:
إذا أمكن استعمال الضمير المتصل، لم يجز استعمال المنفصل. وعلى ذلك تقول: [سافرت]، ولا يجوز [سافر أنا]. اللهم إلا أن يكون الضمير خبراً لكان وأخواتها، أو المفعول الثاني لـ [ظنّ وأخواتها]، ففي هاتين الحالتين لك الخيار: أن تأتي به متصلاً أو منفصلاً، نحو: [كنتُه=كنتُ إيّاه] و [ظننتُكَه=ظننتُك إيّاه].
ج- الضمير المستتر: إذا لم يُذكر الضمير في الكلام، وكان موقعه فيه ملحوظاً، قيل هو: ضمير مستتر. ففي قولك: [سافِرْ]، ضمير مستتر، والتقدير: [سافرْ أنتَ].
د- ضمير الفصل: هو ضمير يفصل بين المبتدأ والخبر، نحو: [خالد هو الناجح]، أو ما أصله المبتدأ والخبر، نحو: [كان خالدٌ هو الناجحَ]، [ظننت خالداً هو الناجحَ]. وليس له محل له من الإعراب، فكأنه غير موجود في الكلام(2).
هـ- ضمير الشأن: قد يريد العربي تفخيم أمر وتعظيمه في نفس المستمع، فيأتي بضمير، بعده جملةٌ، تبيّن الغرضَ منه. فذاك الضمير هو [ضمير الشأن] ويسمّونه [ضمير القصة] إن كان مؤنثاً.
ومن أقرب أمثلةِ ذلك: ]قل هُوَ اللهُ أحدٌ[ (الإخلاص 112/1): فـ [هو] ضمير الشأن، وجملة [ الله أحد] بيّنت الغرضَ منه. و ]فإنها لا تعمى الأبصار[ (الحج 22/46) فـ [ها] ضمير القصة.
أحكام ضمير الشأن:
1- لا يكون ضمير الشأن إلا مفرداً للغائب: [هو… أو الهاء، وهي… أو ها].
2- ولا يكون إلا مبتدأ أو أصله المبتدأ، كما رأيت في المثالين المتقدمين. وأمّا الجملة التي تأتي بعده لتبيّن الغرض منه فهي الخبر.

(14/1)


مرجع الضمير:
ضمير الغائب لا بدّ له من مرجع يرجع إليه. ففي قولك: [اشتريت كتاباً أحبّه] مرجع الهاء هو [كتاباً]، فإذا صلح أن يكون للضمير أكثر من مرجع، تعيّن أن يكون المرجع هو أقرب مذكور في العبارة.
ففي قولك مثلاً: [قرأت مجلة وصحيفة ثم حفظتها] يتعيّن أن يكون مرجع الضمير هو الصحيفة، لأنها أقرب إلى الضمير من كلمة [مجلة].
هذا، والأصل أن يتقدم المرجع ويتأخر الضمير نحو: [زارني زهير فاستقبلته]. غير أن المرجع قد يتأخر. فالهاء من قولك: [باع دارَهُ المالكُ] يرجع إلى [المالك] المتأخر لفظاً. وهذا عربي صحيح، لا غبار عليه.
وأما غير الصحيح فأن يقال: [باع مالكُها الدارَ] وذاك أن [ها] يرجع إلى الدار، والدار متأخرة لفظاً كما ترى، ومتأخرة رتبةً أيضاً، إذ هي مفعول به، ورتبةُ المفعول بعد رتبة الفاعل، ورجوع الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبةً، غير جائز.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال ضمير الفصل، وضمير الشأن
· ]وكنّا نحن الوارثين[ (القصص 28/58)
[نحن] ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و[الوارثين] خبر [كان] منصوب بالياء.
· ]إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا[ (الأنفال 8/32)
[هو] ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و[الحقَّ] خبر [كان] منصوب بالفتحة.
· ]كنتَ أنت الرّقيبَ عليهم[ (المائدة 5/117)
[أنت] ضمير فصل لا محل له من الإعراب(3)، و[الرقيبَ] خبر [كان] منصوب بالفتحة.
· ]قل هو الله أحد[ (الإخلاص 112/1)
ضمير الشأن: [هو]، مفرد للغائب – مذكر. وهو مبتدأ، والجملة بعده خبره.
· ]إنّه مَن يتّقِ ويصبر فإنّ اللهَ لا يضيع أجر المحسنين[ (يوسف12/90)
ضمير الشأن: الهاء، مفرد للغائب – مذكر، اسم [إنّ]، (أي: أصله المبتدأ، إذ كان مبتدأً قبل دخول [إنّ] عليه) والجملة بعده خبره.
· ]فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور[ (الحج 22/46)

(14/2)


ضمير الشأن أو القصة: [ها]، مفرد للغائب، مؤنث. اسم [إنّ]، (أي أصله المبتدأ، إذ كان مبتدأً قبل دخول [إنّ] عليه) والجملة بعده خبره.
· قال أبو خراش الهذلي (شرح المفصل 3/117):
على أنّها تَعْفُو الكُلومُ، وإنما نُوَكَّلُ بالأدْنى وإنْ جَلَّ ما يَمْضِي
(الكلوم: الجروح)
ضمير الشأن أو القصة: [ها]، مفرد للغائب، مؤنث. اسم [أنّ]، (أي أصله المبتدأ، إذ كان مبتدأً قبل دخول [أنّ] عليه) والجملة بعده خبره.
* * *
1- [هم]: ضمير لجماعة العقلاء فقط، وكذلك الواو من قولك [سافروا] مثلاً.
2- من النحاة من يرى إعرابه على حسب موقعه من العبارة. فيكون الإعراب في نحو [كان زهيرٌ هو الناجحُ]: [زهير: اسم كان] و[هو: مبتدأ] و[الناجحُ: خبر هو]، وجملة [هو الناجحُ] في محل نصب خبر [كان].
3- يرى بعض النحاة جواز إعرابه أيضاً توكيداً للتاء من [كنتَ].

(14/3)


الإبدال
الإبدال: إحلالُ حرفٍ في الكلام محلَّ حرف، كنحو: سُمبُلة قمح، وهَراقَ الدمَ، وامْبَرى له، فإنها في الأَصل: سنبلة، وأراق، وانبرى.
فالإبدال إذاً مسألة لغوية تتعلق بنطق الحروف، لا بتركيب الكلام. وإنما عرضنا له هاهنا، لتوجيه النظر إلى ظاهرة لغوية، قد يمرّ المرء بها ولا يلتفت إليها.
* * *

(15/1)


الإضافة
إذا قلتَ: [هذا كتابُ خالدٍ]، فقد نسبتَ الأولَ: [كتاب] إلى الثاني: [خالد]. وبتعبير آخر: أضفت الأول، ويسميه النحاة: [المضاف]، إلى الثاني، ويسمّونه: [المضاف إليه].
والإضافة صنفان:
1- الإضافة اللفظية(1): وضابطها أن يَحلَّ مَحَلَّ المضافِ فِعْلُه، فلا يفسد المعنى ولا يختلف. ففي قولك: [هذا طالبُ علمٍ، وهذا مهضومُ الحقِّ، وهذا حَسَنُ الخُلُقِ] يصحّ المعنى ولا يختلف، إذا أحْلَلْتَ الفعلَ محلَّ المضافِ فقلت: [هذا يَطلب عِلماً، وهذا يُهْضَمُ حقُّه، وهذا يَحْسُنُ خُلُقُه].
2- الإضافة المعنوية(2): وضابطها أن الفعل لا يحلّ فيها محل المضاف؛ ففي قولك مثلاً: [هذا كاتِبُ المحكمةِ] لا يحلّ فِعْلُ [يَكْتُبُ] محلّ [كاتِبُ]. ولو أحللتَه محلّه فقلتَ: [هذا يكتُب المحكمةَ]، لفسد المعنى. وفي قولك: [هذا مِفتاحُ الدارِ]، لو أحللت فِعلَ [يَفتحُ] محل المضافِ [مِفتاح] فقلت: [هذا يفتَحُ الدارَ] لاختلف المعنى؛ ولو أحللته في مثل قولك: [هذا مفتاحُ خالدٍ] لَتَجَاوَزَ المعنى الاختلافَ إلى الفساد.
أحكام الإضافة:
· المضاف إليه مجرور أبداً.
· المضاف لا يلحقه التنوين، ولا نونُ المثنى وجمعِ السلامة.
· لا يجوز أن يحلّى المضاف بـ [ألـ]، إلا إذا كانت الإضافة لفظية، نحو: [نَحتَرِم الرجُلَ الحسنَ الخُلُقِ].
· إذا تتابعت إضافتان، والمضاف إليه هو هو، جاز حذف الأول اختصاراً نحو: [استعرتُ كتابَ وقلمَ خالد = استعرتُ كتابَ خالدٍ وقلمَ خالد]. (انظر المصباح المنير /367) + (الخصائص لابن جني 2/407و409)
إضافة الصفةِ المشبهة واسمِ الفاعل:
· الصفة المشبهة: لا تتعرّف بالإضافة، بل تتعرّف بـ [ألـ]، وعليه قولُهم في تنكيرها: [زارنا رجلٌ حسنُ الأخلاق](3). فإذا أُريد تعريفها حُلِّيَت بـ [ألـ] فقيل: [زارنا الرجلُ الحسنُ الأخلاق](4).

(16/1)


· اسم الفاعل: إن دلّ على مُضِيّ، كانت إضافته حقيقية، فيتعرّف بإضافته إلى معرفة، نحو: [نحمد اللهَ خالقَ الكَونِ](5).
فإن دلّ على حال أو استقبال(6)، كانت إضافته لفظية، فلم يتعرّف بإضافته إلى المعرفة، كنحو قول قومِ (عاد) في الآية: ]هذا عارضٌ ممطِرُنا] (7).
وإن دلّ على استمرار جاز الوجهان. أي:
آ- جاز اعتبار جانب الماضي، فتكون الإضافة حقيقية، نحو: ]الحمد للهِ … مالكِ يومِ الدين] (8) (الفاتحة 1/2)
ب- وجاز اعتبار جانب الحال والاستقبال (اليوم وغداً)، فتكون الإضافة لفظية، نحو: ]وجاعلُ الليلِ سكناً] (9) (الأنعام 6/96)
ملاحظتان:
آ- إضافة اسم الفاعل والصفة المشبهة، يكثر فيها التَّلَوّي والالتواء، هنا وهناك، في هذا الشاهد أو ذاك. ومن هنا أنّ قارئ كتب النحو واللغة، يظلّ يرى – ما سار معها – آراءً وشروحاً مختلفةً وتفاسير. ومع ذلك إنّ ما قرّرناه مؤسّس على شواهد من كتاب الله لا تُنْقَض.
ب- ما يراه القارئ من تكرار الشواهد في المتن والحواشي والنماذج، إنما الغاية منه تثبيت القاعدة بالتكرار.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الإضافة
· ]وقال الذين استُضْعِفُوا للذين استَكْبَروا بل مَكْرُ الليل والنّهَارِ[ (سبأ 34/33)
[مكرُ] مضاف، حُذف تنوينه – على المنهاج – إذ المضاف لا ينوّن. و[الليل] مضاف إليه مجرور، جرياً مع القاعدة المطلقة: [المضاف إليه مجرور أبداً].
· ]تبتْ يدا أبي لَهَب[ (المسد111/1)
[يدا]: مثنّى مضاف، والمضاف لا يلحقه التنوين ولا نون المثنى وجمعِ السلامة. ولذلك حذفت نون المثنّى، والأصل: [يدان]، و[أبي] مضاف إليه مجرور- جرياً مع القاعدة المطلقة: المضاف إليه مجرور أبداً – وعلامة جره الياء، لأنه من الأسماء الخمسة. و[لهبٍ] مضافٌ إليه ثانٍ مجرور أيضاً – جرياً مع قاعدة: المضاف إليه مجرور أبداً، وعلامة جره الكسرة.
· ]إنّا مرْسِلُو النّاقةِ فتنةً لهم[ (القمر 54/27)

(16/2)


[مرسلو] جمع مذكر سالم، وهو مضاف، والمضاف لا يلحقه التنوين ولا نون المثنى وجمعِ السلامة. ولذلك حُذفت نونه، والأصل [مرسلون]. و[الناقة] مضاف إليه مجرور بالكسرة جرياً مع قاعدة: المضاف إليه مجرور أبداً. والإضافة لفظية، لأنّ فعل : [نرسل] يصحّ حلولُه محلّ المضاف [مرسلو] فلا يفسد المعنى ولا يختلف.
· ]والصابرينَ على ما أصابهم والمقيمي الصلاةِ[ (الحج 22/35)
[المقيمي]: مضاف، حذفت نونه بسبب الإضافة، والأصل: [المقيمين]. وجاز أن يحلّى بـ [ألـ]، مع أنه مضاف والمضاف لا يُحَلّى بـ [ألـ]، لأن إضافته لفظية، يصحّ أن يحلّ محلّه فِعْلُ [يقيمون]، فلا يفسد المعنى ولا يختلف. و[الصلاة] مضاف إليه.
· قال عنترة (الديوان /154):
ولقد خَشِيتُ بأنْ أموتَ ولم تَدُرْ لِلحرب دائرةٌ على ابْنَيْ ضَمْضَمِ
الشاتِمَيْ عِرْضِي ولم أشْتُمْهُما والناذِرَيْنِ إذا لَمَ الْقَهُما دَمِي
[الشاتمي] مضاف مثنى حُذِفت نونه بسبب الإضافة. وجاز أن يحلّى بـ [ألـ]، مع أنه مضاف والمضاف لا يُحَلّى بـ [ألـ]، لأن إضافته لفظية، يصحّ أن يحلّ محلّه فِعْلُ [يشتم]، فلا يفسد المعنى ولا يختلف. و[عِرض] مضاف إليه.
· وقال زهير يمدح هَرِم بن سنان (الديوان /153):
القائدُ الخيلِ منكوباً دَوابِرُها فيها الشَّنُونُ، وفيها الزاهِقُ الزَّهِمُ
(الشنون: بين السمين والمهزول، والزاهق: السمين، والزهم: أسمن منه. أراد أنّ دَأْب خَيْلِه في السير أَضَرَّ بحوافرها).
[القائد]: مضاف، وجاز أن يحلّى بـ [ألـ]، مع أنه مضاف والمضاف لا يُحَلّى بـ [ألـ]، لأن إضافته لفظية، يصحّ أن يحلّ محلّه فِعْلُ [يقود]، فلا يفسد المعنى ولا يختلف. و[الخيل] مضاف إليه.
· وقال الفرزدق (شرح المفصل 3/21):
يا مَنْ رأى عارِضاً أَرِقْتُ لهُ بينَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
(العارض: السحاب. وذراعا الأسد وجبهته: من منازل القمر).

(16/3)


الأصل: [بين ذراعَيِ الأسدِ وجبهةِ الأسدِ]، لكنّ الشاعر حذفَ المضافَ إليه الأول؛ وهو في العربية جائز(10). وذلك أنه إذا تتابعت إضافتان، والمضاف إليه هو هو، جاز حذف الأول اختصاراً.
· وقال تعالى: ]وجاعلُ الليلِ سَكَناً[ (الأنعام 6/96)
[جاعل] اسم فاعل، مضافٌ إضافةً لفظية، وضابط ذلك أن يحلّ محلّ المضاف فِعلُه، فلا يفسد المعنى ولا يختلف. وذلك متحقق في الآية، لصحة حلول فِعْل [جَعَلَ]، محلّ [جاعل]. و[الليل] مضاف إليه. وفي الكفّ برهانان على سلامة ما قلنا. الأول: أنّ الآية لها قراءة أخرى هي: [وجَعَلَ الليلَ سكناً]. والثاني: أنّ اسم الفاعل عَمِلَ فنصب كلمةَ [سكناً] مفعولاً به. ولو كانت الإضافة حقيقية لم يَجُز ذلك.
* * *
1- يسمّون [الإضافة اللفظية] أحياناً: [المجازية]، وأحياناً [غير المحضة].
2- يسمّون [الإضافة المعنوية] أحياناً: [الحقيقية]، وأحياناً [المحضة].
3- [حسن] صفة مشبهة نكرة، ولذلك نعتتْ كلمة [رجل] النكرة. وذلك أنّ الصفة المشبهة لا تتعرّف بالإضافة.
4- كلمة [الحسن] صفة مشبهة معرفة، اكتسبت التعريف بـ [ألـ]، ولذلك نعتتْ كلمة [الرجل] المعرفة.
5- [خالق] اسم فاعل يدلّ هنا على مضيّ، إذ خلق الله الكون في الأزل؛ وقد استفاد التعريفَ بإضافته إلى كلمةِ [الكون] المعرّفة بـ [ألـ]. يدلّ على ذلك أنه نَعَتَ معرفةً هي لفظ الجلالة: [الله].
6- يعبّر النحاة عن هذا بقولهم: (اليوم أو غداً).
7- الأحقاف 46/24: [ممطر] اسم فاعل يدلّ على مستقبل، لأن قوم (عادٍ) إنما قالوا ذلك حين قدّروا أنّ العارض (السحاب) سيمطرهم عن قريب. فالإضافة إذاً لفظية، ولذلك لم يتعرّف [ممطر] بإضافته إلى معرفة هي الضمير [نا]، فنَعَتَ نكرةً هي :[عارضٌ].
8- [مالك] اسم فاعل، تعرّف بإضافته إلى: [يوم الدين]، فنَعَتَ لفظ الجلالة وهو معرفة، فالإضافة إذاً حقيقية.

(16/4)


9- [جاعل الليل] الإضافة هنا لفظية، إذ المضاف يحلّ محلّه فعلُه [يَجْعَل] فلا يفسد المعنى ولا يختلف. [سكناً] مفعول به لاسم الفاعل: [جاعل]. وما كان هذا النصب ليجوز لو أنّ الإضافة حقيقية، وفي مجمع البيان (4/337): [قرأ أهل الكوفة: وجَعَلَ الليلَ… والباقون: وجاعلُ الليلِ…].
10- قال الفيوميّ: [ويجوز أن يكون الأول مضافاً في النية دون اللفظ، والثاني في اللفظ والنية، نحو: غلام وثوب زيد، ورأيت غلام وثوب زيد، وهذا كثير في كلامهم إذا كان المضاف إليه ظاهراً]. يعني إذا لم يكن ضميراً.

(16/5)


الإدغام
الإدغام: إدخال حرف في حرف مثله، بحيث يصيران حرفاً مشدَّداً، نحو: [قَلْلَ = قَلَّ، وعَدْدَ = عَدَّ].
حُكمان:
1- يجب الإدغام إذا سكن الحرف الأول منهما وتحرّك الثاني، نحو: [حَجْجَ = حجّ] و[يَحُجْجُ = يحجّ]. وبتعبير آخر أجمعَ وأمنَعَ: [كلما استُطيع الفكُّ والإدغام، وجب الإدغام](1).
2- يجوز الفكّ والإدغام، في فعل الأمر المبني على السكون، والمضارع المجزوم بالسكون(2) نحو: [اُشْدُدْ = شُدَّ (أمر مبني على السكون)] و [لم يَمسَسْ = لم يَمَسَّ (مضارع مجزوم بالسكون)](3).
* * *
نماذج فصيحة من الإدغام
· قال تعالى: ]يكادُ زيتها يُضيءُ ولو لم تَمْسَسْهُ نار[ (النور 24/35)
فَكُّ الإدغام في الآية، على المنهاج، إذ الفعل مضارع مجزوم بالسكون. ومتى كان كذلك، جاز فيه الإدغامُ: [لم تمسَّه]، وجاز الفكُّ أيضاً: [لم تَمْسَسْه].
· ]يا أيّها الذين آمنوا مَنْ يَرْتَدَّ منكم عن دِينهِ فسوف… [ (المائدة 5/54)
المضارع في الآية مجزوم بالسكون، فيجوز فيه الإدغام: [من يرتدّ]، ويجوز الفك أيضاً،كما في الآية التالية ]ومَنْ يَرْتَدِدْ منكم عن دينه[ (البقرة 2/217)
ودونك الإدغام والفكّ أيضاً، في كلمة تكررت في آيتين:
فمن الإدغام قوله تعالى: ]ومَنْ يُشاقِّ الله… [ (الحشر 59/4). ومن الفكّ قوله تعالى: ]ومَنْ يُشاقِقِ الله… [ (الأنفال 8/13)
والإدغام والفكّ في الآيتين على المنهاج. وذلك أن الفعل فيهما مجزوم بالسكون، فيجوز معه الوجهان.
· قال الحارث بن هشام (هو أخو أبي جهل عمرو بن هشام):
وعلمتُ أني إنْ أقاتِلْ واحداً أُقتَلْ، ولا يَضْرُرْ عدوّيَ مَشْهَدِي
[يضرر]: مضارع مجزوم بالسكون، إذ هو معطوف على جواب الشرط [أُقتَلْ]. ومتى كان المضارع مجزوماً بالسكون، جاز الإدغام: [يضرَّ]، وجاز الفكُّ: [يضْرُرْ].
· ]وما يُضِلُّون إلاّ أنفسَهم وما يَضُرُّونك من شيء[ (النساء 4/112)

(17/1)


في الآية فعلان مضارعان: [يضلّون ويضرّون]، والإدغام فيهما واجب. (على المنهاج: سكون فحركة).
· وقال تعالى: ]واضْمُمْ يدك إلى جَناحِك[ (طه 20/22)
وقد فُكَّ الإدغام في الآية، وذلك جائز، كما أن الإدغام جائز أيضاً. ففي غير القرآن يجوز لك أن تقول: [ضمَّ يدك إلى جناحك]. إذ القاعدة أن الإدغام وفكّه جائزان، في الأمر المبني على السكون.
· وقال: ]سنَشُدُّ عَضُدَكَ بأخيك[ (القصص 28/35)
والإدغام هاهنا واجبٌ لا يجوز سواه، لسكون الأول وتحرك الثاني. وليس الأمر كذلك في الآية: ]واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشْدُدْ به أَزْري[ (طه 20/31) فهاهنا فعل أمر مبني على السكون، فيجوز معه الفكّ كما رأيت في الآية، ويجوز الإدغام أي: [شُدَّ](1).
· وأما في قوله تعالى: ]فَشُدُّوا الوَثاق[ (محمد 47/4)
فلا يجوز إلاّ الإدغام، لأن الفعل – وإن كان فعلَ أمرٍ هاهنا – فإنه ليس مبنياً على السكون، بل هو مبني على حذف النون؛ ومعلوم أن شرط جواز الوجهين أن يكون فعلُ الأمر مبنياً على السكون حصراً، أو يكون فعلاً مضارعاً مجزوماً بالسكون حصراً.
· وقال: ]وهُزِّي إليكِ بجذع النخلة[ (مريم 19/25)
ولا يجوز هنا إلاّ الإدغام، أي لا يجوز [اهززي]، لأنه وإن كان فعل أمر، فإنه مبني على حذف النون، على حين جواز الإدغام والفك مشروط ببناء الأمر على السكون حصراً.
· وقال: ]فلْيَمْدُدْ بسببٍ إلى السماء[ (الحج 22/15)
وهاهنا فعل مضارع مجزوم بالسكون، فيجوز معه الإدغام والفكّ، أي: [فليمدَّ وفليمدُدْ].
* * *

(17/2)


1- يجب الإدغام في نحو: [مدّ – يمُدّ، وحجّ – يحجّ]، لأنك تستطيع أن تَفُكَّه فتقول: [مَدَدَ – يَمْدُدُ، وحَجَجَ – يحْجُجُ]، وأما في نحو: [شَدَدْتُ، ومَسَسْنا، وحَجَجْنَ]، فيتعذّر الإدغام، إذ لا يُستطاع لفْظُ: [شَدْدْتُ، ولا مَسْسْنا، ولا حَجْجْنَ]. فالفكّ إذاً هاهنا، ضربة لازب. وأما قول العامّة شدَّيتُ ومدَّيتُ وحجَّيتُ مثلاً، فإخراج للأمور عن نصابها، لأنّ فيه جَلْبَ ياء من الفراغ!!
2- جواز الفكّ والإدغام، مركوز في تحقق السكون: (مضارع مجزوم بالسكون، وأمر مبني على السكون)، فإذا تحقق جاز هذا وذاك، وإذا لم يتحقق لم يكن إلاّ الإدغام. ولذلك لا يجوز الفك في نحو: [شُدّي]، لأنه أمر مبني على حذف النون، لا على السكون، كما لا يجوز في نحو: [لم يشدّوا]، لأنه مضارع مجزوم بحذف النون، لا بالسكون.
3- لم يشذَّ عن ذلك إلاّ كلمتان هما: عَيَّ وحيَّ، فقد جاء عن العرب الإدغام فيهما، وجاء الفك: حَيِيَ وعَيِيَ.
1- لا نعني بجواز الوجهين – لا في هذه الآية ولا في سواها مما عرضنا له من الآيات – أن هناك (بالضرورة) قراءات قرآنية تجيزهما، وإنما نعني فقط، جواز الوجهين في العربية.

(17/3)


الاختصاص
هو نَصْبُ اسمٍ بفعل محذوف تقديره: [أعني أو أخُصّ]، ويسمون الاسم المنصوب: [المخصوص]، اصطلاحاً. ويُؤتَى به بعد ضمير المتكلمين، ليبيّن المرادَ منه. كقولنا: [نحن – العربَ – أُباةُ الضَّيْم](1).
ثمّ إمّا أن يكون الاسم المخصوص معرَّفاً بـ [ألـ]، كما جاء في المثال المذكور آنفاً، أو مضافاً إلى معرفة، نحو: [إنّنا – أبناءَ يَعْرُب (2) – أفصحُ الناس لساناً].
* * *
نماذج فصيحة من الاختصاص
· قال عمرو بن الأهتم:
إنّا – بني مِنْقَرٍ – قومٌ ذوو حسبٍ فينا سَراةُ بني سَعْدٍ ونادِيْها
[بني]: اسم منصوب على الاختصاص، أي: [أعني بني منقر] وهو معرفة بإضافته إلى معرفة، أي: [منقر]. وقد أُتِي به بعد ضمير المتكلمين: [نا]، فأزال غموضَه، وبيَّن المراد منه.
· مِن أمثلة الاختصاص المشهورة المتداولة، قول النحاة:
[نحن – العربَ – نكرم الضيف].
وكلمة: [العرب] هاهنا اسم منصوب على الاختصاص، أي: [أعني العربَ]، وهو معرَّف بـ [ألـ]. وقد أُتِي به بعد ضمير المتكلمين: [نحن]، فأزال غموضه، وبيَّن المراد منه.
· قال البحتريّ:
نحن – أبناءَ يَعْرُبٍ – أَعْرَبُ النا سِ لِساناً وأَنْضَرُ الناسِ عُودَا
[أبناء]: اسم منصوب على الاختصاص، أي: [أعني أبناءَ يَعْرُب]، وهو معرفة بإضافته إلى معرفة، أي: [يعرب]. وقد أُتِي به بعد ضمير المتكلمين: [نحن]، فأزال غموضه، وبيَّن المراد منه.
· قال رؤبة ابن العجّاج، وهو من بني تميم:
بنا – تميماً – يُكشَفُ الضَباب
[تميماً]: اسم منصوب على الاختصاص، أي: [أعني تميماً]، وقد أُتِي به بعد ضمير المتكلمين: [نا]، فأزال غموضه، وبيّن المراد منه.

(18/1)


وتميم هو: ابن مُرّ… ابن مُضَر. فهو إذاً علَمٌ نُسِبت إليه قبيلة. وليست علميّتُه مرادةً في البيت، وإنما المراد قبيلةُ تميم، أو: بنو تميم، ثم حذف المضاف. ومن هنا أنهم يقولون: جاءت تميم، وحاربتْ تميم، وهُزمت تميم… ولا يقولون جاء تميم وحارب تميم وهُزم تميم!! وإنما توقفنا هاهنا فتلبّثنا لنبيّن أنّ العَلَم لا يُنصَب على الاختصاص، وأنّ الشاعر لم ينصب هذا الاسم إذاً على أنه علَم، بل نصبه على أنه مضافٌ إليه، حُذِف المضاف قبله.
· قال الشاعر:
إنّا – بني ضَبَّةَ – لا نَفِرُّ
[بني]: اسم منصوب على الاختصاص، أي: [أعني بني ضَبَّة]، وهو معرفة بإضافته إلى معرفة، أي: [ضبّة]. وقد أُتِي به بعد ضمير المتكلمين: [نا]، فأزال غموضه، وبيّن المراد منه.
· إنّا معاشرَ الأنبياء فينا بَكْءٌ (أي: قلَّةُ كلام):
حديث أورده الرضيّ في شرح الكافية 1/432، وفيه نصْبُ كلمة: [معاشر]، على أنها اسم منصوب على الاختصاص، أي: [أعني معاشرَ الأنبياء]، وهو معرفة بإضافته إلى معرفة، أي: [الأنبياء]. وقد جاء بعد ضمير المتكلمين: [نا]، فأزال غموضه، وبيّن المراد منه. ومثل ذلك طِبقاً، قولُ الشاعر:
لنا – معشرَ الأنصار – مجدٌ مؤثَّلٌ بإرضائِنا خيرَ البَرِيةِ: أَحْمَدا
· قال الشاعر:
أبَى الله إلاّ أنّنا – آلَ خِندِفٍ – بنا يَسْمَعُ الصوتَ الأنامُ ويُبصِرُ
[آلَ]: اسم منصوب على الاختصاص، أي: [أعني آلَ خندف]، وهو معرفة بإضافته إلى معرفة، أي: [خندف]. وقد أُتِي به بعد ضمير المتكلمين: [نا]، فأزال غموضه، وبيّن المراد منه. ومثلُ ذلك الحديث: (إنّا – آلَ محمّدٍ – لا تحِلّ لنا الصدقة).
· قال بَشامةُ ابن جَزْءٍ النَهشَليّ:
إنّا – بني نَهْشَلٍ – لا ندّعي لأبٍ عنه، ولا هو بالأبناء يَشْرِينا

(18/2)


[بني]: اسم منصوب على الاختصاص، أي: [أعني بني نهشل]، وهو معرفة بإضافته إلى معرفة، أي: [نهشل]. وقد أُتِي به بعد ضمير المتكلمين: [نا]، فأزال غموضه، وبيّن المراد منه.
* * *
1- [نحن]: مبتدأ، [أُباة]: خبره. [العربَ]: اسم منصوب على الاختصاص، بفعل محذوف تقديره: [أعني].
2- هو أبو العرب العاربة.

(18/3)


الإعلال
الإعلال: هو حذْف حرف علّة، أو قلبُه، أو تسكينه.
تنبيهان:
الأول: أنّ من القواعد الكلية التي لا تتخلّف في العربية، أنه لا يُبدأ بساكن ولا يوقَف على متحرك. واستمساكاً بهذه القاعدة، نظرنا إلى المفردات وعالجناها، موقوفاً عليها بالسكون.
والثاني: أن أصول الكلمات العربية، ليس فيها ألف(1)، وبناءً على هذا، فإن في اللغة حرفَي علة فقط – لا ثلاثة – هما الواو والياء. فإذا رأيت الألف في كلمة، فاعلم أنها منقلبة عن أحدهما، أو أنها ليست أصلية. بل زائدة. فإذا قلنا في تضاعيف البحث مثلاً: (يُقلب حرف العلة أو يُحذف حرف العلة….)، فإنما نعني بذلك الواو والياء.
الإعلال بالحذف:
¨ إذا التقى ساكنان، والسابق منهما ألِفٌ أو واو أو ياء، حُذِف السابق. وذلك نحو: [ياخالد نَمْ وقُمْ وبِعْ] والأصل قبل الحذف: نَاْمْ وقُوْمْ وبِيْعْ، فلما التقى ساكنان، حُذِف السابق. ومثلُ ذلك أن تقول عن النسوة: [هنّ يَنَمْن ويَقُمْن ويَبِعْن] والأصل: يَنَاْمْنَ ويَقُوْمْنَ ويَبِيْعْن. وهكذا…
¨ إذا كان أول الماضي واواً، حُذِفَت في مضارعه وأمره، نحو: [وعَد – يعِد – عِدْ، وقَف – يقِف – قِفْ…](2).
الإعلال بالقلب:
¨ يُقلب حرف العلة (الواو والياء) ألفاً، إذا تحرّك وقبله فتحة(3) نحو: [قَوَل – بَيَع]؛ وبعد القلب: [قَال – بَاع]. فإذا كان حرف العلة طَرَفاً كفى لقلبه، الشرطُ الثاني فقط، أي: انفتاح ما قبله، نحو: [دنَوَ الفتَيْ – فرمَيَ العصَوْ] وبعد القلب: [دنَا الفتَى فرمَى العصَا](4).
¨ تُقلب الواو ياءً: (ولكن اعلمْ من قبل أن نبسط القاعدة، أن هذا إنما يكون إذا سَبَقَت الواوَ كسرة). ودونك التفصيل:
أولاً: إذا سكنت الواو، وسبقتها كسرة، ودونك الأمثلة، وإلى جانبها ما تؤُول إليه بعد قلبها:
الواو ساكنة وقبلها كسرة
تقلب ياءً
ملاحظات
مِوْزان
مِيزان
رَضِوْ
رَضِي
(فعل ماض من الرضوان)
مِوْقات
مِيقات
يرتضِوْ
يرتضِي
قَوِوْ
قَوِي

(19/1)


(فعل ماض من القوّة)
الشَجِوْ
الشجِي
الداعِوْ
الداعِي
الغازِوْ
الغازِي(5)
ثانياً: إذا وقعت الواو بين كسرة وألف، شريطة أن يكون ذلك:
إما في مصدر أُعِلَّت عينُه وعين فعله نحو: [صِوام: صِيام، سِواق: سِياق، اِنقِواد: اِنقِياد…] فإنّ أفعالها معتلة العين أيضاً، وهي: [صَوَم: صام، سَوَق: ساق، اِنقوَد: اِنقاد…].
وإما في جمع وزنه [فِعال] أُعِلَّت عين مفرده أو سكنت. فإعلالها في المفرد نحو: [دَوَر: دار]، وتُقْلَب في الجمع: [دِوار: دِيار…]. وسكونها في المفرد نحو: [ثَوْب]، وتُقْلَب في الجمع: [ثِواب: ثِياب].
ثالثاً: إذا اجتمعت الواو والياء، والسابق منهما ساكن. وتورد كتب الصناعة كلمة: [سيّد] مثالاً على هذا. فتقول: الأصل فيه [سيْوِد]، فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق – وهو الياء – ساكن، قلبت الواو ياءً، وأدغمت في الياء، فقيل: [سيّد](6).
قلْب الياء واواً:
تُقلب الياء واواً في كلمات معدودة. نورد أشهرها فيما يلي:
قبل القلب
بعد القلب
يُيْسِر
مُيْسِر
يُوسِر
مُوسِر
يُيْقِن
مُيْقِن
يُوقِن
مُوقِن
يُيْئِس
مُيْئِس
يُوئِس
مُوئِس
يُيْقِظ
مُيْقِظ
يُوقِظ
مُوقِظ
يُيْنِع
مُيْنِع
يُونِع
مُونِع
يُيْفِع
مُيْفِع
يُوفِع
مُوفِع
إعلال الحرف الثالث مِن فَعْلَى وفُعْلَى، وتصحيحه:
1- فَعْلَى: إذا اعتل ثالثها، كان واواً في كل حال نحو: [دَعوى – نَشوى – تَقوى]، إلا في صفة – وأصله ياءٌ – فياءً يبقى، نحو: [خَزْيا (مؤنث خَزْيان) – وصَدْيا (مؤنث صَدْيان)].
2 – فُعْلَى: إذا اعتل ثالثها، كان ياءً في كل حال، نحو: [العُليا – الفُتيا – الوُليا (مؤنث الأَوْلى، أي الأجدر والأحقّ)]، إلا في اسمٍ – وأصله واو – فواواً يبقى، نحو: [حُزْوَى (اسم موضع)].
تسكين حرف العلة وحذفه:

(19/2)


يُسَكّن حرف العلة إذا تطرّف وقبله متحرك. فلا تظهر عليه ضمةٌ ولا كسرة، فلا يقال مثلاً: [يدعُوُ القاضِيُ بالجانِيِ]، بل يسكن في كل ذلك فيقال: [يدعوْ القاضيْ بالجانِيْ]. وأمّا فتحاً، فيُفتَح، فيقال مثلاً: [لن ندعُوَ القاضِيَ ليقضِيَ في الأمر].
ويُحذَف هذا المعتلُّ الساكنُ، إذا تلاه ساكنٌ آخر، وذلك نحو: [يرميْ+وْن]، فإن الياء تُحذَف هاهنا، دفعاً لالتقاء الساكنين، فيقال: [يرمُوْن](7).
إذا وقع حرف العلة في حشو الكلمة، نُقِلت حركته إلى الحرف الساكن الصحيح قبله. وذلك نحو: [يَقْوُم]. وبعد نقل الحركة: [يَقُوْم]. ونحو: [يَبْيِن]، وبعد نقل الحركة: [يَبِيْن].
حكم: إذا لم يكن حرف العلة مجانساً حركتَه، انقلب حرفاً يجانسها.
ففي نحو: [أقْوَم]، لا تَجانُسَ بين الواو وفتحتِه، فينقلب ألفاً ليجانسها: [أقام]. وفي نحو: [يُقْوِم]، لا تَجانُسَ بين الواو وكسرته، فينقلب ياءً ليجانسها: [يقيم]. وفي نحو: [أبْيَن]، لا تَجانُسَ بين الياء وفتحته، فينقلب ألفاً ليجانسها: [أبان]. وهكذا…
تنبيه عظيم الأثر:
يمتاز وزن [أَفْعَل] بخروجه عن قواعد الإعلال، من قلب وحذف ونقل… ودونك بيان ذلك:
¨ لا يُعَلّ حرفُ العلة في [أفعل] اسمَ تفضيل. يقال مثلاً: خالد أَطْوَلُ من سعيد وأَبْيَنُ منه. ولو أعلّ لقيل: أطال من سعيد !! وأبان منه !! (وهذا لا يقال في العربية)
¨ ولا يُعَلّ في [أفعل] صفةً مشبهةً، ولا في فِعله أيضاً، ولا في مصدره. يقال مثلاً: فلان [أَحْوَل]، وقد حَوِلَ – يَحْوَلُ – حَوَلاً. ولو أُعلّ لقيل: أَحَال!! وهو: [أ صْيَد (رافع رأسه كبراً)]، وقد صَيِدَ – يَصْيَدُ – صَيَداً. ولو أعلّ لقيل: أصَاد!! (وهذا لا يقال في العربية)
¨ ولا يُعَلّ أيضاً في [ما أَفعله] و [أفعل به] تعجّباً. يقال مثلاً: [ما أصْيَده وأصْيِد به]، ولو أعلّ لقيل: ما أصاده، وأ صِيْدْ به = أصِدْ به !! (وهذا لا يقال في العربية)
* * *

(19/3)


1- ليست الألف في نحو (مفتاح) مثلاً، من أصل الكلمة، إذ الأصل (فتح)، ولا هي من أصل الكلمة، في نحو: (قاتل)، إذ الأصل (قتل). وأما في نحو: (قال) فإنها – وإن لم تكن أصلية فإنها بمنْزلة الأصلية – لأنها منقلبة عن أصل هو الواو، أي: (قول)، ثم قُلِبت الواو ألفاً.
2- لا تُحذَف هذه الواو، في المضارع المبني للمجهول، ولذا يقال مثلاً: [يُوصَل الخيطُ بالخيط، ويُوعَدُ المجتهدُ خيراً].
3- قد يتحرك حرف العلة وتسبقه فتحة، ومع ذلك لا يُقلَب !! وسبب ذلك أنه إذا قُلِب التقى ساكنان، فيتعذّر النطق به. مثال ذلك: [بَيَان وطَوِيل وفَتَيَان وعَصَوَان] فلو قَلبتَ حرف العلة من هذه الكلمات ألِفاً، لآل الأمر إلى: [بَاْاْن وطَاْيْل وفتَاْاْن وعصَاْاْن]، ولا يكون هذا في العربية.
4- في اللغة أفعال قليلة العدد، لا تكاد تُستعمل، وزنها [افتعل] صحّحوا واوها. أشهرها: [اشتوروا – اجتوروا – ازدوجوا – اعتوروا – اعتونوا]. والناس يستعيضون عنها بـ [تشاوروا وتجاوروا وتزاوجوا وتعاوروا وتعاونوا].
5- لا بدّ من التعريج هنا، على حالة خاصّة، تتجلى في تصغير كلمة [دَلْوْ] ونحوها مما ينتهي بالواو. وبيان ذلك أنّ التصغير لا بد فيه من الياء أصلاً، فإذا صُغِّرتْ كلمة [دلو] صارت: [دُ لَيْوْ]، فيلتقي حرفَا علّة: ياء التصغير والواو. ولما كان السابق منهما ساكناً، قُلِب الثاني – وهو الواو – ياءً، كما سيأتي بعد بضعة سطور في المتن، أي: [د ل ي ي] ثم كان الإدغام، فقيل: [دُلِيّ].
6- يلحق بهذا كلُّ جمعٍ وزنه [فعول]، ينتهي بواوين أصلاً، نحو: [عِصِيّ]، فإنّ الأصل هنا: [عصوو]: الواو الأولى واو [فعول]، والثانية لام الكلمة. وقد قلِبت الثانية ياءً: [عصوْي]، فاجتمع واو وياء، والسابق منهما ساكن، فيقلب ياءً: [ع ص ي ي]، وبالإدغام: [عصيّ]، جمعاً لـ [عصا].
7- إنما ضُمَّت الميم لتناسب الواو.

(19/4)


التقاء الساكنين
لا يلتقي في العربية ساكنان(1) فإذا التقيا، تخلص العربي من ذلك بمعالجة الساكن الأول، وأبقى الثاني على حاله. فدونك أحكام ذلك:
1- أن يلتقي الساكنان في كلمتين:
نوع الساكن الأول
الحكم
المثال
اللفظ
حرف مدّ
يُحذف
حضرناْ الْيوم
حضرنَ لْيوم
ليس حرف مدّ
يُكسر
خذْ الْكتاب
خُذِ لْكتاب
ميم الجمع
يُضمّ
لهمْ الْبشرى
لهمُ لْبشرى
نُونُ حرف الجر [مِنْ]
يُفتح
منْ الْبيت
منَ لْبيت
2- أن يلتقي الساكنان في كلمة، والأول حرف مدٍّ، فيُحذف، نحو: قُلْ، بِعْ، سَعَتْ، مَشَتْ (الأصل في ذلك: قُوْلْ – بِيْعْ – سَعَاْتْ – مَشَاْتْ)…
3- إذا اجتمع على حرف العلة سكونان حُذِف(2) نحو: لم يمْشِ، ولم يسْعَ، ولم يغزُ. (الأصل:لم يمشيْْ – لم يسعىْْ – لم يغزوْْ)(3) ونحو: اِمشِ، اِسْعَ، اُغزُ. (الأصل: اِمشِيْْ – اِسعَىْْ – اُغْزُوْْ)(4).
4- الفعل المضارع المجزوم، وأمرُه أيضاً، يجتمع على آخرهما سكونان، فيُتَخَلَّص من التقائهما، بالفرار إلى الفتح، نحو: [لم يشُدَّ وشُدَّ](5).
وفيما يلي جدول يعبّر عن الحالات الثلاث الأخيرة:
الحالة
الحُكم
المثال
الساكن الأول منهما حرف مدّ
يحذف
سَعَىْتْ
دَنَاْتْ
مَشَىْتْ
قُوْلْ
بِيْعْ
?
?
?
?
?
سَعَتْ
دَنَتْ
مَشَتْ
قُلْ
بِعْ
أن يجتمع السكونان على حرف علة:
بسبب الجزم:
يُحذف
لم يَسْعَىْْ
لم يَغْزُوْْ
لم يمشِيْْ
?
?
?
لم يَسْعَ
لم يَغْزُ
لم يَمْشِ
بسبب البناء:
اِسْعَىْْ
اُغْزُوْْ
اِمْشِيْْ
?
?
?
اِسْعَ
اُغْزُ
اِمْشِ
أن يجتمع السكونان على آخِر الفعل المضعّف:
بسبب الجزم:
يُفتح آخِره
لم يَشُدْدْ
?
لم يَشُدَّ
بسبب البناء
شُدْدْ
?
شُدَّ
* * *
1- يستثنى من ذلك حالة واحدة، كنحو: خاصّة، وضالّين… وشرطُها أن يكون الأول حرف مدّ، والثاني مدغماً في مثله.
2- يقول النحاة والصرفيون: حرف العلة ساكن بطبعه.

(20/1)


3- حُذف حرف العلة في هذه الأمثلة لالتقاء سكونين: سكون حرف العلة وسكون المضارع المجزوم.
4- حذف حرف العلة هنا أيضاً لالتقاء سكونين: سكون حرف العلة وسكون بناء فعل الأمر.
5- يجتمع على آخر الفعل المضارع المضعّف المجزوم سكونان: سكون التضعيف، وسكون الجزم، فيُتَخَلَّص من ذلك بالفتح، فيقال: [لم يشدَّ]. وكذلك الشأن في فعل الأمر المضعّف، إذ يجتمع على آخره سكون التضعيف وسكون البناء، فيُتَخَلَّص من ذلك بالفتح، فيقال: [شُدَّ].

(20/2)


الاشتغال
الاشتغال: وقوعُ فِعلٍ بين اسمٍ وضميرِه، فيجوز رفع الاسم ونصبه.
فمثال الرفع: [خالدٌ ضربته]، على أنه مبتدأ، والجملة بعده خبرُه.
ومثال النصب: [خالداً ضربته] على أنه مفعولٌ به مقدَّم.
وأما الضمير (الهاء من ضربته) ففي محل نصب، لأنه توكيد لإيقاع الفعل على الاسم المتقدم(1).
تنبيه: إذا كان الفعل لازماً، نحو: [خالداً مررت به] قدَّرتَ أن المعنى [خالداً لقيته]، أي: قدّرت الفعل المناسب.
* * *
نماذج فصيحة مِن الاشتغال
· ]أبشراً منّا واحداً نتّبعُه[ (القمر 54/24)
في الآية اشتغال: [أبشراً … نتّبعه]، وقد وقع الفعل [نتّبع]، بين الاسم المشتغَل عنه وضميره، فانتصب الاسم: [بشراً]، كما ترى. هذا على أنّ للآية قراءة أخرى بالرفع: [أبشرٌ….نتّبعه]. (مجمع البيان 9/190)، ودعْ عنك أنّ القراءتين واردتان، فإنّ الكلام لو لم يكن قرآناً لجاز الوجهان: الرفع والنصب.
ولا التفات إلى قول كتب الصناعة: النصب بعد همزة الاستفهام أرجح؛ فمتى جاز وجهان في اللغة، لم يكن لترجيح أحدهما على الآخر مسوِّغ. اللّهمّ إلاّ أن يكون ذلك تعبّداً بصناعة نحوية عفا عليها الزمان.
· ]والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً[ (الإنسان 76/31)
في الآية اشتغال: [الظالمين…أعدّ لهم]، وقد وقع الفعل بين الاسم المشتغَل عنه وضميره، فانتصب الاسم: [الظالمين]. هذا على أنّ قراءة عبد الله بن الزبير وأبان بن عثمان بالرفع: [والظالمون أعدّ لهم]. ودعْ عنك أنّ القراءتين واردتان، فإنّ الكلام – حتى لولم يكن قرآناً – يجوز فيه الوجهان: الرفع والنصب. هذا، وقد عالج ابن جني القراءتين ووجّههما. (انظر: مجمع البيان 10/412)
· قال الربيع بن ضبُع الفزاري:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملِكُ رأس البعير إنْ نفَرَا
والذئبُ أخشاه إنْ مررتُ به وحدي وأخشى الرياحَ والمطرا

(21/1)


في قول الشاعر: [الذئب أخشاه] اشتغال، وقد وقع الفعل بين الاسم المشتغَل عنه وضميره، فارتفع الاسم: [الذئبُ]، على الابتداء، والجملة بعده خبره.
وللبيت رواية أخرى هي: [الذئبَ] بالنصب، على أنه مفعول به مقدّم. وأما الهاء، ففي محل نصب لتوكيد وقوع النصب على الاسم.
هذا، وستظلّ ترى في كل نموذج من هذه النماذج الفصيحة، التي نعالجها، أو التي تقع عليها مستقبلاً في بعض ما تقرأ، أنّ الرفع والنصب في الاشتغال جائزان دوماً. وقد يُظَنّ غير هذا، حيث يلتبس الاشتغال بغيره. ونبين ذلك مبسوطاً في الآية الآتية، وهي قوله تعالى:
· ]وكلُّ شيءٍ فعلوه في الزبر[ (القمر 54/52)، (الزبُر: الكُتُب).
ليس في الآية اشتغال، وإنْ ظُنَّ ذلك أول وهلة!! وبيان هذا أنّ جملة: [فعلوه]، صفة لما قبلها، ومن ثم فإنّ فِعْلها ليس مسلّطاً على كلمة: [كلّ]، أي لا ينصبها على أنها مفعول به. ومن القواعد الكلية، أنّ الصفة لا تعمل في الموصوف. ومن هنا كانت كلمة [كلّ] – بالضرورة – مبتدأ مرفوعاً، وشبه الجملة (الجارّ والمجرور): [في الزبر] خبر، والتقدير: [كلُّ شيء فعلوه ثابتٌ في الزبر](2).
هذا بيان المسألة من وجهةٍ إعرابية. وأما الوجهة المعنوية، فبيانها: أنّ هذا التركيب لو كان تركيب اشتغال، لكان المعنى: [وفعلوا كلَّ شيء في الزبر]. أي الزبر مكانٌ لكل شيء فعلوه. وهو معنى غير وارد، وغير معقول.
فإذا كان هذا – وهو كائن – فقد بقي أن نلخّص المسألة فنقول: ليس التركيب في الآية تركيب اشتغال، فيكونَ نصبُ الاسم المتقدم ورفعُه جائزين، وإنما هو تركيبُ مبتدأٍ وخبر، والاسمُ المتقدم فيه واجبٌ رفْعهُ !!
ونخلص من جميع ذلك إلى القول: ليس في الاشتغال وجوبُ رفعٍ ولا وجوبُ نصب، بل فيه – في كل حال – جواز الرفع والنصب.
· قال النمر بن تولب، يردّ لوم امرأته له على إتلاف ماله:
لا تجزعي إن مُنفِساً أهلكته فإذا هلكتُ فعند ذلك فاجزعي

(21/2)


(المنفِس: هو النفيس، ويريد به المال الكثير)
في البيت اشتغال. إذ وقع الفعل: [أهلكتُ] بين الاسم المشتغَل عنه وضميره، فانتصب الاسم: [منفساً]. على أنه مفعول به مقدم. وأما الضمير [الهاء]، ففي محلّ نصب، لتوكيد وقوع الفعل على الاسم.
هذا، وللبيت رواية أخرى هي: [إنْ منفسٌ أهلكته] بالرفع، على أنّ الكلام مبتدأ وخبر(3). ومن ذلك، ومن مئات من مثل ذلك، تستيقن أن الاشتغال ليس فيه وجوبُ رفعٍ ولا وجوب نصب. بل فيه في كل حال جوازُ الرفع والنصب.
· ]الزانيةُ والزاني فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما… [ (النور 24/2)
(أي: الزانية والزاني اجلدوهما). ففي الآية اشتغال: وقد وقع الفعل [اجلدوا] بين الاسم المشتغَل عنه وضميره، فارتفع الاسم: [الزانيةُ…] على أنه مبتدأ، خبره جملة: [اجلدوا].
هذا على أنّ للآية قراءةً أخرى بالنصب: [الزانيةَ والزانيَ]، وهي قراءة عيسى بن عمر الثقفي، أستاذ الخليل بن أحمد. [المحتسب- لابن جني 2/100].
ودع عنك أنّ القراءتين واردتان، فحتى لو كان للآية قراءة واحدة، لكان الوجهان – الرفع والنصب – في مثل هذا النموذج جائزين.
· ]وأما ثمودُ فهديناهم[ (فصّلت 41/17)
في الآية اشتغال: فقد وقع الفعل: [هدينا] بين الاسم المشتغل عنه وضميره، وجاء الاسم مرفوعاً على أنه مبتدأ: [ثمودُ].
هذا، وللآية قراءة أخرى بالنصب: [ثمودَ]، على أنه مفعول به مقدم، وأما الضمير: [هم]، ففي محل نصب، لتوكيد وقوع الفعل على الاسم. قال ابن هشام (أوضح المسالك 2/11): [وقرئ: ]وأما ثمودَ فهديناهم[ بالنصب على حدّ (أي: على حدّ قولك) زيداً ضربته].
· ]جناتُ عدْنٍ يدخلونها[ (الرعد 13/23)

(21/3)


في الآية اشتغال: إذ وقع الفعل: [يدخلون] بين الاسم المشتغَل عنه وضميره، وجاء الاسم مرفوعاً على أنه مبتدأ: [جناتُ عدن]. غير أنّ للآية قراءةً أخرى بالنصب: [جناتِ عدنٍ]، على أنّ [جنات] مفعول به مقدم، والضمير [ها]، في محل نصب، لتوكيد وقوع الفعل على الاسم. قال الأشموني (1/340): [ومنه قراءة بعضهم: جناتِ عدن يدخلونها، بنصب جنات]. ومثل ذلك في (قطر الندى / 196).
· قالت امرأة من بني الحارث بن كعب:
فارساً ما غادروه مُلحَماً غيرَ زُمَّيْلٍ ولا نِكسٍ وَكِلْ
[ما: زائدة. ملحماً: لم يجد مخلَصاً في الحرب. زمَّيل: ضعيف جبان. نكس وكِل: ضعيف متواكل].
في البيت اشتغال: فقد وقع الفعل: [غادروا] بين الاسم المشتَغَل عنه وضميره، وقد رواه ابن الشجري بالنصب، وفي ديوان الحماسة بالرفع [فارسٌ]. والروايتان على المنهاج.
* * *
1- هذا مذهب الفراء والكسائيّ، في إعراب الاسم المتقدم والضمير. ومن تمام المسألة ملاحظة أنّ الضمير – في المعنى – هو الاسم المتقدم نفسه. ويقولون في تعليل نصب الاسم والضمير معاً بفعل يتعدّى إلى مفعول واحد: إنّ الأصل هو: [خالداً ضربت]، والفعل هنا متسلط على الاسم [خالداً]، إذ هو مفعوله. فإذا تسلط على الضمير أيضاً، كانت فائدة هذا التسلط، بعد أن تسلّط على الاسم الظاهر، هي تأكيد إيقاع الفعل على الاسم المتقدم. انظر: [شرح الكافية 1/438].
2- وبتعبير أكثر وضوحاً – وإن كان النحاة لا يرضون عنه – نقول: [كلُّ شيء فعلوه، قد ورد ذكره في الزبر].
3- الخزانة 1/314

(21/4)


اسم الآلة
اسم الآلة: اسمٌ يدلّ على الأداة التي بها يكون الفعل. نحو: [مِبْرَد ومِنشار ومِكنَسة]. ويؤخَذ من الفعل الثلاثيّ المتعدّي (1)، نحو: [برَدْت الحديدَ – ونشَرْت الخشبَ – وكنَسْت البيتَ].
أوزان اسم الآلة: لاسم الآلة – أصلاً – ثلاثة أوزان رأيتَ أمثلتها آنفاً، هي: [مِفْعَل: مِبرد]، و[مِفْعال: مِنشار]، و[مِفْعَلَة: مِكْنسة].
لكنّ مجمع اللغة العربية بالقاهرة أضاف إليها وزناً رابعاً هو: [فَعَّالَة] نحو: غسّالة(2). ثمّ أضاف مِن بعدُ ثلاثة أوزان أخرى هي: [فِعال وفاعِلَة وفاعول] نحو: [رِباط وساقِيَة وساطور]، فأصبحت الصيغ القياسية لاسم الآلة سبعَ صيَغ(3).
تنبيه: جاء عن العرب شذوذاً أسماءُ آلات على غير هذه الأوزان، منها: [الفأس – السكّين – المُنخُل – القَدُوم…]، فتُحفَظ وتُستعمَل ولكن لا يقاس عليها.
* * *
1- جاءت في كلام العرب أسماءُ آلاتٍ من فعلٍ لازم، نحو: [المِرقاة]، فإنّ فعلها [رقِيَ]، ومن فعلٍ مزيد على الثلاثي، نحو: [الْمِيضَأَة]، فإنّ فعلها [توضّأ]، ومن اسم جامد، نحو: [مِحبَرَة] فإنها من [الحِبْر].
2- لا عبرة بتاء التأنيث، فـ [فعّال وفعّالة] في الحكم سواء.
3- انظر كتاب: في أصول اللغة /19.

(22/1)


اسم الفاعل
اسم الفاعل: صيغة قياسية تدل على مَن فَعَل الفِعل؛ تُشتق من الثلاثي على وزن [فاعِل] نحو: [راكض – جالس – قاعد – قائل…]، وله صِيَغُ مبالغة نحو: سَيْفٌ بَتّار = [فَعّال]، ورجل أكول = [فَعُول]، وخطيب مِقْوال = [مِفْعال]، وأب رحيم = [فَعِيل]، وعدوّ حَذِر = [فَعِل].
ويُشتق اسم الفاعل من غير الثلاثي على صورة الفعل المضارع، بإبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وكسر ما قبل الآخر، نحو: [يتعلَّم – مُتعلِّم، يتراجَع – مُتراجِع، يستخرج – مُستخرِج، يساعد – مُساعِد…].
عمل اسم الفاعل:
يعمل اسم الفاعل عمل فعله، فيرفع فاعلاً وينصب مفعولاً به ويتعلق به شبه جملة، نحو: [أقارئٌ زهيرٌ كتاباً في البيت]. فـ [زهيرٌ] فاعل لاسم الفاعل [قارئ]، و[كتاباً] مفعولُه، وشبه الجملة [في البيت] متعلّق به(1).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال اسم الفاعل
· قال تعالى: ]فويلٌ للقاسيةِ قلوبُهم من ذِكْرِ الله[ (الزمر 39/22)
[القاسية]: اسم فاعل محلّى بـ [ألـ]، و[قلوبُ] فاعل لاسم الفاعل، مرفوع.
· وقال: ]وجاعِلُ اللّيلِ سَكَناً[ (الأنعام 6/96)
[سكناً]: مفعول به لاسم الفاعل [جاعلُ]. على أنّ للآية قراءة أخرى هي: ]وجَعَلَ اللّيلَ سَكَناً[، ولا شاهد في الآية عند ذلك على ما نحن بصدده.
· وقال: ]وكلبُهم باسِطٌ ذراعيْهِ بالوَصِيد[ (الكهف 18/18)
[باسط]: اسم فاعل، و[ذراعيه] مفعول به لاسم الفاعل، منصوب وعلامة نصبه الياء، لأنه مثنى.
· وقال الأعشى يشبّه يزيد بن مسهر الشيباني بالوعل (الديوان /61):
كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوهِنَها فلم يَضِرْها، وأَوْهَى قَرنَهُ الوَعِلُ
[ناطح]: اسم فاعل عمِل عمَل فعله [نَطَحَ]، فنصب مفعولاً به هو [صخرةً].
· ]والذّاكرين الله كثيراً والذّاكرات[ (الأحزاب 33/35)

(23/1)


[الذاكرين]: جمع اسم الفاعل: [الذاكر]، وقد عمِل عمَل فعله [ذَكَرَ] فنصب مفعولاً به، هو لفظ الجلالة. وذلك أن اسم الفاعل يعمل مفرداً ومثنى وجمعاً. ومِن عمله وهو مثنى، قول عنترة (الديوان /154):
الشاتِمَيْ عِرْضِي ولم أشتمهما والناذِرَيْن إذا لقيتُهما دمي(2)
[الشاتِمَيْ]: مثنى اسم الفاعل [الشاتم]، وقد عمِل عمَل فعله [شَتَمَ] فنصب مفعولاً به هو كلمة [عِرْض].
* * *
1- ليس إعمال اسم الفاعل ضربة لازب، بل للمتكلم الخيار، إن شاء أعمله فقال مثلاً: [هذا قاتلٌ فلاناً]، وإن شاء لم يُعْمِله فقال: [هذا قاتلُ فلانٍ]. قال تعالى: ]إنّ الله بالِغٌ أَمْرَه[ وفي قراءة أخرى: ]إنّ الله بالِغُ أَمْرِه[ (الطلاق 65/3)
2- ويروى (إذا لَمَ الْقهما).

(23/2)


اسم الفعل
اسم الفعل كلمة، تدل على ما يدل عليه الفعل، لكنها لا تقبل علاماته. مثال ذلك، [شَتَّانَ] فإنه يدل على ما يدل عليه الفعل الماضي: [افترقَ]، ولكنه لا يقبل علامة الفعل الماضي. فلا يقال مثلاً: [شَتّانَت].
واسم الفعل قد يكون بمعنى الفعل الماضي، مثل: [هيهات = بَعُد]. أو بمعنى الفعل المضارع نحو: [أُفٍّ = أتضجّرُ]. أو بمعنى فعل الأمر نحو: [مكانَك = اُثْبُتْ] و[إلَيْكَ = تَنَحَّ].
أحكام:
¨ أسماء الأفعال كلّها سماعية، ولا يستثنى من ذلك إلا صيغة واحدة، وزنُها [فَعالِ] ومعناها الأمر فإنها قياسية. فمِن: نَزَلَ وترَك ولعِب وكتَب وحذِر… يُصاغ: نَزَالِ وتَراكِ ولَعابِ وكَتابِ وحَذارِ…
¨ أسماء الأفعال تلزم صيغة واحدة لا تتغيّر. تقول: صه يا رجل، ويا امرأة، ويا رجلان، ويا امرأتان، ويا رجال، ويا نساء.
¨ كاف الخطاب تلحق اسم الفعل وجوباً، إذا كان أصله شبه جملة (ظرفاً أو جارّاً ومجروراً)، نحو: إليك عني – إليكما عني – إليكم عني – إليكنّ عني – مكانك – مكانكما – مكانكم – مكانكنّ.
¨ يعمل اسم الفعل عمل فعله مِن رفع فاعل، ونصب مفعول…
ودونك أشهر أسماء الأفعال، وأكثرها استعمالاً:
آمينَ: استجِبْ
حيَّ: أَقْبِلْ
آهِ=آهٍ=آهاً: أتَوجعُ
شتانَ: افترقَ
أفٍّ: أتضجّرُ
صهْ=صهٍ: اسكتْ
إليكَ عني: تنحَّ وابتعدْ
عليك: اِلْزمْ
أمامكَ: تقدّمْ
مكانَك: اُثْبتْ
أوّهْ: أتألّمُ
هاكَ: خُذْ
إيهِ=إيهٍ: حدّثْ وزِدْ
هيّا: أسرعْ
بَسْ: اكتَفِ وارفُقْ
هَيْهات: بَعُدَ
بَلْهَ: اُتركْ
وا=واهاً=وَيْ: أعجبُ
حَذارِ: اِحذرْ
وراءَك: تأخرْ
* * *
نماذج فصيحة من استعمال اسم الفعل
· قال تعالى: ]فلا تقلْ لهما أُفٍّ ولا تنهرهما[ (الإسراء 17/23)
[أفٍّ]: اسم فعل مضارع، معناه: أتضجّر.
· قال عليّ كرّم الله وجهه يخاطب الدنيا: [إِليكِ عنّي يا دنيا فحَبْلُكِ على غارِبك] (نهج البلاغة – د. الصالح /419)

(24/1)


[إليكِ]: اسم فعل أمر معناه تَنَحَّيْ وابتعِدي.
· قال ذو الرّمّة (الديوان 2/778):
وقَفنا فقُلْنا: إِيهِ عن أمِّ سالمٍ وما بالُ تَكْليمِ الديارِ البَلاقِعِ
[إيه]: اسم فعل أمر، والمعنى: زد من حديثك عنها.
· وقال كعب بن مالك يصف فِعْل السيوف:
تَذَرُ الجَماجِمَ ضاحِياً هاماتُها بَلْهَ الأكُفَّ كأنها لم تُخْلَقِ
(ضاحياً: بارزاً منفصلاً من مكانه) [بَلْهَ]: اسم فعل أمر معناه: دَعْ، اترُكْ..
· وقال الشاعر (شرح المفصّل 4/34):
يا ربّ لا تسلبنّي حبَّها أبداً ويرحمُ الله عبداً قال: آمينا
[آمين]: اسم فعل أمر معناه: استجبْ.
· وقال سالم بن أبي وابصة (المستطرف 1/133):
عليكَ بالقَصْد فيما أنتَ فاعِلُهُ إنّ التخَلُّقَ يأتي دونَهُ الخُلُقُ
[عليك]: اسم فعل أمر، معناه: اِلْزَمْ، وتمسّك.
· قال الأعشى (الديوان /147):
شَتَّانَ ما يَوْمِي على كُورِها ويومُ حَيّانَ أَخِي جابِرِ
(كورها: أراد كور الناقة، وهو لها كالسرج للفرس)
[شتان]: اسم فعل ماض، معناه: افترقَ.
· وقال أبو النجم العجلي (الديوان /227):
واهاً لِرَيّا ثمّ واهاً واها هِيَ المُنى لو أنّنا نِلْناها
[واهاً]: اسم فعل مضارع، معناه: أَعْجَبُ.
· وقال ربيعة بن مقروم الضبي (شرح المفصّل 4/27):
فَدَعَوا نَزالِ فَكُنْتُ أَوّلَ نازِلٍ وعَلامَ أَرْكَبُهُ إذا لم أَنْزِلِ
[نزال]: اسم فعل أمر قياسي، معناه: اِنزلْ.
· وقال ابن ميادة يحثّ ناقته على الإسراع (الديوان /237):
وقد دَجَا الليلُ فَهَيَّا هَيَّا
[هيّا]: اسم فعل أمر، معناه: أَسْرِعْ.
* * *

(24/2)


اسم الجمع
اسم الجمع: هو ما تضمّن معنى الجمع، ولكن لا واحد له. نحو: [جيش وقوم ونساء وشعب…]. ولك الخيار في أن تعامله معاملة المفرد، أو معاملة الجمع. فتقول مثلاً: النساء سافرت، والنساء سافَرْنَ، والقوم رحل، والقوم رحلوا…
* * *

(25/1)


اسم الجنس الإفرادي
اسم الجنس الإفرادي: هو ما دلّ على الكثير والقليل من الجنس، نحو: لبن، عسل، ماء…
* * *

(26/1)


اسم الجنس الجمعي
اسم الجنس الجمعي: هو ما تضمن معنى الجمع، دالاّ على الجنس، نحو: بطيخ وتفاح وتمر. ويفرق بينه وبين مفرده تاء تلحق المفرد، فيقال في حالة الإفراد: بطيخة وتفاحة وتمرة…
* * *

(27/1)


اسم المفعول
هو صيغة قياسية تدل على من وَقَع عليه الفعل.
صَوْغه:
يصاغ من الفعل الثلاثي على وزن [مَفْعُول] نحو: [مشروب – مكتوب – مسروق – مقطوع…](1).
ويصاغ من غير الثلاثي، على صورة المضارع المجهول، وإبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، كما ترى:
المضارع المجهول اسم المفعول
يُحترَم مُحترَم
يُقاتَل مُقاتَل
يُستخرَج مُستخرَج…
هذا، والأصل في كل حال، أن يصاغ اسم المفعول من الفعل المتعدّي، فإذا احتيج – في الاستعمال – إلى صوغه من فعل لازم، وجب أن يصحبه شبه جملة، نحو: [فلان مذهوبٌ به] و[السطح مجلوسٌ فوقه].
عمله:
يَرفع اسمُ المفعول نائبَ فاعلٍ، بدون قيد ولا شرط، نحو: [هذا مكسورٌ قلمُه]. فالقلم نائب فاعل لاسم المفعول [مكسور](2).
تنبيه:
قد يكون لاسم المفعول واسمِ الفاعل لفظٌ واحد، فيتعيّن هذا أو ذاك من سياق الكلام، نحو: [يناضِل أبناءُ البلد المُحْتَلِّ (اسم مفعول)، لِطَرْد العدوِّ المُحْتَلِّ (اسم فاعل)].
* * *
1- أمّا نحو [مَرْمِيّ = مَرْمُوي] و[مَقُول = مَقْوُول] و[مَرْضِيّ = مَرْضُوي] و[مَبِيع = مَبْيُوع] ممّا يصيب التغييرُ بعضَ حروفه لأسباب صرفية، فحقّ بنائِه أن يعالَج في بحث الإعلال؛ فمن شاء رجع إليه هناك.
2- ليس إعمال اسم المفعول ضربةَ لازِب، فالمتكلّمُ بالخِيار، إن شاء أَعْمَلَ فقال: [هذا مكسورٌ قلمُه]، أو شاء أهْمَلَ فقال: [هذا مكسورُ القلمِ].

(28/1)


الاسم الممدود وتثنيته وجمعه
الاسم الممدود: اسمٌ آخرُه ألِفٌ زائدة، بعدها همزة، نحو: [سماء – صحراء – بنّاء – قُرّاء (القُرّاء: هو القارئ الناسك)].
تثنيته وجمعه:
إذا ثنّيتَ الاسم الممدود أو جمعته:
· فإن كانت همزتُه أصليةً، بقيت على حالها قولاً واحداً(1) . نحو: [قرّاءان – قرّاءتان – قرّاؤون – قرّاءات].
· وإن كانت زائدةً للتأنيث قُلِبَت واواً قولاً واحداً نحو: [صحراء – صحراوان – صحراوات] و [حسناء – حسناوان – حسناوات] و[حمراء – حمراوان – حمراوات] (الأصل: صحر – حسن – حمر).
· وإن لم تكن أصلية ولا زائدة، بل منقلبة عن واو أو ياء، فلك الخيار: تبقيها همزة أو تقلبها واواً نحو: [كساء: كساءان أو كساوان]، [غطاء: غطاءان أو غطاوان]، [سماء: سماءان أو سماوان، وفي الجمع: سماءات أو سماوات](2).
استخلاص:
مَنْ كان يكره تشعيب القواعد، وتفريعَها، فليستمسك بما يلي:
– إذا كانت همزة الاسم الممدود أصلية لم تتغير عند تثنيته وجمعه قولاً واحداً: [الأصلي لا يتغير].
– فإن كانت زائدة للتأنيث، قُلبت واواً، قولاً واحداً.
– وأما في غير هاتين الحالتين، فلك الخيار: تبقيها همزة، أو تقلبها واواً.
فائدة:
الهمزة في كلمة [عشواء] ونحوها، مزيدة للتأنيث، وحكمها – إذاً – هو حكم [صحراء وحسناء…] أي: أن تقلب همزتها في التثنية والجمع واواً فيقال: [عشواوان – عشواوات]، لكنّ اجتماع واوين يفصل بينهما ألف، يثقل في اللفظ، ولذلك قالوا أيضاً: [عشواءان – عشواءات]. وكلا الوجهين جائز.
* * *
1- الأصلي لا يتغيّر.

(29/1)


2- همزة [كساء وسماء]، منقلبة عن الواو إذ الأصل: [كسا – يكسو، وسما – يسمو]، وأما همزة [غطاء] فمنقلبة عن الياء، إذ الأصل: [غطى – يغطي] مثل [رمى – يرمي]. ومن هنا أنْ جاز الوجهان في هذه الأسماء جميعاً، لأن همزاتها ليست أصلية ولا زائدة، بل منقلبة. ومن المفيد أن نذكر أنّ الأشهر والأفصح جمْعُ كلمة (سماء) بالواو، فيقال: (سماوات)، لكنّ طرْد القاعدة، وجمْعَها بالهمزة على (سماءات)، صحيح لا غبار عليه.

(29/2)


الاسم المنقوص وتثنيته وجمعه
الاسم المنقوص: اسم آخرُه ياءٌ مكسورٌ ما قبلَها، نحو: القاضِي، الجانِي، المحامِي(1). وتُحذَف ياؤه في حالتين:
الأولى: أن يكون مفرداً، مجرّداً من [ألـ] والإضافة، فتُحذف ياؤه، وينون بالكسر، في حالة رفعه وجره فقط، نحو:
[حَكَم قاضٍ] (حالة رفع، إذ هو فاعل) [على جانٍ] (حالة جرّ، إذ هو مجرور بعلى).
وأما في حالة النصب، فإن ياءه تثبت، فيقال مثلاً: رأيتُ قاضياً وجانياً.
الثانية: أن يُجمع جمعَ مذكر سالماً، فتُحذف ياؤه قولاً واحداً، فيقال مثلاً: شكا المحامونَ الجانِينَ إلى القاضِينَ(2).
فإذا ثنّيته، أو جمعته ; جمع مؤنث سالماً، بقي على حاله، كما ترى:
المفرد المثنى جمع المؤنث السالم الحُكم
الداعي الداعيان / الداعيَيْن الداعيات لا تغيير
* * *
1- إذا لم يكن ما قبل يائه مكسوراً، فليس اسماً منقوصاً، مثال ذلك: [ظبْي – مشْي – سعْي…]. وأما تسميته منقوصاً، فمن أنّ ياءه تُنقَص (تُحذَف) في مواضع من الاستعمال.
2- لولا الحذف لقيل: شكا المحامِيُونَ الجانِيِينَ إلى القاضِيِينَ، وهذا في العربية لا يقال.

(30/1)


الاسم المقصور وتثنيته وجمعه
الاسم المقصور(1): اسمٌ آخره ألف نحو: [هُدى، العطشى، كسرتْ عصا الفتى مصطفى].
1- تثنيته وجمعه (لهما حكم واحد، له استثناء واحد):
كلّ اسم مقصور إذا ثنّيته أو جمعته جمع مؤنث سالماً(2)، قلبت ألفه ياءً. إلاّ أن يكون ثلاثياً أصل ألفه واو، فتردّها إلى واو. ودونك من ذلك نماذج:
المفرد
المثنى
جمع المؤنث السالم
ملاحظات
فَتَى
فَتَيان/فتيَيْن

لا يُجمَع جمع مؤنث سالماً.
هُدَى
هُدَيان/هديَيْن
هديات
حُبْلى
حُبْلَيان/حبليَيْن
حُبْلَيات
رِضا
رِضَوان/ رِضَوَيْن

علمٌ مذكر، واويّ: من الرضوان.
عَصَا
عَصَوان/عَصَوَيْن

لا يُجمَع جمع مؤنث سالماً.
2- إذا جمعت الاسم المقصور جمع مذكر سالماً، حذفت ألفه:
ففي: [مُرْتَضَى ومصطفَى] – مثلاً – تقول في حالة الرفع: [مُرتَضَوْن ومصطَفَوْن]، وفي حالة النصب والجر تقول: [مُرْتَضَيْن ومُصطَفَيْن]. وفي [رِضا] تقول: [رِضَوْن – رِضَيْن] وفي [الأعلى] تقول: [الأعلَوْنَ – الأعلَيْن](3).
فائدتان:
الأولى: أن اتصال تاء التأنيث بالاسم المقصور، لا يغيّر من القاعدة المطردة شيئاً،وعلى ذلك تقول: [صلوات وفتيات].
الثانية: أن القياس يقضي بأن تُجمَع كلمة (حياة) على (حَيَيَات)، لأن الأصل (حيي)، ولكنهم مع ذلك جمعوها على [حَيَوَات]، كراهية تتالي لفظِ ياءَين مفتوحَتين.
* * *
1- يشيع عند كثيرين، أن الألف المقصورة هي التي تُكتب بصورةِ ياء غير منقوطة مثل: [فتى، مصطفى، عطشى…]، والحق أن الألف تُسمّى [مقصورة] مهما تكن صورة كتابتها. فهي مقصورة في [عصا ورجا] ومقصورة كذلك في [عطشى ومصطفى]…
2- يخضع جمع المذكر السالم (43) لقاعدة كليّة في العربية، ذُكِرَتْ في الفقرة التالية.
3- ليس حذف الألف هنا، قاعدة خاصة بالاسم المقصور وحده، بل هو قاعدة كليّة شاملة: فكلما التقى في الكلام حَرْفا علّة ساكنان وجب حذف أولهما بالضرورة. وإليك تطبيق ذلك على المقصور:

(31/1)


ففي الرفع: مصطفَىْوْن، ويُحذف الساكن الأول فيقال: مصطفَوْن.
وفي النصب والجرّ: مصطفَىْيْن، ويُحذف الساكن الأول فيقال: مصطفَيْن.

(31/2)


اسم المرة
يدل اسم المرة على وقوع الفعل مرة واحدة. ويصاغ من الفعل الثلاثي على وزن [فَعْلَة] نحو: [سار فلان سَيْرَة، وجلس جَلْسَة].
وأمّا الفعل غير الثلاثي فاسم المرة منه، هو مصدره القياسيّ، مضافاً إليه تاء في آخره. نحو: [انحدر فلان انحدارة] و[استكبر استكبارة].
فإذا كان مصدر الفعل ممّا ينتهي بتاء – أصلاً – نحو: رحمة ودعوة وإعانة واستقامة، وأريد استعماله للدلالة على المرة، فحينئذ يؤتى بعده بكلمة تدل على ذلك، فيقال: رحمة واحدة، ودعوة واحدة، وإعانة واحدة، واستقامة واحدة…
* * *

(32/1)


اسم المصدر
ليس في العربية [اسم مصدر] بل فيها [مصدر]، لكن كتب الصناعة تسمّي المصدر: [اسم مصدر]، إذا كانت حروفه أقل من حروف فعله الماضي.
مثال ذلك: [سلّم خالد سلامَ مستعجلٍ]، فـ [سلام = س ل ا م] عندهم اسم مصدر، لأن حروفه الأصلية أقل من حروف الفعل الماضي: [سلّم = س ل ل م]. وكذلك: [توضّأ وضوءاً]، فـ [وضوء] عندهم اسم مصدر، لأن حروفه أقل من حروف فعله الماضي: [توضّأ = ت و ض ض أ]. وهكذا…
* * *

(33/1)


الاسم الموصول
هو اسم لا يتمّ معناه إلاّ إذا وُصل بشبه جملة(1) أو جملة. فمِن وصْله بشبه الجملة قولك: [أعطني الكتاب الذي عندك]. و[أعرني الكتاب الذي في الدار]. ومن وصْله بالجملة قولك: [قرأت الكتاب الذي اشتريته].
واعلم أن الأسماء الموصولة صنفان:
¨ صنف تُفْرَد ألفاظه وتُثنى وتجمع وتذكّر وتؤنث (على حسب الحال). وهي: الذي (للمفرد المذكر)، اللذان – اللذَيْن (للمثنى المذكر)، الذِين (لجمع المذكر العاقل)، التي (للمفردة المؤنثة)، اللتان – اللتَيْن (للمثنى المؤنث)، اللاتي واللواتي واللائي (لجمع المؤنث)، الأُلى (لجمع المذكر، عاقلاً أو غير عاقل)(2).
¨ والصنف الثاني: أسماء تكون بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، وهي: مَنْ (للعاقل)، نحو: [يستفيد مَنْ يقرأ]، ما (لغير العاقل)، نحو: [أقرأُ مِن الكتب ما يفيدني]، أَيّ (للعاقل وغيره)، نحو: [سأزور أيَّهم أَفْضَلُ] و[يزورني أيُّهم أَفْضَلُ] و[أسلِّم على أيِّهم أَفْضَلُ](3).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الاسم الموصول: [الأُلى]
· قال عبيد ابن الأبرص (الديوان /8):
ديارُ بني سعدِ ابنِ ثعلبةَ الأُلى أذاع بهمْ دهرٌ على الناس رائبُ
وقد استعمل [الأُلى] لجمع الذكور العقلاء، إذ أتى به نعتاً لبني سعد ابن ثعلبة.
· وقال المجنون (الديوان /170):
محا حبُّها حبَّ الأُلى كُنَّ قبلَها وحلَّتْ مكاناً لم يكن حُلَّ مِن قَبْلُ
فجاء بهذا الاسم الموصول: [الأُلى] لجمع الإناث العاقلات، إذ أراد بقوله [حبُّ الأُلى كنّ قبلها]: حبّ النساء اللواتي كنّ قبلها.
· وقال أبو ذؤيب (شرح أشعار الهذليين 1/192):
وتُبْلي الأُلى يَسْتَلْئِمون على الأُلى تَرَاهُنَّ يومَ الرَّوعِ كالحِدَأ القُبْل
(ذَكَر المنونَ (الموت) في بيت سابق، ويريد: المنون تُبلي. يستلئمون: يتدرّعون. الحِدَأ: جمعٌ مفرده حِدَأة: طائر معروف. القُبْل: ذوات الحَوَل.)

(34/1)


وقد أتى بـ [الأُلى] مرتين في البيت: مرة لجمع الذكور العقلاء، وذلك قوله: [الأُلى يستلئمون]: أي الفرسان. ومرة لجمع ما لا يعقل، وذلك قوله: [الأُلى تراهنّ]: أي الخيول.
* * *
1- شبه الجملة هو ظرف أو جار ومجرور.
2- ورد استعماله جمعاً للمؤنث أيضاً – انظر شرح ابن عقيل 1/142
3- الاسم الذي يأتي بعد [أيّ] هذه، مرفوع دوماً على أنه خبر لمبتدأ، قد يحذف كما رأيت في [أيهم… أفضل] وقد يُذْكَر فيقال: [أيّهم هو أفضل]. ويسمي النحاة هذا الضمير الذي يجوز ذكره وحذفه: [صدر الصلة].

(34/2)


اسم التفضيل
هو اسم مشتق (39)، وزنه [أَفْعَل] ووزن مؤنثه [فُعْلَى]، يدل على زيادة في صفة، اشترك فيها اثنان، وزاد أحدهما فيها على الآخر. نحو: [سعيد أطول من خالد].
حُكْم: إذا تَعَذَّر صَوْغُ [أَفْعَل] اسماً للتفضيل، جيء بمصدر بعد [أكثر] أو [أعظم] أو [أشدّ] أو نحوها، فيقال مثلاً: فلانٌ أعْظَمُ إنسانيّةً، وأَكْثَرُ دحرجةً، وأَطْوَلُ استغفاراً. وهكذا…
أفعل التفضيل له في الاستعمال صورتان:
الصورة الأولى:
أن يكون محلّى بـ [ألـ]، فيطابق ما قبله في كل شيء، نحو:
جاء الفائز الأكبر جاءت الفائزة الكبرى
جاء الفائزان الأكبران جاءت الفائزتان الكبريان
جاء الفائزون الأكبرون جاءت الفائزات الكبريات
الصورة الثانية:
ألاّ يكون محلّى بـ [ألـ]، فيأتي عند ذلك على صورة واحدة، لا تتغيّر في كل حال، هي صورة [أَفْعَل]، مهما يكن الذي قبله والذي بعده(1).
ففي التعبير عن التفضيل المطلق يقال مثلاً:
هو أفضل رجل ، وهو أفضل الرجال
هي أفضل امرأة ، وهي أفضل النساء
هما أفضل رجلين ، وهما أفضل الرجال
هاتان أفضل امرأتين ، وهاتان أفضل النساء
هم أفضل رجال ، وهم أفضل الرجال
هنّ أفضل نساء ، وهنّ أفضل النساء
ففي كل حالٍ [أَفْعَل]، مهما يكن ما قبله وما بعده. فإذا احتيج إلى التقييد، زِيدتْ [مِنْ]، بعد [أَفْعَل]. فيقال مثلاً: خالد أفضل من سعيد، وزينب أفضل من فاطمة، وهكذا…
* * *
نماذج فصيحة من استعمال اسم التفضيل
· قال تعالى: ]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى[ (الأعلى 87/1)
[الأعلى]: اسم تفضيل، حُلّي بـ [ألـ]، فطابق كلمة [ربّك]، في التذكير والإفراد والتعريف.
· حديث: [اليدُ العُلْيا خَيرٌ مِنَ اليدِ السُّفْلى] (صحيح مسلم 7/124)
في الحديث مسألتان:

(35/1)


الأولى: أن [العليا] مؤنث الأعلى، و[السفلى] مؤنث الأسفل. فهما اسما تفضيل. وقد جاء كلاهما محلّى بـ [ألـ]، فطابقتا ما قبلهما؛ فـ [اليد] قبلهما، مفرد مؤنث معرّف، ولذلك جاء كلّ منهما مفرداً مؤنثاً معرّفاً.
والمسألة الثانية: أن كلمة [خَيْر]، الأصل فيها [أَخْيَر]، وِزان [أَفْعَل]، فهي إذاً اسم تفضيل حذفت همزتُه(1). ويُلاحَظ مجيء [مِن] بعدها، بسبب التقييد. إذ المعنى: خيرٌ من اليد السفلى فقط، لا خيرٌ من كلّ يدٍ على الإطلاق.
· قال تعالى: ]إنْ تَرَنِ أنا أَقَلَّ منك مالاً وولداً[ (الكهف 18/39)
اسم التفضيل [أقلّ] – في الآية – غير مُحَلّى بـ [ألـ]، ولذلك يكون وِزانَ [أفعل]، في كلّ حال، مهما يكن الذي قبله والذي بعده.
وقد أُتِيَ بعده بـ [مِن]، لأن في الآية تقييداً. أي: أنا أقلّ منك فقط، لا أقل من كلّ أحد على الإطلاق. ومثله قوله تعالى:
· ]ولتجدنهم أَحْرَصَ الناس على حياة[ (البقرة 2/96)
فإنّ اسم التفضيل [أحرص] في الآية، غير محلّى بـ [ألـ]، ولذلك يكون وِزان [أفعل]، من غير التفات إلى مجيء ما بعده، نكرةً أو معرفة. إذ القاعدة هي هي في كل حال.
* * *
1- لا فرق في ذلك بين مذكر ومؤنث، أو بين مفرد ومثنى وجمع، أو بين أن يَتلوه مُعَرّف أو مُنَكّر. ففي كل حال [أَفْعَل].
1- وردت كلمة [خَيْر] – على قلّة – في كلام العرب، على الأصل، أي: [أَخْيَر] بغير حذف. وتُماثِلها في ذلك كلمةُ [شَرّ]، فقد وردت بغير حذف: [أشرّ].

(35/2)


ومن الفوائد أن نذكر هنا، أن العربي قد يستعمل أفعل التفضيل حيث لا يريد التفضيل. ومنه قول عليّ كرم الله وجهه يشكو ويدعو: [أبدلَني الله بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شراً لهم مني]. فهو لا يريد أنهم خيّرون ويسأل الله أخير منهم، ولا أنه شرير ويسأل الله لهم أشرّ منه – حاشاه – وإنما يسأل الله لنفسه أخياراً، ويسأل لهم أميراً شريراً. قال ابن أبي الحديد موجِزاً: [(شراً) هاهنا، لا يدلّ على أن فيه شرّاً، كقوله ]قل أذلك خَيْرٌ أم جنة الخلد[ (الفرقان 25/15) لا يدل على أن في النار خيراً]. (نهج البلاغة 6/112)

(35/3)


الاستغاثة
الاستغاثة: نداءٌ يُطلَب به العونُ على دفع شِدّة(1). ولها أداةٌ واحدة هي: [يا]. وأسلوب واحد، يمثّله قولك:[يا لَلأقوياءِ لِلضعفاءِ](2). وقد يتعدد المستغاث فيقال مثلاً: [يا لَلأقوياء ولِلْقادرين، لِلضعفاءِ]. فتظلّ لامُ المستغاث الأول مفتوحة: [يا لَلأقوياءِ]، وتُكسَر كلُّ لامٍ بعده، مطلقاً، أي: [ولِلْقادرين لِلضعفاءِ].
* * *
1- لافرق في ذلك، بين أن تكون الاستغاثة لدفع شدة عن ضعيف، أو اتّقاء شدة من قوي، فالأسلوب هو هو في الحالتين، وإنما يُفهَم المقصود من السياق.
2- في المثال، استغاثة بالأقوياء لدفع الشدة عن الضعفاء: أداة الاستغاثة [يا]، والمستغاث به لدفع الشدة [الأقوياء]، والمستغاث له [الضعفاء]. وقد يُحذف المستغاث له، كنحو قولك: [يا لَلّهِ].

(36/1)


الفاعل
الفاعل: اسم مرفوعٌ، يُسنَد إليه فعلٌ، أوشبهُه(1) نحو قولك: [سافر خالدٌ]؛ وقد يكون مصدراً مؤوّلاً، نحو قولك: [سرّني أن تنجح = سرني نجاحُك]. والأصل أن يتقدم الفاعل على المفعول به، ولكن يجوز العكس. وسياق الكلام يزيل اللبس.
¨ مطابقة الفعل للفاعل تذكيراً وتأنيثاً:
– يُذكّر الفعل وجوباً إذا كان فاعلُه مذكّراً. مفرداً كان، أو مثنى، أو جمع مذكر سالماً(2) مثال ذلك: [قصَفَ الرعدُ – سقط الجداران – سافر المعلمون].
– يؤنّث الفعل وجوباً في حالتين فقط:
الحالة الأولى: أن يكون فاعله حقيقي التأنيث(3)، غير مفصول عنه، مفرداً كان، أو مثنى، أو جمعاً سالماً(2) نحو: [سافرت الطالبة – سافرت الطالبتان – سافرت الطالبات].
الحالة الثانية: أن يتقدّم عليه فاعلُه المؤنث، مفرداً كان، أو مثنى، أو جمعاً(4): مثال ذلك: [الشمس طلعت – زينب سافرت – الطالبتان سافرتا وتسافران – الطالبات سافرت وسافرن وتسافر ويسافرن – والجِمال سارت وسرن وتسير ويسرن](5).
· أما في غير هذه الحالات الثلاث: (أي: حالة وجوب التذكير إذا كان الفاعل مذكراً، وحالَتَيْ وجوب التأنيث إذا كان الفاعل حقيقي التأنيث غير مفصول عن فعله. أو مؤنثاً مطلقاً متقدماً على فعله)، فيجوز التذكير والتأنيث، والمرء بالخيار.
مسألة عظيمة الخطر: تقول مدرسة الكوفة: يجوز أن يتقدّم الفاعل على فعله، ففي نحو: [خالدٌ سافر]، يجيزون أن يُعرب [خالدٌ] فاعلاً مقدّماً. وأما مدرسة البصرة فتقول: بل [خالدٌ] في المثال إعرابه: [مبتدأ] ولا يجوز إعرابه فاعلاً. (انظر التفصيل في بحث: جزم الفعل المضارع).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الفاعل
· ]حتى توارتْ بالحجاب[ (ص 38/32)

(37/1)


أي توارت الشمس، فـ [الشمس] هي الفاعل، وإنما حُذِفت-وإنْ لم يسبق لها ذكر-لأن السياق دلّ عليها. وليس مثلُ هذا الحذف مقصوراً على الفاعل، بل هو عامّ، حين يُعرف المحذوف ويَدلّ عليه دليل. وقد أبَّد ذلك ابن مالك في بيتٍ خالد، إذ قال:
وحذفُ ما يُعلَمُ جائزٌ كما تقول: [زيدٌ]، بعدَ [مَن عندكما]
ومِن هذا أيضاً، قول بشّار (الديوان 4/184):
إذا ما غضبْنا غضْبةً مضريَّةً هتكنا حجاب الشمس أو تقطرَ الدما
أي: تقطر السيوف دماً، وقد حذف [السيوف] وهي فاعل، إذ دلّ عليها السياق.
· ]ومن الناس والدوابّ والأنعام مختلفٌ ألوانُه كذلك[ (فاطر 35/28)
من المقرر أن ما يشبه الفعل: كالصفة المشبهة واسم الفعل واسم الفاعل… يَرفعُ فاعلاً، كما يَرفَع الفعلُ فاعلاً. فأما ما يشبه الفعل هنا، فهو [مختلفٌ] فإنه اسم فاعل مِن [اختلف]، وأما فاعله فهو: [ألوانُه].
· ]وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فأَجِرْهُ حتى يسمع كلام الله[ (التوبة 9/6)
[أحدٌ]: فاعل مقدّم لفعل: [استجار] – في مذهب الكوفة، إذ تجيز إعراب الفاعل فاعلاً، سواء أتقدم على فعله أم تأخر عنه – وأما في مذهب البصرة، التي تمنع دخول أدوات الشرط على الأسماء وتمنع تقدم الفاعل على فعله، فإنّ [أحدٌ] فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور، أي: [وإن استجارك أحدٌ استجارك فأجره].
· ومِن نحو هذا قولُ السموءل:
إذا سيّدٌ منّا خلا قام سيّدٌ قؤولٌ لما قال الكرامُ فعولُ
وفيه أنّ [سيّدٌ] في مذهب الكوفة، يجوز أن يُعرَب فاعلاً مقدّماً على فعله [خلا]، وفي مذهب البصرة أنه فاعل لفعل محذوف يفسّره فعل [خلا] المذكور، أي: إذا خلا سيد منا خلا.
· ومثل ذلك طِبقاً، قولُ تأبط شراً (الديوان /86):
إذا المرءُ لم يَحْتَلْ وقد جَدَّ جِدُّهُ أضاع وقاسى أمرَهُ وهو مُدْبِرُ

(37/2)


فقد تقدّم الفاعل: [المرءُ]، على فعله: [لم يَحْتَلْ]، فيجوز أن يُعرَب فاعلاً، عند الكوفيين. على حين هو – عند البصريين – فاعل لفعل محذوف يفسّره فعل [لم يَحْتَلْ] المذكور، أي: إذا لم يحتل المرء لم يحتل.
· ]فمن جاءه موعظةٌ من ربه[ (البقرة 2/275)
لا مطابقة هنا في الآية، بين الفعل وفاعلِه. فالفعل: [جاء] مذكر، وفاعله: [موعظةٌ] مؤنث. وذلك جائز، لأن المطابقة – إذا كان الفاعل مؤنثاً – إنما تكون واجبةً في حالتين:
الأولى أن يتقدّم الفاعل المؤنث على فعله. وهذا غير متحقّق في الآية. فـ [موعظة] فاعل مؤنث، ولكنه لم يتقدّم على فعله.
والثانية أن يكون الفاعل حقيقي التأنيث، غير مفصول عن فعله. وهذا أيضاً لم يتحقق في الآية. فـ [موعظة] مؤنث غير حقيقي. فضلاً عن أنه مفصول عن فعله بالهاء. ولو لم يكن الكلام قرآناً لجاز أيضاً أن يقال: [فمن جاءته موعظةٌ من ربه].
· ]وأخذ الذين ظلموا الصيحةُ[ (هود 11/67)
الشأن في الآية هنا، كالشأن في الآية السابقة، فالفعل: [أخذ] مذكر، وفاعله: [الصيحةُ] مؤنث. فلا مطابقة إذاً بينهما، وذلك جائز، لأنّ المطابقة إنما تكون واجبةً في حالتين هما: أن يتقدّم الفاعل المؤنث على فعله، أو أن يكون حقيقي التأنيث، غير مفصول عن فعله. والآيةلم يتحقق فيها أيّ منهما، فجاز التذكير والتأنيث. ودليل ذلك وبرهانه، قولُه تعالى من السورة نفسها: ]وأخذت الذين ظلموا الصيحةُ[ (هود11/94) فقد وَرَدَ الفعل هنا مؤنثاً، إذ لم يتحقق أيّ من شرطَي الوجوب المذكورين آنفاً.
· ]إذا جاءك المؤمنات يبايعنك[ (الممتحنة 60/12)

(37/3)


[جاء]: فعل مذكر، و [المؤمنات]: فاعلٌ مؤنث، حقيقي التأنيث، ولم يتطابقا. لأنّ المطابقة لا تكون واجبة، إلا في الحالتين اللتين ذكرناهما آنفاً، وهما: أن يتقدّم الفاعل المؤنث على فعله، أو يكون حقيقي التأنيث، غير مفصول عن فعله. والآية لم يتحقق فيها أيّ منهما، فالفاعل لم يتقدّم على فعله، ثمّ إنه – وإن تأخّر عن الفعل وكان حقيقي التأنيث – قد فصل بينهما فاصل هو كاف الضمير في [جاءك]. وعلى ذلك جاز التذكير والتأنيث. ولولم يكن الكلام قرآناً، لجاز أن يقال أيضاً: [إذا جاءتك المؤمنات].
· قال الشاعر:
إنّ امرأً غرَّهُ منكنَّ واحدةٌ بَعْدي وبعدكِ في الدنيا لَمَغْرورُ
[واحدة] (أي امرأة واحدة)، فاعلٌ حقيقي التأنيث، لكنْ فُصِل بينه وبين فعله بهاء الضمير، فضلاً على الجارّ والمجرور: [منكنّ]، فكانت المطابقة غير واجبة، وجاز التأنيث والتذكير. ولولا أن ينكسر الوزن لجاز أن يقول الشاعر أيضاً: [غرته منكن واحدة].
· ]آمنتْ به بنو إسرائيل[ (يونس 10/90)
من المقرّر أنّ الفعل يُذكَّر وجوباً في حالة واحدة فقط. هي أن يكون الفاعل مذكراً، مفرداً كان أو مثنى، أو جمع مذكر سالماً – تحديداً دون غيره من الجموع – ولما كان الفاعل في الآية وهو: [بنو] ملحقاً بالمذكر السالم، وليس مذكراً سالماً، انتفى وجوب التذكير، وجاز الوجهان: التذكير والتأنيث. ولو لم يكن الكلام قرآناً، لجاز أن يقال أيضاً: [آمن به بنو إسرائيل].
· قال النابغة الذبياني (الديوان /82):
قالت بنو عامرٍ: خالُوا بني أسدٍ يا بؤسَ لِلجَهلِ ضرّاراً لأقوامِ
(خالوا بني أسدٍ: أي اقطعوا حلفهم).

(37/4)


تقدّم في الآية آنفاً: أنّ الفعل يُذكَّر وجوباً في حالة واحدة فقط. هي أن يكون الفاعل مذكراً، مفرداً كان أو مثنى، أو جمع مذكر سالماً – تحديداً دون غيره من الجموع – ولما كان الفاعل في البيت، وهو: [بنو]، ملحقاً بالمذكر السالم، وليس مذكراً سالماً، انتفى وجوب التذكير، وجاز الوجهان: التذكير والتأنيث. وعلى ذلك جاز في البيت، [قالت بنو عامر]، ويجوز للشاعر – لو أراد – أن يقول: [قال بنو عامر].
· قال عَبْدَة بن الطبيب:
فبكى بناتي شجوهنّ وزوجتي والظاعنون إليَّ ثمّ تصدّعوا
لا مطابقة في البيت، بين الفعل وفاعله، فالفعل: [بكى] مذكر، وفاعله: [بناتي] مؤنث.
ولقد جاز ذلك، لأن المطابقة إنما تجب في حالتين إحداهما: أن يكون الفاعل حقيقي التأنيث، غير مفصول عن فعله، مفرداً كان أو مثنى أو جمع مؤنث سالماً.
ولما كان الفاعل: [بناتي] ليس جمع مؤنث سالماً انتفى وجوب التأنيث وجاز الوجهان: التأنيث والتذكير. ولو قال الشاعر: [بكت بناتي] لجاز ذلك.
· ]كذّبتْ قومُ نوحٍ المرسلين[ (الشعراء 26/105)
لا مطابقة في الآية، فالفعل مؤنث: [كذبت]، والفاعل مذكر: [قوم]. وقد جاز ذلك لأن وجوب التذكير لم يتحقق شرطه، وهو: أن يكون الفاعل مذكراً، مفرداً كان أو مثنى أو جمع مذكر سالماً – تحديداً دون غيره من الجموع – ولما كان الفاعل: [قوم] ليس جمع مذكر سالماً – وإنْ دلّ على كثير – انتفى وجوب التذكير، وجاز الوجهان: التأنيث والتذكير. ومنه أنْ جاء التذكير في قوله تعالى: ]وكَذّب به قومُك وهو الحقّ[ (الأنعام 6/66)
· ]إذ قالت امرأة عمران[ (آل عمران 3/35)

(37/5)


الفعل في الآية مؤنث: [قالت]، وفاعله أيضاً مؤنثٌ: [امرأة]، فالمطابقة إذاً متحققة، وهي مطابقة واجبة قولاً واحداً. وذلك أنّ الفاعل متى كان اسماً حقيقي التأنيث غير مفصول عن فعله، كان تأنيث فعله واجباً. ولقد تحقق ذلك في الآية: فـ [امرأة] فاعل حقيقي التأنيث، لا يفصله فاصل عن فعله: [قالت]، ومن هنا كانت المطابقة واجبة.
* * *
1- إذا قيل: [سافر خالدٌ]، قال النحاة: في هذه الجملة مسنَدٌ هو: [سافر] ومسندٌ إليه هو: [خالد]. وأمّا ما يشبه الفعل فهو ما يعمل عمله مثل: [اسم الفعل، والصفة المشبهة، واسم الفاعل إلخ…] فالمرفوع بعدها فاعل لها نحو: [هيهات السفر – سعيدٌ جميلٌ وجهُه – خالدٌ ناجحٌ سعيُه…].
2- دون غيره من الجموع الأخرى، كجمع التكسير، والملحق بالجمع السالم، فهذه جائز تذكير الفعل معها لا واجب. على أن الكوفيين يجيزون التذكير والتأنيث في كل جمع مطلقاً. وأما أبو علي الفارسي فيستثني جمع المذكر السالم من هذا الإطلاق فلا يجيز فيه إلاّ التذكير.
3- يراد بالحقيقي التأنيث: ما يتناسل.
4- المراد بالجمع هنا كلُّ جمعٍ مؤنث مطلقاً: أي جمع السلامة، نحو: [الطالبات]، وجمع التكسير، نحو: [الحوامل]، وجمع غير العاقل، نحو: [الجِمال].
5- يصحّ أن يقال في التثنية: [الفتاتان تسافران ويسافران]، وفي الجمع: [الفتيات تسافرن ويسافرن]، فالتاء والياء، كلاهما جائز، في الحالتين.

(37/6)


الفعل الأجوف
الفعل الأجوف: ما كان حرفه الثاني حرف علّة (واواً أو ياءً). وهو صنفان:
الأول: ما ينقلب بالإعلال ألفاً، وهو كثير، كنحو [قال – صام – باع – ذاع]، فهذه في الأصل: [قوم – صوم – بيع – ذيع]…
والثاني: ما لا ينقلب، فيبقى على حاله كنحو: [عَوِر – غَيِد]، وهو قليل، محدودةٌ أفعاله.
هذا، على أنّ ما يعتري الفعل الأجوف من إعلال وتصحيح في حالاته الثلاث (ماضياً ومضارعاً وأمراً)، متّصلاً بالضمائر، أو غيرَ متصل بها، تجده – سيراً مع منهج البحث العلمي – في موضعه من بحث [الإعلال].
* * *

(38/1)


فعل الأمر
الأمر: ما يُطلب به إلى المخاطَب، فِعلُ ما يؤمر به. وله خمس صيغ، إليكها مطبقةً على أفعال الفتح والنصر والجلوس:
1- اِفتَحْ اُنصُرْ اِجلِسْ (للمفرد المذكر)
2- اِفتَحي اُنصُري اِجلِسي (للمفرد المؤنث)
3- اِفتَحا اُنصُرا اِجلِسا (للمثنى المذكر والمثنى المؤنث)
4- اِفتَحوا اُنصُروا اِجلِسوا (لجمع المذكر)
5- اِفتَحْن اُنصُرْن اِجلِسْن (لجمع المؤنث)
أحكام:
¨ يلازم آخرُ الأمر السكونَ، إذا لم يتصل به شيء، نحو: [اِشربْ]. فإن اتصل به ما يدلّ على المخاطَب، جانست حركةُ آخره، ما يتصل به:
ففي [اِشربِي] حركةُ آخره الكسر، لأن الكسر يجانس الياء.
وفي [اِشربَا] حركةُ آخره الفتح، لأن الفتح يجانس الألف.
وفي [اِشربُوا] حركةُ آخره الضمّ، لأن الضمّ يجانس الواو.
وفي [اِشربْن] لزم الأمرُ السكون، لمجانسته سكونَ النون عند الوقف(1).
¨ يحُذَف آخر الأمر، إن كان معتلَّ الآخر، غيرَ متصل به شيء. فيقال مثلاً: [اِسعَ وادنُ وامشِ]، والأصل: [اِسعَىْ وادنُوْ وامشِيْ](2).
¨ إن كان الأمر مثالاً، نحو: [وَعَد – وَصَل – وَقَف] حُذِفَت فاؤه، فيقال: [عِدْ – صِلْ – قِفْ].
¨ يجتمع على أمر اللفيف المفروق(3) حذفُ الحرف الأول والثالث، فيبقى منه حرف واحد. ففي نحو: [وعى – وفى – وقى – ونى] يبقى بعد الحذف: [عِ – فِ – قِ – نِ]. فتزاد هاء السكت وجوباً، في الآخر عند الوقف، فيقال: [عِهْ – فِهْ – قِهْ – نِهْ].
¨ تزاد همزة وصلٍ مضمومة، في أمر الثلاثي المضموم العين فيقال: [اُكتُب – اُخرُج]، وأما في غير ذلك فتكون مكسورة: [اِشرَب – اِجلِس – اِنطلقْ – اِستخرجْ](4).
* * *
1- من القواعد الكلية التي لا تتخلّف، أن الوقوف على متحرك، لا يجوز في العربية. وتقيداً بذلك، لم نعتدّ بفتح نون النسوة في أثناء الدرج بل اعتددنا بسكونها عند الوقف. هذا، فضلاً على ما للوقوف على الساكن من آثار تطبيقية أحياناً، كما رأيتَ هنا، وفي مواضع أخرى من البحوث.

(39/1)


2- انظر: [اتصال الفعل الناقص بواو الجماعة وياء المخاطَبَة]، في بحث تصريف الأفعال (64).
3- يُطلَق مصطلح [اللفيف المفروق] على ما فاؤه ولامه حرفَا علَّة، إذ يفرق بينهما حرف صحيح.
4- جرت العرب على أن تحذف الهمزة من أمر فِعْلَيْ: [أخذ – أكل] فقالت: [خُذْ – كُلْ]، وأما فعل [أَمَرَ] فربما حذفت همزته فقالت: [مُرْ]، وربما أثبتتها فقالت: [اُؤمُرْ]. وحَذفَت الهمزة وأثبتتها أيضاً في صيغة الأمر إذا كانت عينَ فِعْلِ [سألَ]، فقالت: [سَلْ] كما قالت: [اِسْأَلْ].

(39/2)


الفعل الماضي
الفعل الماضي: ما دلّ على حدَثٍ مضى زمنه. نحو: [سافر خالد]. وعلامته أن يقبل التاء في آخره نحو: [سافرت]. ويتعاوره الفتح والضمّ والسكون:
– فالفتح، نحو: [سافرَ خالد، وسافرَتْ زينب، وخالد وزينب سافرَا].
– والضمّ، نحو: [سافرُوا].
– والسكون، نحو: [سافرْتُ وسافرْتَ وسافرْنا](1)…
* * *
1- ما كان من فعلٍ ماضٍ معتلٍّ آخره، فموضع أحكامه وما يتصل بذلك، هو بحث الإعلال. فمن شاء طلبه في موضعه.

(40/1)


الفعل المهموز أوّلُه(1)
¨ جرت العرب على أن تَحذف همزة فِعْلَيْن، من أفعال الأمر المهموزِ أوّلُها. وذلك لكثرة استعمالهما في كلامهم، وهما: [خُذْ وكُلْ].
· وأما إدغام وفكّ همزات الأفعال المهموزة، فإن منهج البحث العلمي، يقضي أن يكون الحديث عنهما، ومعالجتهما في بحث الهمزة من قسم الأدوات. فانظر ذلك هناك.
* * *
1- كل فعلٍ أوّلُه أو ثانيه أو ثالثه همزة، فهو في الاصطلاح [فعل مهموز]، والبحث هنا في المهموز أوله.

(41/1)


الفعل المثال
الفعل المثال هو: ما كان حرفه الأول حرف علّة(1) نحو: [وعد – ورم – يبس – يئس…].
الحُكم: إذا كان الفعل المثال متعدّياً، حذفت الواو من مضارعه وأمره. وذلك نحو: [وَعَدَ – يَعِدُ – عِدْ] و[وَضَعَ – يَضَعُ – ضَعْ].
وما جاء مخالفاً لهذا، فسماعيٌّ لا يقاس عليه.
* * *
1- حروف العلة هي الواو والياء، وأما الألف فمنقلبة عن أحدهما.

(42/1)


الفعل المضعّف
الفعل المضعّف: ما كان ثاني حروفه وثالثها من جنس واحد. نحو: [مدّ – شدّ – قلّ – عفّ]…
يقتصر البحث في الفعل المضعّف، على الإدغام وفكِّه، ومواضع وجوب ذلك وجوازه. وسيراً مع منهج البحث العلمي، وتجنباً للتكرار، لم نعرض لهذه المسائل هنا، إذ كان موضعها بحث الإدغام، فمن شاء رجع إليها في موضعها.
* * *

(43/1)


الفعل المضارع
الفعل المضارع: ما دلَّ على حدَثٍ يجري مستمرّاً(1)، نحو: [ينجح خالد، وتفرح سعاد، ونسافر مبكِّرين، وأقرأ كثيراً…] ولا بدّ من أن يكون أوَّلُه حرفاً مزيداً من أربعة هي: النون والهمزة والياء والتاء، تجمعها كلمة: (نأيت).
ومن علاماته أن يقبل دخول [سوف]، نحو: [سوف نسافر].
أحكام:
¨ تُحذَف الواو من مضارع الفعل المثال(2) الواويّ، إذا كان متعدياً. نحو [وَعَدَ ووَضَعَ] فيقال: [يَعِدُ ويَضَعُ].
¨ يُرْفَع المضارع بالضمة، ويُنصَب بالفتحة، ويُجزَم بالسكون، نحو: [يسافرُ خالدٌ، ولن يرجِعَ، ولم يُودّعْ أصحابَه]. فإذا اتصل به ضمير الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبَة، رُفِع بالنون، وجُزم ونُصب بحذفها. وذلك في خمسة أفعال، يسمّونها (الأفعال الخمسة). تقول في الرفع: [يسافران وتسافرون وتسافرين]، وفي الجزم والنصب: [إن يسافروا فلن يندموا ولن تندمي].
¨ يبنى المضارع مرتين:
مرةً على السكون إذا اتصلت به نون النسوة نحو: [هنّ يشربْنَ].
ومرةً على الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد – خفيفةً أو ثقيلةً – مباشرة بغير فاصل، نحو: [لَتَكْتُبَنْ ولَتَكْتُبَنَّ](3).
* * *
1- إنما يُعَيِّن زمانَه للماضي أو الحاضر أو المستقبل، أداةٌ أو قرينة. ففي قولك: [لَم أسافر إلى بيروت] تعيَّن زمنُ المضارع للماضي بـ [لم]. وفي خطاب القرآن لبني إسرائيل: ]فلِمَ تقتلون أنبياء الله من قبل[ تَعيَّنَ زمنُه للماضي بقرينة. وفي قولك: (سأسافر)، تعيّن زمنه للمستقبل بالسين. وإذا سألك أحدهم وقد رآك تشرب: [ماذا تفعل]؟ فقلتَ: [أشرب]، فالقرينة هاهنا عَيَّنَت زمنه للحال، وهكذا…
2- الفعل المثال، مصطلح نحويّ، معناه: الفعل المعتل الفاء، أي: المعتل الأول.
3- لعل من المفيد توجيه النظر إلى أن بناء المضارع مرهون باتصاله – حصراً – بإحدى النونين: نون النسوة ونون التوكيد. فإذا لم يتصل بإحداهما، كان معرَباً ولم يكن إلى بنائه سبيل.

(44/1)


الفعل الناقص
تصريفه واتّصاله بالضمير(1)
بين يدَيِ البحث: تذكير بقواعد كليّة، موضعُها – أصلاً – بحث الإعلال:
1- إذا التقى ساكنان أولهما حرف علّة حُذف(2) نحو:
دَعَاْتْ = دَعَ… تْ
ترضاْيْن = ترضَ… يْنَ
يخشاْوْن = يخشَ… وْنَ
2-كل ألف في آخر الفعل الناقص لا بدّ من أن تكون منقلبة عن واو أو ياء.
ففي نحو [دعا]: الألف منقلبة عن واو، والدليل: دعوْت.
وفي نحو [مشى]: الألف منقلبة عن ياء، والدليل: مشيْت.
3- إذا زاد الفعل الناقص على ثلاثة أحرف، قلبت ألفه ياءً، مهما يكن أصلها.
ففي نحو [تسامى] يقال: [تسامَيْنا]، فتقلب الألف ياءً، والأصل واو، والدليل: يسمو.
وفي نحو[تماشى] يقال: [تماشَيْنا]، فتقلب الألف ياءً، والأصل ياء، والدليل: يمشي.
4- إذا حُذفت الألف، ظلّ الحرف قبلها مفتوحاً، فيَستدلّ المرء بهذه الفتحة على أن الحرف الذي حُذف هو الألف.
تنبيه لا بدّ منه: كل فعل معتلّ – مهما يكن حرف العلّة فيه – ومهما يكن موضعه، تعتريه أنماط من الحذف أو الإثبات أو القلب، ومن التحريك أو التسكين… تحكمها قواعد كلّيّة، ناقصاً كان الفعل أو أجوف أو مثالاً… وموضع كل ذلك هو بحث [الإعلال]. وسيراً مع ما يوجبه منهج البحث العلمي، لم نعرض لهذه المسائل هنا، فخالفنا بذلك سُنّةً من سنن النحاة، يلزمونها كلما عرضت حالة من حالات الإعلال !! في موضع من المواضع!! في بحث من البحوث!!
وإنما أعرضنا عن ذلك، تجنّباً للتكرار، وحرصاً على اتصال أجزاء المواضيع، وصوناً لها من التقطيع وانفصام العرى، عند كل خطوة يخطوها البحث. فمن شاء رجع إلى هذه المسائل، في مواضعها من بحث [الإعلال].
* * *
البحث
الفعل الناقص: ما كان آخره حرفَ علّة، نحو: [عدَا – مشَى- رضِي…].
أحكام:
· إذا اتصل الفعل الناقص بواو الجماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة، حُذف حرف العلة، قولاً واحداً.

(45/1)


· فإنْ كان هذا المحذوف ألفاً، بقي ما قبله مفتوحاً أبداً قولاً واحداً(3)، بغير التفاتٍ إلى صيغة الفعل من ماضٍ أو مضارع أو أمر، ولا التفاتٍ إلى ما يتّصل به من واو جماعة أو ياء مؤنثة مخاطبة، نحو:
سعَـ..وا، يسعَـ..ون، اِسعَـ..وا، اِسعَـ..ينَ
يرضَـ..ون، ترضَـ..ين، اِرضَـ..وا – اِرضَـ..يْ…
(لفظ الأمر يُحمَل على لفظ المضارع)
· أو كان غيرَ الألف (أي: الواو أو الياء):
فقبْله الضمُّ أبداً، إذا اتّصل بواو الجماعة (لأنّ الضمة هي التي تناسب الواو) نحو:
نسِي – نَسُـ..وا (في الماضي)،
يمشِي – يمشُـ..ون (في المضارع)،
امشُـ..وا (في الأمر، ولفظ الأمر يُحمَل على لفظ المضارع).
وقبْله الكسرُ أبداً، إذا اتّصل بياء المخاطبة (لأنّ الكسرة هي التي تناسب الياء) نحو: تعدُو – تعدِ..ين- اعدِ..ي(4).
تقول في المضارع(5) : يا زينب تعدِ…ين، ترمِـ…ين، تستهدِ…ين.
وتقول في الأمر: يا زينب اعدِ…ي، اِرمِـ…ي، اِستهدي.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الفعل الناقص
· ]ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله[ (الحشر 59/19)
[نَسُوْا]: الأصل: نسِيَ + (واو الجماعة)
هاهنا فعلٌ ماضٍ متصل بواو الجماعة. حذف من آخره حرف العلة وهو الياء: [نسِـ…وْ](6) والحذفُ حكمُ كل فعل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة.
ثم لأنه متصل بالواو يُضَمّ الحرف الذي يسبقه – وهو هنا السين – لمناسبة واو الجماعة، وعلى ذلك قيل: [نَسُوا].
والذي ذكرناه في هذا المثال، ينطبق كل الانطباق على: [عَمُوا – شَقُوا – رَضُوا] في الآيات: ]ثمّ عَمُوا وصَمُّوا[ (المائدة 5/71)، ]فأمّا الذين شَقُوا ففي النَّار[ (هود 11/106)، ]رَضِيَ الله عنهم ورضُوا عنه[ (البيّنة 98/8)
فحاولْ تحليلها في هَدْي ما بيّنّا لك.
· ]دَعَوْا الله مخلِصين له الدِّين[ (يونس 10/22)

(45/2)


[دَعَوْا]: الأصل: دَعَا + (واو الجماعة). هاهنا فعلٌ ماضٍ متصل بواو الجماعة، حذف من آخره حرف العلة، وهو الألف: [دعَـ… وْ]، والحذفُ حُكمُ كل فعل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة. ثم لأن المحذوف ألف، يبقى الحرف الذي قبله، وهو هنا العين، مفتوحاً، فيدل على المحذوف. وعلى ذلك قيل: [دعَوْا].
والذي ذكرناه هنا، ينطبق كل الانطباق على قوله تعالى: ]ونادَوْا يا مَالِكُ لِيَقْضِ علينا ربّك[ (الزخرف43/77)، وقوله: ]واسْتَغْشَوْا ثيابَهم[ (نوح 71/7)، وعلى قول كثيّر عزّة (الديوان /81):
بلَوْهُ فأَعطَوْه المقادةَ بعدما أَدَبَّ البلادَ سهلَها وجبالَها
فحاولْ تحليل ذلك في هَدْي ما بيّنّا لك.
· قال حسان بن ثابت (الديوان /309):
يُغشَون حتى ما تهرّ كلابُهمْ لا يَسألون عن السَّواد المُقْبِلِ
[يُغْشَوْنَ]: الأصل: يُغْشَا + وْنَ (واو الجماعة)
هاهنا فعل مضارع مبني للمجهول، حذف من آخره حرف العلة، وهو الألف: [يُغْشَـ…وْن] والحذف حُكمُ كل فعل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة.
ثم لأن المحذوف ألف، يبقى الحرف الذي قبله – وهو الشين – مفتوحاً، فيدل على المحذوف، وعلى ذلك قيل: [يُغْشَوْن].
ومن المفيد أن نوجّه النظر هنا، إلى أن بناء هذا الفعل للمعلوم أي: [يَغْشَوْنَ]، لا يغير من الأمر شيئاً(7).
هذا، وما ذكرناه هنا، ينطبق كل الانطباق على: [تنهَون وتتعاشَوا] في قول حسان بن ثابت (جمهرة ابن الكلبي 1/261):
يا آل تَيمٍ ألا تنهَوْنَ جاهلَكمْ قبل القِذاف بأمثال الجَلاميدِ
وقول الحارث بن حِلِّزة (السبع الطوال /477):
فاتركوا البغيَ والتعدِّيْ وإما تتعاشَوا ففي التعاشي الداءُ
وما كان مثلَهما، فحاولْ تحليلهما في هَدْي ما بيّنّا لك.
واعلم أن هذا ينطبق أيضا على المضارع المتصل بياء المؤنثة المخاطبة، نحو: [ترضَين وتخشَين…] فالألف تُحذف، والحرف الذي يسبقها يفتح قولاً واحداً، جرياً مع القاعدة.
· قال كثيّر عزّة (الديوان /80):

(45/3)


يُحَيُّون بُهلولاً به رَدَّ ربُّه إلى عبد شمسٍ عِزَّها وجَمالَها
[يُحَيُّونَ] الأصل: يُحَيِّيْ(8) + وْنَ (واو الجماعة)
هاهنا فعل مضارع، حذف من آخره حرف العلة، وهو الياء الثالثة: [يحيّـ…ون] والحذف حكم كل فعل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة. ثم لأنه متصل بالواو، يضمّ الحرف الذي يسبقه-وهو هنا الياء-لمناسبة واو الجماعة(9). وعلى ذلك قيل: [يحيُّون].
· في الحديث: [تهادَوْا تَحابُّوا…]. (الموطّأ 2/908)
[تَهَادَوْا]: الأصل: تَهادَىْ + وْ (واو الجماعة)
هاهنا فعلُ أمر، حُذف من آخره حرف العلة، وهو الألف: [تهادَ…وْ]، والحذف حُكْمُ كل فعل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة. ثم لأن المحذوف ألف، يبقى الحرف الذي قبله – وهو الدال – مفتوحاً، فيدل على المحذوف. وعلى ذلك قيل: [تهادَوْا].
والذي ذكرناه هنا، ينطبق كل الانطباق على قول عليّ عليه السلام (نهج البلاغة – د. الصالح/491): [تَوَقَّوُا البردَ في أوّله، وتَلَقَّوْهُ في آخره…].
فحاولْ تحليل ذلك، في هدي ما بيّنا لك.
ونوجّه نظرك إلى أن هذا ينطبق أيضا على المضارع المتصل بياء المؤنثة المخاطبة، نحو: [تلقَّي وتوقَّي…] فالألف تحذف والحرف الذي قبلها يفتح. وهكذا…
* * *
1- ليس المقصود هنا بـ [الفعل الناقص] كان وأخواتها، بل المقصود به: الفعل المنتهي بألف أو واوٍ أو ياء.
2- ذكرنا في بحث الإعلال أنّ حروف العلة هي: الواو والياء، وأما الألف فمنقلبة عن أحدهما. وليس إطلاقنا مصطلح [حروف العلة] في هذا البحث، على الألف والواو والياء جميعاً، إلاّ من قبيل التجوّز، إذ الأحكام هنا تشمل الأحرف الثلاثة، بغير نظر إلى أصلها، أو مآلها.
3- تدلّ الفتحة على أن الحرف المحذوف ألف.
4- أجازوا ضمّ وكسر همزة الوصل، في المعتل الآخر بالواو إذا اتصل بياء المخاطبة، فصحّ أن تقول: اُعدِي واِعدِي.
5- لم نعرّج على الماضي، لأنه لا يتّصل بياء المخاطبة.

(45/4)


6- كتابة الألف بعد واو الجماعة، مسألة إملائيّة، لا علاقة لها بما نحن بصدده، وقد حذفناها عمداً، خشية أن تصرف بصر القارئ أو ذهنه عن القاعدة.
7- بيان ذلك، أن المسألة مركوزة في الاتصال بواو الجماعة والحرفِ المحذوف والحركةِ قبله. وهذه لا يغيّر منها شيئا أن يكون لفظ الفعل [يَغْشَوْنَ] أو [يُغْشَوْنَ].
8- (يحيّي): فيه ثلاث ياءات، الأولى والثانية منها مدغمتان.
9- ملاحظة: لو كان هذا الفعل مبنياً للمجهول لقيل: (يُحَيَّوْن). وعند ذلك يجري عليه ما يلي: يحيَّون: مضارع، والأصل: [يحيَّا + وْن]، حذف حرف العلة، وهو الألف: يحيَّـ…ون – وذلك حكم كل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة. ثم لأن المحذوف ألف، يبقى الحرف الذي قبله – وهو الياء – مفتوحاً، فيدل على المحذوف.

(45/5)


الهيئة ومصدرها
الهيئة: هي الحالة التي يكون عليها الحَدَث. وتتشكل من مصدر ومضاف إليه، نحو: [فَرَّ فِرارَ الخائف]، أو مصدرٍ ونعتِه، نحو: [تَثاقَلَ تثاقلاً مُمِلاًّ]. وقد يتقدم عليه وصفه نحو: [زهير حَسَنُ الجلوس]، أي: زهير ذو جلوس حسن.
مصدرها: يُصاغ مصدر الهيئة من الفعل الثلاثي على وزن [فِعْلَة]، نحو: [جلس جِلْسةَ المستعجل].
وأما ما فوق الثلاثي فمصدره نفسه هو مصدر الهيئة، نحو: [استرحم استرحام الذليل].
* * *

(46/1)


الحكاية
الحكاية هي: نقل ما قيل كما قيل، بلا تغيير ولا تبديل.
فإذا سمعتَ رجلاً يلفظ اسمَ خالد – مثلاً – مرفوعاً بالضمة فيقول: [خالدٌ]، وأردتَ حكاية قوله قلتَ: [سمعتُ: خالدٌ]. فتعيد الكلام بعينه؛ ولولا أنك تحكي ما سمعتَ لقلتَ: [سمعتُ خالداً](1).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الحكاية
· ذكروا أن أحدهم قال: [إنّ في الدار قرشيّاً] فقيل له: [ليس بقرشيّاً]؛ ولولا الحكاية لقيل له: [ليس بقرشيٍّ].
· وقال بعضهم: [عندي تمرتان] فقيل له: [دعني من تمرتان]؛ ولولا الحكاية لقال: [دعني من تمرتين].
· والسورة الثالثة والعشرون من المصحف هي [سورة المؤمنون]، ولولا الحكاية لقيل: [سورة المؤمنين].
· ولقد سمع ذو الرُّمة يوماً قائلاً يقول: [الناسُ ينتجعون الغيث]. (أي: يطلبون الكلأ)، فقال لناقته، واسمُها [صَيْدَح]؛ وأنتِ فانتجعي بلالَ بن أبي بردة، ذاك الرجل الكريم، قال:
سمعتُ: [الناسُ ينتجعون غيثاً] فقلتُ لـ [صَيْدَح]: انتجعي بِلالا
ولولا أنّ ذا الرمة أراد أن يحكي ما سمع لقال: [سمعتُ الناسَ…].
* * *
1- في إعراب: [سمعتُ: خالدٌ] يقال: [سمعت]: فعل وفاعل. و[خالدٌ]: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها حركة الحكاية.

(47/1)


جمع الجمع
جاء عن العرب أنهم جمعوا الجمع أحياناً. وذلك كلمات معدودات بأعيانها. وجمع الجمع – على هذا – سماعي، فما ورد منه يحفظ ويستعمل، ولكن لا يقاس عليه. من ذلك: بيوتات ورجالات وجمالات وأقاويل وأظافير…
هذا، على أن مجمع اللغة العربية بالقاهرة، أجاز جمع الجمع عند الحاجة. وطريقة ذلك أن يُجمع الجمع – في هذه الحال – على ما يُجمع عليه المفرد(1) المناظر له، نحو:
قوْل – أقوال – أقاويل
وعَيْن – أعيُن – أعايِن…
* * *
1- لا يعتدّ في جمع الجمع بنوع الحركة من فتحة وضمة وكسرة، بل يعتد بمناظرة حرف متحرك لحرف متحرك، وحرف ساكن لحرف ساكن.

(48/1)


جمع المؤنث السالم
يجمع الاسم جمع مؤنث سالماً، بأن يزاد عليه ألف وتاء مبسوطة(1)، نحو: [زينب – زينبات].
ويجمع هذا الجمعَ:;:
1- العلم المؤنث، نحو: [هند – هندات، وفاطمة – فاطمات].
2- الاسم المختوم بإحدى علامات التأنيث الثلاث: الألف الممدودة، نحو: [صحراء – صحراوات]، والألف المقصورة، نحو: [ذكرى – ذكريات]، والتاء المربوطة، نحو: [شجرة – شجرات](2).
3- صفة ما لا يعقل، ومصغَّره. فمثال صفته: [جبل شاهق – جبال شاهقات]. ومثال مصغَّره: [دريهم – دريهمات].
4- المصدر الذي يتجاوز فعله ثلاثة أحرف، نحو: [تعريفات]، فإنه من عرّف، و[إكرامات]، فإنه من أكرم.
5- الاسم الذي لم يُعهد له جمع آخر، أعجمياً كان أو غير أعجمي، نحو: [مهرجان وتلفزيون وحمّام وإصطبل…]، فإنها تجمع على [مهرجانات وتلفزيونات وحمامات وإصطبلات…].
6- اسم غير العاقل، إذا كان يُبدأ بـ [ابن]، أو [ذي]، نحو: [ابن آوى وابن عرس] و[ذي القعدة وذي الحجة] فإن ذلك يُجمع على: [بنات آوى وبنات عرس] و[ذوات القعدة وذوات الحجة].
لاحقة: ألحَقوا الكلمات التالية بجمع المؤنث السالم، فعاملوها معاملته، وإن لم تتحقق لها شروطه:
أ – أولات (أي صاحبات): فإن معناها الجمع، وليس لها مفرد من لفظها.
ب – أذرعات وعرفات وعنايات ونعمات ونحوها، فلفظها لفظ الجمع، ومعناها المفرد.
ج – أسماء الحروف الهجائية، فقد قالوا: ألفات وسينات ولامات وميمات… فجمعوها هذا الجمع وإن لم تُستكمَل لها شروطه.
حكمان:
الأول: إذا كان المفرد مختوماً بالتاء المربوطة، حُذِفت في الجمع وجوباً، نحو: [مجتهدة – مجتهدات].
الثاني: جمع المؤنث السالم – كسائر الأسماء في العربية – يرفع بالضمة، ويجر بالكسرة. لكنه في حالة النصب، يتفرَّد، فيُنْصَب بالكسرة. مثال ذلك:
هذه دجاجاتٌ : وقد رُفع بالضمة.
ونظرت إلى دجاجاتٍ : وقد جُر بالكسرة.
واشتريت دجاجاتٍ : وقد نصب بالكسرة عوضاً عن الفتحة.

(49/1)


ولابن مالك في هذا بيت لطيف يقول فيه:
وما بِتا وألفٍ قد جُمِعا يُكسَر في الجر وفي النصب معا
طرائق جمع المؤنث السالم:
إذا جمعتَ الاسم الثلاثي الساكن الثاني، نحو: [سجْدة وخطوة ورحْلة…] جمع مؤنث سالماً، جاز لك طريقتان:
الأولى: أن تَفتح ثانيَهُ مطلقاً في كل حال. نحو: [سَجْدة – سَجَدات، وخُطْوة – خُطَوات، ورِحْلة – رِحَلات].
والثانية: أن تَجعل حركتَه مماثلةً لحركة الحرف الأول. نحو: [سَجْدة – سَجَدات، وخُطْوة – خُطُوات، ورِحْلة – رِحِلات].
لاحقة: أجازوا أيضاً سكون الثاني، إذا كان الأول مضموماً أو مكسوراً، نحو: [خُطوة ورِحلة – خُطْوات ورِحْلات].
تنبيه: كل ما بحثنا فيه من حركات إنما يتعلق بـ [الاسم، الثلاثي، الساكن الثاني].
فإذا لم يكن اسماً، بل كان صفةً، نحو: ضخْمة وسهْلة، أو لم يكن ثلاثياً، نحو: زينب وسعاد، أو لم يكن ساكن الثاني، نحو: شجَرة وعِنَبة، ففي كل هذه الأحوال لا تغيير في اللفظ ولا تبديل. وعلى ذلك تقول في جمع الكلمات المذكورة آنفاً: ضخْمات وسهْلات، وزَيْنَبات وسُعادات، وشَجَرات وعِنَبات (3).
* * *
1- إذا لم تكن الألف والتاء – كلتاهما – زائدتين، لم تكن الكلمة جمع مؤنث سالماً.
2- يستثنى من المختوم بالتاء المربوطة ست كلمات هي: [امرأة – شاة – أَمَة – شفة – ملَّة – أُمَّة]، فإنها تجمع على: [نساء – شياه – إماء – شفاه – مِلَل – أُمَم].
3- من العرب من يسكن الثاني في الجمع، إذا كان حرفَ علة، نحو: غيْمة – غيْمات، وجوْزة – جوزات، ومنهم من يفتحه مستظلاّ بالقاعدة العامة: [فتح الثاني مهما تكن حركة الأول]. فامرؤ وما اختار.

(49/2)


جمع المذكر السالم
¨ هو جمعٌ سلِمتْ صورة مفرده، فلم يصبها التغيير، وزِيدَ في آخره واو ونون في حالة الرفع نحو: [جاء كاتبون]، وياء ونون في حالتَي النصب والجرّ، نحو: [رأيت كاتبِين، ومررت بكاتبِين]. فإذا أضيف حُذفت نونه، نحو: جاء معلّمو المدرسة، ورأيت معلّمي المدرسة، ومررت بمعلّمي المدرسة.
¨ لا يُجمَع جمعَ مذكّر سالماً إلاّ شيئان:
1- علَمٌ لمذكّر عاقل، نحو: [خالد وسعيد وأحمد]، فيقال في جمعها: [خالدون وسعيدون وأحمدون].
2- اسم مشتقّ يصلح أن يُنْعَتَ به المذكّر العاقل، كاسم الفاعل واسم المفعول واسم التفضيل والصفة المشبّهة، نحو: [كاتب، محروم، أكرم، طيّب…]، فإنها تجمع على: [كاتبون، محرومون، أكرمون، طيّبون…].
تنبيه: استَعْملَت العرب عدداً من الكلمات، استعمال جمع المذكر السالم، مع أنها لم تستكمل شروط هذا الجمع. فرفعَتْها بالواو والنون، ونصبَتْها وجرَّتْها بالياء والنون. ولذلك سماها النحاة: (الملحقات بجمع المذكر السالم)، أشهرها: أرضون، سنون، أهلون، بنون، عالَمون، أُولو، عشرون وأخواتها.
* * *

(50/1)


الجامد والمشتقّ
تمهيد: كل اسم لا يرجع إلى كلمة تسبقه في الوجود فهو [جامد]. فالشمس والقمر والحجر والشجر، والعِلم والنصر والرَكض…كلها أسماء جامدة. لأن ألفاظها لا ترجع إلى كلمات أخرى سبقتها في الوجود.
وأما الاسم المشتقّ، فهو الذي يؤخذ من كلمة سبقته في وجودها؛ فالمُشمِس والمُقْمِر والمتحجّر والمشجَّر، والعالِم والمنصور والراكض، كلها أسماء مشتقّة، لأنها ترجع إلى كلمات سبقتها في الوجود، ذكرناها آنفاً. فكما يكون الصخر جامداً ثم يخرج منه الماء، كذلك شأن الجامد من الكلمات، هو جامد ومنه تؤخذ المشتقات.
البحث
ذكرنا آنفا ما يدل على الاسم الجامد. ولمزيد من الدلالة عليه، نقول: إنه لا يخلو من أن يكون مما تقع عليه الحواسّ، فيسمُّونه: [اسم ذات]، كالحجر والدرهم والرجل والشمس والقمر… أو يكون مما يدركه العقل، فيسمّونه [اسم معنى]، كالرَّكْض والشُّربِ والنَّوم… فهذه الثلاثة ونحوُها، أمور لا تقع عليها الحواسّ، وإنما يدركها العقل؛ فالرائي إنما يَرى الراكضَ والشاربَ والنائمَ، ولكن لا يرى الركضَ والشربَ والنوم…
ومن المشتقات: اسم الفاعل، واسم المفعول، واسم التفضيل، واسم الآلة، إلخ…
* * *

(51/1)


الجامد والمتصرف
إذا كان الفعل ممّا يلزم صيغة واحدة لا يَعْدُوها، سَمَّوْه جامداً. ثم قد تكون صيغةَ ماضٍ نحو: [عسى- ليس…] أو صيغة أمرٍ نحو: [تعالَ – هاتِ…].
فإذا كان ممّا يتحوّل من صيغة إلى أخرى سمَّوه: متصرّفاً.
ثم هو تامُّ التصرّف، إذا كان يأتي منه الصيغ الثلاث: (الماضي والمضارع والأمر)، نحو: [شربَ – يشربُ – اِشربْ]، و[فتحَ – يفتحُ – اِفتحْ].
وهو ناقصُ التصرف إذا كان يأتي منه صيغتان فقط، مثل: [كاد – يكاد]، و[أوشك – يوشك]، و[يَذَرُ- ذَرْ]، و[يَدَعُ – دَعْ].
* * *

(52/1)


جزم الفعل المضارع
ما يَجزم الفعلَ المضارع ضربان: أحدهما يجزم فعلاً مضارعاً واحداً، والآخر يجزم فعلين مضارعين.
¨ فما يجزم فعلاً واحداً، أربعة أحرف، دونكها في أمثلة:
– (لَمْ): ومن خصائصه أنه يقلب زمن المضارع إلى ماضٍ. نحو: [لم نسافِرْ]. أي: لم نسافر في الماضي.
– (لَمّا): ومن خصائصه أنه ينفي حدوث الفعل من الزمن الماضي حتى لحظة التكلم. نحو: [عزَمْنا على السفر، ولمّا نسافرْ]. أي: ولم نسافر حتى الآن.
– (لام الأمر): نحو: [لِنُسافرْ، فمَن سافر تجدَّد](1).
– (لا الناهية): نحو: [لا تسافرْ وحيداً، فالرفيق قبل الطريق].
¨ وما يجزم فعلَيْن عشر أدوات، دونكها في أمثلة(2):
– (إنْ): نحو: [إنْ تدرسْ تنجحْ]. وهو حرف. وسائر الأدوات التالية أسماء، وهي:
– (مَنْ): للعاقل نحو: [مَنْ يدرسْ ينجحْ].
– (ما): لغير العاقل نحو: [ما تفعلْ مِن خير، تنلْ جزاءَه].
– (مهما): لغير العاقل نحو: [مهما تَكتُمْ خلائقَكَ تُعْلَمْ].
– (متى): للزمان، نحو: [متى تزرْنا نُكرمْك]. وقد تلحقها (ما) الزائدة: [متى ما تزرْنا نكرمْك].
– (أيّان): للزمان، نحو: [أيّان يَصُنْكَ القانون تُصَنْ]. وقد تلحقها (ما) الزائدة: [أيان ما يصنْك القانون تُصَنْ].
– (أين): للمكان، نحو: [أين تجلسْ أجلسْ]. وقد تلحقها (ما) الزائدة: [أينما تجلسْ أجلسْ].
– (أنّى): للمكان، نحو: [أنّى تُقِمْ نَزُرْكَ].
– (حيثما): للمكان، نحو: [حيثما تستقمْ تُحْتَرَمْ].
– (أيّ): اسم مبهم معرَب، نحو: [أيَّ كتابٍ تقرأْ يُفِدْكَ]. وقد تلحقها (ما) الزائدة: [أيَّما كتابٍ تقرأْ يُفِدْكَ]. وتمتاز من الأدوات الأخرى، بمزيتين، إليكهما:
ا- لا بدّ بعدها من مضاف إليه ظاهر، نحو: [أيَّ كتابٍ تقرأْ يُفِدْكَ]، أو مقدَّر، نحو: [كتابَ أيٍّ … تقرأْ يفدْكَ]. أي: كتاب أيِّ مؤلِّفٍ…
2 – تأتي مرفوعةً ومنصوبة ومجرورة، على حسب موقعها من الكلام(3).
الشرط والجواب

(53/1)


تدخل أداة الشرط على فعلين، فيسمى الأول فعل الشرط، ويسمى الثاني جواب الشرط. ويكون ذلك على أربعة أضرب، إليكها في أمثلة:
إنْ تدرسْ تنجحْ: (الشرط والجواب مضارعان).
إنْ درست نجحت: (الشرط والجواب ماضيان).
إنْ تدرسْ نجحت: (الشرط مضارع والجواب ماضٍ).
إن درست تنجحْ: (الشرط ماضٍ والجواب مضارع)(4)
فإذا لم يكن جواب الشرط فعلاً مضارعاً ولا فعلاً ماضياً، أوكان أحدَهما، ولكن تعذّر تأثير أداة الشرط فيه – لمانع يمنع من ذلك، كما سترى – يُؤتى عند ذلك بفاءٍ(5) تدخل على الجواب، فتربطه بالشرط. وقد نُظِمت هذه الموانع في بيت من الشعر لتيسير حفظها، نورده فيما يأتي، مع التعليق على كلٍّ منها للإيضاح:
اِسميّةٌ طلبيَّةٌ وبجامِدٍ وبـ(ما) و(لن) وبـ(قد) وبـ(التنفيسِ)
اِسمية: يعني إذا كان الجواب جملة اسميّة، نحو: [إن تصفحْ فـ الصفحُ أجمل](6).
طلبية: أو كان الجواب ذا صيغةٍ طلبية، نحو: [إن أخطأتَ فـ اعتذِرْ].
جامد: أو كان الجواب فعلاً جامداً، نحو:[إن تتعبِ اليوم فـ عسى أن ترتاح غداً].
ما: أو كان الجواب مصدَّراً بـ [ما]، نحو: [إن تجتهدْ فـ ما نجاحك بعجيب].
لن: أو كان الجواب مصدَّراً بـ [لن]، نحو: [منْ يستقمْ فـ لن يندمَ].
قد: أو كان الجواب مصدَّراً بـ [قد]، نحو: [إن أساءت الأيام فـ قد تُحْسِنُ].
التنفيس(7): أو كان الجواب مصدَّراً بالسين أو سوف، نحو: [من يسِرْ على الدرب فـ سيصلُ، من يسرْ على الدرب فـ سوف يصلُ].
الجزم بالطلب
يُجزم الفعل المضارع، إذا جاء مسبَّباً عن طلبٍ(8) قبله، نحو: [ادرسْ تنجحْ]، فالفعل [تنجحْ] إنما جُزم، لأنه مسبب عن طلبٍ قبله هو [ادرسْ]، فإن لم يكن كذلك لم يكن جزم، ومنه قوله تعالى: ]ولا تَمْنُنْ تستكثرُ] (9) (المدثر 74/6)
أحكام:
¨ تذكير بقاعدة كليّة: ما يُعلَم يجوز حذفه، ومنه قول الشاعر:
فطلِّقْها، فلست لها بكفءٍ وإلاّ… يعلُ مفرقَكَ الحسامُ

(53/2)


أي: وإلاّ تطلِّقْها يعلُ. فحَذَفَ فعل الشرط، للعلم به.
ومنه قولهم: مَن أكرمك فأكرمه، ومَن لا فلا !! أي: ومن لا يُكرمْك فلا تُكرمْه. وفيه حذْفُ الشرط والجواب معاً، وقد دلّ السياق على ما حُذِف.
¨ قد يتقدَّم جواب الشرط على الشرط والأداة. نحو: [أنت ظالم إن فعلت]. والكلام قبل تقدُّم الجواب: [إن فعلت فأنت ظالم](10).
¨ إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للأول منهما، نحو: [والله – إن نجحتَ – لأكافئنّك]. و[إن تسافرْ – والله – أسافرْ]. فإن تقدّم عليهما ما يحتاج إلى خبر، جاز أن تجعل الجواب لأيهما شئت. تقول: [خالدٌ والله – إن يجتهد – لينجحنَّ] و[خالدٌ – والله – إن يجتهد ينجحْ].
تبيين: بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة خلاف في تقدُّم الفاعل على فعله. ففي نحو: [خالدٌ سافر]، تقول الكوفة: يجوز أن يتقدم الفاعل على فعله. فيكون [خالدٌ: فاعلَ (سافر)]. والبصرة تقول: [بل (خالدٌ): مبتدأ، وفاعلُ [سافر] ضمير مستتر تقديره [هو] يعود إلى [خالد]، وجملة: [سافر] خبر (خالدٌ)].
وبناءً على ما قدّمنا مِن اختلافهم، يكون لكلمة [الضيوف] من قولك: [إنِ الضيوفُ حضروا فاستقبلْهم] إعرابان:
فبناءً على رأي الكوفة:
[الضيوف] فاعلٌ لفعلِ [حَضَر] والواو علامة جمع. شأنها كشأن التاء مِن: [زينبُ سافرتْ]، فإنها علامة تأنيث.
وبناءً على رأي البصرة:
[الضيوف] فاعل لفعلٍ محذوف، يفسّره الفعل المذكور، أي: [حضر]. والتقدير: [إنْ حضر الضيوف حضروا فاستقبلهم].
ملاحظة: نكرر هنا ما قلناه في الحاشية قبل بضعة أسطر من أن العرب قالت: [إنِ الضيوف حضروا فاستقبلهم]، واختلاف المدرستين في إعراب هذا التركيب، لا يغيّر منه شيئاً!!
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الجزم
· ]مَن كان يريد حرثَ الآخرة نزدْ له في حرثه[ (الشورى 42/20)
دخلت أداة الشرط [مَن] على ماضٍ: [كان]، فمضارعٍ فجزمته: [نزدْ].
· ]ومن كان يريد حرثَ الدنيا نُؤتِهِ منها[ (الشورى 42/20)

(53/3)


دخلت أداة الشرط [مَن]، على ماضٍ: [كان]، فمضارع فجزمته: [نؤتِ].
· قال قعنب ابن أمّ صاحب (المغني /772):
إن يسمعوا سُبَّةً طاروا بها فرحاً عنّي، وما يَسمعوا مِن صالحٍ دَفَنُوا
[إن يسمعوا… طاروا]: دخلت أداة الشرط [إن] في صدر البيت على مضارع فجزمته: [يسمعوا]، فماضٍ: [طاروا]؛ كما دخلت أداة الشرط [ما] في العجُز، على مضارع فجزمته: [يسمعوا]، فماضٍ: [دفنوا].
· [مَنْ يَقُمْ ليلةَ القدر إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر]. (حديث شريف)
وقد دخلت أداة الشرط [مَنْ] على مضارعٍ: [يقمْ] فجزمته، فماضٍ: [غُفِر].
· قال الحطيئة (الديوان /81 ولسان العرب 15/57):
متى تأتِهِ – تعشو إلى ضوء ناره – تَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ موقِدِ
[متى تأتِه… تجد]: دخلت أداة الشرط [متى] على مضارعين: [تأتِ وتجدْ] فجزمتهما. والأصل: [تأتي] وجُزم بحذف الياء، و: [تجد] وجزم بالسكون.
· قال الأحوص (الديوان /190):
فطلِّقْها فلستَ لها بكفءٍ وإلاّ يَعْلُ مفرقَكَ الحسامُ(11)
(إلاّ = إنْ لا). حُذِف فِعلُ الشرط من التركيب، للعلم به، والأصل: إلاّ تطلِّقْها يعْلُ مفرقَكَ الحسام. ففعل الشرط المحذوف [تطلقها] مجزوم بالسكون، وجواب الشرط: [يعلُ]، مجزوم بحذف الواو، إذ الأصل: [يعلو].
· ]فإن استطعتَ أن تبتغيَ نفقاً في الأرض أو سلَّماً في السماء[ (الأنعام 6/35)
[إن استطعت…]: دخلت أداة الشرط [إن] على فِعلٍ ماضٍ: [استطعت]، وأما الجواب فمحذوف، والتقدير: [إن استطعت أن تبتغي… فافعلْ].
· ]لئن اجتمعت الإنسُ والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله[ (الإسراء 17/88)

(53/4)


[لئن اجتمعت… لا يأتون]: في الآية قسَمٌ، دلّت عليه اللام الموطِّئة، وبعده شرطٌ أداتُه [إنْ]. والقاعدة: أنّ الشرط والقسم إذا اجتمعا، فالجواب للأول منهما. والقسم في الآية هو الأول، فالجواب إذاً له، وهو: [لا يأتون]، ولم ينجزم، لأنه جواب القسم، ولو كان جواباً للشرط لانجزم فقيل: [لا يأتوا].
· قال عبد الله ابن الدُّمَينة يتغزَّل (الديوان /17):
لئن ساءني أنْ نلتِني بمساءةٍ لقد سرَّني أني خطرتُ ببالكِ
[لئن ساءني… لقد سرني]: اجتمع في البيت قسمٌ وشرط، والقسم هو الأول، فالجواب إذاً له، وهو: [لقد سرني]؛ يدلُّكَ على ذلك قوله في الجواب: [لقد]، ومعلومٌ أنّ اللام و[قد]، إنما تقعان في جواب القسم، لا في جواب الشرط.
· ]وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فأجِرْه حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه[ (التوبة 9/6)
في الآية مسألتان: الأولى، دخول أداة الشرط على اسم: [إنْ أحدٌ]، بناءً على رأي الكوفيين. والثانية تقديم الفاعل [أحدٌ] على فعله [استجارك]، بناءً على رأيهم أيضاً.
· ومثل ذلك قول السموءل:
إذا سيّدٌ منا خلا قام سيّدٌ قؤولٌ لما قال الكرام فعولُ
وفيه مسألتان مماثلتان هما: تقَدُّمُ الفاعل [سيدٌ] على فعله [خلا]، ودخول أداة الشرط [إذا] على الاسم [سيد] (من المفيد أن نشير هنا إلى أنه لا فرق في هذا بين أداة شرط جازمة، وأداة شرط غير جازمة) ويطابقهما في كل ذلك قولُ تأبط شرّاً:
إذا المرء لم يَحْتَل وقد جدَّ جدُّهُ أضاع وقاسى أمره وهو مدبِرُ
وأما على حسب رأي البصريين ففي كل ذلك: يُعَدّ الاسم بعد أداة الشرط فاعلاً لفعل محذوف يفسّره الفعل المذكور. ومن ثم تكون الأداة قد دخلت على فعل. ويكون التقدير في الآية: [وإنِ استجارك أحدٌ من المشركين استجارك فأجره]. وفي قول السموءل: [إذا خلا سيّدٌ منا خلا سيِّد قام سيّدٌ]. وفي قول تأبّط شرّاً: [إذا لم يحتل المرءُ لم يحتل المرء أضاع]…

(53/5)


· ]وإن تصبْهم سيِّئةٌ بما قدَّمتْ أيديهم إذاْ هم يقنطون[ (الروم 30/36)
[إن تصبهم… إذا هم يقنطون]: جواب الشرط جملةٌ اسمية: [هم يقنطون]، وهذا يوجب اقترانها بالفاء الرابطة، وهو الأكثر. ولكن يجوز إقامة [إذاْ] الفجائيّة، مُقام الفاء، كما ترى هنا، إذ كلاهما جائز.
· قال سعد بن مالك (المغني /264):
مَنْ صَدَّ عن نيرانها فأنا ابنُ قيسٍ لا براحُ
[من صدّ… فأنا…]: جواب الشرط جملة اسمية هي: [أنا ابن قيس]، ومتى كان الجواب جملة اسمية وجب ربطها بالفاء، ولذا قال الشاعر: [فأنا…]، والاستعمال إذاً على المنهاج.
· ]قالوا إن يسرقْ فقد سرق أخٌ له من قبل[ (يوسف 12/77)
[إن يسرق… فقد سرق]: جواب الشرط: [قد سرق]، مصدَّرٌ بـ [قد]، وذلك مانعٌ مِن تأثير أداة الشرط فيه، ولذا وجب ربطه بالفاء: [فقد…]، والاستعمال على المنهاج.
· ]ومن أحياها فكأنما أحيَا الناس جميعاً[ (المائدة 5/32)
[من أحياها فكأنما]: الجواب: [كأنما أحيَا] مصدّرٌ بـ [كأنما]، وذلك مانع مِن تأثير أداة الشرط فيه، وهذا يوجب ربطه بالفاء، ولذا قيل: [فكأنما…].
· ]بل لمّا يذوقوا عذابِ[ (ص 38/8)
[لمّا] حرف جازم، من خصائصه أنه ينفي حدوث الفعل من الزمن الماضي حتى لحظة التكلم. فيكون المعنى في الآية: أنهم لم يذوقوه حتى الآن، ولكنهم سيذوقونه.
· ]فلْيَستجيبوا لي ولْيُؤمنوا بي[ (البقرة 2/186)
لام الأمر حرف جازم، حركته الكسر، ولكن يجوز إسكانه إذا دخلت عليه [الفاء، أو الواو، أو ثمّ]، وما تراه من سكونه في الآية، فلدخول الفاء عليه مرّة، ودخول الواو عليه أخرى.
· ]مَنْ يُضْلِلِ الله فلا هاديَ له[ (الأعراف 7/185)
[من… فلا هادي له]: [من]: أداة شرط، جزمت فعل الشرط: [يضللْ]، وأما الجواب فيتعذّر تأثيرها فيه، لأنه جملة اسمية: [لا هاديَ له]، فاستوجب ذلك ربطَها بالفاء، ولذا قيل: [فلا…].
· ]أرسلْه معنا غداً يرتعْ[ (يوسف 12/12)

(53/6)


[أرسله… يرتعْ]: [أرسلْه]: فعل أمر، فهو إذاً طلب، وفعل: [يرتعْ]، جواب الطلب، وهو مسبَّب عن الطلب قبله، ولذلك جُزِم. وتجد الشيء نفسه في الآية الآتية:
· ]اقتُلوا يوسفَ أو اطرحوه أرضاً يَخْلُ لكم وجه أبيكم[ (يوسف 12/9)
[اقتلوا… يخلُ]: هاهنا فعل أمر: [اقتلوا] معطوف عليه فعلُ أمرٍ آخر: [اطرحوا]، والأمر – كما علمتَ – طلب، وجواب الطلب هو [يَخْلُ]، مسبَّب عن الطلب قبله، ولذلك جُزِم فحُذفت الواو، وأصله [يخلو]. وما قلناه هاهنا، يقال في الآية الآتية:
· ]قاتلوهم يعذِّبْهم الله بأيديكم[ (التوبة 9/14)
[قاتلوا… يعذِّب]: فعل الأمر: [قاتلوهم] طلب، وجواب الطلب [يعذِّبْهم]، وهو مسبّب عن الطلب قبله، ولذلك جُزِم.
· قال امرؤ القيس:
قفا نبكِ مِن ذكرى حبيبٍ ومنْزلِ بِسِقْطِ اللِوى بين الدَخُولِ فحَوْمَلِ
[قفا نبك]: في البيت: فعل أمر، والأمر طلب، وجواب الطلب: [نبكِ] وهو مسبب عن الطلب، ولذلك جزم. وعلامة جزمه حذف حرف العلة، والأصل قبل الجزم [نبكي].
* * *
1- لام الأمر مكسورة، فإن سبقتها واوٌ أو فاء أو ثمّ، جاز أيضاً تسكينُها، نحو: ولْتكنْ، فلْيمددْ، ثمّ لْيقطعْ.
2- أغفلنا ذكر [إذما] لندرة استعمالها عموماً، وعدمه في القرون المتأخرة خصوصاً. وأما [كيفما] فقد اختلف النحاة فيها .وإذ لم يكن للقائلين بشرطيتها شاهد، فقد آثرنا مذهب مسقطيها. غير أن كِلا الفريقين مجمعان – في كل حال – على أنْ لا بدّ من أن يكون الفعلان بعدها متفقين لفظاً ومعنىً. نحو: [كيفما تقعد أقعد].
3- مثالها مرفوعةً: أيُّ رجُلٍ يَصدُقْ يُحْتَرَمْ، ومنصوبةً: ]أَيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى[، ومجرورةً: بأيِّ حُكْمٍ تقبَلْ أقبَلْ.
4- تلاحظ أن كلاًّ من الشرط والجواب، إنما يظهر عليه الجزم، إذا كان مضارعاً.
5- يسميها النحاة [الفاء الرابطة للجواب].

(53/7)


6- الجملة الاسمية، تُربَط بالفاء كما تُربَط أيضاً بـ [إذا الفجائية]، نحو: ]وإنْ تُصبْهم سيّئة بما قدّمت أيديهم إذا هم يقنطون[ (الروم 30/36)
7- المقصود بالتنفيس: السين وسوف.
8- الطلب: أمرٌ أو نهيٌ أو استفهامٌ أو عرض أو تحضيض أو تمنٍّ أو ترجٍّ.
9- فعل [تستكثرُ] ليس مسبَّباً عن: [لا تمنن]، إذ ليس المعنى: [لا تمنن، فإنك إلاّ تمنن تستكثرْ] بل المعنى: [لا تمنن مستكثراً]، والجملة إذاً، حال من فاعل (تمنن)، وليس فعلها جواباً للطلب.
10- في كتب الصناعة أن جواب الشرط لا يتقدّم، فإذا جاء متقدِّماً، قيل هذا المتقدم ليس جواب الشرط، بل جواب الشرط مثلُه، ولكنه محذوف!! والتقدير عندهم كما جاء في ابن عقيل 2/380: [أنت ظالم، إن فعلت فأنت ظالم]!! وهو رأيٌ متخيّل، لم يأت به قرآن، ولا حديث، ولا سُمع في شعر العرب، ولا نثرهم، ولا في مثَلٍ من أمثالهم، ولذلك أعرضنا عنه، ولزمنا ما قالت العرب؛ ومهما يدُر الأمر، فإن التركيب هو هو في الحالين، وإنما الاختلاف في إعرابه!!
11- للبيت روايات أخرى، أشار إليها محقّق الديوان.

(53/8)


جموع التكسير
جمع التكسير: هو ما دلّ على أكثر من اثنين، وتغيّرت صورة مفرده، نحو: [كتاب: كتب – قلم: أقلام – عالِم: علماء – مسطرة: مساطر]. إلاّ ما كان من نحو [فُلْك وهِجان] فصورته هي هي في المفرد والجمع.
وجمع التكسير ثلاثة صنوف، لكل صنف منها-في آخر البحث-جدول يمثّله.
الصنف الأوّل: وزنه [//5/5 = فَعَالِلْ](1)
ويُجمَع عليه كل اسم أحرفه أربعة كلها أصلية: [عقرب – عقارب]، أو أحدها زائد (لا فرق بين أن يكون الزائد هو الأول: إصْبع(2) – أصابع، أو الثاني: خاتم – خواتم، أو الثالث من كلمة مؤنثة: رسالة- رسائل وعجوز- عجائز، أو الرابع: حُبلَى- حَبالي)(3).
فإن كان الاسم أكثر من أربعة أحرف (خمسة فأكثر) صيّرتَه بالحذف أربعة، ثم تجمعه على: [فَعَاْلِلْ] أيضاً كما يلي:
– إن كانت حروفه خمسة كلها أصلية، حذفت الخامس، نحو: [سفرجل: سفارج – فرزدق: فرازد].
– أو خمسة أحدها زائد حذفْتَه هو، ولم تحذف حرفاً أصلياً، نحو: [غضنفر: غضافر](4).
– أو خمسة، والأخيران زائدان، حذفتهما نحو: [الموماة (الصحراء الواسعة): الموامي – السِّعلاة (الغول): السَّعالي – العَرقُوَة (الخشبة المعترضة في فم الدلو): العَراقِي – الهِبرِية (قشرة شعر الرأس): الهَبارِي – الصحراء (باعتبارها اسماً لا صفة): الصحاري].
– أو أكثر من خمسة، حذفتَ الخامس وما بعده حتى يعود أربعة، نحو: [عندليب: عنادل – خندريس (من أسماء الخمرة): خنادر – قَلَنْسُوَة: قلانس].
– فإن كان المذكَّر [فَعْلان] ومؤنثه [فَعْلَى]، فهذان كلاهما يُجمعان على [فَعالَى، وفُعالَى]، نحو: [سكران + سكرى: سَكارَى وسُكارى – عطشان + عطشى: عَطاشَى وعُطاشَى – غضبان + غَضبَى: غَضابَى وغُضابَى](5).
الصنف الثاني: وزنه [//5/55 = فَعَالِيْلْ]

(54/1)


ويُجمَع عليه كل اسم أحرفه خمسة، قبل آخره حرف علة ساكن، نحو: [قنطار: قناطير – عصفور: عصافير – قنديل: قناديل]. أو بعد أحرفه الثلاثة ياء مشدّدة – ليست للنسب – نحو: [كرسيّ: كراسيّ – قُمريّ: قماريّ – كركيّ: كراكيّ] فهذه لو فككتَ إدغام حرفها الأخير لوجدتها [كراسيْيْ وقماريْيْ وكراكيْيْ] أي: [//5/55 = فعالِيْلْ](6).
الصنف الثالث: ما كان مفرده ثلاثي الأصول. نحو: [بَحْر: بُحور – جَمَل: جِمال – جريح: جرحى – كتاب: كُتُب…] وله جداول تمثّله في آخر البحث.
تنبيه: اسم الفاعل، مما هو فوق الثلاثي، نحو: [مبادِر ومودِّع]، لا يُجمع جمع تكسير، بل يُجمع جمع سلامة. فيقال: [رجال مبادِرون ومودِّعون. ونساء مبادِرات ومودِّعات…](7).
لواحق ثلاث:
الأولى: أنّ المفرد قد يكون له جمع واحد، وقد يكون له جمعان، وقد يكون له أكثر من ذلك، نحو: [عبد: عبيد وعُبْدان وعِباد]، و[شَيخ: شيوخ وشِيَخَة وأَشياخ…].
الثانية: أنّ وزن [//5/5 فَعَالِلْ و //5/55 فَعَالِيْلْ]:
إن كان قبل آخرهما ياء، جاز حذفها نحو: عصافير وعصافر.
وإن لم يكن قبل آخرهما ياء، جاز زيادتها نحو: دراهم ودراهيم.
الثالثة: أنّ التاءَ تلحق صنوفاً من الأسماء للدلالة على الجمع.
من ذلك: الاسم المنسوب، نحو: دمشقي وبربري ومهلبي ومغربي… فتحذف ياؤه، وتلحقه التاء. فيقال: دماشقة وبرابرة ومهالبة ومغاربة…
ومنه الاسم الأعجمي، نحو: زنديق وصولجان وأُسْوار(قائد الفُرْس)، فيقال في جمعها: زنادقة وصوالجة وأساورة… ونظير هذا في العربية: صياقلة وصيارفة، جمعاً لصيقل وصيرف.
ومنه الاسم الذي قبل آخره حرف مدّ زائد، نحو: غطريف (السخي السري) وجحجاح (السيد الكريم) وعملاق، فيحذف منه حرف المدّ الزائد، ويعوّض منه التاء، فيقال: غطارفة وجحاجحة وعمالقة…
* * *
جداول جموع التكسير
1- جدول الصنف الأول [//5/5 = فَعَالِلْ]
وزن وإيقاع الجمع
المفرد
فَعَالِلْ
//5/5

(54/2)


1- حروفه أربعة، كلها أصلية: درهم دراهم، عقرب عقارب
أو أحدها زائد، وهو:
آ- الأول: إصبع أصابع، تجربة تجارب
ب- أو الثاني: سنبل سنابل، خاتم خواتم
ج- أو الثالث من كلمة مؤنثة مختومة بالتاء أو غير مختومة بها: رسالة رسائل، عجوز عجائز
د- أو الرابع: شَدْقَم شداقم، حبلى حَبالي
2- حروفه أكثر من أربعة، فتصيّره بالحذف أربعة ثم تجمعه كما يلي:
آ- إن كانت خمسة كلها أصلية حذفت الخامس: سفرجل سفارج، فرزدق فرازد
ب- أو خمسة منها حرف زائد حذفته هو: غضنفر غضافر
ج- أو خمسة والأخيران زائدان حذفتهما: الصحراء الصحاري، السِّعلاة السَّعالي
د- أو أكثر من خمسة حذفت الخامس وما بعده: عندليب عنادل، خندريس خنادر
3- أن يكون مذكّره فَعلان ومؤنثه فَعلى، فتجمعهما على فَعالى وفُعالى:
سكران + سكرى: سَكارى وسُكارى
عطشان + عطشى: عَطاشى وعُطاشى
2- جدول الصنف الثاني [//5/55 = فَعَالِيْلْ]
وزن وإيقاع الجمع
المفرد
فَعَالِيْلْ
//5/55
1- حروفه خمسة، قبل آخره حرف علة ساكن: قنطار قناطير، عصفور عصافير، قنديل قناديل
2- حروفه خمسة، بعد الثلاثة منها ياء مشدّدة ليست للنسب: كرسيّ كراسيّ، قُمْريّ قَماريّ
3- جدول الصنف الثالث: آ- (من المفرد الثلاثي الأصول إلى الجمع)
وزن المفرد
شروطه
وزن جمعه والأمثلة
أشهر الشواذ/ملاحظات
أفْعَل وفَعْلاء
صفة مشبهة
فُعْل أحمر وحمراء حُمْر
أَسَد أُسْد
فَاعِل
صفةُ مذكر عاقل دالة على سجية
صفةُ مذكرٍ عاقل معتلة اللام
صفةُ مذكرٍ عاقل صحيحة اللام
صفة صحيحة اللام
فُعَلاء جاهل جهلاء، صالح صلحاء
فُعَلَة هادٍ هداة (الأصل هُدَيَة)
قاضٍ قضاة (الأصل قُضَيَة)
غازٍ غزاة (الأصل غُزَوَة)
فَعَلَة ساحر سحرة، بارّ بررة،
بائع باعة (الأصل بَيَعَة)
فُعَّال كاتب كتّاب، صائم صوّام.
فَاعِل وفَاعِلة
صفة صحيحة اللام
فُعَّل راكع وراكعة ركّع،
نائم ونائمة نوّم.
أعزل عُزّل
نُفَساء نُفَّس
فَعَال
اسم مؤنث
اسم مذكر

(54/3)


اسم صحيح الآخر غير مختوم بتاء التأنيث
أَفْعُل عَناق أعنق
أفْعِلة طعام أطعمة
فُعُل أتان أُتُن
فُعَال
اسم مؤنث
اسم (لا صفة)
أَفْعُل عُقاب أعقُب
فِعْلان غلام غلمان، غراب غربان
غراب أغرب (مذكّر)
تتمة جدول الصنف الثالث: آ- (من المفرد الثلاثي الأصول إلى الجمع)
وزن المفرد
شروطه
وزن جمعه والأمثلة
أشهر الشواذ/ملاحظات
فِعَال
اسم مؤنث
اسم صحيح الآخر غير مختوم بتاء التأنيث
أَفْعُل ذراع أذرع
فُعُل كتاب كتب، خِمار خُمُر
شهاب أشهب (مذكر)
فَعَل
كل اسم ثلاثي مطلقاً مهما تكن حركات أحرفه
أفعال
حَجَر أحجار، كبد أكباد،
حِمْل أحمال، باب أبواب،
ثوب أثواب، بيت أبيات،
وقت أوقات، عمّ أعمام،
عُنُق أعناق
فَعْل
اسم صحيح الأول والثاني غير مضاعف الثالث
اسم ليس ثانيه واواً
اسم ثانيه ألف أصلها الواو
اسم صحيح الثاني
أفعُل نفس أنفس، بحر أبحر
فُعُول قلب قلوب، ليث ليوث
فِعْلان جار جيران، نار نيران
فُعْلان ركْب رُكبان، عَبْد عُبدان
وجه أوجه (معتل الأول)
عين أعين (معتل الثاني)
كفّ أكفّ (مضاعف الثالث)
أسَد أسود، شجَن شجون
ضيف ضيفان، خيط خيطان
فَعْل وفَعْلة
اسم أو صفة ليس ثانيهما ياءً
فِعال
ثوب ثياب، كعب كعاب،
صعب وصعبة صعاب (صفة)
ضخم وضخمة ضخام (صفة)
ضيعة ضياع
أجاز مجمع القاهرة قياس جمع [فَعْلَة] على [فِعَل] نحو:
ضيعة ضِيَع
فَعَل
اسم صحيح الثاني
فُعْلان حَمَل حُملان، ذكر ذكران
شاب شبّان
فَعَل وفَعَلة
اسم صحيح اللام غير مضاعف
فِعَال جمل جمال، جبل جبال،
رقبة رقاب، ثمرة ثمار
تتمة جدول الصنف الثالث: آ- (من المفرد الثلاثي الأصول إلى الجمع)
وزن المفرد
شروطه
وزن جمعه والأمثلة
أشهر الشواذ/ملاحظات
فَعِل
اسم
فُعُول كَبِد كبود، نَمِر نمور
فُعْل
اسم ليس ثانيه واواً ولا ثالثه ياءً
اسم ثانيه واو
اسم غير معتل الثاني ولا الثالث ولا مضاعف
اسم صحيح اللام
فِعَال رمح رماح
فِعْلان حوت حيتان، عود عيدان، كوز كيزان

(54/4)


فُعُول برد برود، جند جنود
فِعَلَة دُبّ دببة
قِرد قِرَدة، ديك ديكة.
فُعْلة
اسم
فُعَل غرفة غرف، حجّة حُجج
فُعْلى
صفةُ مؤنث، وزن مذكّره (أفعل)
فُعَل كبرى كُبَر، صغرى صُغَر
فُعَل
اسم
فِعْلان جُرَذ جِرذان، صُرَد صِردان
فِعْل
اسم
اسم
فِعَال ذئب ذئاب، ظلّ ظلال
فُعُول حِمل حمول، عِطر عطور
فِعْلة
اسم
فِعَل قِطعة قطع، حِجة حِجج
فَعْلى
صفة
فِعَال عطشى عطاش
فَعْلان وفَعْلانة
صفة
فِعَال عطشان عطاش،
عطشانة عطاش
فُعْلان وفُعْلانة
صفة
فِعَال خُمصان خِماص،
خُمصانة خِماص
فَعُول
اسم رباعي مذكر قبل آخره حرف مدّ
اسم رباعي صحيح الآخر قبل آخره حرف مدّ غير مختوم بتاء التأنيث
أفْعِلة عمود أعمدة
فُعُل عمود عُمُد
تتمة جدول الصنف الثالث: آ- (من المفرد الثلاثي الأصول إلى الجمع)
وزن المفرد
شروطه
وزن جمعه والأمثلة
أشهر الشواذ/ملاحظات
فَعُول (بمعنى فاعل)
صفة
فُعُل صبور صُبُر، غيور غُيُر
فَعِيل
صفة تدل على هُلْك أو توجّع أو بلية…
اسم (لا صفة)
اسم مذكر
اسم مؤنث
صفة لامها معتلة أو مضاعفة
فَعْلى مريض مرضى، قتيل قتلى، جريح جرحى
فُعْلان قضيب قضبان،
رغيف رغفان
أَفْعِلة رغيف أرغفة
أَفْعُل يمين أيمن
أَفْعِلاء نبيّ أنبياء، وصيّ أوصياء، عزيز أعزاء
عزيز أعزّة، شحيح أشحة،
ذليل أذلة (صفات)
صديق أصدقاء، بريء أبرياء
فَعِيل (بمعنى فاعل)
صفةُ مذكرٍ عاقل صحيحة اللام غير مضاعفة دالة على سجية
فُعَلاء كريم كرماء، بخيل بخلاء
قتيل (= مقتول) قتلاء،
سجين (= مسجون) سجناء،
أسير (= مأسور) أسراء
فَعِيل وفَعِيلة
صفة صحيحة اللام
فِعَال كريم وكريمة كرام،
مريض ومريضة مراض
لم يجمعوا (أسير وجريح وقتيل) هذا الجمع!!
3- جدول الصنف الثالث: ب- (من الجمع إلى المفرد الثلاثي الأصول)
وزن الجمع
وزن المفرد
اسم / صفة
الشروط والأمثلة
أشهر الشواذ/ملاحظات
أَفْعُل
فَعْل
فَُِعال
فَعِيل
اسم
اسم
اسم
صحيح الأول والثاني، غير مضاعف: أنفس نفس، أبحر بحر

(54/5)


مؤنث: أعقب عُقاب، أعنق عَناق، أذرع ذراع
أيمُن يمين
أوجه وجه، أعين عين،
أكُفّ كفّ
أشهب شِهاب (مذكر)،
أعتد عَتاد (مذكر)،
أغرُب غُراب (مذكر)
أفعَال
ثلاثي
اسم
بغير قيد ما عدا وزن (فُعَل):
أكباد كبد، أثواب ثوب، أقفال قفل، أعناب عنب، أبحاث بحث، أنهار نهر
أرطاب رُطب،
أجلاف جِلْف (صفة)،
أشهاد شهيد (صفة)،
أعداء عدوّ (صفة)
أفْعِلة
فَُِعال
فعيل
فَعول
اسم
اسم
اسم
مذكر: أطعمة طَعام، أئمة إمام، أغلمة غُلام
أرغفة رغيف
أعمدة عَمود
أعْقبة عُقاب (مؤنث)
أعزّة عزيز (صفة)،
أشحّة شحيح (صفة)،
أذلّة ذليل (صفة)
أقفية قفا، أجوزة جائز
فِعْلة
اسم
وزن سماعي لا يقاس عليه، سُمع منه /13/ كلمة أشهرها: فِتية فتى، صِبية صبي، إخوة أخ، عِلْية عليّ، جِلّة جليل
فُعْل
أفعل
وفَعْلاء
صفة مشبهة
حُمْر أحمر وحمراء.
أُسْد أَسَد، بُزْل بازل.
تتمة جدول الصنف الثالث: ب- (من الجمع إلى المفرد الثلاثي الأصول)
وزن الجمع
وزن المفرد
اسم / صفة
الشروط والأمثلة
أشهر الشواذ/ملاحظات
فُعُل
فَعُول ( بمعنى فاعل)
فَِعال
فَعُول
فعيل
صفة
اسم
اسم
اسم
صُبُر صبور، غُيُر غيور
صحيح الآخر غير مختوم بتاء التأنيث: كتب كتاب، أُتن أتان
عُمُد عمود
قضب قضيب
نُذُر نذير، نُجُب نجيب ونجيبة، خُشُن خَشِن، خُشُب خشبة، صحف صحيفة
فُعَل
فُعْلة
فُعْلى
اسم
صفة
غرف غرفة، حجج حُجّة
مؤنث أفعل: كُبَر كبرى، صغر صغرى
رؤى رؤيا، قرى قرية، نوب نَوبة
فِعَل
فِعْلة
اسم
قطع قِطعة
أجاز مجمع القاهرة قياس جمع فَعْلة على فِعَل، نحو: ضيع ضيعة
فُعَلة
فاعل
صفة
مذكر عاقل معتلة اللام: هُداة هادٍ (الأصل هُدَيَة)،
قضاة قاضٍ (الأصل قُضَيَة)، غزاة غازٍ (الأصل غُزَوَة)
كُماة كمِيّ
فَعَلة
فاعل
صفة
مذكر عاقل صحيحة اللام: سحرة ساحر، بررة بارّ، باعة بائع (الأصل بَيَعَة)
سَرَاة سرِيّ
فَعْلى
فَعِيل
وغير فعيل بشروطه نفسها
صفة

(54/6)


تدل على هُلْك أو توجّع أو بلية أو آفة: مرضى مريض، قتلى قتيل، جرحى جريح، أسرى أسير
هلكى هالك، موتى ميّت، حمقى أحمق، سَكْرى سكران
تتمة جدول الصنف الثالث: ب- (من الجمع إلى المفرد الثلاثي الأصول)
وزن الجمع
وزن المفرد
اسم / صفة
الشروط والأمثلة
أشهر الشواذ/ملاحظات
فِعَلَة
فُعْل
اسم
صحيح اللام: دببة دُبّ
قِرَدة قِرد، هررة هِرّ، فيلة فيل، ديَكة ديك
فُعَّل
فاعل وفاعلة
صفة
صحيحة اللام: ركّع راكع راكعة، صائم صائمة صوّم
نُفَّس نُفَساء، عُزّل أعزل، خرَّد خريدة
فُعَّال
فاعل
صفة
صحيحة اللام: كتّاب كاتب، صوّام صائم
نُفّاس نُفَساء، سُلاّف سَلَف
فِعَال
1- فَعْل
وفَعْلَة
2- فَعَل
وفَعَلة
3- فِعْل
4- فُعْل
5- فَعيل
وفَعيلة
6- فَعْلان
وفَعلانة
فُعْلان
وفُعلانة
فَعْلى
اسم
أو صفة
اسم
اسم
اسم
صفة
صفة
ليس ثانيهما ياءً:
[اسم]: كعاب كعب، ثياب ثوب
[صفة]: صعاب صعب وصعبة، ضخام ضخم وضخمة
صحيح اللام غير مضاعف: جمال جَمَل
رقاب رقبة، ثمار ثمرة
ذئاب ذئب، ظلال ظلّ
ليس ثانيه واواً ولا ثالثه ياءً: رماح رمح
صحيحة اللام: كرام كريم وكريمة، طِوال طويل وطويلة
عِطاش عَطشان عَطشانة
خِماص خُمصان خُمصانة
عِطاش عَطشى
ضِياع ضيعة
لم يجمعوا (أسير وجريح وقتيل) هذا الجمع!!
عِجاف أعجف عجفاء،
إناث أنثى، سِباع سَبُع
تتمة جدول الصنف الثالث: ب- (من الجمع إلى المفرد الثلاثي الأصول)
وزن الجمع
وزن المفرد
اسم / صفة
الشروط والأمثلة
أشهر الشواذ/ملاحظات
فُعُول
1- فَعِل
2- فَعْل
3- فِعْل
4- فُعْل
اسم
اسم
اسم
اسم
كبود كبد، نمور نمر
ليس ثانيه واواً: قلوب قلب، ليوث ليث
حمول حِمل، فيول فيل
صحيح الثاني والثالث، غير مضاعف: برود برد، جنود جند
خصوص خُصّ، أُسُود أَسَد، ذكور ذَكَر، طُلول طَلَل، شجون شَجَن
فِعْلان
1- فُعَل
2- فُعْل
3- فَعْل
4- فُعال
اسم
اسم
اسم
اسم
جرذان جرذ، صردان صرد
ثانيه واو: حيتان حوت، عيدان عود

(54/7)


ثانيه ألف أصلها الواو: تيجان تاج، جيران جار
غلمان غلام، غربان غراب
خِرفان خروف، صبيان صبيّ
فُعْلان
1- فَعيل
2- فَعَل
3- فَعْل
اسم
اسم
اسم
قضبان قضيب، رغفان رغيف
صحيح الثاني: حُملان حَمَل، ذكران ذكر
صحيح الثاني: عبدان عبْد، ركبان ركب
جُدران جدار، شبّان شاب، شجعان شجاع، عميان أعمى، سودان أسود
فُعَلاء
1- فَعيل (بمعنى فاعل)
2- فاعل
صفة
صفة
مذكر عاقل، صحيحة اللام، غير مضاعفة، دالة على سجية: كرماء كريم، بخلاء بخيل
أو على مشاركة: شركاء شريك، خلطاء خليط
مذكر عاقل دالة على سجية: جهلاء جاهل، صلحاء صالح
قتلاء قتيل (= مقتول)،
سجناء سجين(=مسجون)،
أُسراء أسير (= مأسور)،
جبناء جبان
فقهاء فقيه
أفْعِلاء
فَعيل
صفة
لامها معتلة: أنبياء نبيّ، أولياء وليّ
أو مضاعفة: أعزّاء عزيز، أذلاّء ذليل
أصدقاء صديق، أبرياء بريء
* * *
1- ليس المقصود بـ[فَعَالِل] وزنَه الصرفي، بل المقصود إيقاعه. أي: مجرّد توالي الحركات والسكنات، فكل حرف متحرك يمثّله خط مائل [/]، وكل حرف ساكن تمثّله دائرة [5]. وعلى ذلك يكون – مثلاً – إيقاع [دراهم وملاعب وصياقل] هو [//5/5 = فَعَاْلِلْ]. وهو إيقاع ينطبق على أوزان صرفية كثيرة، يماثل إيقاعُها إيقاعَ [فعالل]، منها ما ترى: فعالل //5/5 دراهم فعاعل //5/5 سلالم أفاعل //5/5 أصابع
تفاعل //5/5 تجارب مفاعل //5/5 ملاعب يفاعل //5/5 يعامل
فواعل //5/5 كواكب فياعل //5/5 صياقل فعائل //5/5 ضمائر…
2- ماكان وزنه [أفعل] ولمذكره ومؤنثه جمعٌ واحد فلا يُجمَع هذا الجمع. نحو: [أحمر – حمراء: حُمْر، أعور – عوراء: عُور…]
3- يجوز في نحو: (حبالِي وذفارِي وصحارِي)، الفتح أيضاً، فيقال: (حبالَى وذفارَى وصحارَى). وننوه هنا بأننا – حرصاً على الوضوح – لم نلتزم في الاسم المنقوص – أحياناً – حذف يائه، ولو استحقّ ذلك، فقلنا مثلاً: صحاري ولم نقل صحارٍ.

(54/8)


4- لا يُحذَف حرفٌ أصليّ من الكلمة، حتى يُحذَف كلّ حرف زائد فيها، فغضنفر مثلاً، تحذف منها النون لا الراء: غضافر.
ونورد هنا نماذج من الحذف قد وقع على الأحرف الزائدة، دون الأحرف الأصلية، من ذلك: (مدحرج) مثلاً، تحذف منه الميم – و(متدحرج) تحذف منه الميم والتاء، ويُجمعان معاً على: دحارج؛ و(قرطبوس: الداهية) تحذف منه الواو والسين ثم يجمع على قراطب؛ ومن (غضنفر) تحذف النون، ويجمع على غضافر؛ و(فَدَوْكَس: الأسد) تحذف منه الواو ثم يجمع على فداكس. و(خَيْسَفُوْج: حبّ القطن) تحذف منه الياء والواو ثم يجمع على خَسافِج. وهكذا…
ولقد وضع العلماء للأحرف الزائدة قيماً ومراتب، من ذلك أن النون أَولى بالحذف من الميم، فإذا اجتمعا في كلمة يُقتضى حذف حرف واحد منها، فالنون يحذف؛ ففي جمع [منطلق] تقول: [مطالق]. والسين أولى بالحذف من التاء، فإذا اجتمعا في كلمة فالسين يحذف؛ ففي جمع [مستخرج] تقول: [مخارج] وهكذا…
ونورد هذه القيم والمراتب موجزة: فـ [الميم والياء والتاء والهمزة في أول الكلمة، أحقّ بالبقاء من أحرف الزيادة الأخرى. ثم يتلوها تاء الافتعال، في نحو: (اجتماع) والاستفعال في نحو: (استخراج) ونون الانفعال في نحو: (انطلاق). فإذا تكافأ في الكلمة حرفا زيادة، حذفتَ أيهما شئت. وإن فضل أحدهما الآخر حذفت المفضول].
5- لو أنعمت النظر لرأيت أنّ هذين الوزنين إنما هما عند التحقيق [//5/5 = فَعَاْلِلْ] أي: حركتان فسكون، فحركة فسكونُ الوقف (أو سكون الألف).
6- كتب النحو تقول: [كراسيّ وقماريّ وكراكيّ] وزنها [فعاليّ]. ولكنّ من ينعم النظر يجد وزنها [فعاليلْ]، لأنه عند التحقيق: [//5/55] أي: حركتان فسكون، فحركة فسكونان مدغمان، الأول سكون حرف العلة والثاني سكون الوقف.

(54/9)


7- منع قدماء النحاة أن يُجمع [مفعول] جمعَ تكسير على [مفاعيل]؛ فلا يجوز عندهم إذاً أن يقال، في جمع مشهور: مشاهير… بل يُجمع ما كان من هذا جمع سلامة، فيقال: مشهورون… غير أن البحوث اللغوية، في العصر الحديث، بيَّنت أن في العربية غيرَ قليل من الكلمات، وزنُها [مفعول] قد جُمعت على [مفاعيل]، وهي شواهد فصيحة، جاءت في استعمال من يُحتجّ بكلامهم من فصحاء العرب، نحو [مشؤوم: مشائيم، منسوب: مناسيب، مكسور: مكاسير، ملعون: ملاعين…] فثبت بذلك صحّة جمعِ [مفعول] على [مفاعيل] قياساً مطّرداً. وقد أقرّ ذلك مجمع اللغة العربية بالقاهرة فأصدر قراراً يقضي بصحة ذلك مطلقاً.

(54/10)


الجملة وإعرابها
الجملة: مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل. ثمّ إنْ كان صدرُها اسماً، سمّيت: [جملة اسمية]، نحو: [الشمس مشرقة – إنّ الشمس مشرقة – هل الشمس مشرقة؟]. أو كان صدرُها فعلاً سمّيت: [جملة فعلية]، نحو: [سافر عليٌّ – كان عليٌّ مسافراً – لن يسافر عليٌّ](1).
وليس من شروط الجملة أن تؤدّي معنى تامّاً. فقولك مثلاً: [إِنْ تجتهدْ]، جملة. مع أنّ المعنى لا يتمّ، إلاّ إذا أتيت بجواب الشرط فقلت: [إن تجتهدْ تنجحْ].
إعراب الجملة:
تمهيد لغير المتخصصين: كل جملة في العربية، يمكن أن يُستخلَص منها اسمٌ مفرد [مصدر، أو اسم فاعل، أو اسم مفعول…]. مثال ذلك: [كَتَبَ زهيرٌ]، فإنها جملة، ويمكن أن يُستخلص منها: [كتابة (مصدر)، وكاتب (اسم فاعل)، ومكتوب (اسم مفعول)…]. فإذا أردتَ أن تعرف ما إعراب جملة [كتب زهيرٌ]، فتغافلْ عنها موقّتاً، وضع محلَّها، الاسمَ المفردَ المستخلَص منها، فإنّ إعرابه هو إعرابها نفسه.
ليكن هذا المستخلص هو – مثلاً – المصدر [كتابة]. وانظر الآن ما إعرابه في قولك: [كتابةُ زهير]؟ تجده لا إعراب له، لأنّ المعنى ناقص. إذاً، جملة: [كتب زهيرٌ] لا إعراب لها، لأن الاسم المستخلص: [كتابة] لا إعراب له.
ودونك مثالاً آخر: [ودّعتُ خالداً حين سافَر]. فـ [سافَرَ]: جملة مؤلفة من فعل وضمير مستتر هو الفاعل، ويمكن أن يُستخلص منها: [المصدر: سَفَر…]. فإذا تغافلتَ موقتاً عن جملة [سافَرَ]، وأحللت محلَّها المصدر المستخلص، وهو [سَفَرُ خالد] فقلت: [ودّعت خالداً حين سَفَرِه]. وجدت أنّ كلمة [سفَرِه] مضاف إليه. إذاً، جملة [سافَرَ] مضاف إليه، لأنّ الاسم المستخلَص مضاف إليه. بعد هذا، دونك ثلاثة أمثلة على السريع:
[جاء سعيد يركض = راكضاً]. جملة [يركض] حالية في محل نصب، لأنّ [راكضاً] حال منصوب.
[الشمس مشرقة = إشراقها]. جملة [الشمس مشرقة] لا محلّ لها، لأنّ [إشراق الشمس] ليس كلاماً.

(55/1)


[المجتهد يفوز = فائز]. جملة [يفوز] خبرية في محل رفع، لأنّ [فائز] خبر مرفوع.
مما تقدّم، نخلص إلى أنّ الجمل صنفان: جمل لها محلّ من الإعراب، وجمل لا محلّ لها. وإليكها:
أوّلاً: الجمل التي لها محل من الإعراب:
¨ الواقعة خبراً: نحو: [العلم ينفع = العلم نافعٌ]، [إنّ الجهل يَقتل = إنّ الجهل قاتِلٌ]، [كان المطر ينهمر = كان المطر منهمراً].
¨ الواقعة مفعولاً به: نحو: [ظننت خالداً يحضر = ظننت خالداً حاضراً].
¨ الواقعة نعتاً: نحو: [نظرت إلى طفل يضحك = نظرت إلى طفل ضاحك].
¨ الواقعة حالاً: نحو: [جاء زهير يركض = جاء زهير راكضاً].
¨ الواقعة مضافاً إليه: نحو: [أودّع زيداً يومَ يسافر = يوم سفرِه].
¨ الواقعة جواباً لشرط جازم، إن اقترنت بالفاء، أو [إذا] الفجائية، كانت في محل جزم: نحو: [من يجتهدْ فلن يندمَ] و]وإنْ تُصبْهم سيّئةٌ بما قدّمت أيديهم إذا هم يقنطون] (2) (الروم 30/36)
¨ التابعة لجملة لها محلٌّ من الإعراب: نحو: [خالدٌ يجتهد وينجح = خالدٌ مجتهدٌ وناجحٌ].
ثانياً: الجمل التي لا محلّ لها من الإعراب:
¨ الابتدائية: وتقع في ابتداء الكلام: نحو: [الشمس مشرقةٌ].
¨ الاستئنافية: وتقع استئنافاً لكلام يسبقها، ولا علاقة إعرابية بينها وبينه، نحو: [اِقرأْ كتب العلم، إنها مفيدة].
¨ الاعتراضية: وتقع بين متلازمين، نحو: [عاشِرْ – أيّدك الله – العلماءَ].
¨ صلة الموصول: [يفوز مَن يجتهدُ].
¨ التفسيرية: وتُوضِح ما قبلها وتكشفه. وقد تكون مقرونة بأحد حرفَي التفسير: [أَنْ وأي]، وقد لا تكون، نحو: ]فأوحينا إليه أَن اصنع الفلك[ و: [أشرت إليه: أَي: اذهبْ]، و: ]هل أدلّكم على تجارةٍ تُنجيكمْ من عذاب أليم: تؤمنون بالله ورسوله[.
¨ الواقعة جواباً للقسم: نحو: ]تالله لأَكيدنَّ أصنامكم[
¨ الواقعة جواباً لشرط غير جازم: نحو: [إذا زرتنا أكرمناك]، [لو درست لنجحت]، [لولا الإتقان لفسد العمل].

(55/2)


¨ التابعة لجملة لا محلّ لها: نحو: [إذا درست نجحت وكُرِّمت].
* * *
1- لا اعتداد بالحروف الداخلة على الجملة، كأحرف الاستفهام، والنفي، و[إنّ] وأخواتها… ولا بالتقديم والتأخير…
2- (الروم 30/36) الجملة الواقعة جواباً لشرط جازم لا تخضع للقاعدة العامة في إعراب الجمل، أي: استخلاص مفرد وإحلاله محلّ الجملة. بل هي في محلّ جزم إذا اقترنت بالفاء، أو [إذا] الفجائية، كما رأيت في المثال والآية اللذين أوردناهما في المتن.

(55/3)


كان وأخواتها(1)
كان وأخواتها: أفعالٌ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر. فيسمّى المبتدأ اسماً لها، ويسمّى الخبر خبراً لها، نحو: [كان خالدٌ مريضاً]. والأفعال الناقصة زمرتان: [كان وأخواتها] و[كاد وأخواتها]. فدونك ذلك:
1- الزمرة الأولى، كان وأخواتُها:
– منها ثمانٍ، هي: [كان، صار، أصبح، أضحى، أمسى، ظلّ، بات، ليس]. ليس لأحدها شرطٌ مقصورٌ عليه وحده(2).
– و[مادام]: وشرطها أنْ تسبقها [ما] المصدرية الظرفية، ويكون التأويل [مدّة دوام]، نحو: [أكرمه مادام مجتهداً = مدّة دوامه مجتهداً].
– و[ما برح، ما زال، ما فتئ، ما انفكّ]. وشرطها أن تسبقها أداة يصلح استعمالها للنفي، نحو: [ما زال خالدٌ مسافراً] و[لسنا نبرح نحترمك](3).
أحكامٌ ذات خطر:
¨ إن استُعمِل الناقص بمعنى التامّ، عُدَّ تامّاً، نحو [سأزورك غداً حين نُصبح، وأفارقك حين نُمسي](4). والعكس صحيح، فالتامّ إن كان بمعنى الناقص، عُدَّ ناقصاً، نحو: [عاد الحزنُ فرَحاً](5).
¨ يعمل الناقص سواء كان صفة (أي: مشتقّاً) أو فعلاً أو مصدراً نحو: [لستَ زائلاً محترماً (صفة)، فكُنْ مجتهداً (فعل)، فكونك كسولاً يُزري بك (مصدر)].
¨ قد يتقدّم خبر الأفعال الناقصة، عليها، وعلى أسمائها أيضاً، نحو: [غزيراً أصبح المطر، وأصبح غزيراً المطر]. ولكن يستثنى من ذلك [ليس] وما يقترن بـ [ما] فإن الخبر يتقدَّم على أسمائها فقط، ولكنْ لا يتقدّم عليها هي نفسها، فلا يقال مثلاً: [غزيراً ليس المطر]، ولا [أُكرِمُ زهيراً مجتهداً ما دام].
خصائص [كان]
تمتاز كان (بصيغة الماضي) من أخواتها بأمور، إليكها:
¨ قد تدلّ على الاستمرار والثبوت، نحو: ]إنّ الله كان عليكم رقيباً[.
¨ قد تزاد بين لفظين متلازمين، كالجارّ والمجرور، والصفة والموصوف، والمتعاطفين… وقد أوردنا أنماطاً من ذلك في [النماذج الفصيحة] فانظرها هناك.

(56/1)


¨ يكثر حذفها هي واسمها، بعد أداتين شرطيتين هما: [إنْ] و[لو]، كنحو قولك: [زهيرٌ ممتدَحٌ إنْ حاضراً وإنْ غائباً] و[اِلتمسْ ولو خاتماً من حديد](6).
· إذا جُزِم مضارعها بالسكون، جاز حذفُ نونه، نحو: [لم يكنْ مقصِّراً = لم يكُ مقصِّراً].
فائدة: في هذا البحث تركيب مهمَل، نورده لمن يريد استعماله والصوغ على قالبه، هو: [اِفعَلْ هذا إمّا لا]، ومعناه كما قالوا: اِفعلْه إن كنت لا تفعل غيرَه.
2- الزمرة الثانية، كاد وأخواتها:
ويُسمونها: أفعال المقاربة(7) وهي:
[كاد وأوشكَ: للمقاربة]، و[عسى: للرجاء]، و[جَعَلَ وطفِق وأخذ وأنشأ: للشروع](8).
وهي جميعها ترفع الاسم، وتنصب الخبر، كشأن سائر أخوات [كان]. غير أن أفعال المقاربة هذه تتفرّد بأنّ أخبارها لا تكون إلاّ أفعالاً مضارعة.
فأما المضارع بعد [كاد وأوشك وعسى]، فيجوز نصبه بـ [أنْ] ويجوز عدم نصبه بها، نحو: [كاد زهيرٌ أن يفوز = كاد زهيرٌ يفوز].
وأما المضارع بعد: [جعل وطفق وأخذ وأنشأ] فيمتنع نصبه بـ [أن] قولاً واحداً، نحو: [أخذ زهيرٌ يدرس].
حُكْمان:
· إذا جاءت أفعال المقاربة في الاستعمال، بمعنى التامّة، عُدَّت تامّة. فالفعل: [كاد] من قولك مثلاً: [كاد العدوّ لعدوّه] تامّ، لأنه من الكيد والمكيدة.
· تُعَدّ [عسى] تامّةً ترفع فاعلاً، إذا تجرَّدَت من اسم لها، ظاهر أو مضمر، نحو: [عسى أن نسافر]، ويكون المصدر المؤوّل من [أنْ والمضارع] فاعلاً لها.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الفعل الناقص
1- نماذج كان وأخواتها:
· ]وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمتُ حيّاً[ (مريم 19/31)

(56/2)


[مادام]: شرط إعمال هذا الفعلِ عمل [كان]، أن تتقدّمه [ما] المصدرية الظرفية، ويكون التأويل: [مدّة دوام]. وهو ما تراه متحققاً في الآية، فـ [مدّة]: هو الظرف، و[دوام] هو المصدر، والتأويل: [وأوصاني بالصلاة والزكاة مدّةَ دوامي حيّاً]. فالاستعمال إذاً في الآية على المنهاج. والتاء: اسم [مادام]، و[حيّاً]: خبرها.
· ]إنّ الله كان غفوراً رحيماً[ (النساء 4/23)
[كان غفوراً]: من خصائص [كان] أنها – وإن كانت ماضويّة الصيغة – قد تدلّ على الثبوت والاستمرار، فتتجرّد من الدلالة الزمنية، فيكون زمانها متصلاً بغير انقطاع. وهو ما تراه في الآية، فإنّ المعنى: كان الله وما زال وسيظلّ غفوراً. ومنه قوله تعالى: ]كنتم خيرَ أُمَّةٍ أُخرجَت للناس[ (آل عمران 3/110)
· قال امرؤ القيس (الديوان /32):
فقلتُ يمينُ الله أبرح قاعداً ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي
[أبرح]: أحد أربعة أفعال هي [برح، زال، فتئ، انفكّ]، شَرْطُ إعمالها عملَ [كان]، أن يسبقها نفيٌ بـ [ما] أو غيرها، نحو: [لا ينفكّ يزورنا، وما نزال نرحّب به]. ولقائل أن يقول: إنّ فعل: [برح] في بيت امرئ القيس، قد عمل فنصب الخبر: [قاعداً]، ولم يسبقه نفي!! والجواب أنّ أداة النفي يجوز أن تُحذَف وتُقدَّر، إذا جاءت بعد قسَم، وذلك ما تراه في البيت. والأصل: [يمين الله لا أبرح قاعداً]. وقد جاء مثلُ ذلك في التنْزيل العزيز: ]قالوا تاللهِ تفتأ تذكر يوسف[ (يوسف 12/85). فـ [تالله] قسَم، وقد حُذِفت أداة النفي بعده وهي [لا]، على المنهاج. والأصل: [تالله لا تفتأ].
· ]لن نبرح عليه عاكفين[ (طه 20/91)

(56/3)


[لن نبرح]: هاهنا أداة نفي هي: [لن]؛ وتقدُّمُ النفي على الأفعال الأربعة: [برح، زال، فتئ، انفكّ] شرْطٌ في إعمالها عمَل [كان]، وعليه فإنّ [عاكفين] خبر [نبرح] منصوب على المنهاج. وفي الآية دلالة على أنّ النفي يكون بـ [ما] وغيرها، وهو هنا [لن]. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ]ولا يزالون مختلفين[ (هود 11/118) فهاهنا فعلٌ ناقص هو [يزال]، واسمه واو الضمير في محل رفع، وخبره [مختلفين] منصوب. وذلك أنّ شرط إعماله عمَلَ [كان] قد تحقق، إذ تقدّمه نفيٌ.
· ]وكان حقّاً علينا نصْرُ المؤمنين[ (الروم 30/47)
[حقّاً]: خبر كان، مقدّم على اسمها، منصوب. واسمها مؤخر هو [نصرُ…]. والإجماع معقود على أنّ الأفعال الناقصة جميعها، يجوز أن تتقدّم أخبارُها على أسمائها، ومنه هذه الآية. بل يجوز أيضاً أن تتقدّم هذه الأخبار على الأفعال الناقصة نفسها، (ما عدا [ليس]، والأفعالَ التي تقترن بها [ما]، فلا يجوز أن تتقدّم أخبارها عليها). وعلى هذا، إنّ تقدّم خبر كان على اسمها، في الآية التي نحن بصددها، جاء على المنهاج.
· قال السموأل (شرح ابن عقيل 1/273):
سَلِي إنْ جهلتِ الناسَ عنّا وعنهمُ فليس سواءً عالمٌ وجهولُ
[سواءً]: خبر الفعل الناقص [ليس]، منصوب. وقد تقدّم على الاسم وهو: [عالمٌ]، إذ الأصل قبل التقديم والتأخير: [ليس عالمٌ وجهولٌ سواءً]. وقد جاء تقدّمُ الخبر، على المنهاج، إذ الأفعال الناقصة يجوز كما قلنا آنفاً، أن تتقدّم أخبارها على أسمائها، بل يجوز أن تتقدم أخبارها عليها نفسها أيضاً. وإنما الذي لا يجوز، هو أن تتقدّم هذه الأخبار على [ليس] والأفعال التي تقترن بـ [ما].
· ]فسبحان الله حين تُمسون وحين تُصبحون[ (الروم 30/17)

(56/4)


[تمسون وتصبحون]: فعلان لفظهما لفظ الناقص، ومعناهما معنى التامّ، ومن ثَمّ يُعَدّان تامَّين. وذلك أنّ معنى [تمسون]: تدخلون في المساء، ومعنى [تصبحون]: تدخلون في الصباح. ومتى كان معنى الفعل كذلك، لم يرفع اسماً وينصب خبراً، بل يكتفى بالمرفوع وحده، فيرفعه على أنه فاعل.
وعلى ذلك يقال في إعراب هذين الفعلين: إنهما فعلان تامّان، والواو في كل منهما في محل رفع فاعل. ومثل ذلك قوله تعالى: ]وإنْ كان ذو عُسْرة فنَظِرَةٌ إلى ميسَرَة[ (البقرة 2/280) فإنّ فعل [كان] في الآية فعلٌ تامّ يكتفي بمرفوعه، أي يكتفي بفاعله، وهو كلمة [ذو]. لأن معناه: إنْ وجِد ذو عسرة؛ ولو أنّ الفعل هنا كان فعلاً ناقصاً لقيل: [فإن كان المدينُ ذا عسرة فـ…..] !!
· قال الشاعر (شرح ابن عقيل 1/269):
وما كلُّ مَن يُبدي البشاشة كائناً أخاك، إذا لم تُلْفِهِ لكَ مُنْجِدا
[كائناً]: اسم فاعل مشتقّ من الفعل الناقص [كان]، وقد عمل عمله، فاسمُه ضمير مستتر (هو)، وخبره [أخاك]. وذلك أنّ الأفعال الناقصة بصيغها الثلاث: الماضي والمضارع والأمر، وما يُشتَقّ منها، ومصادرها أيضاً، ترفع الاسم وتنصب الخبر. وبتعبير آخر: ليس العمل مقصوراً على الفعل الناقص وحده، بل يعمل هو وصفته (أي: المشتقّ منه) ومصدره. ودونك من هذا أمثلة:
· ]فقلنا لهم كونوا قِرَدَةً خاسئين[ (البقرة 2/65)
[كونوا]: فعل ناقص، في صيغة الأمر. وواو الضمير اسمه، و[قِرَدَةً] خبره. ومثله طِبقاً الآية: ]كونوا حجارةً[ (الإسراء 17/50)، فالواو اسمه، و[حجارةً] خبره.
· قال الحسين بن مُطَيْر:
قضى اللّهُ يا أسماءُ أنْ لستُ زائلاً أحبّكِ حتى يُغمِض الجفنَ مُغمِضُ
[زائلاً]: اسم فاعل مشتقّ من الفعل الناقص [زال – يزال]، وقد تحقّق له شرط العمل، إذ سُبِق بـ [ليس]، وهي تفيد النفي. فاسم [زائلاً]: الضمير المستتر [أنا]، وخبره جملة [أحبّكِ]. ولقد قدّمنا آنفاً، أنّ المشتقّ من الفعل الناقص يعمل عملَه.

(56/5)


· قال الشاعر:
في لُجَّةٍ غَمَرت أباكَ بُحورُها في الجاهليّة – كان – والإسلامِ
[كان]: أتى بها الشاعر زائدةً بين لفظين متلازمين، هما المعطوف والمعطوف عليه.
· وقال الآخر (شرح ابن عقيل 1/291):
جِيادُ بَني أبي بكرٍ تَسامَى على -كان – المسوَّمةِ العرابِ
[كان]: أتت في البيت زائدة بين لفظين متلازمين، هما الجارّ والمجرور.
· وقال غيرُه:
ولبستُ سربالَ الشباب أزورُها ولَنِعْمَ – كان – شبيبة المحتالِ
[كان]: أتى بها الشاعر زائدةً بين لفظين متلازمين، هما نِعْمَ وفاعلها.
· وقال آخر:
في غُرَف الجنّة العُليا التي وَجَبَتْ لهمْ هناك بسعيٍ- كان – مشكورِ
[كان]: جيء بها زائدةً في البيت، بين لفظين متلازمين، هما الصفة والموصوف.
· قال الشاعر:
فإنْ لم تَكُ المرآةُ أبدَتْ وَسامةً فقد أبدَتِ المرآةُ جبهةَ ضيغَمِ
(الضيغم = الأسد). [لم تكُ]: هاهنا نونٌ محذوفة. والأصل قبل الحذف: [لم تكنْ]. وذلك في العربية جائز. والقاعدة أنّ [كان]، يجوز حذف نون مضارعها، إذا كان مجزوماً بالسكون.
· ]لم يكُنِ الذين كفروا… [ (البيّنة 98/1)
ليس في هذه القراءة ما نُدير الحديث حوله، لكنّ للآية قراءة أخرى هي غايتنا. فقد قرئت: [لم يكُ الذين…] بحذف النون. وذلك كما ذكرنا آنفاً، جائز في العربية. فمضارع الفعل الناقص [كان]، يجوز حذف نونه، إذا كان مجزوماً بالسكون.
· قال الشاعر:
ألم أكُ جارَكمْ ويكون بيني وبينكم المودّةُ والإخاءُ
[لم أكُ]: هاهنا فعلٌ مضارعٌ ناقص حُذِفت نونه، وماضيه [كان]. والأصل قبل الحذف: [لم أكنْ]. وذلك جائز في العربية. فمضارع [كان] يجوز حذفُ نونه، إذا كان مجزوماً بالسكون.
· ]ولم أكُ بغيّاً[ (مريم 19/20)
حذْف النون في هذه الآية، مِن آخر الفعل الناقص [أكنْ]، جاء على المنهاج. وليس هاهنا شيء يضاف إلى ما تقدّم من الشرح، في النماذج السابقة. وإنما أوردنا هذه الآية لمزيد من التبيين والتثبيت.

(56/6)


· قال الشاعر (شرح ابن عقيل 1/294):
قد قيل ما قيل إنْ صدقاً وإنْ كذباً فما اعتذارُكَ من قولٍ إذا قيلا
[إنْ صدقاً]: حذَف الشاعرمن الكلام [كان واسمَها]، وأبقى خبرها، والأصل: [إنْ كان المقولُ صدقاً]، وأعاد ذلك طِبقاً في قوله: [وإنْ كذباً]، إذ الأصل: [وإنْ كان المقول كذباً]. ويَكثُر ذلك بعدَ [إنْ] و[لو] الشرطيتين. وترى نموذجاً من هذا الحذف بعد [لو] في قول الشاعر(شرح ابن عقيل 1/295):
لا يَأمَنِ الدهرَ ذو بغيٍ، ولو مَلِكاً جنودُهُ ضاق عنها السهلُ والجبلُ
فقد حذف الشاعر من الكلام [كان واسمها]، وأبقى خبرها فقط. والأصل: [ولو كان ذو البغي ملكاً].
2- نماذج كاد وأخواتها:
· ]لا يكادون يفقهون حديثاً[ (النساء 4/78)
[يكادون]: من أفعال المقاربة، اسمه واو الضمير وخبره مضارع: [يفقهون]، غير مقترن بـ [أن]، ولو لم يكن الكلام قرآناً، واقترن بها لجاز. ومثل ذلك طِبقاً، قولُه تعالى ]فذبحوها وما كادوا يفعلون[ (البقرة 2/71)
· [ما كدتُ أن أصلّي العصر، حتى كادت الشمس أن تغرُب]. (حديث شريف)
[كدت أن] و[كادت أن]: خبر كل منهما مضارع مقترن بـ [أنْ]: [أن أصلي، أن تغرب]. وذلك جائز. ومثل ذلك البيت الآتي:
· قال الشاعر يرثي:
كادتِ النفس أن تفيض عليهِ إذ غدا حشْوَ رَيْطَةٍ وبُرودِ
(الرَّيْطَة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ويريد بذلك: الكفن).
[كادت النفس أن تفيض]: خبرُ كاد مقترن بـ [أنْ]، وذلك جائز، كما قدّمنا آنفاً.
· قال الشاعر:
ولو سُئِل الناسُ التُرابَ لأوشكوا – إذ ا قيل: [هاتوا] – أن يمَلّوا ويمنعوا
[أوشكوا أن…]: أوشك من أفعال المقاربة، اسمه واو الضمير، وخبره [أن يَمَلّوا]: مضارع مقترن بـ [أن]. وذلك جائز، كما أنّ عدم اقتران الخبر بها جائز أيضاً.
ومثلُه في اقتران خبر [أوشك] بـ [أن]، قول الشاعر:
إذا المرء لم يَغْشَ الكريهة أوشكت حبال الهُوَيْنى بالفتى أن تَقَطَّعا

(56/7)


[أوشكت]: اسمها: [حبال]، والخبر: [أنْ تقطّع]، مضارع مقترن بـ [أنْ].
· قال أميّة بن أبي الصلت:
يوشك مَن فرَّ مِن منيَّتِهِ في بعض غِرّاتهِ يُوافقُها
[يوشك مَن فرّ يوافق]: اسم يوشك هو [مَن]، وخبره [يوافق]: مضارع غير مقترن بـ [أن]. وجائزٌ اقتران المضارع بها – كما رأيت فيما تقدّم – وجائز أيضاً عدم اقترانه بها، كما ترى في هذا البيت الذي نحن بصدده.
· ]عسى ربُّكم أنْ يرحمكم[ (الإسراء 17/8)
[عسى… أن]: عسى مِن أفعال المقاربة، اسمُه: [ربّكم]، وخبره [أنْ يرحمكم]: مضارع مقترن بـ [أن]. ومثل ذلك طِبقاً، الآية: ]فعسى الله أن يأتي بالفتح[ (المائدة 5/52) [اللهُ]: لفظ الجلالة، اسم عسى، وخبره [أن يأتي]: مضارع مقترن بـ [أن]. ولكنْ جائزٌ عدم اقترانه بها أيضاً، ومنه قول هُدبة بن خشرم:
عسى الكَرْبُ الذي أمسيتَ فيهِ يكون وراءَه فَرَجٌ قريبُ
[الكربُ]: اسم عسى، وخبره [يكون]: مضارعٌ غير مقترن بـ [أنْ]. ومثل ذلك طِبقاً قول الشاعر:
عسى اللهُ يُغني عن بلاد ابن قادرٍ بمنهمِرٍ جَوْنِ الرَّبابِ سكوبِ
(أراد بالمنهمر: المطر الغزير، والجون: الأسود، والرباب: السحاب).
[الله] لفظ الجلالة، اسم عسى، وخبره [يغني]: مضارع غير مقترن بـ [أن]. ومثله قول البرج بن خنْزير التميمي:
وماذا عسى الحجّاجُ يبلغُ جهدُهُ إذا نحن جاوزنا حَفيرَ زِيادِ
(حفير زِياد: موضع على خمس ليالٍ من البصرة).
[الحجّاج] اسم عسى، وخبره [يبلغ]: مضارع غير مقترن بـ [أن]. ويتبيّن مما تقدّم من الشواهد، جوازُ اقتران المضارع بعد [عسى] بـ [أن]، وعدم اقترانه بها.
· ]وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شرٌّ لكم[ (البقرة 2/216)
[عسى]: تكررت في الآية مرتين، وهي فيهما جميعاً فعل تامٌّ، فاعلُه المصدر المؤوّل: ففي الأولى [أن تكرهوا]، وفي الثانية [أن تحبوا].

(56/8)


وبيان ذلك، أنّ [عسى] إذا لم يكن بعدها اسم لها ظاهرٌ أو مضمر، عُدَّت تامّةً، وكان المصدر المؤوّل من [أنْ والمضارع] فاعلاً لها.
ومثلُ هذه الآية طِبقاً قوله تعالى: ]لا يسخرْ قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهنّ[ (الحجرات 49/11)
فـ [عسى] هاهنا في الموضعين من الآية تامّة، فاعلها المصدر المؤوّل: [أن يكونوا] في الموضع الأول، والمصدر المؤول [أن يكنَّ] في الموضع الثاني. وذلك أنّ [عسى] ليس بعدها في الموضعين، اسم لها ظاهر أو مضمر، ولذلك عُدَّت تامّة في الموضعين كليهما.
* * *
1- وتسمّى أيضاً [الأفعال الناقصة]، وإنما سمّيت ناقصة لأنها لا تكتفي بمرفوعها. أي: لا تتمّ الفائدة بها وبالمرفوع بعدها، بل تحتاج مع المرفوع إلى منصوب.
2- تذكير هذه الأفعال أو تأنيثها، لا يُخِلّ بصحة الاستعمال، فلكلٍّ وجهٌ في العربية ومسوِّغ.
3- مثال ذلك [لا]، في نحو قولنا: [لا تبرحْ مجتهداً]. فإنها هنا [لا] الناهية، لكنها في أحوال أخرى تصلح للنفي، نحو: [خالد لا يزورنا]. فهذا هو المراد من قولنا في المتن: [وشرطها أن تسبقها أداة يصلح استعمالها للنفي]. هذا، وقد تحذف أداة النفي جوازاً بعد القسم، ومنه قول امرئ القيس:
فقلتُ يمينُ الله أبرح قاعداً ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
والأصل قبل الحذف: [لا أبرح].
4- الفعلان [نصبح ونمسى] في المثال، تامّان. إذ المعنى: [حين ندخل في الصباح، وحين ندخل في المساء].
5- فعلُ [عاد] في المثال، ناقص، إذ معناه هنا: [صار].
6- التقدير في المثال الأول: [إنْ كان حاضراً، وإن كان غائباً]. وفي الثاني: [ولو كان الذي تلتمسه خاتماً من حديد].
7- يسمونها جميعها: [أفعال المقاربة] تجوّزاً، وإن كان بعضها للمقاربة، وبعضها للشروع، وبعضها للرجاء.

(56/9)


8- في كتب الصناعة أربعة أفعال أخرى لا تُستعمَل في عصرنا، وهي: [كَرَبَ، حرى، اِخلَولَق، علق]، فأعرضنا عن ذكرها في المتن، واكتفينا بذكرها هنا.

(56/10)


اللازم والمتعدّي
الفعل صنفان: [لازم] لا ينصب مفعولاً به، و[مُتَعَدٍّ] ينصبه.
1- اللازم: نحو: [نام – ذهب – شبع…]، ويمكن نقله إلى متعدٍّ، بإحدى طريقتين:
الأولى: زيادة همزة في أوله، نحو: [أَذْهَبَ الاستجمامُ التعبَ](1).
والثانية: تضعيف حرفه الثاني، نحو: [عظَّمَ اللهُ العلمَ](2).
2- المتعدّي: وهو صنفان:
الأوّل: ما ينصب مفعولاً واحداً، نحو: [قرأ خالدٌ كتاباً].
والثاني: ما ينصب مفعولين، ومن ذلك – على سبيل المثال -: [أَعطى – أَلبس…]. يقال: [أعطى خالدٌ زهيراً كتاباً، وألبس سعيدٌ محمداً ثوباً].
ومما ينصب مفعولين، ما يسميه النحاةُ: [أفعال القلوب](3)، وتمتاز بأنّ أصل مفعوليها، مبتدأ وخبر، ومنها [ظَنَّ وعَلِمَ وحَسِبَ…]. يقال: [ظننت خالداً مسافراً، وعلمت زهيراً محبّاً للخير، وحسبت سعيداً غائباً](4).
وقد تأتي [أنّ] وصِلَتُها (أي: اسمها وخبرها)، بعد الفعل القلبي فتؤوَّل بمصدر يسدّ مسدّ المفعولَين، نحو: [ظننت أنّ خالداً مسافرٌ = ظننت سفرَه].
تنبيه: قد يتضمّن [القَولُ] معنى [الظنّ]، فيعمل عمله – فينصب المبتدأَ والخبرَ مفعولَين – جوازاً نحو: [متى تقول زيداً راجعاً من سفره؟] = [متى تقول زيدٌ راجعٌ من سفره].
* * *
يتّصل بأفعال القلوب مسألتان هما: الإلغاء والتعليق. ودونك بيانهما:
¨ الإلغاء: هو أن يتوسّط الفعلُ القلبيُّ مفعولَيه أو يتلوهما، فيجوز عند ذلك رفعُهما؛ ولكن يظلّ نصبهما جائزاً أيضاً.
فالرفع نحو: [خالدٌ – ظننت – مسافرٌ، وخالدٌ مسافرٌ، ظننت].
والنصب نحو: [خالداً – ظننت – مسافراً، وخالداً مسافراً، ظننت].
¨ التعليق: هو أن يلي الفعلَ القلبيَّ مانع يمنعه من نصب مفعوليه، فتكون الجملة في محل نصب تسدّ مسدّهما. وذلك إذا تلاه:
استفهام: [علمت أين الكتابُ]،
أو لام ابتداء: [تيقّنتُ لَلصدقُ فضيلة]،
أو لام قسم: [علمت ليسافرنّ خالد]،

(57/1)


أو إحدى الأدوات النافية: [ما، لا، إنْ] نحو: [حسبت ما خالدٌ مسافرٌ]، [علمت لا كاذبَ ممدوحٌ]، [ظننت إن زينبُ مسافرةٌ].
فائدة: قد ينصب الفعلُ القلبي مفعولَه الأول، وتسدّ الجملة مسدَّ الثاني: [علمتُ خالداً (مَن هو)].
ملاحظة: زعموا أنّ في اللغة أفعالاً تنصب ثلاثة مفاعيل، هي: [أرى – أعلم – أنبأ – نبّأ – أخبر – خبّر – حدّث]، وأنه يقال مثلاً: [أعلم سعيدٌ خالداً الأمرَ صحيحاً] و[خبّر زهيرٌ عليّاً الحديث تامّاً](5).
* * *
نماذج فصيحة من اللزوم والتعدّي
· ]لقد علمتَ ما هؤلاء ينطقون[ (الأنبياء 21/65)
[عَلِم]: فعلٌ قلبيّ ينصب مفعولين – في الأصل – ولم ينصبهما هاهنا، لأنه عُلِّق عن العمل، وذلك أنّ [ما] – حرف نفي له الصدارة – وقد تلا الفعلَ القلبي، فامتنع أن ينصب مفعوليه مباشرة، ومن ثم كانت جملة: [ما هؤلاء ينطقون](6)، في محلّ نصب، سدّت مسدَّ مفعولَين.
· ]إنّهم يرونه بعيداً[ (المعارج 70/6)
[يرونه]: (أي: العذاب)، فهاهنا – إذاً – في الأصل مبتدأ وخبر، هما: [العذاب بعيدٌ]. وقد نصبهما الفعل القلبي: [يرى]، على أنهما مفعولان له، فهاء الضمير مفعوله الأوّل، و[بعيداً] مفعوله الثاني.
· ]الذين يظنون أَنهم ملاقو ربّهم[ (البقرة 2/46)
[يظنّ]: فعلٌ قلبيٌّ ينصب مفعولين في الأصل، ولم ينصبهما هاهنا، لدخوله على [أنّ] المشبهة بالفعل وصلتها، (أي: اسمها وخبرها) فإنها هي وصلتها، سدّتا مسدّ مفعولَي: [يظنّ].
· ]أَذْهبتم طيِّباتِكم في حياتكم الدنيا[ (الأحقاف 46/20)
[ذَهَبَ]: فعلٌ لازم لا ينصب مفعولاً به. غير أنّ اللازم يُنقَل من اللزوم إلى التعدّي بإحدى طريقتين: الأولى: أنْ تُزاد همزة في أوله، كما جاء في الآية، إذ نُصِبت كلمة: [طيّبات]، على أنها مفعول به لفعل: [أذهب].

(57/2)


وفي القرآن آيات أخرى مطابِقات، منها: ]إنما يريد الله لِيُذْهِبَ عنكم الرجسَ أهلَ البيت[ (الأحزاب 33/33). فقد نُقِل فعلُ [ذهب] من اللزوم إلى التعدّي، بأن زيدت همزة في أوله: [أذهب – يُذهب]، فانتَصَبت كلمةُ [الرجس] على أنها مفعول به لـ [يُذْهِب].
وأما الطريقة الثانية، التي يُنقَل بها الفعل من اللزوم إلى التعدي، فهي أن يُضَعَّف حرفه الثاني. وذلك نحو قوله تعالى ]هو الذي يسيّركم في ظلمات البرّ والبحر[(يونس 10/22)، ففِعْل [يَسِيْر] لازم في الأصل لا ينصب مفعولاً به، ولكن ضُعِّف حرفه الثاني فقيل: [يُسَيِّر] فأصبح متعدّياً، فنَصَب الضميرَ: [كم]، على أنه مفعول به له.
· ]إنّا أعطيناك الكوثر[ (الكوثر 108/1)
[أعطى]: فعل ينصب مفعولَين، ليس أصلهما مبتدأ وخبراً. كاف الضمير هنا مفعوله الأول، و[الكوثر] مفعوله الثاني. ومثلُه فِعْلُ: [عَلَّمَ] في الآية: ]وما علَّمناه الشعرَ وما ينبغي له[ (يس 36/69). فالهاء مفعوله الأول، و[الشعرَ] مفعوله الثاني.
· قال الشاعر:
ظننتكَ-إنْ شبّتْ لظى الحرب-صالياً فَعَرَّدْتَ فِيمَنْ كان عنها مُعَرِّدَا
(عرَّدَ: انحرف وهرب). [ظنّ]: مِن أفعال القلوب، ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر. فكاف الضمير هي المفعول الأول، و[صالياً] هو المفعول الثاني.
· ]ولقد علِموا لَمَن اشتراه ما له في الآخرة مِن خلاق[ (البقرة 2/102)
[علِم]: فعلٌ قلبيّ، ينصب مفعولين. غير أنه جاء في الآية معلَّقاً عن العمل، فلم ينصبهما، وذلك أنّ لام الابتداء تلته، وهي من الأدوات التي لها الصدارة، فكانت الجملة بعده في محلّ نصب، سدّت مسدّ مفعولين(7).
· ]وإنْ أدري أقريب أم بعيد ما توعدون[ (الأنبياء 21/109)

(57/3)


[درى]: فعلٌ قلبيٌّ، ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر. غير أنه جاء في الآية معلَّقاً عن العمل، فلم ينصبهما، وذلك أنّ الهمزة مِن: [أقريبٌ] تلته، وهي حرف استفهام، والاستفهام له الصدارة، فكانت الجملة بعده في محلّ نصب، سدّت مسدّ مفعولين(8).
· ]لنعلم أيُّ الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً[ (الكهف 18/12)
[علم]: فعل قلبيّ، ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر. غير أنه جاء في الآية معلَّقاً عن العمل، فلم ينصبهما. وذلك أنّ: [أيّ] تلته، وهي اسم استفهام، والاستفهام له الصدارة، فكانت الجملة في محلّ نصب، سدّت مسدّ مفعولين(9).
· قال الشاعر:
ولقد علمتُ لَتَأْتِيَنَّ منيَّتي إنّ المنايا لا تطيش سِهامُها
[علم]: فعلٌ قلبي ينصب مفعولين، ولكنْ عُلِّق هاهنا عن العمل فلم ينصبهما، وذلك أنّ اللام المُشْعِرَة بالقسم تلته، وهي أداة لها الصدارة، فكانت الجملة في محلّ نصب، سدّت مسدّ مفعولين.
· وقال الشاعر:
رأيتُ اللهَ أكبرَ كلِّ شيءٍ محاولةً، وأكثرَهم جُنودا
(محاولةً: قوّةً). [اللهُ أكبرُ]: هما – في الأصل – مبتدأ وخبر. ولكن دخل عليهما فعلُ [رأى]: وهو فعلٌ قلبيّ، ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، فنُصِبا – على المنهاج – مفعولين له، فقيل: [رأيت اللهَ أكبرَ].
· ]ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً[ (طه 20/71)
[أيُّنا أشدُّ]: مبتدأ وخبر، دخل عليهما فعلُ: [تعلم]، وكان الأصل أن ينصبهما مفعولين له. ولكنه عُلِّق هاهنا عن العمل، لأنّ المبتدأ: [أيُّ] اسمُ استفهام، والاستفهام – حرفاً كان أو اسماً – له الصدارة، ومتى تلا الفعلَ القلبيّ، علّقه عن العمل، فكانت جملتهما في محلّ نصب سدّت مسدَّ مفعولين.
· قال الشاعر:
أبالأراجيز-يا ابن اللؤم-توعدني وفي الأراجيز-خِلتُ-اللؤمُ والخَوَرُ

(57/4)


[خِلت]: فعل قلبي مِن [خال – يخال]، حقُّه إذا تقدّم، أن ينصب المبتدأَ والخبرَ مفعولين له. وأما إذا توسطهما – كما ترى في البيت – أو تأخر عنهما، فيجوز مع النصب الرفعُ، وقد آثر الشاعر هنا الرفعَ، فقال: [في الأراجيز – خلت – اللؤمُ].
والنحاة يسمّون ذلك: [الإلغاء]. ويريدون بذلك: إلغاءَ نصب الفعل القلبي للمبتدأ والخبر، إذا توسطهما أو تأخّر عنهما. ولو أنّ الشاعر قدّم هذا الفعل لما جاز إلاّ النصب، ولكان واجباً أن يقول: [خلت في الأراجيز اللؤمَ].
· وقال الشاعر:
القومُ في أثري ظننتُ، فإنْ يكن ما قد ظننتُ فقد ظفِرتُ وخابُوا
[القوم في أثري]: مبتدأٌ وخبر، وبعدهما فعل قلبيّ تأخر عنهما هو: [ظننتُ]. ولقد كان حقُّه لو تقدّم عليهما أن ينصبهما مفعولين له فيقول: [ظننتُ القومَ في أثري]. ولكنه تأخر عنهما فجاز مع النصب الرفعُ. وهو ما يسمّيه النحاة: [الإلغاء].
· ]وتظنّون إنْ لبثتم إلاّ قليلاً[ (الإسراء 17/52)
[تظنّون]: فعلٌ قلبيٌّ، ينصب مفعولين. ولكنه جاء في الآية معلَّقاً عن العمل، فلم ينصبهما. وذلك أنّ: [إنْ] هاهنا تلته ومعناها النفي، ولها الصدارة، وإذا كان ذلك امتنع أن ينصبهما، فكانت الجملة بعده في محلّ نصب، سدّت مسدّ مفعولَين.
· ]وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلَبٍ ينقلبون[ (الشعراء 26/227)
[يعلم]: من أفعال القلوب، حقُّه أن ينصب مفعولين. غير أنه لم ينصبهما هاهنا، إذ جاء بعده ما يعلّقه عن العمل، وهو: [أيّ] الاستفهامية. وذلك أنّ الاستفهام اسماً كان أو حرفاً، له الصدارة، ومتى تلا الفعلَ القلبي، علّقه عن العمل، فكانت الجملة بعده في محل نصب، سدّت مسدّ مفعولين.
وقد يُظَنُّ أنّ [أيَّ] مفعول به لفعل [يعلم]، وليس هذا بصواب، بل هي مفعول مطلق لفعل [ينقلبون]، أي: ينقلبون أيَّ انقلاب.
· قال زهير بن أبي سلمى:
فقلت تَعَلَّمْ أنّ للصيد غِرَّةً وإلاّ تُضيِّعها فإنك قاتلُهْ

(57/5)


[تعلّمْ]: من أفعال القلوب، ينصب مفعولين. لكنه لم ينصبهما هاهنا، لدخوله على [أنّ المشبهة بالفعل وصلتها (أي: اسمها وخبرها)]. فإنها هي وصلتها سدّتا مسد مفعولَي [تعلَّمْ].
· قال عنترة يذكر جوادَه:
لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى ولكان لو علِم الكلامَ مكلِّمي
[درى]: من أفعال القلوب، ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، لكنه جاء في البيت معلَّقاً عن العمل، لأنّ [ما الاستفهامية] تلته، والاستفهام له الصدارة، ومتى تلا الفعلَ القلبي، علّقه عن العمل، كما ترى في البيت، فكانت جملةُ [ما المحاورةُ]، في محل نصب سدت مسدّ مفعولين. ولكثيّر عزّة، بيت مطابق بيتَ عنترة، هو:
وما كنت أدري قبل عزّة ما البكا ولا موجعات القلب حتى تولّتِ
فقد عُلِّق فعل [أدري] عن العمل – وهو فعل قلبي ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر – وذلك أنّ [ما] الاستفهامية تلته فعلّقته عن العمل، فكانت جملةُ [ما البكا]، في محل نصب سدّت مسدّ مفعولين.
· ]قد نعلم إنّه ليَحْزُنكَ الذي يقولون[ (الأنعام 6/33)
[نعلم]: فعل قلبي ينصب مفعولين، ولكنه عُلِّق عن العمل فلم ينصبهما، لأنّ أداةً من أدوات الصدارة – هي لام الابتداء – تلته، فمُنع من العمل. فالجملة بعده في محل نصب سدت مسد مفعولين(10).
· قال هدبة بن خشرم:
متى تقول القُلُصَ الرَّواسِما يحملْنَ أمَّ قاسمٍ وقاسِما
[تقول]: فعلٌ قد يأتي بمعنى الظنّ، فيعمل عمله. (أي: ينصب مفعولين). وهو ما تراه في البيت، فكلمة [القلص](11) هي المفعول الأول لـ [تقول]، وجملة: [يحملن]، في محل نصب مفعول ثانٍ له.
· ]كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم حسراتٍ عليهم[ (البقرة 2/167)
في الآية ثلاث كلمات منصوبات. الأولى والثانية هما: الضمير [هم] المتصل بالفعل، و[أعمالَ] – وهاتان مفعولان لفعل: [يُري] – وأما الثالثة وهي: [حسراتٍ] فإنها حال من [أعمالهم](12).
* * *

(57/6)


1- ذَهَبَ: فعل لازم، لكن لما زيدت الهمزة في أوله، فقيل [أذهبَ]، انتقل إلى متعدٍّ، فنصب مفعولاً به هو: [التعبَ].
2- عَظُمَ: فعلٌ لازم، لكن لما ضُعِّف ثانيه، فقيل: [عظَّمَ] انتقل إلى متعدٍّ فنصب مفعولاً به هو: [العِلْمَ].
3- سمَّوها [أفعال القلوب]، لجَوَلان معانيها في القلب، وأشهرها: [علم-ظنّ-رأى-حسب-خال-عدَّ-زعم].
4- كانت هذه المفاعيل أصلاً في كلٍّ من الجمل المذكورة، مبتدأً وخبراً، أي: [خالدٌ مسافرٌ – زهيرٌ محبٌّ للخير – سعيدٌ غائبٌ]. لكنْ لما دخلت عليها أفعال القلوب، نصبتها مفاعيل لها.
5- نصْبُ بعض الأفعال ثلاثة مفاعيل مسألةٌ خلافية، يقول بها بعض النحاة، ويأباها بعض. وإننا لَمَعَ أُباتها، إذ لم نر لها – ما عدا بيتاً من الشعر أو بيتين – استعمالاً، لا في حديث ولا مثَل ولا شعر ولا نثر ولا في القرآن. وما ذكرناها في المتن إلاّ دفعاً لسؤالِ سائل عنها، حفِيٍّ بها، يفجعه أن يفتقد بَدرَها، وإن كان لا يستضيء بنوره!!
6- [هؤلاء] مبتدأ، وجملة [ينطقون] خبره.
7- اللام لام الابتداء، [مَن]: اسم موصول، مبتدأ، خبره جملة: [ما له مِن خلاق].
8- الهمزة للاستفهام، [قريب]: خبر مقدّم، و[ما]: اسم موصول مبتدأ مؤخّر.
9- [أيّ]: اسم استفهام، مبتدأ، خبره [أحصى]. وجملتهما في محل نصب، سدّت مسدّ المفعولين. ومن المفيد أن يلاحظ المرء أنّ الاستفهام في هذه الآية بالاسم: [أيّ]، وأنه في الآية السابقة بالهمزة، أي بالحرف: [أ]. ولا فرق في التعليق بالاستفهام بين اسم وحرف، فكلاهما له الصدارة، وكلاهما يعلِّق الفعل القلبي عن العمل.
10- يقول النحاة: إنّ لام الابتداء (163) تدخل في الأصل على المبتدأ للتوكيد، فإذا أُدخلت عليه [إنّ] وهي للتوكيد أيضاً، اجتمع مؤكِّدان، ولذلك تُزَحلق اللام إلى الخبر، كما رأيت في الآية، إذ زُحلقت إلى [يحزنك].
11- القُلُص: النوق، ووصفها بأنها رواسم، أي: مسرعات.

(57/7)


12- فريق من النحاة يعربها مفعولاً ثالثاً، إذ يجعل فعل [يري]، ناصباً ثلاثة مفاعيل. وهو تفريع يضرّ ولا ينفع.

(57/8)


المبني والمُعْرَب
¨ المبني: ما لا تتغيّر حركة آخره، اسماً كان أو فعلاً أو حرفاً. فكل كلمة لزمت حركةً واحدةً لا تتغير – مهما يكن موقعها من العبارة، ومهما تكن العوامل المؤثّرة فيها – فهي مبنية، نحو: [هذا – الذيْ – مَنْ – قدْ – رُبَّ – يسافرْنَ – لَتَذْهَبَنَّ إلخ…].
¨ والمعرَب: ما تتغيّر حركة آخره في الكلام ما بين ضمّة وفتحة وكسرة وسكون، على حسب تأثير العوامل فيه نحو: [سافر خالدٌ – رأيت خالداً – مررت بخالدٍ – يسافرُ خالد – لم يسافرْ خالد إلخ…].
تنبيه: الأسماء والأفعال المختومة بواو قبلها ضمّ، أو ياء قبلها كسر، يستثقل العربي لفظ الضمة والكسرة على آخرها، فيسقطهما استثقالاً. نحو: [يدعُوْ القاضِيْ بالجانِيْ فيقضِيْ عليه بما يستحقّ]. وكان الأصل لولا الاستثقال أن يقال: [يدعُوُ القاضِيُ بالجانِيِ فيقضِيُ عليه بما يستحقّ]!! ولكن العربيّ لا ينطق بذلك.
* * *

(58/1)


المفعول به
هو ما وقع عليه فِعْلُ الفاعل فنَصَبَه. نحو: [أكل خالدٌ رغيفاً]؛ وحقُّه أن يجيء – في الأصل – بعد الفاعل، ولكنْ قد يتقدّم عليه، نحو: [أكل رغيفاً خالدٌ]، بل قد يتقدم أحياناً عليه وعلى فِعله أيضاً، نحو: [رغيفاً أكل خالدٌ].
هذا على أنّ تقديم المفعول به وتأخيره، جائزان في كل الأحوال(1). ولا يستثنى من ذلك إلاّ حالتان يجب تقديمه فيهما:
الأولى: أن يتّصل الفاعلُ بضمير المفعول، فيُقَدَّ م وجوباً على الفاعل، نحو: [سكن الدارَ مالكُها]، و[ركب الفرسَ رائضُها].
الثانية: أنْ يقع بين [أمّا] وجوابها، فيُقدَّم وجوباً على الفعل والفاعل معاً، نحو: [فأمّا الجائعَ فأَطْعِمْ وأمّا الغريبَ فأكْرِمْ].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال المفعول به
· قال عنترة (الديوان /143):
ولقد نزلْتِ فلا تظنّي غيرَه منّي بمنْزلة المحبّ المُكْرَمِ
فِعل [الظنّ] ينصب مفعولين، فأمّا الأول في البيت، فهو: [غيرَ]، وأما الثاني فقد حذفه الشاعر. وذلك جائز. وقد نظم ابن مالك في جواز الحذف عموماً، قاعدة كليّة فقال: [وحذف ما يُعلم جائز…]، ولو ذُكر المفعول المحذوف لقال الشاعر: [فلا تظنّي غيرَه واقعاً].
· ]أين شركائي الذين كنتم تزعمون[ (القصص 28/62)
فِعل [زعم] ينصب في الأصل مفعولين، وقد حُذِفا هاهنا جميعاً، ولو ذُكرا لقيل: [تزعمونهم شركائي]، فكان الأول يكون هو الضمير المتصل: [هم]، وكان الثاني يكون: [شركائي]، ولكنهما حُذِفا. وإنما جاز حذفهما للعلم بهما، وقد ذكرنا آنفاً قاعدة جواز الحذف التي نظمها ابن مالك.
· ]وإذِ ابتلى إبراهيمَ ربُّه[ (البقرة 2/124)
[إبراهيمَ]: مفعولٌ به، والفاعل: [ربُّ]. وقد قُدِّم المفعول على الفاعل كما ترى، وتقديمه هنا واجب، لاتّصال الفاعل بضمير المفعول.

(59/1)


والقاعدة العامّة أنّ [كل تقديمٍ أو تأخير للمفعول جائز، ماعدا موضعين اثنين فقط، يجب تقديمه فيهما. الأول: أنْ يتّصل الفاعل بضمير المفعول – كما جاء في هذه الآية – والثاني: أن يقع المفعول بين (أمّا) وجوابها].
· وقال حسّان بن ثابت يرثي مُطْعِمَ بن عديّ (الديوان /398):
ولو أنّ مجداً أَخْلَدَ الدهرَ واحداً مِنَ الناس، أبقى مجدُه الدهرَ مُطْعِما
وفي قوله هذا مخالفة لقاعدة كلية هي: أنّ الفاعل إذا اتصل بضمير المفعول، وجب تقديم المفعول. ولقد تحقق هذا الاتصال في البيت: فـ [مجدُه] فاعل لـ [أبقى]، والهاء المتصلة به هي ضمير المفعول به: [مطعماً]. وهذا يوجب إعمال القاعدة، أي: تقديم المفعول على الفاعل، فيقال: [أبقى مطعماً مجدُه](2). ولكنّ الشاعر لم يُعملها، فكان ذلك شذوذاً، تسمّيه كتب الصناعة: [ضرورة شعرية]. ونورد فيما يلي نظائر لهذا البيت ترسيخاً للقاعدة.
· فنظير ما تقدّم، قولُ أبي الأسود الدؤلي (الديوان /401):
جزى ربُّهُ عني عدِيَّ ابنَ حاتمٍ جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقد فَعَلْ
وفي قوله: [جزى ربُّه عديّاً]، تقدّم الفاعل [ربُّه]، واتّصلت به الهاء، وهي ضمير يعود إلى المفعول: [عديّاً]. وهذا يوجب إعمال القاعدة المذكورة آنفاً، أي: تقديم المفعول على الفاعل، فيقال: [جزى عديّاً ربُّه]. ولكن الشاعر لم يعملها، شذوذاً، وهو ما تسمّيه كتب الصناعة، كما قلنا: [ضرورة شعريّة].
· وقولُ الآخر (شرح ابن عقيل 1/495):
كَسَا حِلْمُهُ ذا الحِلْمِ أثوابَ سؤدُدٍ ورَقَّى نَداهُ ذا النَدى في ذُرَا المجدِ

(59/2)


وفي قوله: [كسا حلمُه ذا الحِلمِ]، تقدّم الفاعل: [حلمُه]، واتصلت به الهاء، وهي ضمير يعود إلى المفعول: [ذا الحلم]، وهذا يوجب تقديم المفعول على الفاعل، فيقال: [كسا ذا الحلم حلمُه]. ولكن الشاعر لم يلزم ذلك شذوذاً. وأعاد ذلك مرة أخرى في عَجُز البيت، وكان واجباً أن يقول للسبب نفسه: [رقّى ذا الندى نداه]، ولكنه لم يلزم ذلك شذوذاً(3).
· وقال سليط بن سعد (شرح ابن عقيل 1/497):
جزى بنوه أبا الغيلانِ عن كِبَرٍ وحُسْنِ فِعْلٍ كما يُجْزى سِنِمّارُ
وما قلناه فيما تقدّم يقال هنا. فلو أن الشاعر حكَّمَ القاعدة – وهي وجوب تقديم المفعول إذا اتّصل الفاعل بضمير المفعول – لقال على المنهاج: [جزى أبا الغيلان بنوه] فقدّم المفعول على الفاعل، ولكنه لم يلزم ذلك شذوذاً.
· ]مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فما له من هادٍ[ (الرعد 13/33)
[مَنْ]: اسم شرط، وهو مفعولٌ به لفعل: [يضلل]. وكتب الصناعة تقول: إنّ تقديمه على الفعل والفاعل واجبٌ هاهنا، لأن أسماء الشرط لها الصدارة. ونقول: نعم، هذا صحيح، ولكنّ طالب العلم في غنى عن حفظه واستظهاره، لأنه تحصيل حاصل. فاسم الشرط له صدر الكلام سواء كان مفعولاً به أو لم يكن. وليس في الدنيا عربي – مهما يبلغ لسانه من العجمة – يقول مثلاً: [يضللْ مَنِ اللهُ] أو [يضللِ الله مَن فما له…] أو [يضللِ الله فما له مَن مِن هاد]، هذا فضلاً على أنّ فعل الشرط: [يضلل] لا يُجزَم إذا لم تتقدَّم عليه أداة الشرط.
مما تقدم يتبيّن: أن من الإثقال غير المسوَّغ، أن تقف كتب الصناعة عند هذه المسألة، وتعتدّها صنفاً من صنوف تقديم المفعول وجوباً على الفعل والفاعل.
· وقل مثل هذا في قوله تعالى: ]فأَيَّ آياتِ الله تُنكِرون[ (غافر 40/81)
فإنّ كلمة: [أيَّ] اسم استفهام، وهو مفعول به لفعل: [تنكرون]. وكتب الصناعة تقول: إنّ تقديمه على الفعل والفاعل، واجبٌ هاهنا، لأنّ أسماء الاستفهام لها الصدارة.

(59/3)


ونقول: إنّ تقديم أسماء الاستفهام لا علاقة له بإعرابها، فإن لها الصدارة في كل حال، سواء كانت منصوبة أو غير منصوبة. هذا تحصيل حاصل، ولو استُغني عن جعله مسألة يؤخذ فيها ويُعطَى، عند البحث في تقديم المفعول وجوباً على الفعل والفاعل، لكان ذلك أجدى.
ولو جَرَّب المرء تغيير مكان [أيّ] في الآية، سواء كانت مفعولاً أو غير مفعول، لاستيقن فوراً أنّ ذلك غير عربي. فمَن ذا الذي يقول: [آيات الله أيّ تنكرون، أو: آيات الله تنكرون أيّ]؟ هذا في العربية لا يقال، فليت كتب الصناعة تعرّد عنه، وتَقْصر همَّها على ما يفيد في تعليم الناس لغةَ قومهم.
· ]فأمّا اليتيمَ فلا تقهر وأمّا السائلَ فلا تنهر[ (الضحى 93/9-10)
[تقهر]: فعلٌ، فاعلُه ضمير مستتر تقديره: [أنت].
[اليتيمَ]: مفعول به، تقدَّم – كما ترى – على الفعل والفاعل، وهو هنا تقديم واجب. وذلك أنّ المفعول يجوز تقديمه وتأخيره في جميع الأحوال ما عدا موضعين فقط، يجب تقديمه فيهما. الأول: أنْ يتصل الفاعل بضمير المفعول، والثاني: أنْ يقع بين [أمّا] وجوابها، كما جاء هنا في الآية، إذ وقع بين [أمّا]، وجوابِها [فلا تقهر]، فحقَّ أنْ يتقدّم وجوباً.
والشيء نفسه يقال في الآية التالية: ]وأمّا السائلَ فلا تنهر[ فإنّ المفعول: [السائلَ] وقع بين [أمّا] وجوابِها [فلا تنهر]، فكان تقديمه على الفعل والفاعل واجباً. فالحالتان في الآيتين متساويتان متطابقتان، وهذا يغني عن الإفاضة في التبيين.
· قال الشاعر (أوضح المسالك 1/363):
تزوَّدْتُ مِن ليلى بتكليم ساعةٍ فما زاد إلاّ ضعفَ ما بي كلامُها
[إلاّ]: أداة حصر، [ضعفَ]: مفعول به مقدَّم، [كلامُها]: فاعل مؤخَّر.

(59/4)


والتقديم والتأخير هاهنا جائزان، على المنهاج. وذلك أنّ تقديم المفعول، إنما يكون واجباً في حالتين فقط، هما أن يتّصل ضمير المفعول بالفاعل، أو أن يقع المفعول بين [أمّا] وجوابها. وليس في البيت أيّ من الحالتين. ودونك شواهد أخرى تؤيّد الجواز:
· قال دعبل الخزاعي (أوضح المسالك 1/362):
ولمّا أبى إلاّ جماحاً فؤادُه ولم يسلُ عن ليلى بمالٍ ولا أهلِ
[إلاّ]: أداة حصر، [جماحاً]: مفعول به مقدَّم، [فؤادُه]: فاعل مؤخّر.
وقد قدّم الشاعر المفعول به: [جماحاً]- وهو اسم محصور – على الفاعل: [فؤادُه]. إذ التقديم والتأخير جائزان. ولا يكون تقديم المفعول واجباً إلاّ في حالتين، لانملّ أنْ نكررهما: أنْ يتّصل ضمير المفعول بالفاعل، وأن يقع المفعول بين [أمّا] وجوابها.
· ودونك أخيراً شاهداً من هذه المسطرة، هو قول الشاعر (أوضح المسالك 1/369):
فلم يدْرِ إلاّ اللّهُ ما هيَّجتْ لنا – عشيَّةُ آناءِ الديارِ – وَشامُها(4)
فالمحصور في البيت، هو لفظ الجلالة: [الله]، والأصل: فلم يدْرِ ما هيَّجت لنا إلاّ اللهُ.
وقد قُدِّم الفاعل: [اللهُ]، على المفعول به وهو الاسم الموصول: [ما]. وجوازُ تقديم المفعول على الفاعل وتأخيرِه عنه، قاعدةٌ لا تتخلّف. وإنما يستثنى منها موضعان اثنان يجب فيهما تقديم المفعول، هما: أنْ يتّصل ضميرُ المفعول بالفاعل، أو أنْ يقع المفعول بين [أمّا] وجوابها.
· ]يومَ لا ينفع الظالمين معذِرتُهم[ (غافر 40/52)
[معذرتُهم]: فاعل مؤخّر، [الظالمين]: مفعول به مقدَّم.
وتقديم المفعول في الآية هاهنا على المنهاج. وذلك أنّ الفاعل: [معذرتُهم]، اتّصل به ضمير المفعول به. ومتى كان ذلك، وجب تقديم المفعول على الفاعل، كما رأيت. وهذه إحدى الحالتين اللتين يجب فيهما تقديم المفعول على الفاعل.
· ]ففريقاً كذَّبتم وفريقاً تقتلون[ (البقرة 2/ 87)

(59/5)


[فريقاً]: مفعول به، مقدَّم في الآية على الفعل والفاعل. وتقديمه عليهما أو على أحدهما جائز في كل موضع. وهذه قاعدة صلبة، لا تنكسر إلاّ في حالتين اثنتين يجب فيهما تقدّم المفعول على الفاعل، هما: أن يتصل ضمير المفعول بالفاعل، أو أنْ يقع المفعول بين [أمّا] وجوابها. وإذ لم يكن في الآية إحداهما، فقد تقدم المفعول في الآية مرتين – في صدرها وفي أثنائها – وذلك جائز. ولو لم يكن الكلام قرآناً، لجاز أن يقال: [فكذبتم فريقاً، وتقتلون فريقاً].
· ]وقذف في قلوبهم الرعبَ فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً[ (الأحزاب33/26)
في الآية شاهدان على جواز تقدّم المفعول وتأخّره. الأول: [فريقاً تقتلون]، وفيه تقدّم المفعول على الفعل والفاعل جميعاً. والثاني: [تأسرون فريقاً]، وفيه تأخر المفعول عن الفعل والفاعل جميعاً. وذلك أنّ تقدّمه على الفعل والفاعل أو على أحدهما، وتأخره عنهما أو عن أحدهما، جائز في كل موضع. ولا يستثنى من ذلك إلاّ حالتان، أكثرنا عن عَمْدٍ تكرارهما لنثبّتهما في الذاكرة.
* * *
1- ما يُزعَم من لبس قد يقع بسبب التقديم والتأخير، فسياق الكلام يزيله. من ذلك – مثلاً – أن يكون عيسى قاضياً، وموسى مجرماً، فإذا قيل: [عاقب موسى عيسى]، فُهِم من السياق أنَّ المعاقَب هو موسى.
2- لا يمنعنا العنوان: [نماذج فصيحة] أن نورد بيتاً فيه ضرورة شعرية، لنبين ما فيه من خروج على القاعدة.
3- في البيت ما فيه من المعاظلة والتراكب، مما يميل بالنفس إلى أنه مفتعل مصنوع.
4- الشام، جمع شامة وهي العلامة.

(59/6)


المفعول لأجله(1)
المفعول لأجله: مصدرٌ منصوب، يبيِّن عِلَّةَ وقوع الحَدَث، نحو: [وقفتُ إجلالاً للمعلِّم]. فالوقوف – وهو الحَدَث – ناشئ عن علّة، هي: الإجلال.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال المفعول لأجله
· ]ولا تقتلوا أولادَكمْ خَشيةَ إملاق[ (الإسراء 17/31)
(الإملاق: الفقر). [خشيةَ]: مصدرٌ، تحقّقت له شروطُ نصبه مفعولاً لأجله. وذلك أنه مصدرُ [خشي-يخشى]، وقد بيّن علَّةَ قتل الجاهليين أولادَهم، وهي: خشية الإملاق.
· قال حاتم الطائيّ:
وأَغْفِرُ عَوراءَ الكَرِيمِ ادّخارَهُ وأُعْرِضُ عن شَتْمِ اللئيمِ تَكَرُّمَا
[تَكَرُّما]: مصدر تحققت له شروطُ نصبه مفعولاً لأجله. وذلك أنه مصدرُ [تَكَرَّمَ – يتكرَّم]، وقد بيَّن علَّةَ إعراض الشاعر عن شتم اللئيم، وهي: [التكرّم].
هذا، على أنّ في البيت مفعولاً لأجله آخر، هو: [اِدّخارَه]، فإنه مصدرٌ منصوب لفعْلِ: [اِدَّخَر – يدَّخِر]، وقد بيَّن علَّةَ غُفْرانِ الشاعرِ زَلَّةَ الرجلِ الكريمِ، وهي: ادِّخاره له أي: استبقاء مودّته.
· ]يجعلون أصابعهم في آذانهم مِن الصواعق حَذَرَ الموت[ (البقرة 2/19)
[حَذَرَ]: مصدر، تحقّقت له شروط نصبه مفعولاً لأجله. وذلك أنه مصدرُ [حَذِرَ – يحذَر]، وقد بيّن علَّةَ جعلِهم أصابعَهم في آذانهم، وهي: [الحذر من الموت].
· قال الحارث بن هشام (هو أخو أبي جهل):
فصفحتُ عنهمْ والأحبّةُ فيهمُ طمعاً لهمْ بعِقابِ يومٍ مُفْسِدِ(2)
[طمعاً]: مصدر: تحقّقت له شروط نصبه مفعولاً لأجله. وذلك أنه مصدرُ [طمِع – يطمَع]، وقد بيَّن علَّةَ صفحه عنهم، وهي: [الطمع بعقابهم بعدُ، في معركة يرجو النصر عليهم فيها].
هذا، ولم نرَ حاجةً إلى مزيد من عرض نماذج أخرى وتحليلها. وذلك لسهولة البحث، ولأن المفعول لأجله لا يخرج في كل حال، عن أن يكون مصدراً يبيّن علّة وقوع الحدَث.
* * *
1- يسمونه أيضاً: [المفعول له].

(60/1)


2- قال هذا معتذراً مِن فراره يوم معركة [بدر]، وقد قُتِل فيها أخوه أبو جهل.

(60/2)


المفعول معه
المفعول معه: اسم فضلة(1) منصوب، قبله واوٌ بمعنى [مع] للمصاحبة (لا للعطف والمشاركة) مسبوقة بجملة(2)، نحو: [مشى خالدٌ والجدارَ](3).
¨ حُكمان:
1- إذا كان الفعل مما يقع مِن متعدِّد، نحو: [تصافح وتشاجر وتشارك وتحاور…] امتنع النصب على المعيّة، وصحّ العطف، نحو: [تصافح خالدٌ وسعيدٌ، وتشاجر زهيرٌ وعليٌّ…].
2- إذا احتمل المعنى: المشاركة والمصاحبة، جاز وجهان تبعاً للمعنى المراد: العطف للمشاركة، نحو: [طلع القمرُ والنجمُ]، والنصب على المعيّة للمصاحبة، نحو: [طلع القمرُ والنجمَ](4).
¨ تراكيب مِن تراثنا اللغوي:
جاء عن العرب، بعد [كيف] و[ما] الاستفهاميّتين، صنفان من الاستعمال، تعالجهما كتب الصناعة في بحث المفعول معه وهما:
الأول قولهم: [كيف أنت وخالدٌ] أو [خالداً]، ومثله طِبقاً: [ما أنت وخالدٌ] أو [خالداً]، بالرفع والنصب، إذا كان قبل الواو ضمير منفصل.
والثاني قولهم: [ما لك وخالداً] بالنصب فقط، إذا كان قبل الواو ضمير متصل.
وبتعبير تقعيديّ نقول: بعد [كيف] و[ما] الاستفهاميتين: يجوز الرفع والنصب إذا سبق الواوَ ضمير منفصل، وأما إذا سبقها ضمير متصل، فليس إلا النصب.
* * *
نماذج فصيحة من المفعول معه
· قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط، يُحَرّض معاوية على قتال عليٍّ كرّم الله وجهه:
فإنّكَ والكتابَ إلى عليٍّ كدابغةٍ وقد حَلِمَ الأديمُ(5)
[والكتابَ]: ليس [الكتاب] في البيت، مفعولاً معه. وذلك أنّ مِن شروط نصبِ الاسم على المعيّة، أنْ تسبق الواوَ جملةٌ. وهو شرط لم يتحقق في البيت.
بل انتصابه بالعطف على اسم [إنَّ] المنصوب، وهو الكاف. ولهذا نظائر كثيرة جدّاً، منها على سبيل المثال، قولُ كثيّر عزّة:
وإنّي وتَهياميْ بعَزّةَ بعدَ ما تَخَلَّيْتُ ممّا بينَنا وتَخَلّتِ
لكالمرْتجي ظِلّ الغَمامةِ كلَّما تَبَوَّأَ منها للمَقِيلِ اضمحَلَّتِ

(61/1)


فالواو مِن [وتهيامي] حرف عطْف، عطَف الاسم بعدَها، على اسم [إنّ]، وهو الياء. ومِن ثمّ ليست كلمة [تهيامي] منصوبة على المعية، لأنّ مِن شروط المفعول معه، أنْ تسبق الواوَ جملةٌ، وهو شرطٌ لم يتحقّق هاهنا.
· قال الشاعر:
فكونوا أنتمُ وبَنِي أَبِيكمْ مكانَ الكُلْيَتَيْنِ مِنَ الطِّحالِ
[وبني]: الواو بمعنى [مع]، والاسم بعدها منصوب على أنه مفعولٌ معه(6). (وإن كانت الجملة قبل الواو لم تتمّ) والشاعر لم يرفعْه بالعطف على اسم [كان] المرفوع، وهو واو الجماعة، أي لم يقل: [وبنو أبيكمْ]، لأنّ الرفع يُفسِد المعنى المراد. إذ يكون عند ذلك: [كونوا أنتم ولْيكنْ معكم بنو أبيكم أيضاً، في مكان الكليتين…]. وهذا غير مراد. وإنما المراد أمرُه لهم، أن يكونوا في صحبة بني أبيهم،كالكليتين من الطحال. ولذلك نصَب [بني] على المعية. والمسألة في البيت تستحق التأمّل.
· ]يا قومِ إنْ كان كبُرَ عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكّلتُ فَأَجْمِعوا أمرَكُم وشركاءَكُم[ (يونس 10/71)
[وشركاءَكم]: الواو بمعنى [مع]، و[شركاءَكم] اسم منصوب على أنه مفعولٌ معه. أي: أَجْمِعوا أمرَكم بصحبة شركائكم.
والعطف هاهنا غير وارد، لِعلّةٍ لغوية منعت مِن ذلك، نبيّنها فيما يلي:
يقال في العربية: [أجمِعوا أمرَكم] أي: اِعزموا على أمر، ولا يقال: أجمِعوا الشركاءَ، لأنّ فعل [أجمع] لاينصب مفعولاً به من الأشخاص والأعيان، ومَن أراد جمع الشركاء أو غيرهم مِن الأشخاص والأعيان قال مثلاً: [اِجمَعوا الناسَ] لا [أَجمِعوا الناسَ]. فبين [جَمَعَ] و[أَجْمَعَ] فرقٌ، مَن أغفله أفسَد المعنى.
· قال الشاعر يذكرُ إطعامه ناقتَه بعد رحلته عليها: ‍‍
لمَّا حَطَطْتُ الرَّحلَ عنها وارِداْ علَفْتُها تِبْناً وماءً بارداْ

(61/2)


[وماءً]: كلمة [ماء]، لا يصحّ أن تكون معطوفة على [تبناً]، لأنّ الناقة تُعلَف تبناً، ولا تُعلَف تبناً وماءً، إذ الماء لا يكون علفاً. ولا يصحّ أيضاً أن تكون منصوبةً على المعية، لأنّ المعيّة تقتضي المصاحبة في الزمان، والناقة لا تشرب الماء وتأكل التبن في وقت واحد.
ولقد شغل هذا البيتُ أكابرَ الأئمة، منهم على سبيل المثال: ابن هشام وابن عقيل والجرميّ واليزيديّ والمازني والمبرد وأبو عبيدة والأصمعي والفارسي والفراء… فالتَقَوا في تخريجه وافترقوا، ولكنّ معظمهم على أنّ فِعْل [علفتها] متضمّن معنى [قدّمت لها]، فيصحّ المعنى على ذلك إذ يكون: [قدمتُ لها تبناً وماءً](7).
· كتَب معاوية إلى عليّ كرّم الله وجهه، يحمّله تبعةَ قتْل عثمان. فأجابه عليّ: [ما أنتَ وعثمانُ؟ إنما أنت رجلٌ مِن بني أميّة، وبنو عثمان أَوْلى…].
[ما أنت وعثمان؟]: هاهنا تركيب، ليس فيه فعلٌ قبل الواو، بل فيه قبلها [ما] الاستفهامية. والقاعدة في هذه الحالة، أنّ الاسم الذي يأتي بعد الواو، يجوز فيه الرفعُ والنصبُ: [عثمانُ وعثمانَ]. إذا كان قبل الواو ضمير منفصل، كما رأيت في الشاهد. وأمّا إذا كان قبل الواو ضمير متّصل فيتعيَّن النصب وجوباً(8). ودونك مثالاً تطبيقياً على ذلك، هو قول مِسكين الدارميّ:
فما لك والتَلَدُّدَ حوْلَ نجدٍ وقد غَصَّتْ تِهامةُ بالرِّجالِ
[ما لك والتلدّدَ]: [ما] استفهامية، والواو – كما ترى – مسبوقة بضمير متّصل هو الكاف، وفي هذه الحال يتعيّن النصب وجوباً: [التلدّدَ].
هذا، واستعمال الرفع والنصب بعد [ما] الاستفهامية كثير في كلامهم، نورد مِنه النموذجين التاليين، لمزيد استئناس:
فمِن النصب قول الشاعر:
ما أنتَ والسيْرَ في مَتْلَفٍ (يريد بالمتلف: القفْر)
ومن الرفع قوله:
ما أنت – وَيْبَ أبيك – والفخْرُ (ويب = ويح)
* * *
1- ليس معنى (الفضلة) هنا، أنها يصحّ أن تُطرَح من الكلام!! بل المعنى أنها ليست عمدة في الجملة.

(61/3)


2- كان أحدُ زملاء الدراسة يعرِّف!! المفعول معه شِعراً، على سبيل النكتة، فيقول: [فعلٌ فواوٌ فهُوَهْ].
3- ليس بين الجدار وبين خالد مشاركة، إذ الجدارُ لا يمشي. بل بينهما مصاحبة، ولذا يُنصب على أنه مفعول معه.
4- معنى [طلع القمرُ والنجمُ] طلع القمرُ، وطلع النجمُ أيضاً. ومعنى [طلع القمرُ والنجمَ] طلع القمرُ بصحبة النجم.
5- الوليد – هذا – هو أخو عثمان بن عفان لأمّه. وكان ولاّه على الكوفة، فشرب الخمر، فأُقيم عليه الحدُّ، وتولّى ذلك عليٌّ بيده. يقول لمعاوية: إنما حالك مع مراسلة عليّ، كحال مَن يدبغ الجلدَ، وقد وقعت فيه (الحَلَمَة): وهي دودة تأكل الجلدَ، فإذا دُبِغ وَهَى.
6- علامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
7- لقد أهمّتني القضية، فتساءلت وسألت: ما يمنع أن يكون الشاعر رطَّبَ التبن بالماء ثم علف ناقته إيّاهما معاً، كما يُفْعَل في علف الخيل، وهو شيء أعرفه بالتجربة، فتكون كلمة [ماء] منصوبة على المعية؟ ولكنّ جواب رعاة الإبل في البادية السورية والأردنية والسعودية، جاءني بعد شهور حاسماً يقول: إنّ التبن إذا رُطِّب بالماء كانت له رائحة تعافها الإبل، فإذا علفها رعاتُها، لم يخلطوهما!! وقد أذكرني جوابُهم هذا قولَ أبي نُواس:
تصفُ الطلولَ على السماع بها أفذو العيان كأنت في العِلْمِ؟!
وإذا وصفتَ الشيءَ مُتَّبِعاً لم تخلُ مِن زلَلٍ ومِن وَهْمِ!!
فاللهم عَلِّمنا.
8- كل ما نذكره هاهنا، ينطبق انطباقاً تامّاً على [كيف]،كما ينطبق على [ما]. وتمثِّل كتب الصناعة في العادة لـ [كيف] بمثال لا يتغير، هو قولها: [كيف أنت وقصعةٌ – أو قصعةً – من ثريد]؟

(61/4)


المفعول المطلق(1)
المفعول المطلق: مصدر منصوب، يُذكَر بعد فعلٍ – أو شبهه(2) – من لفظه فيؤكّده، نحو: [زحف الجيش زحفاً، فوثقت أنه منتصرٌ انتصاراً…].
ويشتمل البحث في المفعول المطلق على مسألتين هما: أن يُحذَف، أو يُحذَف فعلُه (عامله).
أوّلاً – أنْ يُحذَف:
يُحذَف المصدر (المفعول المطلق) في حالات شتّى. لكنها على اختلافها وتنوعها، يحكمها ضابط واحد. هو أنّ المصدر – وإن حُذِف – يظلّ في الكلام ملحوظاً مُلتَمَحاً، ودونك البيان:
رجع القهقرى = رجع رجوعَ القهقرى
أكل كثيراً = أكل أكلاً كثيراً
ضربه سوطاً = ضربه ضربَ السوطِ
ضربه ذاك الضربَ = ضربه الضربَ ذاك
قعد جلوساً = قعد قُعودَ جلوسٍ
ضربه ثلاثين ضربة = ضربه ضرباتٍ ثلاثين
شبع كلَّ الشِّبَع = شبع شبعاً كلَّ الشبع(3)
ثانياً – أنْ يُحذَفَ فِعْلُه:
إذا حذف الفعل وبقي المصدر، نشأ معنى لم يكن لينشأ لولا الحذف(4). فمن ذلك أنْ تريد:
– إلى الأمر مثلاً، فتحذف الفعل فتقول: [رَمَلاً](5).
– أو إلى النهي، فتحذفه فتقول: [رَمَلاً لا عَدْواً](6).
– أو إلى الدعاء، فتحذفه فتقول: [سقياً لوطني].
– أو إلى التوبيخ، فتحذفه فتقول: [أَلَعِباً، وقد جدّ الناس؟!](7).
– أو إلى تفصيلِ عاقبةٍ، فتحذفه فتقول: [أقْدِمْ: فإمّا النصرَ وإمّا الشهادةَ(8)].
¨ شذور من المفعول المطلق:
في اللغة كلمات كثيرة تُعرَب مفعولاً مطلقاً، دونك شذوراً منها:
– حقّاً: نحو: [خالدٌ صديقي حقّاً].
– قطْعاً: نحو: [هذا مذهبي قطْعاً].
– سمعاً وطاعةً: [أي: أَسمع وأُطيع].
– عجَباً: كلمةٌ، معروفة المعنى والاستعمال.
– لبَّيك: [أي: أُلَبّي].
– شُكراً: كلمةٌ، معروفة المعنى والاستعمال.
– حَنانَيْكَ: [أي: تحنَّنْ].
– دَوالَيْكَ: كلمةٌ، تقال للتعبير عن تنقّل الأمر بين كذا وكذا.
– هنيئاً: كلمةٌ، معروفة المعنى والاستعمال.
– يقيناً: نحو: [عرفته يقيناً]. أي: أُوقِنُها يقيناً.

(62/1)


– بتّةً: وبتّاً والبَتَّةَ وألبتّةَ. (البتّ: القطع)، [لا أفعله بَتَّةً]، أي: قطعاً.
– سبحان الله: أي: تنْزيهاً لله عما لا يليق به.
– معاذَ اللهِ: (عاذ: لجأ واعتصم)، أي: أعوذ بالله.
– تَبّاً له: أي: هلاكاً له.
– (ما وأيّ: الاستفهاميتان): إذا استُفهِم بهما عن المصدر:
نحو: [ما نمت؟] = أيَّ نومٍ نمتَ؟ ونحو: [أيَّ سفرٍ تسافرون؟].
– (ما وأيّ ومهما: الشرطيات):
نحو: [ما تجلسْ أجلسْ = أيَّ جلوسٍ تجلسْ أجلسْ].
ونحو: [أيَّ سيرٍ تسرْ أسرْ].
ونحو: [مهما تقرأْ تستفدْ].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال المفعول المطلق
· قال مجنون بني عامر (الديوان /277):
وقد يجمع اللهُ الشَّتيتَين بعدما يَظنّان كلَّ الظنِّ أَنْ لا تلاقِيا
الأصل: يظنان ظنّاً كلَّ الظنّ، ثمّ حذف المصدر وهو: [ظناً]، ونابت كلمة [كلَّ] عنه، وأضيفت إلى المصدر، فكانت نائب مفعول مطلق.
· ]فلا تميلوا كلَّ المَيْل[ (النساء 4/129)
يقال في الآية ما قيل في [يظنان كلّ الظن]، من أنّ الأصل: لا تميلوا مَيلاً كلَّ الميل، ثم حذف المصدر وهو: [مَيلاً]…
· قال الشاعر (همع الهوامع 3/123):
لأَجهدنَّ فإمّا دَرْءَ مَفسدةٍ تُخشَى، وإمّا بلوغَ السُّؤْلِ والأَمَلِ
[درءَ]: في صدر البيت، مفعول مطلق، وكذلك [بلوغَ] في عجز البيت فإنه مفعول مطلق أيضاً. وقد حُذِف فِعلاهما وهما: [أدرأ وأبلغ]، لأنّ الشاعر ابتغى تفصيل عاقبةِ ما أقسم على بذله من الجهد. إذ قال: [فإما درءَ … وإما بلوغَ…] وكان الأصل قبل الحذف هو: [فإما أدرأ درءَ مفسدة، وإما أبلغ بلوغَ السُّؤل]. والقاعدة: أنّ
الفعل يُحذَف، فينشأ معنى لم يكن لينشأ لولا الحذف، فلو لم يحذف الشاعر الفعلين بل قال: [أدرأ درء مفسدة، وأبلغ بلوغَ السؤل] لكان ما يتحصّل من قوله هو التوكيد، ولمّا كان لا يريد التوكيد بل يريد تفصيل عاقبةِ جهده، حَذف الفعل، فدلّ المصدر بعد حذف فعله على المعنى الذي أراد إليه الشاعر.

(62/2)


هذا، وترى الاستعمال نفسَه في القرآن الكريم، ففي سورة (محمّد 47/4) ]فشُدّوا الوَثاق فإمّا مَنّاً بعدُ وإمّا فداء[ ويقال هاهنا مثل الذي قيل في: [لأجهدنّ فإما… وإمّا…].
فبعد شدّ الوثاق، تُتَوَقَّع عاقبة، وقد أبانتها الآية تفصيلاً، إذ قالت: [فإما… وإما…] وهكذا جاء المصدر مفصِّلاً لمجملٍ قبله، ومبيناً لعاقبته ونتيجته، وما كان ذلك ليتحقق لولا حذف الفعل. فهاهنا مصدران منصوبان [منّاً وفداءً] حُذِف فعلاهما فأدّى حذفهما إلى معنى التفصيل وبيان العاقبة. ولو ذُكِرا فقيل: [فإما أن تمنوا منّاً وإما أن تفادوا فداءً]، لكان الذي يتحصل هو التوكيد.
· قال الشاعر (الجنى الداني /531):
وقد شفَّني ألاّ يزال يروعني خيالُكِ: إمّا طارقاً، أو مغادِيا
أوردنا هذا البيت شاهداً لصحة قول من يقول: [إمّا… أو…]، كما يصحّ قوله: [إمّا… وإمّا…]، فكلا التركيبين وارد وصحيح.
· قال قَطَريّ ابن الفجاءة (أوضح المسالك 2/39):
فصبراً في مجال الموت صبراً فما نَيْلُ الخُلودِ بمستطاعِ
[صبراً]: مصدر منصوب، ناب عن فعله المحذوف، والفعل هنا لا يُحذَف إلاّ لتحقيق معنى، لم يكن لينشأ لولا الحذف. وبيان ذلك، أنْ لو قيل: [اصبر صبراً] لكان المعنى المراد هو التوكيد. لكن لما حُذف الفعل فقال الشاعر: [صبراً]، عُرِف أنه أراد إلى الأمر بالصبر.
· ]واللهُ أنبتكم من الأرض نباتاً[ (نوح71 /17)
يلاحظ في الآية أنّ الفعل هو [أنبت – يُنبت] ومصدره قياساً، هو [إنبات]. ولكن المصدر الذي ورد في الآية هو: [نبات] لا [إنبات]. فدلّ ذلك على أنّ جَذْر المادة، هو ما يُنظر إليه في المفعول المطلق، لا وزن المصدر وقياسيته. وقل مثل ذلك في [سلّم سلاماً وتسليماً] فكلا المصدرين مفعول مطلق، وقل الشيء نفسه في قول القائل: [توضّأ توضُّؤاً ووضوءاً]، فكلا المصدرين هنا أيضاً مفعول مطلق.

(62/3)


ومن هذا قوله تعالى: ]وتبتّل إليه تبتيلاً[ (المزّمل 73/8) فالمفعول المطلق الوارد هنا في الآية هو:[تبتيل]، والتبتيل ليس مصدراً لـ [تبتّل]، بل مصدر تبتّل هو [تبتُّلٌ].
ويتبين من هذا: أنّ الفيصل المحكّم في المفعول المطلق، هو جذر المادة، لا وزنُ المصدر وقياسيته.
· قال العجّاج (الديوان 1/480):
أَطَرَباً وأنتَ قِنَّسْرِيُّ(9)؟!! والدَهْرُ بالإنسانِ دَوّارِيُّ؟!!
[أطرباً]: هاهنا مصدر منصوب (مفعول مطلق)، مسبوق بهمزة استفهام، وأما فعله فمحذوف. والأصل قبل الحذف والإتيان بالهمزة: [تطرب طرباً]، فيكون المصدر للتوكيد.
لكن الشاعر حذف الفعل؛ والفعل إذا حُذف وبقي المصدر، تحقق معنى لم يكن لينشأ لولا الحذف.
وقدّم على المصدر همزة استفهام يؤتى بها هاهنا إذا أريد التوبيخ، فدلّ ذلك على ما ابتغاه الشاعر وقصد إليه من إرادة التوبيخ.
· ولهذا الاستعمال نظير مماثلٌ من قول جرير، يهجو خالد بن يزيد الكندي (الديوان /650):
أَلُؤْماً لا أَبَاْ لَكَ واغترابا؟!!
فهاهنا مصدر منصوب (مفعول مطلق)، حُذف فعله، والأصل قبل الحذف: [تلؤم لؤماً]. وأتى بهمزة للاستفهام التوبيخي سبقت المصدر: [ألؤْماً]، فدلّ ذلك على أنّه إنما قصد إلى التوبيخ.
· ]وكلَّم اللهُ موسى تكليماً[ (النساء 4/164)
[تكليماً]: مصدر منصوب (مفعول مطلق)، جاء بعد فعلٍ من لفظه – على المنهاج – فأفاد التوكيد.
· ]فإنّ جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً[ (الإسراء 17/36)
[جزاءً]: مصدر منصوب (مفعول مطلق)، عامله الناصب له، مصدر أيضاً هو: [جزاؤكم]. وقد كنا ذكرنا في تعريف المفعول المطلق: أنه مصدر منصوب، يُذكَر بعد فعلٍ – أو شبهه – من لفظه. وشبه الفعل هنا هو: المصدر والمشتقات، مما يعمل عمله. واستكمالاً للمسألة، نورد قوله تعالى:
· ]والذاريات ذرواً[ (الذاريات 51/1)

(62/4)


فإنّ [ذرواً] في الآية، مصدر منصوب (مفعول مطلق)، عامله الناصب له، هو [الذاريات]. وهو اسم فاعل، ومن المعلوم أنّ اسم الفاعل يشبه الفعل، إذ يعمل عمله.
· ]فمَن يكفرْ بعدُ منكم فإني أعذّبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين[
(المائدة 5/115)
فعلُ [أعذّبه]، تكرر في الآية مرّتين، ومع كلّ فعل منهما ضمير متصل هو الهاء. فأما مع الفعل الأول فالضمير يعود إلى الذي يكفر، أي: [أعذب الذي يكفر]، فهو إذاً مفعول به. وأمّا مع الفعل الثاني فالضمير يعود إلى [عذاباً]، أي: [لا أعذب العذابَ]. وبتعبير آخر: [لا أُنزِل هذا العذابَ المذكورَ بأحد من العالمين]، فيكون الضمير مفعولاً مطلقاً، لا مفعولاً به كما يتبادر إلى الذهن أول وهلة.
· ]فاجلدوهم ثمانينَ جلدة[ (النور 24/4)
[ثمانين]: نائب مفعول مطلق منصوب. وقد حذف المصدر وأنيب عنه عدده، وظلّ المصدر المحذوف ملحوظاً ملتمحاً، على أنّ الأصل قبل الحذف: [فاجلدوهم جلداتٍ ثمانين].
* * *
1- كتب الصناعة تسمّي المفعول المطلق: (المصدر). ولقد جرى الاصطلاح على تسميته: [المفعول المطلق] لأنه مفعول لا يقيَّد بأداة، على حين تقيد المفاعيل الأخرى بذلك، فيقال: [المفعول به (81)، والمفعول معه (84)، والمفعول لأجله (82)، والمفعول فيه (50)].
2- شبه الفعل – كما ذكرنا من قبلُ مرّات – ما يعمل عمله، من اسم فاعل (11) واسم مفعول (15)…
3- كلّ ونصف وربع وبعض… جميعها في الحُكْم والاستعمال سواءٌ. تقول: [شبعتُ كلَّ الشبع ونصفَ الشبع ورُبعَ الشبع وبعضَ الشبع وهكذا…]، والنحاة إذا ذكروا: [كلّ] جمعوا إليها [بعض] و[أيّ] الكمالية، نحو: [اجتهدت بعض الاجتهاد] أو [أيَّ اجتهاد !!].
4- يصحب الفعلَ مصدرُه في الأصل للتوكيد نحو: [شربتُ شُرباً]. فإذا حُذف الفعل زال معنى التوكيد-بالضرورة- إذ المحذوف لا يؤكَّد. فينشأ من جرّاء ذلك معانٍ أخرى، مِن أمرٍ أو نهي أو توبيخ أو تفصيلِ عاقبة.

(62/5)


5- الرمَل: الهرولة، ومن المألوف أن يقول الضابط لجنوده في أثناء التدريب: [رَمَلاً]، فيفهموا – وقد حذف الفعل – أنه يأمرهم بالهرولة. ولو قال لهم: [ارملوا رملاً] لكان معنى الأمر ناشئاً من صيغة: [ارملوا] وكان المصدر [رملاً] لتوكيد الأمر. فإذا حذف الفعل وقال لهم: [رملاً]، أدّى المصدرُ معنى الأمر واستقلّ به. فهذا هو السر في حذف الفعل.
6- لا يأتي النهي هنا وحده مستقلاًّ، بل يأتي بعد الأمر، مصاحِباً له.
7- يلاحَظ أنّ المصدر – في حالة التوبيخ – يُسبَق بأداة استفهام.
8- بيان ذلك أنّ الإقدام في المعارك، له نتيجة وعاقبة، هما النصر أو الشهادة، وقد بيّنهما المثال [فإمّا… وإمّا…].
9- القِنَّسْريّ: الكبير المسنّ، الذي أتى عليه الدهر. والبيت للعجّاج والد رؤبة.

(62/6)


المعلوم والمجهول
¨ قد يكون مَنْ فَعَلَ الفعل معلوماً (مذكوراً في الكلام) مثل: [كَسَرَ خالدٌ الزجاجَ] فيسمّى الفعل: مبنياً للمعلوم.
وقد يكون مَنْ فَعَلَه مجهولاً (غير مذكور في الكلام) مثل: [كُسِرَ الزجاجُ]، فيسمى الفعل: مبنياً للمجهول.
¨ تتغير صورة الفعل المعلوم حين يُبنى للمجهول؛ كما يلي:
1- بناء الفعل الماضي، للمجهول:
يُبنَى الفعل الماضي للمجهول، بكسر ما قبل آخره، وضَمِّ كلِّ متحركٍ قبلَه نحو: [فتح – فُتِح، أطعم – أُطْعِم، تعلّم – تُعُلِّم، استغفر – اُسْتُغْفِر].
فإن كان قبل آخره حرف مدّ، قلب ياء قولاً واحداً، نحو: [أقام – أُقيم، أمال – أُميل، استعار – اُستعير]، إلا أن يكون الفعل الماضي ثلاثياً أو خماسياً، فيكسر كلُّ متحرّكٍ قبل هذه الياء، نحو:
[قال – قِيل، باع – بِيع، سام – سِيم، اعتاد – اِعتيد، اجتاح – اِجتيح، اقتاد – اِقتيد].
2- بناء الفعل المضارع، للمجهول:
يُبنَى الفعل المضارع للمجهول، بضَمِّ أوّله، وفتح ما قبل آخره، نحو: [يَكسِر – يُكسَر، يُكرِم – يُكرَم، يُدحرِج – يُدحرَج، يَستَمِع – يُستَمَع، يتقبّل – يُتَقَبَّل، يَستخرِج – يُستَخْرَج].
فإن كان قبل آخره حرف مدّ، قلب هذا الحرف ألفاً قولاً واحداً، نحو: [يقول – يُقَال، يبيع – يُبَاع، يميل – يُمَال، يستغيث – يُستَغَاث، يستميل – يُستَمَال، بستطيع – يُستَطاع].
* * *

(63/1)


الممنوع من الصرف
الممنوع من الصرف: اسمٌ لا يُنَوَّن نحو: [سافر إبراهيمُ]. وإذا جُرَّ جُرَّ بالفتحة نحو: [مررتُ بمدارسَ جديدةٍ]. غير أنه يُصرَف فيُجَرّ بالكسرة، إنْ عُرِّف بـ[ألـ]، أو تلاه مضاف إليه نحو: [مررت بالمدارسِ] و[مررت بمدارسِ البلدِ].
بعد هذه القاعدة الكلية، دونك الممنوعات من الصرف، وهي:
1- كل علَمٍ مؤنّث حروفه أكثر من ثلاثة (1)، نحو: خديجة وزينب…
فإذا كان ثلاثة أحرف ساكن الوسط عربياً، جاز صرفه ومنعه الصرف، نحو: [سافرت هنْدُ + هندٌ] و[رأيت هندَ + هنداً] و[مررت بهنْدَ + بهندٍ].
تنبيه ذو خطر: إنّ قصْد المتكلم هو الحَكَم – في صرف العَلَم ومنعه الصرف – كلما كان محتمِلاً للتذكير والتأنيث.
[نجاح وصباح] مثلاً، مما يسمى بهما المذكر والمؤنث، ولذلك تصرفهما إن أردت مذكراً فتقول: [جاء نجاحٌ وصباحٌ مسرعَيْن]، وتمنعهما الصرف إن أردت مؤنثاً فتقول: [جاءت نجاحُ وصباحُ مسرعَتَيْن].
وأسماء القبائل، نحو: [تميم وهُذَيْل…] تصرفها إن أردت جَدَّ القبيلة، فتقول مثلاً: [جاء بنو تميمٍ وبنو هذيلٍ]، وتمنعها الصرف إن أردت القبيلة، فتقول: [أقبلتْ تميمُ وهذيلُ].
وكذلك أسماء المواضع والبلدان: نحو [عكاظ]، تصرفها باعتبارها مكاناً فتقول: [مررت بعكاظٍ]، وتمنعها الصرف، باعتبارها بلدةً أو أرضاً، فتقول: [مررت بعكاظَ].
2- كل علَمٍ أعجميّ، حروفه أكثر من ثلاثة، نحو: إبراهيم ويوسف وأنطون…
3- كل علَمٍ مزيدٍ في آخره ألفٌ ونون، نحو: [عدنان] فإنّه من عَدَنَ بالمكان، (إذا أقام به). و[مروان] فإنه من [المرْو] (ضرْبٌ من الحجارة)(2).
4- كل علَمٍ مركب من كلمتين جُعِلَتا كلمةً واحدة، نحو: [بعلبك = بعل، بك]، و[حضرَمَوت = حضر، موت].
5- كل علَمٍ وزنُه مقصورٌ على وزنِ الفعل نحو: [يزيد]، أو مشتَرَكٌ بين الفعل والاسم وسُمِعَ استعماله ممنوعاً من الصرف، نحو: [أحمد](3) .

(64/1)


6- كلمة: [أُخَرُ] جمعاً لِ [أُخرى] نحو: [سافرت المعلمات ونساءٌ أُخَرُ].
7- /15/علَماً، على وزن: [فُعَل]، ليس في العربية سواها، وأكثرها لا يستعمل اليوم، هي: [عُمَر – مُضَر – قُزَح – جُحَى – زُحَل – زُفَر – بُلَع – هُذَل – هُبَل – ثُعَل – جُشَم – جُمَح – دُلَف – عُصَم – قُثَم].
8- كل اسمٍ(4) مزيدٍ في آخره ألفٌ مقصورة، أو ألفٌ ممدودة:
فالمقصورة، نحو: [تؤلمني ذكرى امرأةٍ حبلى رأتْ جرحى وقتلى](5).
والممدودة، نحو: [زارنا علماءُ عظماءُ، رأوا شعراءَ وأطبّاءَ، معهم أصدقاءُ لهم، يمرّون مِن صحراءَ إلى بيداءَ](6).
9- ماكان من الأسماء وزنُه: [أَفْعَل](7)، سواء كان:
صفةً، نحو: [أحمر وأخضر وأزرق].
أو علَماً، نحو: [أحمد وأسعد وأكرم].
أو اسمَ تفضيل، نحو: [أفضل وأكرم وأحلم].
10- كل اسمٍ وزنُه مفاعل أو مفاعيل(8):
فمن الأول: [مدارس – شواطئ – روائع]. ومن الثاني: [مفاتيح – عصافير – دواوين].
11- وزْن مَفْعَل وفُعال:
وهما وزنان منعتهما العرب من الصرف، واستغنت بهما عن تكرار الأعداد – مِن واحد إلى عشرة – مرّتين، واستعملتهما كما ترى في الأمثلة الآتية:
سافر الناس أُحادَ أو مَوْحَدَ أي: واحداً واحداً.
= = ثُناءَ أو مَثْنَى أي: اثنين اثنين.
= = ثُلاثَ أو مَثْلَثَ أي: ثلاثةً ثلاثةً.
وهكذا… حتى عُشارَ ومَعْشَرَ، أي: عشرةً عشرةً. وقد يكررون فيقولون: مثنى مثنى، وثُلاث ثُلاثَ، إلخ…
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الممنوع من الصرف
· قال مجنون ليلى (الديوان /227):
فلو كان واشٍ باليمامة دارُهُ وداري بأعلى حضرموتَ اهتدى ليا
[حضرموتَ]: علَمٌ مركَّبٌ تركيباً مزجيّاً من كلمتين، هما في الأصل: [حضر، موت]، وقد مُنِع من الصرف لذلك، فجُرّ بالفتحة، وهو في البيت مضاف إليه.
· وقال جميل بثينة (الديوان /113):
أبوكَ حُبابٌ سارقُ الضيفِ بردَهُ وجَدِّيَ يا حجّاجُ فارسُ شَمَّرا

(64/2)


[شمّر]: علمٌ، وزنُه [فعَّل]، وهو أحد الأوزان المقصورة على الفِعْل، وقد مُنع من الصرف لذلك، فجُرّ بالفتحة. وهو في البيت مضاف إليه.
· وقال جرير (الديوان /1021):
لم تتلفّع بفضل مئزرها دعدٌ، ولم تُسقَ دعدُ بالعلبِ
[دعْد]: علمٌ عربي مؤنث، ثلاثيّ ساكن الوسط، فيجوز فيه وجهان: صرفُه ومنعُه الصرف. وقد جاء به الشاعر على المنهاج: مرةً مصروفاً: [دعْدٌ]، ومرةً ممنوعاً من الصرف: [دعْدُ].
· ]ونادى نوحٌ ربّه فقال ربِّ إنّ ابني من أهلي[ (هود 11/ 45)
[نوحٌ]: علم أعجميّ منوّن مصروف، وإنما صُرِف وهو أعجميّ، لأنه ثلاثيّ الأحرف. والعلم الأعجميّ إنما يُمنع من الصرف إذا كان زائداً على ثلاثة أحرف.
· قال العباس بن مرداس (الديوان /112):
وما كان حصنٌ ولا حابسٌ يفوقان مِرداسَ في مَجْمَعِ
[مرداسَ]: علمٌ، حقُّه أن يُصرَف فيُقال هنا: [مرداساً]، لأنه في البيت مفعولٌ به. وإنما منعه الشاعرُ من الصرف، فقال: [مرداسَ] خروجاً على القاعدة، لضرورة شعرية كما يقولون. ولو قال: [مرداساً] لانكسر الوزن.
· ]وقال الذي اشتراه من مصرَ لامرأته أكرمي مثواه[ (يوسف 12/21) ومثل ذلك ]وقال ادخلوا مِصرَ إن شاء الله آمنين[ (يوسف 12/99)
[مصرَ]: مُنعت من الصرف في الآيتين، على أنها علمٌ على موضع: مدينةٍ أو بلدةٍ أو محلّةٍ أو منطقةٍ… ولو أريد بها بلدٌ ما، من البلدان، أو مصرٌ ما من الأمصار، أو إقليم ما من الأقاليم، لصُرِفت فقيل: [مِن مِصرٍ] و[ادخلوا مصراً]. ومن هذا أنك تقول: زُرتُ أمصاراً شتى، مصراً بعدَ مصرٍ، فكان أعجب ما شاهدتُ أهرام مصرَ.
· ]إنْ هي إلاّ أسماءٌ سمّيتموها أنتم وآباؤكم … [ (النجم 53/23)

(64/3)


[أسماءٌ]: اسم مصروف، منوَّن، وذلك أنّ الهمزة في آخره غير زائدة، بل أصلها الواو، أي: [أسماو]. وليس كذلك شأن [كرماء] مثلاً، فإنّ الهمزة فيه زائدةٌ، ولذلك يُمنَع من الصرف فلا ينوّن. وتلخيص المسألة: أنّ ما كانت همزته زائدة نحو: [كرماء وشهداء…] يمنع من الصرف فلا ينوّن. وما كانت همزته غير زائدة، نحو: [أسماء وأعضاء…] والأصل: [أسماو، أعضاو…] يُصرَف فَيُنَوَّن.
· ]ومَن كان مريضاً أو على سفرٍ فعِدّةٌ من أيامٍ أُخَر[ (البقرة 2/185)
[أُخَر]: جمعٌ ممنوع من الصرف مفرده كلمة [أُخرى]. وليس في العربية صفةٌ، وزنها [فُعَل]، ممنوعة من الصرف، غيرها. ولذلك تحفظ وتستعمل كما جاءت. ودونك من ذلك آيةً أخرى:
· ]يوسفُ أيُّها الصدّيقُ أفتِنا في سبع بقرات سمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عجافٌ وسبعِ سنبلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابسات[ (يوسف 12/46)
· قالت فاطمة الزهراء، ترثي أباها رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم:
ماذا على مَن شمَّ تُربةَ أحمدٍ ألاّ يَشمَّ مدى الزمان غواليا(9)
[أحمدٍ]: علمٌ، صُرِف فنُوِّن، لضرورة شعرية، وكان حقُّه أن يُمنَع من الصرف لأن وزنه: [أَفْعَل]، وهو وزنٌ مشترَكٌ بين الفعل والاسم سُمِعت منه أعلام ممنوعة من الصرف، نحو: أسعد وأخطب وأيمن.
* * *
1- لا فرق في ذلك بين مؤنث حقيقي، نحو: [زينب وفاطمة]، ومؤنث لفظي، نحو: [طلحة وحمزة ومعاوية]، وبين عربي، نحو: [سعاد وسميّة]، وأعجميّ، نحو: [جولييت وكلود]. فالمؤنث ممنوع من الصرف، ما عدا نحو: هنْد ودعْد… فيجوز أيضاً صرفه، كما ذكرنا في المتن.
2- إن لم يكن علماً، نحو: عطشان وسكران وجوعان،كنتَ بالخيار: إنْ شئتَ صرفت وإن شئت لم تصرف.

(64/4)


3- وزْن الأعلام: [صالحٍ وسامرٍ وغالبٍ…] مشترك بين العلمية، وفعلِ الأمر: [صالحْ – سامرْ – غالبْ]، ومع ذلك لا تُمنَع هذه الأعلام ونحوُها من الصرف، فلا يقال مثلاً: [رأى صالحُ سامرَ في بيت غالبَ] بل يقال: [رأى صالحٌ سامراً في بيت غالبٍ] إذ لم يُسمع علمٌ وزنه: [فاعل]، مستعملاً ممنوعاً من الصرف.
4- نوجه النظر هنا، إلى ما بين العلم والاسم من فرق، فالعلم هو ما تسمّيك أمُّك به، نحو: خالد وسعيد ومحمد… وأما الاسم فهو ما ليس فعلاً ولا حرفاً، نحو: كتاب وقلم وسماء وأرض وطاولة وتلميذ ومعلم وشجرة وصديق…
5- إنما حكمنا بزيادة المقصورة هاهنا، لأن الأصل: ذكر – حبل – جرح – قتل. وأما نحوُ: [فتىً وعصاً] فليس ممنوعاً من الصرف، إذ الألف فيهما ليست زائدة، فالأصل في الأول [فتي] وفي الثاني [عصو]. يدلُّك على ذلك، قولك في تثنيتهما: [فتيان وعصوان].
6- حكمنا بزيادة الممدودة هاهنا، لأن الأصل: علم – عظم – شعر – طبب – صدق – صحر – بيد. ويحسن التنبيه على أن: [سماء ودعاء وبناء ونحوها…] ليست ممنوعةً من الصرف، إذ الهمزة فيها ليست زائدة، ففي [سماء ودعاء] أصلها الواو، أي: [سمو ودعو]. وفي [بِناء ومَشّاء] أصلها الياء، أي: [بني ومشي].
7- يستثنى من ذلك كلمتا [أربع] و[أرمل] فإنهما تُصْرَفان، فيقال مثلاً: مررت بنساءٍ أربعٍ ورجلٍ أرملٍ.
8- هكذا تقول كتب النحو، وأدقّ من ذلك أن يقال: [كل اسمٍ إيقاع وزنِه مفاعل //5/5 أو مفاعيل //5/55] لكي يدخل في التعريف، ما أوّلُه ميم، نحو: [مدارس وملاعب ومناشير ومسامير…]، وغير الميم، نحو: [شواطئ وروائع وعصافير ودواوين…].
9- الغوالي: جمعُ غالية، وهي أخلاطٌ من الطيب.

(64/5)


المصدر
المصدر اسم يدلّ على الحدث(1).
فأمّا مصدر الفعل الثلاثي فسماعي، يُعرف بالرجوع إلى المعاجم.
وأما مصدر ما فوق الثلاثي، من رباعي أو خماسي أو سداسي، فقياسيّ. ودونك حديثَ ذلك:
تمتاز مصادر الأفعال فوق الثلاثية بموسيقى إيقاعيّة، تسبق إلى اللسان والأذن جميعاً، بلا استثناء في إيقاعها، ولا اختلاف في حركاتها وسكناتها.
1- فإذا قلت مثلاً: عَظَّمَ فالمصدر تَعْظِيم، حتماً.
وذلك أن كل فِعلٍ وزنه [فَعَّل]، فإن مصدره [تَفْعِيل]:
فـ: شَمَّر تَشْمير تَفْعِيل
و: صغّر تصغير =
و: حرّك تحريك =
و: سكّن تسكين =
و: صمّم تصميم تَفْعِيل وهكذا…(2)
2- وإذا قلت ساهَمَ مثلاً، فالمصدر مُساهَمَة حتماً. وذلك أنّ كل فعل وزنه [فاعَلَ] فإن مصدره [مُفاعَلَة]:
فـ: ناظَرَ مُناظَرَة مُفاعَلَة
و: يامَنَ مُيامَنَة =
و: ياسَرَ مُياسَرَة =
و: سامَرَ مُسامَرَة =
و: باعَدَ مُباعَدَة = وهكذا…
3- وإذا قلت دحرج مثلاً، فالمصدر دحرجة حتماً (3).
وذلك أنّ كلّ فعل وزنه [فَعْلَلَ]، فإن مصدره [فَعْلَلَة].
فـ: عَسْكَر عَسْكَرَة فَعْلَلَة
و: بَعْثَر بَعْثرة فَعْلَلَة
و: فرقع فرقعة =
و: زلزل زلزلة =(4)
و: زخرف زخرفة = وهكذا…
4- ثم إن كلّ فِعْلٍ زِدتَ في أوّله تاءً، فلفظُه ولفظُ مصدرِه سواء، إلا الحرف الرابع من المصدر، فيُضَمّ:
فـ: تَبادَلَ مصدره تَبادُل
و: تَزَلْزَلَ = تَزَلْزُل
و: تَكَلَّمَ = تَكَلُّم
و: تَسَرْبَلَ = تَسَرْبُل
و: تَعَجْرَفَ = تَعَجْرُف وهكذا…
بعد هذه الأنماط الأربعة من الأفعال فوق الثلاثية ومصادرها، نورد القاعدة التالية، وهي أنّ:
[كلّ فعل ماض زاد على ثلاثة أحرف، مبدوءٍ بهمزة(5)، فلفظُه ولفظُ مصدره سواء، عدا أن أول المصدر مكسور حتماً، وقبل آخره ألِفٌ حتماً](6).
فـ: أَكرمَ مصدره إِكرام
و: أسرعَ = إِسراع
و: أنزلَ = إِنزال وهكذا…
[فإن كان خماسيّاً أو سداسيّاً، كُسِر ثالثُه أيضاً].

(65/1)


فـ: اِنحدرَ مصدره اِنحِدار
و: اِطمأنَّ = اِطمِئنان
و: اِستخرجَ = اِستِخراج وهكذا…
* * *
1- فائدة للشّداة من الطلاب: إن مما يسهّل معرفة مصدرِ فِعلٍ من الأفعال مثل: [كتَبَ – نَامَ – حَفِظَ – سافَرَ – بَكى – شَرِبَ إلخ] أن يؤتى برَوْسَم (كليشة) لا يتغيّر هو: [حَدَثَ فِعْلُ…]، فتكون الكلمة الثالثة هي المصدر. وتطبيقاً على الأفعال المذكورة آنفاً يقال: [حَدَثَ فِعْلُ الكِتابة – حَدَثَ فِعْلُ النَّوم – حَدَثَ فِعْلُ الحِفْظ – حَدَثَ فِعْلُ السَّفَر – حَدَثَ فِعْلُ البُكاء – حَدَثَ فِعْلُ الشُّرْب] والكلمات: [الكتابة – النوم – الحفظ – السفر – البكاء – الشرب] هي المصادر.
2- من تفريع هذا الوزن، أنّ [فَعّلَ] إذا كان آخره حرف علّة، نحو: [عرّى] فالمصدر [تَفْعِلَة]: [تَعْرِيَة].
فـ: وصّى توصية تَفْعِلَة
و: زكّى تزكية =
و: عدّى تعدية =
و: سمّى تسمية =
و: سلّى تسلية = وهكذا..
لكنّ من يتأمل يتبيّن له أن [سمّى] مثلاً، وزنُه [فَعَّلَ]، وذلك لأن الأصل فيه [سَمَّيَ]، وأن [التسمية] وزنُها [تفعيل]، لأن الأصل فيها [تَسْمِيْي]، ثم حذفت الياء للتخفيف، وعوّض منها التاء فقالوا: [تسمية]، وقس على ذلك. فالفرق إذاً بين [التَّفْعِيل] و[التَّفْعِلَة]، إنما هو فرق ظاهري، وإلا فإن هذا – في الأصل – هذا، والقاعدة لم تنكسر.
3- يلحق بـ [دَحْرَجَ]، كلُّ فِعلٍ يماثله في حركاته وسكناته، نحو بَسْمَلَ وزَلْزَلَ وبَيْطَرَ… وأما اختلاف الحروف ما بين لام وصاد وباء وعين إلخ… فلا قيمة له في إيقاع الوزن.
4- إذا كان الفعل مضاعفاً، نحو: [زلزل ودندن] أي متماثل الأول والثالث، فله مصدر قياسيّ آخر هو [فَعْلال]، فيقال: [زلزل: زلزلة وزَلزالاً، ودندن: دندنة ودَنداناً].
5- لا فرق في ذلك بين همزة وصل وهمزة قطع.

(65/2)


6- إذا كان قبل آخر الفعل ألِفٌ أيضاً، نحو: [أقام – استقام – أحال – استحال…] تعذّر تتابعُ أَلِفَيْن قبل الآخر: [ألِف الفعل وألف المصدر]، فتحذف ألف، ويُؤتى في آخر المصدر بتاء مربوطة. فـ: [أقام مصدره إقامة] و[اِستقام مصدره اِستقامة] و[أحال مصدره إحالة] و[اِستحال مصدره اِستحالة] وهكذا…

(65/3)


المصدر الميميّ
هو مصدر قياسيّ، يُبْدَأ أبداً بميم زائدة(1)، ويساوي المصدر الأصلي في المعنى(2)، والدلالةِ على الحَدَث.
صَوْغُه:
¨ يصاغ من الثلاثي على وزن [مَفْعَل] قياساً مطّرداً، نحو: [مَجْلَس، مَصْبَر، مَوْعَد، مَوْصَل…] تقول:
المَصْبَر خيرٌ من المَشْكى = الصبر خير من الشكوى.
والمَجْلَس بعد المَرْكَض مُريح = الجلوس بعد الركض مريح.
والمَوْفَى بالمَوْعَد فضيلة = الوفاء بالوعد فضيلة(3).
¨ ويصاغ من غير الثلاثي على وزن اسم المفعول نفسِه. نحو: [مُدَحْرَج، مُقاتَل، مُسْتَخْرَج…].
تقول: مُدَحْرَجُ الكرة رياضةٌ مفيدة = دَحْرَجَتُها…
و: مُقاتَلُ الأصدقاء بغيض = قِتالُهم…
و: مُسْتَخْرَجُ النفط ثروةٌ للأمة = استِخراجُه…
عمله:
يعمل المصدر الميمي عمل فعله، ومنه قول الحارث بن خالد المخزومي:
أَظَلُومُ إنّ مُصابَكُمْ رَجُلاً أَهْدى السَّلامَ تحيّةً، ظُلْمُ
[ظلوم]: اسم امرأة، والهمزة قبله حرفُ نداء، [مصابكم]: مصدر ميمي، و[رجلاً]: مفعول به للمصدر الميمي، أي إنّ إصابتكم رجلاً… ظُلْم.
* * *
1- بسبب لزوم هذه الميم أوَّلَه، سَمَّوه ميميّاً.
2- قيل أيضاً: إنه آكَدُ من معنى المصدر الأصلي.
3- جاء عن العرب بضعة مصادر ميمية على وزن [مَفْعِل] نحو: [المَوْعِد بمعنى الوَعْد – المَوْضِع بمعنى الوَضع – المَوْقِف بمعنى الوقوف – المَوْلِد بمعنى الولادة – المَوْثِق بمعنى الثِّقة] فتحفظ وتستعمل، ولكنّ القياس [مَفْعَل].

(66/1)


المصدر الصناعي
المصدر الصناعي: اسمٌ زِيدتْ في آخره ياء مشدّدة، بعدها تاء مربوطة: [يّة]، للدلالة على ما فيه من الخصائص. نحو: [الإنسانيّة]، فإنها تدل على خصائص الإنسان، و [اللصوصيّة]، فإنها تدل على خصائص اللصوص.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الاسم عربياً أو أعجمياً، أو جامداً أو مشتقاً، أو مثنىً، أو جمعاً،… نحو: [الحيوانية – الرأسمالية – الاشتراكية – الأقدمية – الكيفية – الماهيّة – الهويّة – الأنانية – الديموقراطية…].
* * *

(67/1)


الميزان الصرفي
كلمات العربية، ما بين جامد ومشتق، ومبني ومعرب، وعربي ومعرّب، ومجرد ومزيد… تبلغ الملايين؛ فإذا عالج الباحث كلمةً منها، أو كلمتين، أو بضع كلمات، فمن الهيّن عليه ذِكرُها وذكر حروفها، حرفاً حرفاً.
وذلك كأن يقول مثلاً: إن الحرف الأول من فِعْل [نصر] وهو النون، مفتوح في الماضي، والحرف الثاني منه، وهو الصاد مفتوح في الماضي، مضموم في المضارع والأمر… ثم ينتقل إلى المزيدات منه والمشتقات… فإذا تم له ذلك انتقل إلى مادة أخرى نحو: فرح – كسر… وهكذا.
كل ذلك، يُكرِّر حروف الكلمة في أحوالها المختلفة، ما امتد البحث. وقد لا يكون هذا مستحيلاً، ولكنه يدنو من المستحيل، حين يدور البحث حول عشر من الكلمات أو عشرات، أو حول مفردات اللغة كلها. وتلك – لعمري – مشقة لا تطاق!!
ولقد تخطّى أولئك الأئمة العظماء هذه العقبة الكأداء، بأن وضعوا لمفردات اللغة كلها ميزاناً واحداً، مؤلفاً من ثلاثة أحرف، هي الفاء والعين واللام: [ف ع ل].
فالحرف الأصلي الأول من كل كلمة في العربية – اسماً كانت أو فعلاً – يسمونه: فاء الكلمة. والحرف الثاني منها يسمونه: عين الكلمة. والحرف الثالث يسمونه: لام الكلمة.
ودونك من ذلك أمثلة تطبيقية ثلاثة للإيضاح، هي: [شرب ضحك سخر]. فإذا أرادوا أن يبحثوا في هذه الكلمات الثلاث مثلاً، لم يقولوا: الشين من شرب، والضاد من ضحك، والسين من سخر. ولا الراء من شرب، والحاء من ضحك، والخاء من سخر. ولا الباء من شرب، والكاف من ضحك، والراء من سخر. وإنما يقولون: فاء هذه الكلمات وعينها ولامها. هذا عن الثلاثي.
وأما الرباعي الأصليّ الحروف – اسماً كان أو فعلاً – نحو: [دَحْرَج، ودِرْهَم]، فقد زادوا في آخر ميزانه لاماً، أي: جعلوه: [ف ع ل ل] ليكون الميزان على قدّ الموزون. وعلى هذا، فـ [دَحْرَج] وزنه: [فَعْلَل]، و[دِرْهَم] وزنه: [فِعْلَل].

(68/1)


فإذا كان الموزون خماسيّاً أصليّ الحروف، زادوا في آخر ميزانه لامَيْن، أي: جعلوه: [فَ عَ لْ لَ ل = فعلَّل]. وعلى هذا يكون وزن [سفرجل]: فَعَلَّل.
وهكذا نشأ في علوم العربية مصطلح (الوزن والموزون والميزان، وفاء الكلمة وعينها ولامها).
واستكمالاً لما بسطنا القول فيه عمداً – ابتغاء الإيضاح – لا مفرّ من الانتباه للمسائل التالية، كلما أردنا أن نزن كلمة.
أولاً: أن كل حرف ليس من أصل الكلمة الموزونة، إذا زدته عليها، وَجَبَ أن تزيد مثله بعينه في الميزان أيضاً.
فإذا زدت ألفاً في الموزون زدت ألفاً في الميزان، وإذا زدت تاءً هنا زدت تاءً هناك، وإذا زدت ألفاً وسيناً وتاءً في هذه الكفة زدت ألفاً وسيناً وتاءً في الكفة الأخرى، كما ترى:
الكلمة الوزن ملاحظات
نَصَرَ فَعَلَ كلاهما مجرد
ناصَرَ فاعَلَ زيدت ألف في كل منهما
استَنْصَر استَفْعَل زيد ألف وسين وتاء في كل منهما
تَناصَر تَفاعَل زيد تاء وألف في كل منهما
قَلَم فَعَل كلاهما مجرّد
شارِب فاعِل زيدت ألف في كلّ منهما
مَشْروب مَفْعول زيدت ميم وواو في كلٍّ منهما
مِفْتاح مِفْعال زيدت ميم و ألف في كلّ منهما
ثانياً: أن تزيد في الكلمة حرفاً من حروفها نفسها، لا حرفاً مِن خارجها؛ وعند ذلك لا تزيده هو بعينه في الميزان، وإنما تزيد ما يقابله من حروف الميزان. مثال ذلك، أنْ تُكرِّر الحرف الثاني من حروف فِعْلَي: [فتح وكسر] فتقول: [فتّح وكسّر]. فإذا وزنتهما، كرّرت الحرف الثاني من الميزان، كما كرّرت الحرف الثاني من الكلمة، فتقول: [فَعَّل] ولا تقول: [فعتل وفعسل].
أو تكرّر الحرف الثالث من حروف هذين الاسمين: [مُحَطَّم ومُدبَّر] فإذا وزنتهما، كرّرت الحرف الثالث من الميزان، كما كرّرت الحرف الثالث من هاتين الكلمتين، فقلت: [مُفَعَّل]، ولا تقول في الأول منهما: [مُفَعْطَل]، وفي الثاني: [مُفَعْبَر]!!

(68/2)


وبإيجاز نقول: إذا زدتَ على الكلمة حرفاً، زدتَ مثله بعينه في الميزان، وإذا كرّرت حرفاً من حروفها، كرّرت ما يقابله من حروف الميزان.
ثالثاً: إذا عرا الكلمةَ الموزونةَ حذفٌ، حذفتَ من الميزان ما يقابل المحذوف من الكلمة.
فوزن: [قُم: فُل] لأن المحذوف عين الكلمة، وهي الواو، والأصل [قُوم].
ووزن [قاضٍ: فاعٍ] لأن المحذوف لام الكلمة، وهي الياء، والأصل [قاضي].
ووزن [صِلَة: عِلَة] لأن المحذوف فاء الكلمة، وهو الواو، والأصل [وَصْل].
رابعاً: إذا عرا الكلمةَ إعلال، فإن الميزان لا يتغير، فوزن [قال وباع] فَعَل.
* * *

(68/3)


المعرّف بالإضافة
تتحوّل النكرة إلى معرفة، إذا أضيفت إلى معرفة.
وإليك أمثلة ترى منها أن كلمة [كتاب] مثلاً – وهي نكرة – قد تحولت إلى معرفة حين أضيفت إلى إحدى المعارف:
– خذ كتابك: كلمة [كتاب] تعرّفتْ بإضافتها إلى الضمير.
– اقرأ كتاب خالد: تعرّفتْ بإضافتها إلى العَلَم [خالد].
– كتاب هذا الطالب جديد: تعرّفتْ بإضافتها إلى اسم الإشارة [هذا].
– يضيع كتاب الذي يهمل: تعرّفتْ بإضافتها إلى اسم موصول [الذي].
– كتاب المعلم قديم: تعرّفتْ بإضافتها إلى المعرَّف بـ [ألـ].
* * *

(69/1)


مبالغات اسم الفاعل
في العربية صِيَغٌ تفيد تكثيرَ ما يدلّ عليه اسم الفاعل. يسمّيها النحاة: [مبالغات اسم الفاعل]. أكثرها استعمالاً صِيَغٌ خمسٌ هي:
فَعَّال نحو: صَبّار، لمن يُكْثِر الصّبْر.
فَعُول نحو: شَكُور، لمن يُكْثِر الشكر.
مِفْعال نحو: مِغْوار، لمن يُكْثِر الغارات.
فَعِيل نحو: سَمِيع، لمن يُكْثِر السمع.
فَعِل نحو: حَذِر، لمن يُكْثِر الحَذر.
وهناك صيغ أخرى أقل في الاستعمال، مثل:
فاعُول نحو: فاروق
وفِعِّيل نحو: صِدِّيق
وفُعَلَة نحو: هُمَزَة إلخ…
الحُكم: اسمُ الفاعل ومبالغاته في العمل سَواء.
* * *

(70/1)


المبتدأ والخبر
المبتدأ والخبر: اسمان مرفوعان يؤلّفان جملة مفيدة. والأصل أن يتقدم المبتدأ ويتلوه الخبر، ولكن قد يكون العكس. ولكلٍّ منهما أحكام نوردها فيما يلي:
حُكْم المبتدأ:
¨ أن يكون معرفة. ولكن جاء في كلامهم نكرةً، في كثير من المواضع(1). أشهرها وأكثرها استعمالاً ما يلي:
· أن يتقدّم على المبتدأ شبهُ جملة (ظرفٌ أو جارٌّ ومجرور) نحو: [عندنا ضيفٌ، وفي البيت كتابٌ].
· أن يكون منعوتاً نحو: [صبرٌ جميلٌ، خير من استرحامِ ظالم].
· أن يتلوه مضافٌ إليه نحو: [طَلَبُ عِلْمٍ خيرٌ من طَلَبِ مال](2).
أحكام الخبر:
¨ يشترط في الخبر أصلاً أن يطابق المبتدأ، إفراداً وتثنية وجمعاً، وتذكيراً وتأنيثاً. ويستثنى من ذلك أن يكون المبتدأ مشتقّاً، فإن معموله من فاعل أو نائب فاعل، يغني عن الخبر ويسدّ مسدّه. نحو: [أناجحٌ أخواك؟] و[ما مؤتمنٌ الغادرون](3).
¨ إذا تمت الفائدة بشبه الجملة (الظرف أو الجارّ والمجرور)كان هو الخبر نحو: [خالدٌ عندنا، وزيدٌ في البيت](4).
¨ قد يتعدّد الخبر، والمبتدأ واحد، نحو: [عنترةُ بطلٌ، شاعرٌ، فارسٌ].
¨ يُحذَف الخبر وجوباً في موضعين: بعد [لولا]، وبعد مبتدأ قَسَمِيّ. مثال الأول [لولا الكتابة – لضاع علمٌ كثير]، ومثال الثاني: [لَعَمْرُكَ لأُسافرَنَّ](5).
¨ إذا اتصل المبتدأ بضمير الخبر وجب تقديم الخبر نحو: [للضرورة أحكامُها] (للضرورة: شبه جملة، خبر مقدم، وأحكامها: مبتدأ مؤخر).
* * *
نماذج فصيحة من المبتدأ والخبر
· قال الشاعر:
خيْرُ اقترابِي من المولى، حليفَ رضاً وشرُّ بعديَ عنهُ، وهو غضبانُ
( المولى: ذو معانٍ مختلفة، منها الحليف ومنها ابن العمّ…).

(71/1)


[خيرُ]: مبتدأ خبرُه محذوف للعلم به. إذ المعنى: [خيرُ اقترابي من المولى، اقترابي منه، حالة كونه حليفَ رضاً]. ومثل ذلك قوله في عَجُز البيت: [شرُّ بعديَ عنه، وهو غضبانُ]، ففي العبارة خبرٌ حُذِف للعلم به، إذ المعنى: [شرُّ بعدي عنه، بعدي عنه وهو غضبان](6). ومثل ذلك، الحديث الشريف:
· [أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد].
[أقرب] مبتدأ خبره محذوف للعلم به. إذ المعنى: [أقرب ما يكون العبد من ربه، يتحقّق وهو ساجد].
· ]محمّدٌ رسول الله[ (الفتح 48/29)
[محمد]: مبتدأ مرفوع، وهو معرفة. ومجيء المبتدأ هاهنا معرفةً، على المنهاج. إذ حُكْمُه في الأصل أن يكون كذلك؛ على أنه في مواضع كثيرة من كلامهم، جاء نكرة، حتى لقد قيل بعد يأس من حصرها: إنّ الحَكَمَ في ذلك هو السليقة. (لم يشترط سيبويه في الإخبار عن النكرة إلاّ حصول الفائدة).
· ]ويلٌ للمطفّفين[ (المطفّفين83/1)
(المطفّفون: هم الذين يكيلون لأنفسهم فيستوفون، فإذا كالوا للناس أنقصوا).
[ويلٌ]: مبتدأ مرفوعٌ نكرة. والأصل أن يكون معرفة؛ وإنما جاز مجيئه نكرة، لأنّ بعده نعتاً حُذِف للعلم به. والتقدير: ويلٌ عظيمٌ للمطفّفين.
· ]سلامٌ عليكم[ (الأنعام 6/54)
[سلامٌ] مبتدأ نكرة، والأصل أن يكون معرفة. ولكن جاز تنكيره لأنّ هاهنا محذوفاً جاز حذفه للعلم به. والتقدير: [سلامُ الله عليكم] أو [سلامُ طمأنينة عليكم] أو [سلامٌ عامّ أو شاملٌ عليكم]، أو ما تشاء مما يصلح ويصحّ تقديره، من نعت أو مضاف إليه.
· ]ولَعبْدٌ مؤمنٌ خيرٌ من مشرك[ (البقرة 2/221)
[لعبدٌ]: اللام للابتداء، [عبدٌ]: مبتدأ مرفوع، وهو نكرة، والأصل أن يكون المبتدأ معرفة، غير أنه لما نُعِت، فقيل: [لَعبدٌ مؤمنٌ]، صحّ مجيئه نكرة.
· ]قُلْ كلٌّ يعمل على شاكلته[ (الإسراء 17/84)

(71/2)


[كلٌّ]: مبتدأ مرفوع، وهو نكرة. ولقد نوّهنا آنفاً بأنّ الأصل أن يكون المبتدأ معرفة. غير أنه لما كان بعد [كلّ]، مضافٌ إليه مقدّرٌ محذوف، إذ المعنى: [قل كلُّ أحدٍ يعمل…]، جاز أن يجيء المبتدأ نكرة.
· ]وفوق كلِّ ذي علمٍ عليم[ (يوسف 12/76)
[فوق]: شبه جملة، ظرف مكان، وهو خبر مقدَّم، و[عليمٌ]: مبتدأ مؤخّر مرفوع، وهو نكرة. وإذا تقدّم شبه الجملة (الظرف أو الجار والمجرور) على المبتدأ، صحّ مجيء المبتدأ نكرة، كما رأيت هنا. وذلك كثير جدّاً في الكلام. ولقد جاء شبه الجملة في الآية ظرفاً، وهو في الآية التالية جارّ ومجرور:
· ]لكلِّ أجلٍ كتاب[ (الرعد 13/38)
[لكلِّ]: شبه جملة، جارّ ومجرور، وهو خبر مقدَّم، و[كتابٌ] مبتدأ مؤخّر مرفوع، وهو نكرة. ولقد قلنا آنفاً: إذا تقدّم شبه الجملة (الظرف أو الجارّ والمجرور) على المبتدأ، صحّ مجيء المبتدأ نكرة، كما ترى في الآية. وذلك كثير جداً في الكلام.
· ]أُكُلُها دائمٌ وظلُّها[ (الرعد 13/35)
[ظلُّها]: مبتدأ مرفوع، وهو معرفة، على المنهاج. غير أنّ خبره محذوف. وإنما جاز حذفه للعلم به، وذلك أنه لما قيل: [أكلها دائم] دلّ هذا على أنّ ظلَّها دائم أيضاً، فصحّ الحذف.
· ]وأنْ تصوموا خيرٌ لكم[ (البقرة 2/184)
[أنْ تصوموا]: أنْ، حرف مصدريّ ناصب، و[تصوموا]: مضارع منصوب، وواو الضمير فاعل. ومعلومٌ أنّ [أنْ] والفعل المنصوب بعدها، يؤوّلان بمصدر. ويتحصّل من ذلك أنهما معاً يعدلان أو يساويان أو يُعَدّان مصدراً، أي: [أنْ تصوموا = صيامُكم].
ومن المفيد أن نذْكر هنا، أنّ المبتدأ قد يكون ضميراً، نحو أنت مسافر، وقد يكون اسماً صريحاً، نحو: خالدٌ ناجح، وقد يكون -كما رأيت في الآية – مصدراً مؤوّلاً، أي: [صيامكم خيرٌ لكم](7).
· من أمثال العرب قولهم: [مُثْقَلٌ استعانَ بذَقَنِه].

(71/3)


(يضربونه مثلاً لمن يستعين بمن هو أذلّ منه وأضعف. وأصله أنّ البعير يُحمَل عليه الحِمل الثقيل، فلا يقدر على النهوض، فيعتمد بذقَنِه على الأرض).
الأصل في المثل: [بعيرٌ مثقل استعان] فيكون [بعيرٌ] مبتدأً نكرة، وجملة: [استعان] خبره. وإنما جاز أن يكون المبتدأ هنا نكرة – مع أنّ المبتدأ يجب أن يكون في الأصل معرفة – لأنه نُعِت بـ [مثقل]. ومتى نُعتت النكرة، صحّ استعمالُها مبتدأً. ثمّ لما حذف المبتدأ وهو [بعير]، غَدا نعته، وهو: [مثقلٌ]، خلفاً منه. ويلاحظ المرء بشيء طفيف من التأمل، أنّ قاعدة ابن مالك الكلية: [وحذف ما يعلَم جائز] تشمل هذه الحالة الجزئية، لأنّ العرب تعرف المثل، وتعرف لِمَ قيل، وتعرف ما المقصود بـ [المثقل]، ولولا ذلك ما جاز أصلاً حذفه.
· ومن أمثالهم أيضاً: [شرٌّ أهرّ ذا ناب].
(يريدون أنّ السبُع إنما يصدر أصوات الهرير إذا غضب. يضربونه مثلاً لظهور أمارات الشرّ ومخايله).
[شرٌّ]: مبتدأ مرفوع، وهو نكرة. وإنما جاز ذلك – والأصل في المبتدأ أن يكون معرفة – لأن هاهنا محذوفاً معلوماً، هو نعتٌ للنكرة، إذ الأصل قبل الحذف: [شرٌّ مثيرٌ أهرّ ذا ناب]. ومعلوم أنّ النكرة إذا نُعتت صحّ الابتداء بها.
· قال الشاعر:
لَعَمْرُكَ ما الإنسان إلاّ ابنُ أمِّهِ على ما تَجَلّى يومُهُ، لا ابنُ أَمْسِهِ
[لعمرك]: اللام للابتداء، و[عمرك] مبتدأ مرفوع، خبره محذوف وجوباً، فكأن الشاعر قال: حياتُك (عمرك) قسمي. والمقسَم عليه هو: [ما الإنسان إلاّ…]. وإنما يُحذف الخبر وجوباً في موضعين: بعد مبتدأ قسميّ،كالذي تراه هنا في بيت الشاعر، وبعد [لولا] في نحو قولك: لولا الحارس لسُرق المال.
· قال الشاعر:
أقاطنٌ قومُ سلمى، أم نوَوا ظَعَناً إن يَظْعنوا فعجيبٌ عيش مَن قَطَنا
(قطن:أقام، وظعن: رحل).

(71/4)


[أقاطنٌ]: الهمزة للاستفهام. و[قاطنٌ]: مبتدأ مشتق (اسم فاعل)، و[قومُ سلمى] فاعلٌ لهذا المشتق، أغنى عن الخبر وسدّ مسدّه. وذلك أن المبتدأ إذا كان مشتقاً، أغنى معمولُه عن الخبر وسدّ مسدّه.
· قال الشاعر:
خبيرٌ بنو لِهْبٍ فلا تكُ مُلْغِياً مقالةَ لِهْبِيٍّ إذا الطير مَرَّتِ
(يريد أنَ بني لِهْبٍ يُحسنون زجْرَ الطير، تفاؤلاً وتشاؤماً، فخُذْ برأيهم إذا قالوا، فإنّ قولهم هو القول).
[خبير] مبتدأ مشتق (صفة مشبهة). و [بنو لهب] فاعل لهذا المشتق، أغنى عن الخبر وسدّ مسدّه. وذلك أن المبتدأ إذا كان مشتقاً، أغنى معمولُه عن الخبر وسدّ مسدّه.
* * *
1- حاول النحاة حصر مواضع ذلك، فوصلوا بها إلى أكثر من ثلاثين موضعاً، حتى قيل بعد يأسٍ من حصرها: الحَكَم في هذا هو السليقة.
2- إنّ من يُنعم النظر، يجد أنّ المواضع الأخرى التي يكون المبتدأ فيها نكرة، ترتدّ في الأكثر إلى نعت محذوف، أو مضاف إليه محذوف. ففي نحو: [ويلٌ له]، إذا قدرتَ صفة صار الكلام: [ويلٌ عظيم له]. وفي: [سلامٌ عليك]، إذا قدرت مضافاً إليه صار الكلام: [سلامُ الله عليك]. وفي: [خروفٌ خيرٌ من دجاجة]، إذا قدّرت نعتاً محذوفاً صار الكلام: [خروف مشبِعٌ جماعةً خير من دجاجة] وهكذا…
3- يصحّ في هذه الحال أن يحلّ محلَّ المشتق فِعْلُه. [أخواك] فاعلٌ لاسم الفاعل [ناجحٌ]، و[الغادرون] نائب فاعل لاسم المفعول [مؤتَمَن].
4- [عند] و[في البيت]: كلاهما شبه جملة هو الخبر.
5- التقدير في المثال الأول: [لولا الكتابةُ موجودةٌ لَضاع علمٌ كثير]. وفي المثال الثاني: [لعمرُك قسمي لأُسافِرَنَّ].
6- لا التفات إلى تعسير مَن يقول: إنّ الحال: [حليفَ]، وجملة الحال [وهو غضبان] سدّا مسدَّ خبر محذوف وجوباً في العبارتين.
7- يقول المعربون في هذه الحال: أنْ وما بعدها في تأويل مصدر مرفوع على أنه مبتدأ.

(71/5)


المجرد والمزيد
في العربية عشرة أحرف، يجمعها قولك: [سألتمونيها]، سمّاها اللغويّون: [أحرف الزيادة]. ولم يريدوا بهذه التسمية، أن تلك الأحرف لا تكون في الكلام إلا زائدة، وإنما أرادوا أن الحرف الذي يُزاد في الكلمة، لا يكون إلا واحداً منها حصراً. فهي إذاً تكون أحياناً غير زائدة وتكون أحياناً أخرى زائدة، على حسب الحال.
وإنما تَعرف أن الحرف منها زائد، بأن تُسقطه من الكلمة – فِعلاً كانت أو اسماً – فلا يختلّ معناها، ولا يتغير إلى معنى آخر.
فالتاء – مثلاً – من فِعل: [تدحرج] حرف زائد، ودليل زيادته أنك تُسقطه فلا يُخِلّ إسقاطه بمعنى [الدحرجة] ولا يغيّره إلى معنى آخر.
والحكم نفسه منطبق على الأسماء، فالتاء من قولك: [تِبيان] حرف زائد أيضا، ودليل زيادته أنك تُسقطه فلا يُخِلّ إسقاطه بمعنى [البيان] ولا يغيّره إلى معنى آخر.
وأما في نحو: [تعِب، ترَك] فالتاء أصلية، غير زائدة، ودليل ذلك أن إسقاطها يُفسد المعنى، فضلاً على أنه يجعل بناء الفعل من حرفين، وذلك ممتنع في العربية.
وقُل الشيء نفسه في [توت وتاج] ونحوهما من الأسماء، فالتاء فيهما أصلية، غير زائدة، ودليل ذلك أن إسقاطها يُفسد معنى هذين الاسمين، ويجعل بناءهما من حرفين، وذلك في العربية غير وارد.
فالمجرد إذاً، ما كانت جميع حروفه أصلية، والمزيد ما كان فيه حرف زائد أو أكثر.
* * *

(72/1)


المنادى(1)
المنادى: اسمٌ، يُدعى بواسطة حرف من حروف النداء، نحو: [يا خالد].
وحروف النداء أربعة، هي: [يا، أيا، أيْ، الهمزة](2). فأما الهمزة فينادى بها القريب، وأما الباقيات فينادى بهنّ القريب والبعيد. ويجوز حذفهنّ جميعاً.
أحكام:
¨ قد يُنادَى بـ [يا] ما لا يُنادى، فتُعَدّ أداةَ تنبيه، نحو: [يا ليتني سافرت].
¨ لا يُنادَى الاسمُ المحلّى بـ [ألـ](3)، إلاّ إذا أُتي قبله بإحدى أداتين هما: [أيّها – أيتها]، نحو: [يا أيها الرجل – يا أيتها المرأة]. أو [اسم إشارة]، نحو: [يا هذا الرجل – يا هذه المرأة](4).
¨ الأعلام المحلاّة بـ [ألـ]، نحو: [الحسن، الحسين، الحارث…]، تُحذَف منها [ألـ] عند ندائها، فيقال: [يا حسن، يا حُسَين، يا حارث…]. ولا يستثنى من ذلك إلاّ لفظ الجلالة، فتثبت [ألـ] في أوله، وتُحقَّق همزته، فيقال: [يا أللهُ].
هكذا تنادي العرب، فتقول:
يا أهلَ الدارِ: فتنصب المنادَى، إذا كان بعده مضاف إليه.
ويا قارئاً كتبَ العلم: فتنصبه إذا كان مشتقّاً عاملاً فيما بعدَه.
ويا غافلاً، انتبه: فتنصبه إذا كان المنادِي يدعو كلَّ غافلٍ!! لا غافلاً معيَّناً(5).
وتقول:
يا غافلُ، انتبه: فتضمّ آخره، إذا كان المنادِي يدعو غافلاً معيَّناً دون كل غافل!! فيقصد إليه قصداً !! ويريد إليه إرادةً !! ويوجّه خطابه اليه توجيهاً(6)!!
ويا خالدُ: فتضمّ آخر المنادَى، إذا كان علماً مفرداً.
وتقول:
يا معلّمان: تجعل في آخره ألفَ ونونَ المثنى، إذا نادَت مثنّى.
ويا معلّمون: تجعل في آخره واوَ ونونَ الجمع، إذا نادَت جمعاً.
توابع المنادى(7):
وتعتري هذه التوابعَ أحوالٌ يكون فيها التابع مبنياً مرةً، ومعرباً مرةً، ومنصوباً مرةً، ومرفوعاً حَملاً على اللفظ مرة، ومنصوباً على المحلّ مرة، ومحتملاً للوجهين مرة بعد مرة(8). ويُغني عن كل هذا قاعدة كلية تقول:
قدِّرْ قبل التابع [يا] محذوفة (تصِبْ إنْ شاء الله)(9) ودونك النماذج:

(73/1)


* يا خالدُ… ابنَ سعيد(10) = يا خالدُ يا ابنَ سعيدٍ
بعد [يا] المحذوفة مضاف، فالنصب على المنهاج.
* يا سعدُ… سعدَ العشيرة = يا سعْدُ يا سعدَ العشيرة
بعد [يا] المحذوفة مضاف، فالنصب على المنهاج.
* يا خالدُ… الفاضلُ = يا خالدُ يا أيّها الفاضلُ
بعد [يا] المحذوفة اسم محلّى بـ [ألـ]، فيضمُّ وتسبقه [أيّها] حُكماً(11).
* يا خالدُ و… سعيدُ = يا خالدُ ويا سعيدُ
بعد [يا] المحذوفة علم مفرد، فضمُّه على المنهاج.
* يا أبا الحسن… عليُّ = يا أبا الحسن يا عليّ
بعد [يا] المحذوفة علم مفرد، فضمُّه على المنهاج.
* يا عليُّ… أبا الحسن = يا عليُّ يا أبا الحسن
بعد [يا] المحذوفة مضاف، فالنصب على المنهاج.
* يا عليُّ و… أبا سعيد = يا عليُّ ويا أبا سعيد
بعد [يا] المحذوفة مضاف، فالنصب على المنهاج.
* يا خالدُ… صاحبَ زهير = يا خالدُ يا صاحبَ زهير
بعد [يا] المحذوفة مضاف، فالنصب على المنهاج.
* يا رجلُ… أبا خليل = يا رجلُ يا أبا خليل
بعد [يا] المحذوفة مضاف، فالنصب على المنهاج.
* يا خالدُ… الحسنُ الخلق = يا خالدُ يا أيها الحسنُ الخلق
بعد [يا] المحذوفة اسم محلّى بـ [ألـ]، فيضمُّ وتسبقه [أيّها] حُكماً.
المنادى المختوم بياء المتكلم:
إنْ كان معتلَّ الآخر، وجب فتح الياء – قولاً واحداً – فيقال مثلاً: [يا فتايَ ويا قاضيَّ].
فإن صحّ آخره، جاز في ندائه أن تقول مثلاً: [يا عبادِ – يا عباديَ – يا عباديْ](12). وفي نداء ابن الأمّ (الأخ)(13): [يا ابن أُمِّ – يا ابن أُمَّ – يا ابن أُمِّيْ].
ترخيم المنادى
الترخيم: حذْفُ حرفٍ أو أكثر، من آخر المنادى. وإنما يُرَخَّم شيئان:
· الاسم المختوم بتاء التأنيث مطلقاً، نحو: حمزة وفاطمة، فإذا رخّمتَ قلت: يا حمز ويا فاطم.
· والعلم الزائد على ثلاثة أحرف نحو: جعفر ومالك، فإذا رخّمتَ قلت: يا جعف ويا مال.

(73/2)


ملاحظة: لك أن تحذف من الاسم الذي ترخّمه حرفين، شريطة أن يبقى منه بعد الترخيم ثلاثة أحرف. نحو: [يا منصُور] ثم [يا منصُ].
ويجوز لك في العلم المرخّم وجهان:
– الأول: أن تنطق آخره، كما كنت تنطقه قبل ترخيمه، فتقول في ترخيم [فاطمة ومالِك] مثلاً: [يا فاطمَ ويا مالِ…](14).
– والثاني: أن تضمّ آخره، كما كنت تضمّ آخره قبل ترخيمه، فتقول: [يا فاطمُ ويا جعفُ…](15).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال النداء
· ]يا ليت قومي يعلمون[ (يس 36/26)
[يا ليت]: يا – في الأصل – أداة نداء، لكنْ نودِيَ بها في الآية ما لا ينادى، وهو: [ليت حرف مشبَّه بالفعل]، فتُعَدّ في هذه الحال أداةَ تنبيه لا أداة نداء. وتلك مزيّة تمتاز بها [يا] من أدوات النداء الأخرى.
· ومثل ذلك طِبقاً، قولُه تعالى: ]يا ليتني كنت معهم[ (النساء 4/73)
فالاستعمال نفسه، والحُكم هو هو.
· قال ذو الرمة (الديوان 1/559):
ألا يا اْسلمي يا دار مَيّ، على البِلى ولا زال منهلاًّ بجَرعائك القَطْر
[يا اْسلمي]: يا أداة نداء في الأصل، لكنْ لما نودي بها ما لا ينادى، وهو الأمر: [اِسلَمي] عُدَّت أداة تنبيه. وتلك – كما قلنا آنفاً – مزيّة من مزايا [يا]، تنفرد بها.
· قال العباس بن مرداس (الديوان /106):
أبا خُراشةَ أمّا كُنْتَ ذا نفرٍ فإنّ قومي لم تأكلْهُمُ الضَّبُعُ
[أبا]: منادى بأداة نداء محذوفة. ويقول سيبويه عن أدوات النداء، [ويجوز حذفهنّ استغناءً]. وأما نصْب المنادى: [أبا]، فمن أنّ بعده مضافاً إليه هو: [خراشة]، وما كان كذلك، فنصبه على المنهاج.
· ]يوسفُ أعرض عن هذا[ (يوسف 12/29)
في الآية نموذج آخر، من نماذج حذف أداة النداء؛ ومنها على سبيل المثال: ]ربِّ أرني كيف تحيي الموتى[ (البقرة 2/260). وفي الكتاب العزيز نظائر كثيرة من مثله.
· ]يا أيتها النفس المطمئنّة[ (الفجر 89/27)

(73/3)


[النفس]: اسم محلّى بـ [ألـ]، وما يحَلّى من الأسماء بها، إذا نودي أُتي قبله حُكْماً بإحدى أداتين هما: [أيّها للمذكر وأيّتها للمؤنث] أو [اسم إشارة]. وقد سُبقت [النفس] – وهي مؤنث – بـ [أيتها]، فصحَّ نداؤها، على المنهاج.
· ويقال الشيء نفسه، في قوله تعالى: ]يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم[ (الانفطار 82/6)
فالمنادى: [الإنسان]، محلّى بـ [ألـ]، وقد أُتِي قبله بـ [أيّها]، على المنهاج في نداء المذكَّر المحلّى بـ [ألـ]. وفي التنْزيل العزيز كثير من نظائره.
· قال كثيّر عزّة (الديوان /453):
ليتَ التحيّةَ كانت لي فأشكرَها مكانَ يا جملٌ حُيّيتَ يا رَجُلُ
[يا جملٌ]: الأصل هنا ألاّ ينوَّن المنادى، فيقال: [يا جَمَلُ] – بالضمّ – باعتباره منادى مقصوداً إليه دون كل جَمَلٍ آخرَ، بتَّةً. [أي: نكرة مقصودة]. وقد زعمتْ كتب الصناعة، أنّ الضرورة ألجأت الشاعر إلى أن يُنَوِّن هذا المنادى، فنوّنه بالضم!! ولكنّ العينيّ – وهو من أئمة اللغة الأعلام 762 – 855 هـ – قال في شواهده: [نوّنه مضموماً، ويروى بالنصب]، أي يُروى: [يا جملاً].
وإنما أوردنا هذا البيت لنقول: إن كتب الصناعة، تعترف هنا بأن [يا جملٌ] ضرورة، وتصرّح بذلك؛ وإذ قد كان الأمر كذلك، فقد وجب أن يعيبوا هذه الضرورة، لا أنْ يُعْلُوا شأنها فيجعلوها قاعدة، فيقولوا: في الضرورة الشعرية يجوز تنوين المنادى المستحق للبناء، رفعاً ونصباً ‍‍!!‍ فالضرورة الشعرية، إنما هي تعبير عن عجز وقصور، والعجز والقصور لا يُنشِئان قاعدة.
· [أَيْ بنيّ إنّ نسيم الدنيا وروح الحياة أفضل من أن تبيت كظيظا] – البخلاء للجاحظ.
[أَيْ بُنَيّ]: أيْ: إحدى أدوات النداء. وقد استعملها الأب في ندائه لابنه وهو يوصيه، ومن الطبيعي إذاً، أنْ يكون النداء بها في هذه الحال للقريب. على أنّنا ذكرنا أنّ سيبويه أجاز استعمال أدوات النداء، ما عدا الهمزة، للبعيد والقريب.

(73/4)


· قال صاحب الزنج يخاطب حرفة التعليم، ويدعو عليها، وكان في أوّل أمره معلّماً:
أيا حِرْفَةَ الزَّمْنَى(16) أَلَمَّ بكِ الرَّدَى أَما لي خلاصٌ منكِ والشَّمْلُ جامِعُ؟
[أيا حرفةَ الزَّمنى]: استعمل من أدوات النداء: [أيا]، وأتى بالمنادى: [حرفة…] منصوباً. وذلك أنّ المنادى يُنصَب إذا كان بعده مضاف إليه، والمضاف إليه هنا هو: [الزمنى]. فالنصب إذاً على المنهاج.
· ودونك مثالاً آخر يطابق استعمالَ صاحب الزنج، مطابقةً تامّةً، وهو قول المجنون:
أيا حَرَجات الحيّ حيث تحمّلوا بذي سَلَمٍ، لا جادكنّ ربيعُ
فقد دعا على حرجات الحيّ!! كما دعا صاحب الزنج على حرفة التعليم!! واستعمل من أدوات النداء: [أيا]، وأتى بالمنادى: [حرجاتِ] منصوباً (جمع مؤنث سالم ينصب بالكسرة) على المنهاج، وذلك أنّ المنادى يُنصَب إذا كان بعده مضاف إليه، وهو هنا: [الحيّ].
· قال أرطاة بن سُهَيَّة: (الحيوان 3/391)
أَزُمَيْلُ، إني إنْ أكن لك جازياً أَعْكِرْ عليك، وإنْ ترُحْ لا تَسبِقِ
إنّي امرؤٌ تجد الرجالُ عَداوتي وَجْدَ الرِّكابِ من الذُّبابِ الأزْرَقِ
[أَزمَيْلُ]: أداة النداء هنا الهمزة. ومن المجمع عليه أنها لنداء القريب. ولكننا لا نراها في البيت إلاّ للبعيد البعيد. وذلك أنّ المقام هنا مقام تهديد ووعيد، وشعرُ التهديد والوعيد، لا يكون بين خصمين إلاّ وبينهما من البعد مسافة نفسية ومكانية، لا يصحّ وصفها بالقرب. فتأمّل!!
وقد ضمَّ الشاعر آخر المنادى: [زُمَيلُ]، على المنهاج. وذلك أنه علم مفرد، والعلم المفرد إذا نادته العرب، ضمّتْ آخره.
· قال تعالى: ]يا عبادِ فاتّقون[ (الزمر 39/16)، وقال: ]يا عبادِيَ الذين أسرفوا[ (الزمر 39/53)
أداة النداء في الآيتين هي هي: [يا]، والمنادى فيهما هو هو. ولكن حُذفت ياء المتكلم من المنادى الأول، فقيل: [يا عبادِ]، وثَبتتْ في المنادى الثاني مفتوحةً، فقيل: [يا عبادِيَ]، فدلّ هذان الشاهدان على جواز الوجهين.

(73/5)


هذا، على أنّ من القراءات القرآنية ما تُسَكَّن الياء فيه هنا، فيتحصّل من ذلك جواز وجوه ثلاثة: [عبادِ – عباديَ – عباديْ].
والقاعدة: أنّ الاسم الصحيح الآخر، إذا كان مختوماً بياء المتكلِّم، جاز فيه وجوه، منها: حذفُ الياء والاكتفاءُ بكسر ما قبلها، وإثباتُها مفتوحةً، وإثباتها ساكنةً. فيقال مثلاً: [يا أصدقاءِ – يا أصدقائيَ – يا أصدقائيْ]. وقد اجتزأنا في البحث بهذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها هنا، وإنْ كان في اللغة وجوهٌ أخرى، منها على سبيل المثال قلب الياء ألفاً، وشاهده قوله تعالى: ]يا حسرتا على ما فرّطتُ في جَنْب الله[ (الزمر 39/56)، على أنّ الأصل: [يا حسرتِي].
· ]يا جبالُ أَوِّبِي معه والطير[ (سبأ 34/10)
في الآية مسألتان، هما:
1- [يا جبال]: منادى: مضموم الآخر، على المنهاج في النداء. وذلك أنّ العربي يضمّ آخر المنادى، إذا قصد منادىً معيّناً (نكرة مقصودة).
وقد يسأل سائل: كيف تكون كلمة [جبال] منادى معيّناً، والنداء موجّه إلى الجبال كلّها، لا جبل منها دون جبل؟
ونجيب: الله تعالى قادر على أن ينادي الجبال والسهول والبحار… فيأمرها أنْ تؤوِّب (أي: تُرجِّع التسبيح)، ولكنْ لما كان المراد هاهنا توجيه النداء إلى الجبال خصوصاً (لأسباب بلاغية)، دون كل ما في الطبيعة من مناديات، عومِلت معاملة المقصود بالنداء، (نكرة مقصودة).
2- [والطير]: الواو هنا حرف عطف، و[الطير] لها قراءتان: ضمُّ الآخر وفتحه [الطيرَُ]. وقراءة الضم هي ما نبتغيه هنا، وبها قرأ يعقوب وعبيد بن عمير والأعرج وآخرون كثيرون(17). وينطبق عليها قولُنا في البحث: [قدّرْ قبل التابع (يا) محذوفة]. فكأنك تقول هنا: [يا جبالُ أوّبي معه، ويا أيتها الطيرُ أوّبي معه أيضاً]. وإنما سُبِق المنادى بـ[أيتها]لأنّ الاسم المحلى بـ[ألـ]إذا نودِيَ، أُتِي قبله بـ[أيها أو أيتها] حُكْماً.
· ]قال ابنَ أمَّ إنّ القوم استضعفوني[ (الأعراف 7/150)

(73/6)


في الآية مسألتان: الأولى حذف أداة النداء، إذ الأصل: [يا ابن أُمَّ]. وحذف أدوات النداء جائز استغناءً، كما يقول سيبويه. والمسألة الثانية: لا تتعلق بالمنادى نفسه، أي: [ابن]، وإنما تتعلق بما بعده، أي: تتعلق بالمضاف إليه، وهو كلمةُ [أُمّ]. وذلك أنّ نداء ابن الأمّ (الأخ) يجوز فيه وجوه: [يا ابنَ أُمَّ – يا ابن أُمِّ – يا ابنَ أُمّيْ]. وفتح الميم في الآية، وجهٌ منها. وقد ورد الوجه الثاني في آية أخرى هي: ]يا ابنَ أمِّ لا تأخذ بلحيتي[ (طه 20/94) حيث جاءت الكلمة فيها مكسورة الميم، فدلَّ هذان الشاهدان على جواز الوجهين. لكنْ يجوز في اللغة وجه ثالث أيضاً – وإنْ كان قليل الورود – وهو: [يا ابنَ أُمّيْ]. ومنه قول أبي زبيد الطائي، يرثي أخاه (الكتاب – هارون 2/213):
يا ابنَ أُمّيْ، ويا شُقَيِّقَ نفسي أنتَ خلَّفتني لدهرٍ شديدِ
ومن المفيد أن نذكّر هنا، بأنّ حكم [ابن الأمّ وابنة الأمّ وابن العمّ وابنة العمّ] في النداء سواء، وأنّ كل ما يجوز في نداء الأول منها، يجوز في الثلاثة الأخرى.
· قال زهير بن أبي سلمى (الديوان /180):
يا حارِ لا أُرْمَيَنْ منكم بداهيةٍ لم يَلْقَها سُوقةٌ قَبْلي ولا مَلِكُ
[حارِ]: منادى رخّمه الشاعر فحذف حرفه الأخير، والأصل قبل الترخيم: [يا حارثُ]. ومتى رخّمتَ فحذَفت، جاز لك وجهان:
الأوّل: أن تضمّ آخر المرخّم، كما كنت تضمّ آخره قبل ترخيمه، فتقول هنا: [يا حارُ] كأن حرف الراء هو آخر الكلمة، وأنك لا تنتظر مجيء الثاء بعده.
والوجه الثاني: أن تنطق آخره، كما كنت تنطقه قبل ترخيمه فتقول: [يا حارِ] كأنك تنتظر مجيء الثاء من كلمة [حارِث]. وقد اختار الشاعر – كما رأيتَ – الوجه الثاني.
ومن ذلك أيضاً قول امرئ القيس، وقد استعمل في النداء الهمزة فقال:
[أَحارِ ترى برقاً أُريكَ وميضَهُ]
فقد رخَّم كلمة [حارِث] كما رخمها الشاعر في البيت السابق، ونطق آخرها كما كانت تُنطَق قبل الترخيم (الديوان /24).

(73/7)


· قال امرؤ القيس (الديوان /12):
أفاطمُ مهلاً، بعضَ هذا التدلُّلِ وإنْ كنتِ قد أزمعتِ صَرْمِي فأَجْمِلي
[أفاطمُ]: في ندائه فاطمةَ مسألتان، الأولى: أنه استعمل الهمزة. والهمزة لنداء القريب. ويعرو النفسَ شيء من الإنكار، أن تكون فاطمة هجرته أو كادت، وأزمعت صرمه أو كادت، ثم تكون قريبة منه، بحيث تخاطَب بما تخاطَب به المُحِبَّةُ المصافية المُدانية. وكتب الصناعة تدافع عن رأيها في هذا القرب البعيد!! بأنه قربٌ نفسيّ، فتُسكتك ولا تُقنعك.
والمسألة الثانية: أن الشاعر رخّم كلمة [فاطمة]، فحذَفَ تاءَ التأنيث فقال: [فاطم]، وجواز حذف هذه التاء من آخر كلّ اسمٍ يراد ترخيمه، قاعدة لا تتخلّف. ثمّ إنه ضَمَّ آخرَه فقال: [فاطمُ]،كمن لا ينتظر مجيء التاء. وذلك أحد وجهين جائزين في الترخيم. وأما الوجه الثاني فأن يَنطِق آخرَه،كنُطقه له إذا كان ينتظر مجيء التاء فيقول: [فاطمَ].
· قال الأبجر (المغنّي) للأحوص الشاعر، يشتمه ممازحاً (الأغاني4/245):
[أَيْ زِنديقُ ما جاء بك إلى هاهنا؟].
[أَيْ زِنديقُ]: أي: أداة نداء، نودي بها القريب. و[زنديقُ]: منادى ضُمَّ آخره على المنهاج. وذلك أنه موجَّه إلى منادى بعينه، مقصود من دون كل زنديق آخر. وهو ما يسميه النحاة: [نكرة مقصودة]. وما كان كذلك فالعربيّ يضمّ آخره إذا ناداه.
· قال عَبِيدُ بن الأبرص، مستخفّاً بتهديد امرئ القيس لبني أسد، إذ قتلوا أباه (الديوان /122):
يا ذا المخوِّفُنا بمقتلِ شيخه حُجرٍ، تَمَنِّيَ صاحبِ الأحلامِ
المنادى في الأصل هو[المخوّف]، ولكنْ لما كان شرط نداء الاسم المحلّى بـ[ألـ]، أن يُؤتى قبله بـ [أيّها للمذكر وأيتها للمؤنث] أو [اسم إشارة]، أتى الشاعر – كما ترى – باسم الإشارة: [ذا]، فتوصّل بذلك إلى نداء المحلّى بـ [ألـ]، على المنهاج.
· قال طرفة (الديوان /32):
ألا أيُّها ذا الزاجريْ أَحْضُرَ الوغى وأنْ أشهدَ اللذاتِ، هل أنتَ مُخلِدي

(73/8)


المنادى في البيت، اسمٌ محلّى بـ [ألـ] هو [الزاجر]، ولكنّ المحلّى بـ [ألـ] لا ينادى إلاّ إذا أُتي قبله بـ [أيّها للمذكر وأيتها للمؤنث] أو [اسم إشارة]. وقد أتى الشاعر باسم الإشارة على المنهاج، لكن لما كان العربي قد يجمع الأداتين المذكورتين:
[أيها + ذا] في نداء المحلّى بـ [ألـ]، أتى بهما معاً كما ترى في هذا البيت: [أيّها + ذا = أيّهذا]، على المنهاج.
· قال عبد يَغوث بن وقاص الحارثي، وكان أسيراً في يدي أعدائه
(الخزانة2/194):
فيا راكباً، إمّا عَرَضتَ فبلِّغَنْ ندامايَ مِن نَجران ألاّ تلاقِيَا
[يا راكباً]: يا: أداة نداء، و[راكباً]: منادى منصوب. وإنما نُصب لأنّ نداء الشاعر موجّه إلى كلّ راكب – لا راكب معيّن – آملاً أن يسمعه أحدهم فيُبلغ قومَه ما هو فيه، فيعملوا على فكاكه. وإذ كان هذا شأن المنادى هاهنا، ولم يكن مقصوداً معيّناً دون سواه، فقد استحق النصب، على المنهاج، لأنه نداءُ غيرِ معيّن (نكرة غير مقصودة).
* * *
1- تَجمَع كتبُ الصناعة النداءَ والاستغاثة والتعجب والندبة في بحث واحد، على ما بينها من الافتراق. فالندبة – مثلاً – ليست نداءً، ولا أساليبها أساليبه، ولا تراكيبها تراكيبه إلخ… وقد آثرنا الأخذ بالمنهجية العلمية، ففصلنا بين هذه البحوث!!
2- قيل: [هَيا] أداة نداء قائمة بنفسها، وإنما هي لغةٌ في [أيا]، كما قال ابن السكّيت.
3- بين [العَلَم والاسم] – في بحوث اللغة – فرق. فالعَلَم: ما سمّاك به أهلك عند ولادتك، والاسم: ما ليس بفعل ولا حرف.
4- قد يجمعون الأداتين في نداء المحلّى بـ [ألـ] – وهو قليل – فيقولون: [يا أيّها ذا الرجل].
5- يسميه النحاة: نكرة غير مقصودة.
6- يسميه النحاة: نكرة مقصودة.
7- توابع المنادى: هي ما يكون بعد المنادى، نعتاً أو بدلاً أو توكيداً أو عطفاً.
8- لا يظننَّ ظانٌّ أننا نقمش هذه المفردات والمصطلحات قمشاً، بل كلّ كلمة منها لها شروحها وتفاصيلها.

(73/9)


9- بتعبير آخر: قدِّرْ بعد المنادى [يا] محذوفة. أو قدّر بين المنادى وتابعه [يا] محذوفة.
10- يجيزون أيضاً في هذه الصيغة فقط، دون غيرها من صيغ النداء الأخرى، نصبَ المنادى والتابع معاً، أي: [يا خالدَُ بنَ سعيد].
11- ليس للمنادي خيار هاهنا، فالمعرَّف بـ [ألـ] لا ينادَى إلا إذا سبقته [أيها] في التذكير، و[أيتها] في التأنيث.
12- تنطبق هذه الوجوه الثلاثة على نداء الأب والأمّ، إذ هما في النداء سواء. فيقال: [يا أبِ = يا أبيَ – يا أبيْ] و[يا أُمِّ – يا أُمِّيَ – يا أُمّيْ] فضلاً على وجوهٍ ثلاثة أخرى مقصورة عليهما، هي: [يا أبَتِ – يا أبَتَ – وعند السكت: يا أبَهْ]، و[يا أمَّتِ – يا أمّتَ – وعند السكت يا أمّهْ].
13- حُكم ابن الأمّ، وابنة الأمّ، وابن العمّ، وابنة العمّ، في النداء سواء. فاجتزأنا بنداء ابن الأمّ إيجازاً.
14- كأنك إذ تقول [يا فاطمَ] تنتظر أن تأتي التاء بعد الميم: [فاطمَة]، أو تقول: [يامالِ] تنتظر أن تأتي الكاف بعد اللام [مالِك]. ولذلك يسمّون هذا الصنف من الترخيم: [لغة من ينتظر].
15- يسمّون هذا الصنف: [لغة من لا ينتظر].
16- الزَّمْنى: جمعُ زَمِن، وهو المريض الذي يدوم مرضه زمناً طويلاً.
17- مجمع البيان 8/379. وذكر أبو حيّان ممن قرأ بالضمّ سبعة قرّاء وجماعة من أهل المدينة [البحر المحيط7/263].

(73/10)


المستثنى بـ [إلاّ]
المستثنى بـ [إلاّ]: اسمٌ يُذكَر بعدَ [إلاّ]، مخالفاً ما قبلَها. نحو: [جاء الطلاّبُ إلاّ خالداً]. وهو منصوبٌ، قولاً واحداً. غير أنه إذا سبقه نفي أو شبه النفي(1)، جاز مع النصب، إتباعه على البدلية مما قبله نحو:
[ما جاء الطلاّبُ إلاّ خالداً + خالدٌ: (بدل من الطلاّبُ)]
[ما مررت بالطلاّبِ إلاّ خالداً + خالدٍ: (بدل من الطلابِ)]
فإذا تقدّم المستثنى على المستثنى منه وجب نصبه نحو: [لم يسافر إلاّ خالداً أحدٌ].
ملاحظة: قد يأتي المستثنى ولا صلة له بجنس ما قبله، فيسمُّون ذلك [الاستثناء المنقطع] نحو: [وَصَلَ المسافرُ إلاّ أمتعتَه].
تنبيه ذو خطَر:
إذا كان الكلام قبل [إلاّ] غير تام، وكان معتمداً على نفي أو شبهه، فهو حَصْرٌ أو قَصْر، لا استثناء. فالتراكيب التالية: [ماجاء إلاّ خالدٌ، وما رأيت إلاّ خالداً، وما مررت إلاّ بخالدٍ] ليست تراكيب استثناء، (وإنْ كانت كتب الصناعة، تجعلها من تراكيب الاستثناء وتخلطها بها). وإنما هي – كما تقول كتب البلاغة – تراكيبُ [قصْر أو حصْر]. ومنها قوله تعالى ]وما محمدٌ إلاّ رسول[ أي: [محمّد صلى الله عليه وسلّم رسول، مقصور على الرسالة]، لا أنّ كلمة [رسول] مستثناة من [محمّد] !! يدلّك على صحة ما نقول، أنّ [خالد] في التركيب الأول فاعل، وفي الثاني مفعول به، وفي الثالث مجرور بالباء، ولا صلة لكل ذلك بالاستثناء !!
* * *
نماذج فصيحة من استعمال المستثنى بـ [إلاّ]
· ]الأخِلاّء يومئذٍ بعضُهمْ لبعضٍ عدوٌّ إلاّ المتّقين[ (الزخرف 43/67)
[المتقين]: مستثنى بإلاّ، منصوب على المنهاج. إذ كلّ مستثنى منصوب قولاً واحداً. (غير أنه إذا سبقه نفيٌ أو شبهه(2) جاز مع النصب إتباعه على البدلية).
· ]فشربوا منه إلاّ قليلاً منهم[ (البقرة 2/249) (أي: شربوا من النهر)
[قليلاً]: مستثنى بإلاّ، منصوب على المنهاج.
· ]ما فعلوه إلاّ قليلٌ منهم[ (النساء 4/66)

(74/1)


[قليلٌ = قليلاً]: هاهنا مستثنى بإلاّ. والقاعدة أنّ المستثنى بإلاّ منصوب قولاً واحداً، إلاّ إذا سبقه نفي أو شبهه، فيجوز مع النصب إتباعه على البدلية. ولقد تحقق ذلك في الآية كما ترى، إذ سَبَقَ المستثنى هاهنا نفيٌ: [ما فعلوه]، فجاز إذاً مع النصب، الرفعُ على البدلية من ضمير الفاعل وهو الواو من [فعلوه]. ومن هنا كان للآية قراءتان: قراءة السبعة، ماعدا ابن عامر [إلاّ قليلٌ] على البدلية، وقراءة ابن عامر [إلاّ قليلاً] على الاستثناء.
· ]ولا يلتفِتْ منكم أحدٌ إلاّ امرأتك[ (هود 11/81)
[امرأتَك = امرأتُك]: هاهنا مستثنى بإلاّ. سُبِقَ بنهي: [لا يلتفتْ]، فجاز إذاً مع النصب، الرفعُ على البدلية من [أحدٌ]. ومن هنا كان للآية قراءتان: قراءة أبي عمرو وابنِ كثير [إلاّ امرأتُك] بالرفع على البدلية، وقراءة الباقين بالنصب [امرأتَك] على الاستثناء.
· ]ومَن يقنطُ من رحمة ربِّه إلاّ الضالّون[ (الحِجر 15/56)
[الضالّون]: اسم مرفوع على البدلية من ضمير: [يقنط] وهو فاعل. وذلك أن المستثنى سبق باستفهام: [مَن يقنط؟]، فجاز مع النصبِ الرفعُ. ولولم يكن الكلام قرآناً، لصحّ قولُك: [الضالّين] ناصباً على الاستثناء. وقُلِ الشيءَ نفسَه في قوله تعالى: ]ومَن يغفر الذنوبَ إلاّ الله[ (آل عمران 3/135)، فلفظ الجلالة [الله]، وإن جاء مرفوعاً في الآية، يصحّ نصبه أيضاً من الوجهة الصناعية. فأنت ترى هاهنا أنْ قد سبقه استفهام: [مَن يغفر؟]، فجاز مع النصب الإتباع على البدلية. وقد رُفع هاهنا على البدلية من ضمير [يغفر]، وهو فاعل. ولولا أنّ الكلام قرآن، لصحّ النصب على الاستثناء أيضاً: [إلاّ اللهَ].
· قال النابغة الذبياني، يذكر دار ميّة:
وقفتُ فيها أُصَيْلاناً أُسائلُها عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبع مِن أحدِ
إلاّ الأَوارِيَّ لأْياً ما أُبَيِّنها …………………………

(74/2)


(أصيلان: تصغير أَصيل – عيَّتْ: عجزتْ أن تجيب – الأواريّ: مرابط الخيل – لأياً: أي: بعد جهدٍ).
[الأواريّ]: مستثنى بإلاّ، ولكن لا صلة له بجنس ما قبله، وهو المستثنى منه [أحد]، فهنا مرابط خيل، وهناك سُكّان رَبعِ ميّة. وبتعبير آخر: إنّ المستثنى [الأواريّ] لا صلة له بجنس المستثنى منه: [أحد]. وكتب الصناعة تسمّي هذا الصنف من الاستثناء: [الاستثناء المنقطع].
ومهما يَدُر الأمر فقد جاء منصوباً على المنهاج، إذ هو ككلّ مستثنى، حكمُه النصب قولاً واحداً. إلاّ إذا سبقه نفي أو شبهه (أي: نهي أو استفهام)، فيجوز مع النصب الإتباع على البدلية.
· ومن هذا الصنف من صنوف الاستثناء (أعني الذي يسمونه: الاستثناء المنقطع) قوله تعالى: ]ما لهم به من علم إلاّ اتّباعَ الظنّ[ (النساء 4/157)
فالمستثى هنا هو: [اتّباعَ الظنّ]، واتّباع الظنّ لا صلة له بالعلم. وقد جاء نصبه على المنهاج في نصب المستثنى بإلاّ.
· قال الكميت:
وما ليَ إلاّ آلَ أحمدَ شيعةٌ وما ليَ إلاّ مذهبَ الحقّ مذهبُ
الأصل في التركيب أن يقال: [ماليَ شيعةٌ إلاّ آل أحمد]، ولكنّ الشاعر قدّم المستثنى بإلاّ، وهو: [آل أحمد] فوجب النصب. وذلك أنّ المستثنى إذا تقدّم على المستثنى منه – كما في بيت الكميت – وجب النصب، وامتنع ما عداه.
ويحسن أن نوجّه النظر هنا، إلى أنّ في البيت تركيباً آخر هو: [ما ليَ إلاّ مذهبَ الحقّ مذهبُ]، وهو مثل التركيب الأول طِبقاً. فقسه عليه.
ومن ذلك قول حسان بن ثابت في يوم (بدر):
وَفَوا يومَ بدرٍ للرسول وفوقهمْ ظلالُ المنايا والسيوفُ اللوامعُ
…….
لأنهمُ يرجون منه شفاعةً إذا لم يكن إلاّ النبيّينَ شافعُ

(74/3)


فالأصل في قوله: [لم يكن إلاّ النبيين شافعٌ] هو: [لم يكن شافعٌ إلاّ النبيين]، (فهو مما يجوز معه الرفع أيضاً – لو أنّ الشاعر أراد ذلك – إتباعاً على البدلية من المستثنى منه المرفوع: [شافعٌ]. أي كان يجوز له أن يقول أيضاً: [إلاّ النبيون]. إذ القاعدة: أنّ المستثنى بـ [إلاّ] منصوب قولاً واحداً، إلاّ إذا سبقه نفي أو شبهه، فيجوز مع النصب الإتباع على البدلية). وقد قدّم الشاعر المستثنى على المستثنى منه، فوجب النصب قولاً واحداً.
هذا، ونورد فيما يلي نماذج من تراكيب الحصر، وإن كانت أحكامه لا علاقة لها بأحكام الاستثناء، مبتغين من ذلك مزيداً من إيضاح الفرق بينهما:
· قال الشاعر:
ما لكَ مِن شيخِكَ إلاّ عملُهْ إلاّ رسيمُهُ وإلاّ رَمَلُهْ
(الرسيم والرمَل: نوعان من السير).
في البيت مسألتان:
الأولى: أنّ [إلاّ] مِن قوله: [إلاّ عملُه]، ليست أداة استثناء، وإنما هي أداة حصر (ويسمونه القصر أيضاً، وهو إثبات حُكْمٍ لشيء، ونفيه عما عداه). ومن شروطه أن يكون الكلام غير تام. وقوله: [ما لك من شيخك] غير تام. وأن يتصدّره نفي أو نهي أو استفهام. وقد تصدّرته هنا أداة نفي هي: [ما]. ومن الأدلة على القصر في التركيب، أنْ ليس هاهنا مستثنى منه. فإذا كان ذلك – وهوكائن – فكيف يصحّ في العقول أن نستثنيَ شيئاً، من أشياء لا وجود لها؟! وتأمّل البيت، تجد ما قلناه منطبقاً عليه معنىً وإعراباً: وذلك أنك إذا حذفت من الكلام ما فيه من الحشو، بقي: [ما لك إلاّ عملٌ]، وبالإعراب ترى أنّ:
[ما] نافية، وبتصدّرها التركيب يتحقق شرط من شروط القصر (أن تتصدره أداة نفي أو نهي أو استفهام).
[لك] شبه جملة: خبر مقدّم.
[إلاّ] أداة حصر.
[عملٌ]: مبتدأ مؤخر.
فأين المستثنى منه؟! إنّ التركيب تركيب قصر !!

(74/4)


المسألة الثانية: تكرار [إلاّ]. فأما أولاهنّ فأداة قصر، كما ذكرنا آنفاً. وأما الثانية فزائدة، و[رسيمُه] بدل من [عملُه]. وأما الثالثة فزائدة أيضاً، و[رملُه] معطوف على رسيمُه]. ومن المفيد أن نقول هنا: [إلاّ] تتكرر للتوكيد، فتكون زائدة.
· ]إنْ أنتَ إلاّ نذير[ (فاطر 35/23)
الأداة [إنْ] في صدر التركيب أداةُ نفي، معناها [ما]. ومن شروط القصر، أن تتصدره أداة نفي أو نهي أو استفهام. وعلى ذلك يكون المعنى: ما أنت إلاّ نذير. وليس هاهنا تركيب استثناء، بل تركيب قصر. يدلّك على ذلك أنّ المعنى قبل [إلا] غير تام، ومنه فليس قبل [إلاّ] مستثنى منه، وكلمة [نذير] – إذاً – ليست مستثنى، بل هي خبر مرفوع، للمبتدأ: [أنت]. وكم بين المستثنى المنصوب والخبر المرفوع من البَوْن!!
· ]ما على الرسول إلاّ البلاغ[ (المائدة 5/99)
الأداة [ما] في صدر التركيب أداة نفي. ومن شروط القصر أن تتصدره أداة نفي أو نهي أو استفهام. وليس في الآية تركيب استثناء، بل فيها تركيب قصر. وذلك أنّ المعنى قبل [إلا] غير تام. وكلمة [البلاغُ] وإنْ جاءت بعد [إلاّ]، فإنها مبتدأ مؤخّر، وشبه الجملة: [على الرسول] خبر مقدَّم. ولو تغافلنا موقتاً عن أداة النفي: [ما]، وأداة الحصر: [إلاّ]، لاتّضح أنّ التركيب في الأصل هو: [على الرسول البلاغُ].
ويكفي دليلاً على صحة ما نقول، أنْ ليس قبل [إلاّ] مستثنى منه، فإذا كان ذلك، وهو كائن، فكيف يصحّ في العقول أن نستثنيَ شيئاً، فنخرجه من أشياء لا وجود لها؟!
· ]ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ[ (النساء 4/171)
الأداة [لا] في صدر التركيب، أداة نهي. ومن شروط القصر، أن تتصدره أداة نفي أو نهي أو استفهام. وليس في الآية تركيب استثناء، بل فيها تركيب قصر.

(74/5)


وذلك أنّ المعنى قبل [إلا] غير تام، إذ لا يتم إلا بكلمة [الحق]. وكلمة [الحقَّ] بعد [إلاّ]، مفعول به لا مستثنى بإلاّ. ولو تغافلنا موقتاً عن أداة النهي: [لا]، وأداة الحصر: [إلاّ]، لاتّضح أنّ التركيب في الأصل هو: [قولوا الحقَّ]. ومن الأدلة على هذا أنْ ليس قبل [إلاّ] مستثنى منه. والعقل لا يسلّم باستثناء شيء من أشياء لا وجود لها. ومن ثم يكون التركيب تركيب قصر لا تركيب استثناء.
· ]فهل يُهلَك إلاّ القومُ الفاسقون[ (الأحقاف 46/35)
الأداة [هل] في صدر التركيب أداةُ استفهام. ومن شروط القصر، أن تتصدره أداة نفي أو نهي أو استفهام. والآية إذاً ليس فيها تركيب استثناء، بل فيها تركيب قصر. وذلك أنّ المعنى قبل [إلا] وهو [فهل يُهلك] غير تام.
وكلمة [القومُ] بعد إلاّ، نائب فاعل، لا مستثنى بإلاّ. ولو تغافلنا موقتاً عن أداة الاستفهام: [هل]، وأداة الحصر: [إلاّ]، لاتّضح أنّ التركيب في الأصل هو: [يُهلَكُ القومُ]. ومن الأدلة على هذا أنْ ليس قبل [إلاّ] مستثنى منه. وذلك برهان قاطع، على أنّ التركيب تركيب قصر لا تركيب استثناء.
* * *
1- شبه النفي هنا، هو النهي والاستفهام.
2- شبه النفي هنا، هو النهي والاستفهام.

(74/6)


المعتل والصحيح
إذا كان أحد حروف الفعل الأصلية حرف علّة سُمّي [فعلاً مُعتلاً] نحو: [باع – وقف – رضي – رمى](1).
ثم إذا كان حرفُ العلة صدراً له نحو: وقف – ورد… سمَّوْه: مِثالاً.
وإذا كان في وسطه، نحو: قال – باع… سمَّوْه: أجوف.
وإذا كان في آخره، نحو: رمى- دعا… سمَّوْه: ناقصاً.
فإذا اقترن حرفا علة في الفعل، نحو: روى- طوى… سمَّوْه: لفيفاً مقروناً.
وإذا افترقا، نحو: وفى – وعى… سمَّوْه: لفيفاً مفروقاً.
فإذا لم يكن أحدُ حروفِه الأصلية حرف علة، نحو: شرب – رجع… قالوا هو فعل صحيح(2).
ثم إذا كان هذا الصحيح فيه همزة سمَّوْه مهموزاً، نحو: أخذ-سأل-بدأ..
وإذا كان فيه حرف أصلي مكرّر، سمَّوْه مضاعفاً، نحو: مرّ – زلزل…
* * *
1- ليس في العربية ألِفٌ تُعدّ من جذر الكلمة؛ فإما أن تكون منقلبة عن واو أو ياء نحو: قال مِن قول، وباع مِن بيع. أو تكون حرفاً من حروف الزيادة: [سألتمونيها] نحو: راكض من رَكَضَ. وعلى ذلك تكون حروف العلة واواً أو ياءً فقط؛ فإذا قلنا عن كلمة فيها ألفٌ نحو: [عدا – رمى]: إنها معتلة، فإنما نعني أن اعتلالها بواو أو ياء انقلبت ألفاً، لا أن الألف نفسها حرف علة.
2- لا التفات إلى الألف إذا لم تكن منقلبة عن أحد حرفَي العلة: الواو أو الياء. ففعل [قاتل] مثلاً [صحيح] غير معتلّ، وإن كان فيه ألف؛ ذاك أن حروفه الأصلية هي القاف والتاء واللام، وأما الألف فيه فزائدة، ولذلك لا يُلتفت إليها. ومثله [تراجع] لأن حروفه الأصلية هي: [الراء والجيم والعين] وهكذا…(انظر بحث الإعلال (26))

(75/1)


المذكر والمؤنث
الاسم: مذكّر أو مؤنث. مثال المذكر: [رجل] و[كتاب].
فأما الأول: [رجل]، فمذكر حقيقي، لأن له مؤنثاً من جنسه. وأمّا الثاني: [كتاب]، فمذكر غير حقيقي، إذ ليس له مؤنث من جنسه، وإنما اصطلح أبناء اللغة على اعتباره مذكراً.
ومثال المؤنث: [امرأة] و[دار].
فأمّا الأول: [امرأة] فمؤنث حقيقي، لأن له مذكراً من جنسه. وأمّا الثاني: [دار] فمؤنث غير حقيقي، إذ ليس له مذكر من جنسه، وإنما اصطلح أبناء اللغة على اعتباره مؤنثاً.
ملاحظات عظيمة القيمة:
1- يغلب على الاسم المؤنث أن تلحق آخره: ألفٌ مقصورة مثل: [سلمى]، أو ألفٌ ممدودة مثل [حسناء]، أو تاء مربوطة مثل: [خديجة].
2- في اللغة أسماءٌ، سُمِع عن العرب تذكيرها وتأنيثها، منها: [السبيل- الحيّة – العنق – الطريق…]، ولذلك تقول: هذا أو هذه سبيل، وهذا أو هذه حيّة، وهذا أو هذه عنق، وهذا أو هذه طريق،…
3- للإناث حالات مقصورة عليهنّ، لا يشاركهن فيها الذكور، كالحَيْض والإتْآم(1) والطلاق… وأوصافُهنّ في هذه الحالات لا تلحقها التاء، فلا يقال مثلاً: هذه امرأة حائضة أو مُتْئِمة أو طالقة… بل يقال: امرأة حائِض أو مُتْئِم أو طالق(2)…
4- في العربية صفات استعملتها العرب للمذكر والمؤنث بلفظ واحد، مثل: صبور، حنون، جريح، قتيل… فقالوا: رجل صبور وامرأة صبور- ورجل جريح وامرأة جريح…
وقد بحث النحاة واللغويون في هذا قديماً، وذكروا أوزانه، ومواضع استعماله، وما شذ منه وما استثني… حتى إذا كان العصر الحديث، وقف مجمع اللغة العربية بالقاهرة عند هذه المسألة وبحث فيها، ثم خلص من ذلك إلى أن أجاز لحاقَ تاء التأنيث، كلَّ مؤنّث من الصفات. وبناء على ذلك يجوز أن يقال اليوم: رجل صبور وامرأة صبورة، ورجل جريح وامرأة جريحة، ورجل معطار وامرأة معطارة، ورجل معطير وامرأة معطيرة(3) …

(76/1)


فمَن شاء أن يسلك اليوم هذا السبيل السهل فلا لوم عليه، ولا يعاب قوله. ومن شاء أن يأخذ بالطريقة القديمة، وهي الفصيحة الفصيحة، فذلك له. فامرؤٌ وما اختار(4).
* * *
1- الإتآم: أن تلد المرأة اثنين في بطن واحد.
2- ما خالف ذلك فسماعي لا يقاس عليه، ومنه الآية: ]يوم تَذهلُ كلّ مُرْضعةٍ عما أَرْضعتْ[ (الحج 22/2).
3- انظر الصفحات: 126-131-132 من كتاب [مجموعة القرارات العلمية في خمسين عاماً]. وانظر الصفحة 74 من كتاب [في أصول اللغة] الدورات 29-34، ومداخلة الأستاذين عباس حسن في الصفحة 75، وعطية الصوالحي في الصفحة 77، والصفحة 106 من الكتاب المذكور، ولا سيما الحاشية رقم 1 منها.
4- مع أننا نأخذ أنفسنا في كتابنا بألاّ ننقل قواعد اللغة إلى الناس – كما ورثناها عن الأئمة – من غير إعمال نظر فيها، وفي طريقة عرضها، فإننا رأينا من الحق علينا في هذا البحث خاصة، أن نخالف عن مذهبنا هذا.
وعلى ذلك نقلنا عن كتاب [جامع الدروس العربية] للشيخ مصطفى الغلاييني رحمه الله، نقلاً حرفياً، تلك الحالات التي [يستوي فيها المؤنث والمذكر]؛ ذاك أن كتابه – في أيامنا هذه – من أسهل كتب النحو ومن أوثقها؛ وقد وردتْ في الصفحات: 100-101-102 من جزئه الأول. فإليكها:
[ما يستوي فيه المؤنث والمذكر:

(76/2)


ما كان من الصفات على وزن (مِفْعَل): كمِغْشم ومِقْول، أو (مِفعال): كمعطار ومقوال، أو (مِفْعِيل): كمعطير ومسكير، أو (فَعُول) بمعنى فاعل: كصبور وغيور، أو (فَعِيل) بمعنى مفعول: كقتيل وجريح، أو على وزن (فِعْل) بمعنى مفعول: كذِبْح وطِحْن، أو (فَعَل) بمعنى مفعول: كجَزَر وسَلَب، أو مصدراً مراداً به الوصف: كعَدْل وحَقّ – يستوي فيه المذكر والمؤنث، فلا تلحقه علامة التأنيث، يقال: رجلٌ مِغْشمٌ ومِقوالٌ ومِسكيرٌ وغيورٌ وقتيلٌ وعَدْلٌ، وجَمَلٌ ذِبْحٌ وجَزَرٌ، وامرأةٌ مِقوالٌ ومِعطارٌ ومِعطيرٌ وجريحٌ وعدلٌ، وناقةٌ ذبحٌ وجزرٌ. وما لحقته التاء من هذه الأوزان: كعَدُوّةٍ ومِيقانةٍ ومِسكينةٍ ومِعطارةٍ، فهو شاذّ. وإن كان (فَعُول) بمعنى (مفعول) تَلحقه التاء: كأكولة بمعنى مأكولة، وركوبة بمعنى مركوبة، وحلوبة بمعنى محلوبة. ويقال أيضاً: أكولٌ وركوبٌ وحلوب. وإن كان (فَعِيل) بمعنى (فاعل) لحقته التاء: ككريمة وظريفة ورحيمة. وقد يجرَّد منها كقوله تعالى: ]إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين[. وإن كان بمعنى (مفعول)، فإن أريد به معنى الوصفية، وعُلمَ الموصوفُ، لم تلحقه في الأكثر الأغلب: كامرأة جريحٍ. وقد تلحقه على قلّةٍ كخَصلةٍ حميدةٍ وفعلةٍ ذميمة. وإن استعمل استعمال الأسماء لا الصفات لحقته التاءُ: كذبيحة وأكيلة ونطيحة. وكذا إن لم يُعلَم الموصوفُ: أمذكر هو أم مؤنث؟ مثل: (رأيتُ جريحةً). أما إذا عُلمَ فلا، نحو: (رأيتُ امرأةً جريحاً) أو (رأيتُ جريحاً مُلقاةً في الطريق)، ونحو: (كُونِي صبوراً على المصائب، حمولاً للنوائب)]. انتهى.

(76/3)


المثنى
المثنى: اسم لحقته ألف ونون مكسورة، في حالة الرفع. وياء ونون مكسورة، في حالة النصب والجرّ، ليدلّ على اثنين. نحو: كتاب + انِ = كتابانِ و: كتابَ + يْنِ = كتابَيْنِ.
تنبيه: في اللغة ثلاث كلمات مفردات هي: [أبٌ – أخٌ – حمٌ]، يجعل العربيّ في آخرها واواً، عند تثنيته لها، فيقول: [أبَوانِ – أخَوانِ – حَمَوانِ] و[أبوين- أخوين – حَمَوين](1).
* * *
فوائد في نماذج فصيحة:
أ- التعبيرعن المثنى بالمفرد والجمع:
إن من ينعم النظر في استعمال العرب للمثنى، يجد من التوسع في ذلك، ما لا يجده في سواه. ودونك نماذج من هذا:
· فمن التعبير عن المثنى بالمفرد قول الفرزدق يهجو جريراً (معاني القرآن 1/308 + أمالي ابن الشجري 1/12):
[كأنّه وجهُ تُركِيّيْنِ قد غَضِبَا] وإنما يريد: [كأنه وَجْهَاْ تركيَّين].
· ومنه قول المتنبي (الخزانة 7/551):
حَشايَ على جَمْرٍ ذكِيّ من الغَضا وعَينايَ في روضٍ من الحُسن تَرتَعُ
وإنما يريد: [ترتعان].
· ومن التعبير عن المثنى بالجمع: ]والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما[ (المائدة 5/38) والمراد: [يداهما] لا أيديهما الأربع. وقولُه: ]فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون[ (الشعراء 26/15) والمراد: [إنا معكما]. وقولُه: ]إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما[ (التحريم 66/4) والمراد: [صغا قلباكما].
ب- التعبير بالمثنى عن المفرد والجمع:
· فمن التعبير به عن المفرد: ]أَلْقِيَا في جهنم كل كفار عنيد[ (ق 50/24) والمراد: [ألقِ]، إذ الخطاب لمفرد هو [مالك].
· ومنه قول جرير:
فجَعَلْنَ مدفع عاقلَين أيامِناً وجعلن أَمعَزَ رامَتَيْنِ شِمالا
وأراد بقوله: [عاقلين] جبلاً اسمه عاقل، وأراد بـ [رامتين] موضعاً اسمه رامة.
· ومنه أيضا قول المتنبي:
أَبدَيْتِ مثلَ الذي أبديتُ مِن جَزَعٍ ولَم تُجِنّي الذي أَجْنَنْتُ مِن أَلَمِ
إذاً لَبَزّكِ ثوبَ الحُسنِ أَصْغَرُهُ وصِرتِ مِثليَ في ثوبَينِ مِن سَقَمِ

(77/1)


وإنما أراد: [في ثوب من سقم].
· ومن التعبير به عن الجمع: ]إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم[
(الحجرات 49/10) والمراد: [فأصلحوا بين إخوتكم] إلخ…
* * *
1- تجد أحكامَ تثنية وجمعِ كلٍّ من الاسم المنقوص والمقصور والممدود في بحثه.

(77/2)


نائب الفاعل
الأصل أنْ يُذْكر الفاعل مع فعله، كنحو: [كَسَرَ خالدٌ الزجاجَ]. فإذا لم يُذكَر معه بل حُذِف(1) – فعند ذلك يُبنى الفعل للمجهول، فيقال: [كُسِرَ الزجاجُ]، فيُقام المفعول به مُقام الفاعل، فيصبح في الجملة عمدةً كما أنّ الفاعل في الجملة عمدة، ويُرفَع كما كان الفاعل قبل حذفه يُرفَع. ومن هنا أنهم اصطلحوا على أنْ يسمُّوه: [نائب فاعل](2).
فإذا كان الفعل مما ينصب مفعولين أو أكثر، فالأول منهما يُجعَل نائبَ فاعل. ففي نحو: [أَعطَى خالدٌ الفقيرَ درهماً]، تقول إذا بنيتَ للمجهول: [أُعطِيَ الفقيرُ درهماً].
فإذا بُنِيَ للمجهول فِعْلٌ لا مفعول له، كان المصدرُ ظاهراً أو مضمراً نائبَ فاعل. فمثال المصدر الظاهر، قوله تعالى: ]فإذا نُفِخَ في الصور نفخةٌ واحدة[ (الحاقّة 69/13) ومثال المضمر قوله: ]ونُفِخَ في الصور فصَعِقَ مَن في السماوات ومن في الأرض[ (الزمر39/68) أي: نُفِخَ في الصور نفخٌ محذوفٌ فاعلُه. أو [مجهولٌ فاعله، إنْ كان فاعله مجهولاً].
وقسْ على هذا جميع ما تمرّ به من كلامهم، تجدْه يصدق ولا يتخلف. وقد أوردنا مِن ذلك في النماذج الفصيحة ما فيه مَقْنَع.
تنبيه: جميع الأحكام التي مرَّت بك في بحث الفاعل، تراعى في نائب الفاعل، فلا نعيدها هنا.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال نائب الفاعل
· ]ذلك يومٌ مجموعٌ له الناسُ[ (هود 11/103)
ذكرنا في بحث اسم المفعول، أنه (أي اسم المفعول) يرفع نائب فاعل. ومن ذلك ما ترى في هذه الآية. فـ [مجموعٌ]: اسم مفعول، و[الناس]: نائب فاعل. ونوجّه النظر إلى أنّنا إنّما أتينا بهذه الآية هنا، على سبيل التذكير بقاعدة ذات صلة بما نحن فيه من استعمال نائب الفاعل، وإلاّ فإنّ محلها من الوجهة المنهجية، في بحث اسم المفعول وما يتعلق به.
· ]ولما سُقط في أيديهم[ (الأعراف 7/149)

(78/1)


[سَقَطَ]: فعلٌ لازمٌ لا ينصب مفعولاً به، فلما بُنِيَ للمجهول فقيل:[سُقِطَ] – ولم يكن في الكلام مفعولٌ به يُجْعَل نائبَ فاعل – قدّرنا مصدراً مضمراً يكون هو نائبَ الفاعل، أي: [سُقِط في أيديهم سقوطٌ محذوفٌ فاعلُه، أو مجهولٌ فاعلُه](3).
ويقال الشيء نفسه في قوله تعالى مِن سورة (الفجر 89/23): ]وجيء يومئذٍ بجهنم[ وذلك أنّ [جاء] – هنا – فعلٌ لازم، لا ينصب مفعولاً به، فلما بُني للمجهول فقيل: [جيء] – ولم يكن في الكلام مفعولٌ به يُجعَل نائب فاعل – قدّرنا مصدراً مضمراً يكون هو نائبَ الفاعل، أي: [جيء بجهنم مجيءٌ محذوفٌ فاعلُه].
ومن اليَنبوع نفسه أيضاً ما جاء في سورة الزُمَر (39/69) ]وجيء بالنبيّين والشهداء وقُضِيَ بينهم بالحق[ أي: جيء بالنبيّين… مجيءٌ محذوف فاعلُه، وقُضِيَ بينهم… قضاءٌ محذوفٌ فاعلُه.
· قال الفرزدق يمدح زين العابدين، عليّ بن الحسين، رضي الله عنهما (الديوان2/179):
يُغضِي حياءً ويُغضَى مِنْ مهابتِهِ فما يُكَلَّمُ إلاّ حينَ يبتسمُ
[يُغْضِي]: فعلٌ مضارعٌ لازمٌ لا ينصب مفعولاً به، فلما بني للمجهول فقيل: [يُغْضَى]، ولم يكن في الكلام مفعول به يُجعَل نائب فاعل، قدّرنا مصدراً مضمراً يكون هو نائب الفاعل، أي: [يُغْضَى مِن مهابته إغضاءٌ مجهول فاعله].
هذا، على أنّ في البيت فعلاً آخر مبنيّاً للمجهول هو: [يُكَلَّمُ]، غير أنه فعلٌ متعدٍّ ينصب مفعولاً به، والأصل: [يكلِّم الناسُ زينَ العابدين]، فلما بني للمجهول، حُذِف فاعله وهو: [الناسُ]، وأُضمِر المفعول به وهو زين العابدين، فجُعِل نائبَ فاعل، فقيل: [يُكلَّم]، أي: [يُكلَّم هو].
· ]قُتِلَ الخرّاصون[ (الذاريات 51/10) (الخراصون: الكذابون).
[قَتَلَ]: فعلٌ متعدٍّ، والأصل: [قتل اللهُ الخرّاصين]. فلما بني للمجهول، حُذِفَ فاعله، ورُفِع المفعول به، وأُقيم مُقام الفاعل، فقيل: [الخراصون]، على أنه نائب فاعل.
· قال عنترة (الديوان /152):

(78/2)


نبِّئْتُ عَمْراً غيرَ شاكر نعمتي والكفرُ مَخْبَثَةٌ لنفس المُنعِمِ
الأصل: [نَبَّأَ الناسُ عنترةَ عمراً غيرَ شاكر]، ولما بُني الفعل للمجهول حُذِف الفاعل: [الناسُ] فقيل: [نُبِّئ]، وأقيم المفعول به الأوّل وهو التاء، ضمير المتكلم (أي: عنترة) مُقام الفاعل المحذوف، فأصبح في محل رفع نائب فاعل، وبقي المفعول الثاني [عمراً] منصوباً، على حاله.
· ]فإذا نُفِخَ في الصور نفخةٌ[ (الحاقة 69/13)
الأصل: [نَفَخَ إسرافيل في الصور نفخةً]، ثم بُنِي الفعل للمجهول فحُذِف الفاعل: [إسرافيل]، فقيل: [نُفِخَ]، وأقيم المصدر: [نفخة] مُقام الفاعل المحذوف، فرُفِع، على أنه نائب الفاعل: [نفخةٌ]. وقد جُعِل – هنا – المصدرُ الظاهرُ نائبَ فاعل. وفي ذلك تأييد لما قرّرناه من أن المصدر الذي يُجعل نائبَ فاعل، قد يكون ظاهراً، أو مضمراً مقدّراً.
· ]ونُفِخَ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض[ (الزمر39/68)
الأصل: كما قلنا في الآية السابقة: [نفخَ إسرافيلُ في الصور]، ثم بني الفعل للمجهول فحُذِف الفاعل: [إسرافيل]، فقيل: [نُفِخَ]، ولما لم يكن في الكلام مفعول به، جُعِلَ المصدرُ المضمر نائب فاعل، والتقدير: [نُفِخَ في الصور نفخٌ محذوفٌ فاعله]. وفي سورة (ق): آيةٌ أخرى، تماثل هذه الآية، هي قوله تعالى: ]ونُفِخ في الصور ذلك يوم الوعيد[ (ق 50/20) والتعليق على الآيتين هو هو، فلا نكرّر.
· ويقال الشيء نفسه، في قوله تعالى: ]فإذا نُقِرَ في الناقور[ (المدثر74/8)
(الناقور: هو الصور، والنقر: الصوت). فالأصل: [نَقَرَ إسرافيلُ في الناقور]. ثم حُذِف الفاعل [إسرافيل] وبُنِي الفعل للمجهول: [نُقِرَ]، ولما لم يكن في الكلام مفعول به، جُعل المصدرُ المضمر نائب فاعل، والتقدير: [نُقِر في الناقور نقْرٌ محذوف فاعله].
· قال الأعشى (الديوان /57):
عُلِّقْتُها عَرَضاً، وعُلِّقَتْ رجلاً غيري، وعُلِّقَ أخرى غيرها الرجلُ

(78/3)


الكلام عن [هُرَيرة] صاحبة الأعشى. وفي البيت ثلاثة أفعال مبنية للمجهول. هي: [عُلِّقتها وعُلّقت وعُلّق]. الفاعل فيها كلها هو الله تعالى. إذ الأصل: [علَّقني الله إيّاها، وعلَّقها الله رجُلاً غيري، وعلّق الله ذلك الرجلَ امرأةً أُخرى]. فالحديث عن واحدٍ من الأفعال الثلاثة يُغني عن الحديث عن الآخَرَيْن، لما بينها جميعاً من التشابه، ولذلك نجتزئ بالفعل الأول: [عُلِّقتُها = علقتُ هريرةَ].
فقد حُذف الفاعل وهو لفظ الجلالة. فبُني الفعل للمجهول: [عُلِّق]، وجُعِل المفعول الأول وهو ضمير المتكلم [التاء]، نائبَ فاعل. وأما ضمير الغائبة [ها]، فمحلّه نصبٌ على أنه المفعول به الثاني.
· قال طَرَفَة (الديوان /78):
فيالَكَ مِن ذي حاجةٍ حِيْلَ دونَها وما كلُّ ما يهوى امرؤ هو نائلُه
الأصل: [حالت الحوائلُ دونها]. ولما بني الفعل للمجهول وحُذف الفاعل قيل: [حِيلَ]. ولما لم يكن في الكلام مفعول به يُجعَل نائب فاعل، قدّرنا مصدراً مضمراً يكون هو نائب الفاعل، أي: [حيل دونها حُؤولٌ محذوفٌ فاعله].
هذا، على أن في القرآن نظيراً مماثلاً لما رأيت في بيت طرفة، وذلك قوله تعالى: ]وحِيل بينهم وبين ما يشتهون[ (سبأ 34/54) أي حيل بينهم وبين ما يشتهون حؤولٌ محذوفٌ فاعله.
* * *
1- يكون الحذف لأغراضٍ مختلفة، منها: الجهل بالفاعل، نحو: [كُسر الزجاجُ] إذا كنت لا تعرف من كسره، ومنها الخوف منه، نحو: [قُتل زيدٌ] إذا كنت تخاف أن تذكر اسم القاتل إلخ…

(78/4)


2- ليس المراد من مصطلح: [نائب فاعل]، أن المفعول به ينوب عن الفاعل في القيام بالفعل والوقوع على المفاعيل!! كلاّ. فالمفعول به – وإنْ سمّي اصطلاحاً: [نائب فاعل] – يظل مفعولاً به في المعنى. وسواء قلت: [كسَرَ خالدٌ الزجاجَ] أو [كُسِر الزجاجُ] فإنّ الكسر واقع على الزجاج في الحالتين. وإنما المراد من هذا المصطلح كما ذكرنا في المتن، أنّ نائب الفاعل أصبح – بعد حذف الفاعل من الجملة – [عمدة]، كما أنّ الفاعل في الجملة عمدة، ومرفوعاً كما أنّ الفاعل مرفوع.
يقول المبرد في المقتضب 4/50: [وإنما كان رفعاً، وحدّ المفعول أن يكون نصباً، لأنك حذفت الفاعل. ولا بدّ لكل فعل من فاعل، لأنه لا يكون فعلٌ ولا فاعل]. ثم قال: [فلما لم يكن للفعل من الفاعل بدّ، وكنت هاهنا قد حذفته، أقمتَ المفعولَ مُقامه، ليصحّ الفعل بما قام مَقام فاعله].
3- كل من عبارتَي: [محذوفٌ فاعله، ومجهولٌ فاعله]، تُجزئ عن أختها – على حسب الحال – كلما كان المصدر نائبَ فاعل، وذلك ما نسير عليه في النماذج الآتية.

(78/5)


النعت(1)
النعت تابعٌ لاسمٍ قبله، يبيّن صفةً من صفاته، ويطابقه(2) ويتبعه في إعرابه رفعاً ونصباً وجرّاً. نحو: [هذا كتابٌ مفيدٌ – قرأت الكتابَيْن المفيدَيْن – مررت برجالٍ شجعانٍ – سافرتْ معلماتٌ فاضلاتٌ…].
حكمان:
¨ النعت مشتق أو جامد، فالمشتق نحو: [ودّعت صديقاً مسافراً]، والجامد نحو: [عدوّنا عدوٌّ ثعلب].
¨ وقد يكون اسماً، كما جاء في الأمثلة المتقدمة.
أو شبهَ جملة، نحو: [هذا كتاب على الطاولة، أو فوق الطاولة]. فـ [على الطاولة] و [فوق الطاولة] نعت لكلمة [كتاب].
أو جملةً، فيشترط أن تشتمل على ضمير يعود إلى المنعوت فيربطها به. نحو: [سافر طالبٌ يحمل حقيبةً](3) و[زارنا تلميذٌ كتابُه ممزَّقٌ](4).
* * *
1- يسمونه [الصفة] أيضاً.
2- المطابقة هنا أن يَتْبَع النعتُ المنعوتَ في التعريف والتنكير، والإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث.
3- [طالب]: نكرة، وجملة [يحمل] نعت له. وأما الضمير الذي يربطها بالمنعوت، فمستتر تقديره [هو] فاعل [يحمل].
4- [تلميذ]: نكرة، وجملة [كتابه ممزق] نعت له. وأما الضمير الذي يربطها بالمنعوت فهو الهاء من [كتابه].

(79/1)


النعت المقطوع
إذا أراد العربي تنبيهك على ما يريد من مدح أو ذمّ أو ترحّم… خالف ما اعتيد من طرائق التعبير الشائعة المألوفة، فقطع النعت عن المنعوت، فلم يتبعه في الإعراب(1).
فإذا كان المنعوت مرفوعاً أتى بالنعت منصوباً نحو: [سافر خالدٌ العالِمَ].
وإذا كان المنعوت منصوباً أتى بالنعت مرفوعاً نحو: [رأيت خالداً العالِمُ].
فإذا كان المنعوت مجروراً أتى بالنعت منصوباً أو مرفوعاً نحو: [سلّمت على خالدٍ العالِمَ أو العالِمُ].
وقِسْ على أمثلة المدح هذه، ما كان ترحّماً نحو: [رأيت خالداً المسكينُ]، أو ذمّاً نحو: [سافر خالدٌ الكسولَ]، و[مررت بخالدٍ الجبانَُ] إلخ…
* * *
نماذج فصيحة من استعمال النعت المقطوع
· قال الأخطل (كتاب سيبويه – هارون 2/62):
نفسي فِداءُ أميرِ المؤمنينَ إذا أبْدى النواجِذَ يومٌ باسِلٌ ذَكَرُ
الخائضُ الغَمْرَ والميمونُ طائرُه خليفةُ اللهِ يُسْتسقَى بِهِ المَطَرُ
وفيه أنه استعمل الرفع بعد الجر. فقد جرّ كلمة [أميرِ] على أنها مضاف إليه. ثم رَفَعَ كلمة [الخائضُ]، على أنها نعت مقطوع عن منعوته المجرور: [أميرِ].
· وقال تعالى: [وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ[ (المسد 111/5)
وفيه استعمال النصب بعد الرفع. فقد جاءت كلمة [امرأتُه]، مرفوعة على أنها معطوفة على ضمير [يصلَى] في الآية السابقة، ثم جاءت كلمة [حمّالةَ] منصوبة، على أنها نعت مقطوع عن منعوته المرفوع: [امرأتُه].
· وقالت الخِرْنِق أختُ طرفَةَ بنِ العَبْد لأمّه:
لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الذين هُمُ سَمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
النازلين بكلّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبون مَعاقِدَ الأُزْرِ
(لا يَبْعَدَنْ: لا يَهْلِكَنْ، والجزر: الإبل. وإنما هم آفة الجزر، لكثرة ما يذبحون منها للضيفان. الطيبون معاقد الأزر: أرادت وصفهم بالعفّة).

(80/1)


وفيه أن الشاعرة استعملت النصب بعد الرفع. فقد رفعت كلمة [سَمّ] على أنها خبر [هم]، ثم نصبت كلمة [النازلين] على أنها نعت مقطوع عن منعوته المرفوع: [سَمُّ].
* * *
1- بسبب من هذا الانقطاع، سمّى النحاة هذا الصنف من النعوت: [النعت المقطوع].

(80/2)


النعت السببي
إذا قيل مثلاً: [هذه فتاةٌ ممزّقٌ كتابُها] فإن كلمة [ممزّقٌ] نعت. غير أن معنى النعتيّة فيه لا يقع على ما قبلَه، بل يقع على ما بعدَه، أي [الكتاب]، إذ الكتاب هو الموصوف بأنه ممزّق، لا الفتاة. وقد اصطلح النحاة على أن يسمّوا هذا الصنف من النعوت: [النعت السببي](1).
أحكام النعت السببي:
1- هو مفردٌ في كل حال(2)، وبعده اسمٌ مرفوعٌ في كل حال.
2- يتبع ما قبله في الإعراب والتعريف والتنكير.
3- يطابق ما بعدَه تذكيراً وتأنيثاً.
بعد أن تمّ البحث، وجدنا من المفيد أن نقول: إن من الغرائب أن العامّة تستعمل النعت السببي – بالسليقة – صحيحاً فصيحاً، في جميع أحواله.
وإليك من ذلك نموذجين: الأول منهما فيه النعت السببي مذكر، والثاني مؤنث:
الفصيح [والنعت السببي فيه مذكر]
العامي
سافر تلميذٌ [مدهونٌ بابُه]
سافر تلميذْ [مدهونْ بابُه]
سافرت تلميذةٌ [مدهونٌ بابُها]
سافرت تلميذه [مدهونْ بابها]
سافر تلميذانِ [مدهونٌ بابُهما]
سافر [تلمِيذِين] [مدهونْ بابُ(ن)]
سافر تلاميذُ [مدهونٌ بابُهم]
سافر[وا] تلاميذ [مدهونْ بابُ(ن)]
سافر تلمِيذاتٌ [مدهونٌ بابُهنّ]
سافرت تلميذات [مدهونْ بابُ(ن)]
الفصيح [والنعت السببي فيه مؤنث]
العامي
ودّعتُ تلميذاً [مكسورةً مسطرتُه]
ودّعت تلميذ [مكسوره مسطرتُه]
ودّعتُ تلميذةً [مكسورةً مسطرتُها]
ودّعت تلميذه [مكسوره مسطرتها]
ودّعتُ تلميذينِ [مكسورةً مسطرتُهما]
ودّعت [تلميذِين] [مكسوره مسطرتُ(ن)]
ودّعتُ تلاميذَ [مكسورةً مسطرتُهم]
ودّعت تلاميذ [مكسوره مسطرتُ(ن)]
ودّعتُ تلميذاتٍ [مكسورةً مسطرتُهُنّ]
ودّعت تلميذات [مكسوره مسطرتُ(ن)]
وترى في هذه العبارات كلّها، فصيحِها وعاميّها:
أنّ النعت السببي مفردٌ في كل حال: [مدهون – مكسورة].
وأنّ بعده اسماً مرفوعاً في كل حال: [بابُه – مسطرتُه].
وأنه يطابق ما بعده تذكيراً وتأنيثاً: [مدهونٌ بابُه – مكسورةٌ مسطرته].
* * *

(81/1)


1- بهذه التسمية فرّقوا بينه وبين النعت الحقيقي الذي يصِف ما قبلَه.
2- يذهب بعض النحاة إلى أنّ النعت السببي يجوز فيه الإفراد والجمعُ، إذا كان بعده جمعُ تكسير حصراً. أي يجوز: [هذا تلميذٌ كريم زملاؤه] و [هذا تلميذ كرامٌ زملاؤه].

(81/2)


النكرة والمعرفة
الاسم نكرة أو معرفة.
فالنكرة اسم لا يدل على معيّن، مثل: [كتاب ومصباح…]. والمعرفة اسم يدل على معيّن، مثل: [خالد وهذا…].
والمعارف هي(1): الضمير – العَلَم – اسم الإشارة – اسم الموصول – المعرّف بـ [ألـ] – المضاف إلى معرفة(2).
* * *
1- تجد البحث في كل منها، في موضع حرفه الأول من الترتيب المعجمي.
2- تقول كتب الصناعة: إن المنادى المقصود، نحو: [يا رجلُ] هو معرفة. لكنّ إنعام النظر لا يُقِرّ ذلك.

(82/1)


النسب
إذا قلت: [خالد صَحَفِيّ]، فقد نسبته إلى الصحيفة. والنحاة يقولون: [صَحَفِيّ] منسوب، و[الصحيفة] منسوب إليه.
ويلحق آخرَ المنسوب ياءٌ مشدّدة، مكسورٌ ما قبلها،كما رأيت في كلمة [صحفِيّ].
قاعدة كلّيّة لا تتخلّف:
تُحذف تاء التأنيث في النسب، قولاً واحداً، فيقال في نحو: [فاطمة وطلحة]: [فاطميّ وطلحيّ]. قال ابن يعيش: [إذا نسبت إلى اسم في آخره تاء التأنيث حذفتها، لا يجوز غير ذلك].
الأحكام:
1- إذا نسبت إلى اسم مختوم بألف ممدودة:
فإن كانت الهمزة زائدة للتأنيث، قُلبتْ واواً(1). ففي نحو: [حمراء وبيضاء وزرقاء] تقول: [حمراويّ وبيضاويّ وزرقاويّ]. وفيما عدا ذلك، تَبقى الهمزة همزةً، على حالها. ففي: [كساء ورداء وحرباء] تقول: [كِسائيّ ورِدائيّ وحِربائيّ](2)
ويدخل في هذا نحو: [سقاية – بناية – غاية] ففي النسب إليها يقال: [سقائيّ – بنائيّ – غائيّ](3).
2- إذا نسبت إلى اسم مختوم بألف:
¨ فإن كانت ثالثة، قُلِبت واواً مهما يكن أصلها. ففي نحو: [عصا وفتى] تنسب فتقول: [عَصَوِيّ وفَتَوِيّ].
¨ وإن كانت رابعة فصاعداً، حُذِفت. ففي النسبة إلى: [ملْهى وحُبلْى وبَرَدى وجَمَزَى (سير سريع) ومصطفى وجمادى ومستشفى…]، تَحْذف الألف فتقول: [مَلْهِيّ وحُبْلِيّ(4) وبَرَدِيّ وجَمَزِيّ ومُصْطَفِيّ وجُمادِيّ ومستشفِيّ…].
3- إذا نسبت إلى ما ينتهي بياء:
¨ فإن كانت ياؤه ثالثة، نحو: [الشَّجِيْ](5)، و[العَمِيْ] قُلِبت واواً، فيقال: [شَجَوِيّ وعَمَوِيّ].
¨ وإن كانت رابعة فصاعداً، حُذِفت. ففي النسبة إلى: [القاضي والمعتدي والمستعلي والزاوية]، تقول: [القاضِيّ(6) والمعتدِيّ والمستعلِيّ والزاويّ].
4- إذا كان الاسم مما يُحذف أوّله أو آخره: فأَعِد المحذوف ثم انسب.
ففي نحو: [عِدَة – صفة – زِنَة – شِيَة – دِيَة]، تعيد المحذوف ثم تنسب فتقول: [وَعْدِيّ – وَصْفِيّ – وَزْنِيّ – وَشْيِيّ – وَدْيِيّ].

(83/1)


وفي نحو: [ابن(7)، وبنت أيضاً – أخ، وأخت أيضاً – أب – سنة – مئة – لغة – يد – دم – شفة…] تعيد المحذوف، ثم تنسب فتقول: [بنويّ – أخويّ – أبويّ – سنويّ – مئويّ – لغويّ – يدويّ – دمويّ – شفويّ، وشفهيّ أيضاً].
5- في حالة النسب إلى اسم ثلاثي مكسور ثانيه، نحو: [إبِل ونمِر…]: يُترك اللفظ على حاله، فيقال: [إبلِيّ ونَمِرِيّ]. أو يفتح الثاني فيقال: [إبَلِيّ ونَمَرِيّ].
6- وفي حالة النسب إلى اسم قبل آخره ياءٌ مشدّدة مكسورة، نحو: [هيِّن – ليِّن – ميِّت…]، يُترَك اللفظ على حاله فيقال: [هَيِّنِيّ – لَيِّنِيّ – مَيِّتِيّ…]. أو يُخفف التشديد فيقال: [هَيْنِيّ – لَيْنِيّ – مَيْتِيّ…].
7- النسبة إلى المختوم بياء مشددة:
¨ إن كان قبل الياء المشددة حرف واحد، نحو: [طيّ وحيّ] رددت الياء إلى أصلها، ونسبت فقلت: [طَوَوِيّ وحَيَوِيّ](8).
¨ فإن كان قبل الياء المشددة حرفان، جعلت الحرف الثالث واواً ثم تنسب، ففي نحو:[عَلِيّ ونَبيّ وعَدِيّ وقُصَيّ] تقول: [عَلَويّ ونَبَويّ وعَدَويّ وقُصَويّ](9).
¨ وإن كان قبل الياء المشددة ثلاثة أحرف فصاعداً، نحو: [الكرسيّ والشافعيّ] تركت اللفظ على حاله. فالنسبة إلى الكرسيّ: كرسيّ، والنسبة إلى الشافعيّ: شافعيّ. ومن سياق الكلام يتبين المراد.
8- النسبة إلى المثنى والجمع:
إذا نسبت إلى المثنى والجمع، فانسب إلى مفردهما. فكتابان وزَيدان ومعلِّمون وأقلام وزينبات، تَنسب إليها فتقول: [كتابيّ وزّيديّ ومعلّميّ وقلميّ وزَينبيّ…].
أما ما يُنقَل من المثنى والجمع فيُجعَل اسم علَم، ومن ذلك مثلاً: [زَيدان وحَسَنان وعابِدون وخَلدون]، فأسهل ما تفعله عند النسبة إليه، أن تبقيه على لفظه، فتقول: [زَيدانيّ وحسَنانيّ وعابِدُونيّ وخَلْدونيّ…].
قاعدة ذات خطر:

(83/2)


كان بين الأئمة اختلاف في جواز النسبة إلى جمع التكسير، فمنهم مانع ومُجيز، حتى كان عصرنا هذا، فحَسَمَ ذلك مجمعُ اللغة العربية بالقاهرة، فأجاز النسبة إلى جمع التكسير، إذ قال: [ويرى المجمع أن يُنْسَب إلى لفظ الجمع عند الحاجة…]. وعلى ذلك، يجوز لك أن تقول في النسبة إلى البساتين والدُوَل والحقوق والأنصار: [بساتينيّ ودُوَلِيّ وحقوقيّ وأنصاريّ…]. وذلك إذا أردت تجنُّبَ اللبس، وبيانَ أنك إنما تريد النسبة إلى الجمع، لا إلى المفرد(10).
أخيراً، إذا دعت الحاجة إلى النسبة إلى جمع المؤنث السالم، وكان الثاني ساكناً وألف الجمع رابعة، جاز حذف تاء الجمع وقلب الألف واواً، نحو:
بيضة – بيضات – بيضويّ،
وحدة – وحدات – وحدويّ،
ثورة – ثورات – ثورويّ
9- إذا نسبت إلى العلم المركّب، فانسب إلى أي طرفيه يكون أوضح لمرادك، ففي نحو: [عبد المطلب وابن عباس وأبي بكر وأم كلثوم…] تنسب إلى الطرف الثاني فتقول: [مطَّلبيّ وعباسيّ وبكريّ وكلثوميّ…] لأنك لو نسبت إلى [عبد وابن وأب وأمّ] لما تبين قصدك.
فإن كان العلم مركّباً تركيباً مزجيّاً، نحو: بعلبكّ وحضرموت… جاز لك أن تبقيه على حاله، فتقول: [بعلبكّيّ وحضرموتيّ…].
10- النسبة إلى ذي الحرفين:
من استقصاءات كتب الصناعة، بحثُها في النسبة إلى الكلمات ذوات الحرفين، وقولها: النسبة إلى [لَوْ: لَوِّيّ] و[لا: لائيّ] و[كم: كَمِّيّ (بالتشديد) وكَمِيّ (بالتخفيف)].
11- النسبة إلى الأوزان الأربعة: [فَعِيل وفَعِيلة] و[فُعَيْل وفُعَيْلَة]:
يصحّ لك إذا نسبت إلى هذه الأوزان الأربعة، أن تُبْقِي لفظها على حاله(11). ودونك نماذج من ذلك:
الوزن
المثال
المثال بعد النسبة
فَعِيل
عَقِيل – جميل – أمير – كريم
عَقِيليّ – جميليّ- أميريّ-كريميّ
فُعَيْل
عُقَيل – نُمَير- أُوَيس- كُلَيب
عُقَيليّ- نُمَيريّ- أُوَيسيّ- كُلَيبيّ
فَعِيلَة
طبيعة – بديهة – سليقة – جليلة

(83/3)


طبيعيّ – بديهيّ – سليقيّ – جليليّ
فُعَيْلة
رُدَيْنَة – نُوَيْرَة – أُمَيْمَة – حُمَيْمَة
رُدَيْنِيّ – نُوَيْرِيّ – أُمَيْمِيّ – حُمَيْمِيّ
ويلحق بهذه الأوزان الأربعة – من ناحية جواز إبقاء اللفظ على حاله عند النسب – وزنان هما: [فَعُول وفَعُولَة]، ففي النسبة إلى: [سَلول وحَلوب وحَمولة]، تقول: [سَلُولِيّ وحَلُوبيّ وحَمُوليّ…].
* * *
نماذج من النسب، ما بين قياسيّ وغير قياسيّ
تنبيه على قاعدة كليّة: [لا نسبة إلا بعد حذف التاء] (اِحذفْ ثم انسبْ)
1- الداعِيْ: النسبةإليه: [الداعِيّ]. وذلك أن الاسم المنتهي بياء تُحذَف ياؤه إذا كانت رابعة. وقد حُذِفت هنا؛ والياء المشدّدة التي تراها في آخره، إنما هي ياء النسب.
هذا؛ على أن من الجائز أيضاً قلب يائه واواً. وبناءً على هذا الجواز يصحّ أن يقال: [الداعَوِيّ]. وقس عليه القاضي والساعي والرامي… إذ تقول في النسبة إليها: [القاضَوِيّ – الساعَوِيّ – الرامَوِيّ]، كما تقول أيضاً: [القاضِيّ – الساعِيّ – الرامِيّ].
2- بَدَوِيّ: نسبةٌ غير قياسية إلى: [البادية]، إذ القياس: بادِيّ أو بادَوِيّ، كما رأيت آنفاً. يقول ابن يعيش في عدم قياسيتها: [كأنهم بنَوا من لفظه اسماً على (فَعَلٍ) حملوه على ضده وهو: الحَضَر]. وقال الرضيّ: [القياس إسكان العين لكونه منسوباً إلى البَدْو].
3- المستَمْلِيْ: اسم فاعل من الفعل: [استملَى – يستملِي]، والنسبة إليه [مستملِيّ]، وذلك بناءً على أن الاسم المنتهي بياء تُحذف ياؤه، إذا كانت رابعة فصاعداً، وقد جاءت هنا سادسة، فحُذفت. وأما الياء المشددة في آخره فهي ياء النسب.
4- السماء: النسبة إليها [سمائيّ]، وهي نسبة قياسية. وذلك أن الاسم الممدود، إذا كانت همزته منقلبة عن أصل – وهذا متحقق في كلمة سماء – إذ أصل همزتها الواو، لأنها من [سما – يسمو]، بقيت همزةً على حالها.

(83/4)


هذا؛ على أن من الجائز أيضاً قلبَ همزته واواً. وبناءً على هذا الجواز يصح أن يقال: [سماوِيّ]. وقس عليه نحو: [كساء – رداء – قضاء]… إذ يقال في النسبة إليها: [كسائيّ – ردائيّ – قضائيّ] ويجوز أن يقال أيضاً: [كساويّ – رداويّ – قضاويّ].
5- النساء: جمع، واحدُه [نِسوة]. ولقد كانت كتب النحو من قبلُ، تُوجِب أن تكون النسبة إلى المفرد، وتمنع النسب إلى الجمع، وبناءً على هذا،كانوا يقولون إن النسبة إلى [النساء] هي [نِسْوِيّ]، لأن المفرد نِسوَة.
وكان المساكين من أبناء الأمة يرون في ذلك صعوبة، فينسبون إلى الجمع – على السليقة – فيقولون: [نسائيّ]، فيهدَّدون بهُوْلةٍ بَصْرِيّة، تأبى إلا أن النسبة إلى الجمع غلط!! فإذا تيمم المساكين ما يظنونه صواباً،لم يقولوا [نِسْوِيّ]، بل قالوا: [نَسَوِيّ]!! فيقهقه رافعو الهُوْلة ويخزى الدراويش الخائفون!!
ولقد (فكّها الله)، إذ أصدر مجمع اللغة العربية بالقاهرة قراراً يُجيز النسبة إلى جمع التكسير، وعلى ذلك يصحّ أن تقول: [نِسْوِيّ] ناسباً إلى المفرد، و[نسائيّ]، ناسباً إلى الجمع.
6- الشتاء: أجاز العلماء أن يقال في النسبة إلى الشتاء: [شَتَوِيّ وشَتْوِيّ]، فكلاهما جائزٌ صحيح. وقد نصّ الجوهريّ في الصحاح على ذلك فقال: [وجمع الشتاء أَشْتِيَة، والنسبة إليها: شَتْوِيٌّ وشَتَوِيٌّ].
7- غَنيّ: النسبة إليه: غنَويّ، وهي نسبة قياسية. وذلك أن الياء المشددة إذا سبقها حرفان، فُكّ تشديد الياء، وحُذفت الياء الأولى وقُلبت الياء الثانية واواً. ومثله: نبيّ – عليّ – قصيّ فإن النسبة إليها: نبويّ – علويّ – قصويّ… وأوجز من هذا أن يقال: نجعل الحرف الثالث واواً ثم ننسب.
8- طائِيّ: نسبة غير قياسية إلى [طَيِّئ]، إذ القياس عندهم [طَيْئِيّ]. قال سيبويه: [لا أظنهم قالوا: طائيّ إلا فراراً من طيْئِيّ]. وقال ابن يعيش: [جعلوا مكان الياء ألفاً تخفيفاً].

(83/5)


9- شَفَهِيّ وشَفَوِيّ أيضاً: نسبة إلى [شَفَة]، وإنما جاز فيها وجهان، لاعتقاد أن الأصل هو: شفهة، فالنسبة إليه إذاً [شَفَهِيّ]، أو أنه: شَفَوَة، فالنسبة إليه إذاً [شَفَوِيّ]. وبين الرأيين جاز الوجهان.
10- الوَحدة: النسبة إليها [وَحْدِيّ]، ولكن أبناء الأمة جميعاً جَرَوا على أن يقولوا: [وَحْدَوِيّ]، حتى استقر هذا الاستعمال في الأذهان، ودار على الألسنة دون سواه.
والذي يُلاحَظ في نسبتهم هذه، أنهم يَجلبون قبل ياء النسب، واواً من الفراغ. وهذا غير وارد في النسب!! فالعربي حين ينسب مثلاً إلى [حمراء] فيقول: [حمراويّ]، إنما يقلب الهمزة واواً، ولا يأتي بالواو من الفراغ. وكذلك الأمر إذ يَنْسب إلى [القاضي] فيقول: [قاضويّ]، فإن هذه الواو، قد كانت في الأصل ياءً، ثم قُلِبت واواً، وهكذا…
وقد يقول قائل: إن [وحدويّ] نسبةٌ إلى [وحدات]، والنسبة إلى [وحدات] هو: [وحدويّ]. وذلك أن مما يُجيزون في الجمع، أن تُحذَف التاء فقط، وتُقلب الألف واواً. ومنه قولهم: [ثورويّ] في النسبة إلى [ثورات].
وفي الجواب يقال: هذا يصح في تخريج [ثورويّ]، لأن الثورات تتعدد، ولكنه لا يصح في تخريج [وحدوي]، ذاك أن الأمة لا تسعى إلى وحدات!! وإنما تسعى إلى وحدة واحدة!! فإذا لم يُنْظَر إلى هذا، جاز أن يقال: [وحدوي].
11- سقاية: النسبة إليها [سقائيّ]؛ ويقول سيبويه في تعليل ذلك ونحوه: [لأنك حذفت الهاء (أي: التاء المربوطة) ولم تكن الياء لتثبت بعد الألف (أي: لا يقال: سقاي) فأبدلت الهمزة مكانها](12).
وقس على هذا ما ينتهي بياء قبلها ألف زائدة، نحو: [بداية – دعاية – غاية – نهاية – وقاية…]، فإن النسبة إليها: [بدائيّ – دعائيّ – غائيّ – نهائيّ – وقائيّ…].

(83/6)


12- التربية: النسبة إليها [تربويّ]، وهي نسبة قياسية. وذلك أنها اسمٌ ثانيه ساكن ورابعه ياء. وما كان كذلك، أجازوا حذف يائه ثم النسب، أي [تربيّ] كما أجازوا قلب يائه واواً. فيقال مثلاً في النسبة إلى: راعية – قاضية – رامية – تصفية – تعبية – تنمية: [راعيّ – قاضيّ…] كما يقال: [راعويّ – قاضويّ – رامويّ – تصفويّ – تعبويّ – تنمويّ…].
13- الأعمى: النسبة إليه [أَعْمَوِيّ]، وهي نسبة قياسية. وذلك أنه اسم مختوم بألف، ثانيه ساكن وألفه رابعة. وما كان كذلك يجوز في النسبة إليه أن تَحذف ألفَه، فتقول: أعمِيّ، وأن تقلبها واواً، فتقول: أعْمَوِيّ، وأعماويّ أيضاً.
14- ذو القلب العَمِي (أي: الجاهل): النسبة إلى [العَمِي] هي [عَمَوِيّ]. وهي نسبة قياسية. وذاك أنه اسم ثلاثي منتهٍ بياء، وما كان كذلك فمنهاج النسبة إليه قلبُ حرفه الأخير واواً، مهما يكن أصل هذا الحرف الأخير. وعلى ذلك تنسب إلى [الشَّجِيْ] فتقول: [شَجَوِيّ]، وهذا أصل حرفه الأخير واو، إذ هو من الشجو، على حين نسبتَ إلى العَمِيْ فقلت: عَمَويّ، وهذا أصل حرفه الأخير ياء.
15- الشِّيَة: العلامة، وهي الوشي، ولكن حذفت واوها. والنسبة إليها [وشْيِيّ]. وهي النسبة التي اختارها الأخفش، مخالفاً بذلك ما ذهب إليه سيبويه من أن النسبة إليها [وِشَوِيّ].
وإذ قد كان قول كليهما حجة، فقد أخذنا في كتابنا برأي الأخفش، لسهولة ما يذهب إليه، إذ هو الأصل في اللفظ.
ومثل ذلك أن تنسب إلى [الدِّيَة] فتقول: [ودْيِيّ]، إذ الأصل [الودْي].
16- عشواء: صفة مؤنثة. والنسبة القياسية إليها: [عشواويّ]. إذ كل اسم ينتهي بألف ممدودة للتأنيث، تقلب همزته واواً عند النسب؛ من ذلك: حمراء – زرقاء – بيضاء، فإن النسبة إليها: [حمراويّ – زرقاويّ – بيضاويّ…]. غير أن المستقر في أذهان الناس، والدائر على ألسنتهم، هو: [عشوائيّ]، خلافاً للقياس.

(83/7)


وأظن ذلك هو السبب في أنْ نظر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في صحة استعمال [عشوائيّ]؛ وقد أقرّ ذلك، لما فيه من الخفة، إذا قيس إلى ما في لفظ عشواويّ من الثقل، ثم لأن مِن العرب مَن كان يُثبت الهمزة في نحو هذا فيقول مثلاً: حمرائيّ كما يثبتها في التثنية فيقول: حمراءان.
17- رئيس ورئيسيّ: تناول أستاذ لغويّ مسألة النسبة إلى كلمة [رئيس]، منذ نحو ثلاثين عاماً، فعاب استعمالَها. قال: [قل: هو الأمر الرئيس بين الأمور، وهي القضية الرئيسة بين القضايا. ولا تقل: الأمر الرئيسيّ والقضية الرئيسية].
ولقد بحث مجمع اللغة العربية بالقاهرة في المسألة، ثم أصدر قراراً ينص على صحة استعمال كلمة [رئيسيّ] في النسب، وبيّن الفرق بين أن يوصَف الأمر بأنه [رئيس]، وبين أن يوصَف بأنه [رئيسيّ]، وأن هذا غير ذاك. وعلى ذلك، يكون كلاهما صحيحاً تبعاً لموضعه من العبارة، ومحله منها.
18- نورانيّ: نسبة إلى [النور]، على غير قياس، إذ القياس: [نُورِيّ]. وقدسُمِعتْ زيادةُ الألف والنون في كلمات بعينها، منها: صيدلانيّ – طبرانيّ – فوقانيّ – تحتانيّ – وحدانيّ – ربّانيّ- صمدانيّ – بَرّانيّ… وللأئمة آراء مختلفة في هذه الزيادة. فالرازي يقول إن النون تبدل من الهمزة، في نحو: [صنعاء – صنعانيّ]، وابن منظور يقول: [والنون من زيادات النسب… وليس من قديم الكلام وفصيحه]، وابن الأثير يقول في النهاية: [وزيادة الألف والنون للتأكيد]. ويرى سيبويه هذه الزيادة للتخصيص، قال [وشعراني ولحياني ورقباني إذا خُصّ بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة].
ومهما يدُر الأمر، فإن زيادة الألف والنون للنسبة، ليست قياسية. فيُحفظ ما جاء من ذلك ويستعمل، ولكن لا يقاس عليه.
* * *
1- قلْبُ الهمزة الزائدة للتأنيث واواً، ليس مقصوراً على النسبة، بل هو قاعدة تصحّ في النسب وغيره.

(83/8)


2- أجازوا أيضاً قلب الهمزة واواً، في نحو: [كساء ورداء وحرباء]، فقالوا: [كساويّ ورداويّ وحرباويّ]، ولا خير في التعريج هنا على هذا ونحوه، بل فيه شرّ وضرر!! إلا لمتخصص، يبتغي ذلك فيجده في مظانّه من مطولات كتب النحو والصرف.
3- بيان ذلك: أن الياء إذا تطرّفت وقبلها ألف زائدة، قلبت همزةً وجوباً.
4- أجازوا حين يكون الحرف الثاني ساكناً، أن يقال أيضاً: [مَلْهَوِيّ وحُبْلَوِيّ]. كما أجازوا زيادة ألف قبل هذه الواو، أي: مَلهاويّ وحُبلاويّ.
5- بغير تشديد، وهو قبل دخول [ألـ] عليه: [شَجٍ].
6- أجازوا في كل ما كانت ياؤه رابعةً، وثانيه ساكنٌ، أن تُقلَب ياؤه واواً، ففي النسب إلى: [القاضي، الساعي، التربية، التعدية، التصفية]، جائزٌ أن تقول: [قاضويّ، ساعويّ، تربويّ، تعدويّ، تصفويّ]. وهو الدائر على ألسنة الناس.
7- من النحاة من يثبت همزة الوصل في نحو: (ابن واسم…)، فيقول في النسبة: (ابنيّ واسميّ)، ومنهم من يحذفها فيقول: (بَنَوِيّ وسِمَوِيّ)، وكلاهما جائز صحيح، لكن الأَدْوَر على الألسنة: (بنويّ) و(اسميّ).
8- تحقيق ذلك أن تفكّ تشديد الياء: [طي ي]، ثم تقلب الياء الثانية واواً: [طي و]، ثم تردّ الياء الأولى إلى أصلها، وهو هنا الواو: [طوو]، ثم تنسب فتقول: [طَوَوِيّ]. وكذلك تفعل بكلمة: [حيّ]: تفكّ تشديد الياء: [حي ي]، ثم تقلب الياء الثانية واواً: [حي و]، ثم تردّ الياء الأولى إلى أصلها، وهو هنا الياء فتبقى ياءً: [حي و] ثم تنسب فتقول: [حَيَوِيّ].
9- ذلك أن تفكّ تشديد الياء: [عليّ = علـ ي ي] ثم تحذف الياء الأولى: [علـ…ي]، وتقلب الثانية واواً: [عل…و] ثم تنسب فتقول: [علويّ].
10- أقرّ ذلك مجمع اللغة العربية بالقاهرة، انظر [مجموعة القرارات العلمية في خمسين عاماً /134].
11- من أراد وجوهاً أخرى صحيحةً جائزةً، نحو: طَبَعِيّ وبَدَهِيّ وجُهَنِيّ إلخ…، وجدها في مطولات كتب النحو.

(83/9)


12- يريد سيبويه أن يقول: إذا تطرّفت الياء، وقبلها ألف زائدة، قلبت همزةً وجوباً.

(83/10)


نصب الفعل المضارع
ينتصب الفعل المضارع، بعد الأدوات الآتية(1):
1- أَنْ نحو: أريد أن أسافرَ.
2- لَنْ نحو: لن أسافرَ.
3- كَيْ نحو: أسافر كي أتجدّدَ.
4- لام التعليل: وضابطها أن يكون ما بعدها علَّةً وسبباً لما قبلها، نحو: [أدرس لأنجحَ].
5- الواو – الفاء – ثُمَّ – أَوْ، العاطفاتِ فعلاً على اسم جامد (مصدراً كان أو غير مصدر): وذلك أن الفعل إنما يُعطَف على فعل مثله، فإذا عطَف العربيُّ فعلاً على اسم، نَصبَ الفعلَ المعطوف، نحو:
[سفرُك وتشاهدَ ما لا تعرف خيرٌ لك] = سفرُك ومشاهدتك خيرٌ لك.
[كسرة خبز وتصانَ الكرامة أحسن من كنوز الدنيا] = كسرة خبز وصون الكرامة أحسن…
[صدقُك فتُحتَرَمَ وِسامٌ تستحقه] = صدقك فاحترامك وسام تستحقه.
[تعبُك ثم تفوزَ عمل وجزاء] = تعبُك ثم فوزك عملٌ وجزاء.
[تلبية الدعوة أو تعتذرَ أليق] = تلبية الدعوة أو الاعتذار أليق(2).
6- لام الجحود: ويُشترط في انتصاب المضارع بعدها، أن تكون مسبوقةً بـ[ما كان أو لم يكن] نحو: ]وما كان اللّه ليظلمَهم[ و ]لم يكن اللّه ليغفرَ لهم[
7- حتّى: ومنه ]لن نبرحَ عليه عاكفين حتّى يرجعَ إلينا موسى[.
تنبيه: إنما ينتصب الفعل المضارع بعد (حتّى)، إذا كان زمانه للمستقبل، وإلاّ لم ينتصب، بل يُرفع نحو: [غاب خالد حتى لا نشاهدُه]. فتكون [حتّى] حرف ابتداء، والجملة بعدها استئنافية.
8- أو: شريطة أن تكون بمعنى (إلى أن) نحو: [أظلّ أطالبُ أو أنالَ حقّي]، أو (إلاّ أن) نحو: [أُعرِضُ عن المكابر أو يقرَّ بالحقّ].
9- فاء السببية: وإنما ينتصب المضارع بعدها بشرطين اثنين: أن يسبقها نفي: [لم تدرسْ فتنجحَ]، أو طلب كالأمر مثلاً [ادرسْ فتنجحَ](3) وأن يكون ما قبلها سبباً لما بعدها. فإن لم يتحقق الشرطان، امتنع النصب، وارتفع المضارع(4).

(84/1)


10- واو المَعِيَّة: وضابطها أن تكون بمعنى (مع)، نحو: [لا تشربْ وتضحكَ]، ففيه نهي عن أن تفعلهما معاً. وشرط انتصاب المضارع بعد واو المعية، أن يسبقها نفي أو طلب – وهو شرط مشترك بينها وبين فاء السببية كما تلاحظ.
* * *
نماذج فصيحة من نصب الفعل المضارع
· قالت ميسون بنت بحدل، زوجة معاوية بن أبي سفيان:
ولُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عيني أَحَبُّ إليَّ من لُبْس الشفوفِ
[لُبس]: اسم جامد (مصدر)، والواو قبل الفعل المضارع: [تقرَّ] هي حرف عطف. والأصل أن الفعل يُعطف على فعل مثله. لكن لما لم يكن المعطوف عليه فعلاً، بل كان اسماً وهو [لُبس]، عمدت الشاعرة إلى نصب الفعل [تقرَّ]. وتلك من طرائق التعبير في العربية: أن ينصب العربي الفعل المضارع إذا عطفه على الاسم. والتقدير: [لُبس عباءة وقرةُ عين أحبّ إليّ].
· وقال الشاعر:
لولا تَوَقُّعُ مُعْتَرٍّ فأُرْضِيَهُ ما كُنْتُ أوثِرُ إتراباً على تَرَبِ
يريد: أنّه لولا توقُّعُه فقيراً محتاجاً، فيعطيه من ماله، ما كان فضَّل الإتراب (الغنى) على التَّرَب (الفقر).
[توقّع]: اسم جامد (مصدر)، وقد عطف الشاعر فعل [أرضيَه] عليه بواسطة الفاء. وما قلناه في بيت ميسون نقوله هنا طِبقاً، عدا أن حرف العطف في بيتها هو الواو وفي بيت الشاعر هو الفاء. فقد نصب فعل [أرضي] بسبب عطفه على الاسم [توقّع] بواسطة الفاء. والتقدير: [لولا توقعٌ فإرضاءٌ ما كنت أوثر].
ودونك نموذجاً آخر لعطف المضارع على الاسم بواسطة [ثم] وهو قول الشاعر أنس بن مدركة:
إني وقَتْلي سُلَيْكاً ثمّ أعْقِلَه كالثَّوْرِ يُضْرَب لما عافتِ البقرُ
يريد: أنه قتل سليكاً (اسم رجُل) ثم عقله (احتمل ديتَه) فكان كالثَّور: يُضرَب لتخاف الضربَ إناثُ البقر فتشرب.
فقد عطف فعل [أعقِلَ] على الاسم الجامد [قتلي (مصدر)]، بواسطة [ثم]، فأوجب نصبه. والتقدير: [قتلي سليكاً ثم عقلي إياه كالثور يضرب].

(84/2)


· قال تعالى: ]وأنزلنا إليك الذكْرَ لِتُبَيِّنَ للناس[ (النحل 16/44)
[لتبيّنَ]: فعل مضارع، مسبوق بلام التعليل. وهي لامٌ يكون ما بعدها علّةً وسبباً لما قبلها. وفي الآية تحقيقٌ لذلك، إذ القصد إلى التبيين، هو العلة والسبب في إنزال الذِّكر. ومتى سُبق المضارع بهذه اللام وجب نصبه، وهو ما تراه في قوله تعالى: [لتبيّنَ].
· ]قالوا لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يرجعَ إلينا موسى[ (طه 20/91)
[يرجعَ] فعل مضارع منصوب على المنهاج. وذلك أن المضارع يُنصب إذا سبقته [حتى] وكان زمانه للمستقبل. وقد تحقق ذلك في الآية لأنهم حين قالوا: [لن نبرح عليه عاكفين] لم يكن موسى بعدُ قد رجع، وإنما رجع بعد قولهم هذا، فكان زمان الفعل إذاً للمستقبل، وتحقق معه شرط النصب بـ [حتى].
· قال حسّان بن ثابت:
يُغْشَوْنَ حتّى ما تَهِرُّ كلابُهُم لا يَسألُون عنِ السَّوادِ المُقْبِلِ
[ما تهِرُّ]: هاهنا فعل مضارع مرفوع، وإن سبقته [حتّى]. وبيان ذلك، أن الشاعر لَم يعبّر به عن زمن مستقبل آتٍ، بل عبّر به عن عادة من عادات كلاب مَمدوحيه الكرماء، هي أن الضيوف يَعْرُون هؤلاء الممدوحين فلا تنبحهم الكلاب، لألفتها الضيوف واعتيادها رؤيتهم وأُنْسها بهم.
ولما كان المضارع لا ينتصب بعد [حتى]، إلا إذا كان زمانه للمستقبل، وكان زمان [تهرّ] في البيت لا يدل على مستقبل، رفع الشاعر هذا الفعل فقال [تهرُّ].
وننبّه هاهنا على أن [حتى] في هذه الحال تكون حرف ابتداء تُبتَدَأ به الجمل، وتكون الجملة بعدها استئنافية.
· قال الشاعر:
لأَستسهِلَنَّ الصعْبَ أَوْ أُدْرِكَ المُنَى فما انقادتِ الآمالُ إلاّ لِصابِر
[أو أُدركَ]: فعل مضارع منصوب، لأن [أو] سبقته. ولا بد هاهنا من التنبيه على أن النصب إنما يجب إذا كان معنى [أو]، هو [إلى أنْ] أو [إلاّ أنْ]. وقد تحقّق المعنى الأول في البيت، أي: [إلى أنْ] إذ المعنى: [لأستسهلن الصعب إلى أنْ أدرك المنى]. فكان النصب على المنهاج.

(84/3)


وأما المعنى الثاني وهو [إلاّ أنْ]، فتجده متحققاً في قول الشاعر زياد الأعجم:
وكنتُ إذا غَمَزْتُ قَناةَ قَوْمٍ كَسَرْتُ كُعُوبَها أَوْ تَسْتَقِيمَا
وذلك أن الفعل المضارع: [تستقيمَ] قد انتصب لأن [أو] سبقته متضمنةً معنى [إلاّ أنْ]. وذلك أن الشاعر أراد: [كسرت كعوبها إلاّ أن تستقيم فأعرض عن كسرها]. وهكذا جاء نصب المضارع على المنهاج.
· قال تعالى: ]ولا تطْغَوا فيه فيحلَّ عليكم غضبي[ (طه 20/81)
[فيحلَّ]: هاهنا فعل مضارع منصوب، والفاء قبله هي فاء السببية. وإنما ينتصب بعدها بشرطين اثنين: الأول أن يكون ما قبلها سبباً لما بعدها. وقد تحقق هذا الشرط، إذ الطغيان سبب لما بعده وهو حلول الغضب. كما تحقق الشرط الثاني أيضاً وهو أن يسبق فاءَ السببية أحد شيئين: نفي أو طلب. والذي هنا هو الطلب: [لا تطغَوا].
وإذ قد تحقق الشرطان فقد وجب النصب فقيل: [فيحلَّ].
· قال الشاعر:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتِيَ مثلَهُ عارٌ عليكَ إذا فَعَلْتَ عظيمُ
[وتأتيَ]: الفعل مضارع منصوب. والواو قبله واو المعية. والمضارع إنما ينتصب بعدها إذا كانت بمعنى [مع] وسبقها نفي أو طلب. فهاهنا إذاً شرطان: الأول أن تكون بمعنى [مع] فتفيد المصاحبةَ وحصولَ ما قبلها مع ما بعدَها. وقد تحقق ذلك في البيت إذ أمر الشاعرُ مخاطَبَه بعدم إتيانه عملاً (مع) نهيه عنه.
كما تحقق الشرط الثاني أيضاً وهو أن يسبقها نفي أو طلب. والذي هنا هو الطلب: [لا تنهَ]. وإذ قد تحقق الشرطان فقد وجب النصب فقيل: [وتأتيَ].
* * *
1- لم نَعتدّ [إذاً] حرفاً ناصباً، مستظهرين في ذلك بما نص عليه سيبويه – ناقلاً عن شيوخه – مِن أن مِن العرب مَن يهملها، فلا ينصب بها [كتاب سيبويه- هارون 3/ 16].

(84/4)


2- قد يأتي العربيّ بـ [أنْ]، فيجعلها بين لام التعليل والواو والفاء وثم وأو، وبين الفعل المضارع، فيقول مثلاً: [لأن أنجحَ] – [وأن تشاهدَ وأن تصانَ] – [فأن تحترمَ] – [ثمّ أن تفوزَ] – [أو أن تعتذرَ]، وكلا الوجهين في الكلام جائز.
3- من الطلب أيضاً: النهي [لا تقصِّرْ فتندمَ]، والاستفهام [هل تزورنا فنكرمَك]، والتمني [ليتك تزورنا فنكرمَك]، والترجي [لعلك تدرس فتنجحَ]، والعرض [ألا تسافرُ فتتفرّجَ]، والحض [هلاّ صدقتَ فتُحتَرَمَ].
4- مما يرشدك إلى أن الفاء سببية: أن تحذفها وتجعل التركيب شرطيّاً بواسطةِ [إنْ]، فإن استقام الكلام فالفاء سببية، والنصب على المنهاج. ففي نحو: ادرسْ فتنجحَ، تُعَدُّ الفاء سببية لصحة قولك: إن تدرسْ تنجحْ، وفي ليتك تجتهد فتفلحَ، هي سببية لصحة قولك: إن تجتهدْ تفلحْ…

(84/5)


نزع الخافض
سُمع عن العرب حذفُهم حرفَ الجر بعد بعض الأفعال. فإذا حذفوه نصبوا الاسم الذي كان مجروراً به. ويقول النحاة: هو [منصوب على نزع الخافض].
من ذلك قوله تعالى: ]وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً[ (الأعراف7/155)
والأصل اختار موسى من قومه.
وقولُ عمرو بن معديكرب:
أمرتُكَ الخيرَ فافعلْ ما أمرت به فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
والأصل: أمرتك بالخيرِ.
ومثلُ ذلك: شكره – شكر له، نصحه – نصح له…
وكل هذا يُحْفَظ ويستعمل، ولكن لا يقاس عليه.
* * *

(85/1)


الندبة
الندبة: تفجّعٌ أو توجّع. فالتفجع نحو: [واحُسيناه]، والتوجع نحو: [وارأساه].
وللندبة أداةٌ واحدة هي: [وا]، وأساليب ثلاثة، لا تتغير ولا تتبدّل، دونك أمثلتها:
واحُسَينُ واحُسَيْنا واحُسَيْناه
والهاء في [واحسيناه]، هاء السكت. ويجوز ضمّها، في الوصل فيقال مثلاً: [واحسيناهُ ليتنا كنّا معك].
* * *

(86/1)


القراءة (من أحكامها)
¨ قاعدة كلية لا تتخلف: لا يُبدأ في العربية بساكن، ولا يوقَف على متحرِّك. فما كان متحرك الآخر كنحو: [شربَ – يشربُ – لن يشربَ – كيفَ – أينَ] تُسكِّن آخرَه إذا وقفتَ عليه، فتقول: [شربْ – يشربْ – لن يشربْ – كيفْ – أينْ] وهكذا…
¨ الهاء في آخر الكلمة، تُمَدّ في حالة واحدة، وذلك إذا سبقها متحركٌ ولاقاها متحرك. وعلى ذلك تقول عن خالد مثلاً: [لَهُو عِلْمٌ]. ولا تمدّ في غير هذا، بل تقول مثلاً: [لَهُ اْلفضل، وجاءني منْهُ كتابٌ](1).
¨ تُلفظ التاء المربوطة هاءً عند الوقف، يقال مثلاً: [قطف حمزةُ وفاطمةُ ثمرةَ العلم]، فإذا وقفتَ على تاءات هذه العبارة، لفظتها هاءاتٍ فقلت: [حمزهْ – فاطمهْ – ثمرهْ].
¨ هاء السكت هاءٌ ساكنة تُزاد في آخر الكلمة، إذا وُقِف عليها. وتَرِد زيادتها هذه في حالات أكثرُها لا يستعمل اليوم، ويندر أن ترى ذلك حتى في النصوص القديمة – ولكنْ هاهنا حالة من تلك الحالات تجب زيادتها فيها، نوردها لك فيما يلي، لتنجوَ بنفسك من الوقوع في خطأ الاستعمال:
الفعل المعتل الآخر، نحو: مشى – دعا – خشي، يجوز عند الوقف أن تزاد هاء السكت في آخر أمره، ومضارعه المجزوم، لما يعتريه من الحذف بسبب البناء والجزم. فيقال مثلاً: [اِمْشِهْ – لم تمشِه. اُدعُهْ – لم تدعُهْ. اِخشَهْ – لم تخشَهْ] ولكنّ زيادة هذه الهاء تصبح واجبةً في فعل الأمر، إذا آل الحذف إلى بقاء حرف واحد منه، نحو: [نفسك قِهْ] و[بعهدك فِهْ].
¨ إذا جُرَّت [ما] الاستفهامية، بحرف جرّ، وجب حذف ألفها، فيقال: [عمَّ – فيمَ – حتّامَ – إلامَ – علامَ].
¨ ضمير المتكلم [أنا]، تُحذف الألف لفظاً من آخره. تَكتُب مثلاً: [أنا عربيّ] وتَلفظ: [أنَ عربيّ](2).
¨ إذا وُصِف العَلَم بكلمة [ابن]، امتنع تنوينه. ولذلك يقال مثلاً: [سافر خالدُ ابنُ محمد].
¨ إذا التقى ساكنان وجب التخلص من التقائهما، بحذف الأول أو تحريكه. (انظر التقاء الساكنين).

(87/1)


* * *
1- لا التفات هنا إلى ما يجاز في الشعر، فقد يتخطّى الشاعر أحياناً هذه القاعدة، فيمدّ في غير موضع المدّ – أي حيث لا يسبق الهاءَ متحرك – فيقول مثلاً: [لنا منْهو كِتابٌ كلَّ عامٍ]، ولو كان الكلام نثراً لقيل: [لنا منهُ كتاب] بغير مدّ، على المنهاج.
2- يتخطى الشاعر أحياناً هذه القاعدة، فيلفظ الألف.

(87/2)


الصفة المشبهة(1)
الصفة المشبهة: هي اسم يُشتَق من الفعل الثلاثي اللازم، للدلالة على صفة، يغلِب في كثير من الأحوال(2) أن تتطاول مع الزمن وتستمر، نحو: [أخضر – سكران – عطشان – فَرِح…]، وقد تدل أحياناً على صفة دائمة، نحو: [أعرج – أعمى – قصير – طويل…].
صيغها: لها صيغة قياسية واحدة هي: (أفعل)، ومؤنثها (فعلاء) تدل على لون أو حلية، فاللون نحو: [أبيض – أسود – أحمر…]، والحلية نحو: [أعرج – أكحل – أحمق…].
وأما صيغها الأخرى فكثيرة، دونك أشهرها:
فَعْلان
ومؤنثها
فَعْلى:
سكران – شبعان – عطشان…
فَعِل
ومؤنثها
فَعِلَة:
تعِب – مرِح – قلِق…
فَعِيل
ومؤنثها
فَعِيلَة:
كريم – جميل – بخيل…
الأحكام:
ليس للصفة المشبهة إعراب خاصّ، فهي تعرب على حسب موقعها من الكلام. غير أن الاسم بعدها قد يكون فاعلاً لها، نحو: [خالدٌ جميلٌ وجهُه]. (وجهُه: فاعل)، أو مضافاً إليه، نحو: [خالدٌ جميلُ الوجهِ]، (الوجهِ: مضاف إليه). أو تمييزاً، نحو: [خالدٌ جميلٌ وجهاً]، (وجهاً: تمييز).
* * *
شاهدان فصيحان من الصفة المشبهة، ثم ثلاثة أمثلة:
1- الشاهدان:
· قالت الشاعرة الخرنق بنت هفان من بني قيس:
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ سَمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
النازِلُونَ بكلّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
[لا يبعدن: لا يهلكن؛ تدعو لقومها ألاّ يهلكوا. وسَمّ العداة: تريد أنهم يقضون على أعدائهم قضاء السمّ. والجُزْر: الإبل، جمع جزور، وهم آفتها لكثرة ما ينحرون منها للأضياف. والطيبون معاقد الأزر: كناية عن عفتهم].
[معاقد]: معرفة، بإضافته إلى [الأزر]، و[الطيبون]: صفة مشبهة، نَصَبَتْ [معاقد] على التمييز.
· وقال المتنخّل الهذلي يرثي ابنه:
لقد عَجِبتُ وما في الدهر مِن عَجَبٍ أَنَّى قُتِلْتَ وأنتَ الحازمُ البَطَلُ
السالكُ الثغرةَ اليقظان سالِكُها مشيَ الهلوكِ عليها الخَيْعَلُ الفُضُلُ

(88/1)


[الثغرة: كل ثَنيّة في الطريق يُخاف فيها الأعداء، ومشيَ الهلوك: أي يمشي مشي المرأة المتهتكة، والخيعل: قميصٌ بغير كمين، لا إزار تحته. وإنما أراد من ذلك، بيان زهوه ببطولته، واستهانته بما يخشاه سواه].
[اليقظان]: صفة مشبهة، [سالكُها]: سالك، فاعل للصفة المشبهة مرفوع بالضمة، و[ها] مضاف إليه.
2- الأمثلة الثلاثة:
وننبّه على أننا أتينا بها عمداً – في كل مثال من الأمثلة الثلاثة – مرة مع [ألـ]، ومرة بدون [ألـ]، لنبين أن دخول هذه الأداة على [الصفة المشبهة] وعدم دخولها، لا يغير شيئاً من إعرابها، ولا إعرابِ ما بَعْدَها من الأسماء:
· بعدَ [الصفة المشبهة] مضافٌ إليه:
[رأيت رجلاً جميلَ الوجهِ، ورأيت الرجلَ الجميلَ الوجهِ]. فـ [الوجه] في الموضعين مضاف إليه.
· بعدها تمييز:
[مررت برجلٍ جميلٍ وجهاً، ومررت بالرجلِ الجميلِ وجهاً] أو [مررت برجلٍ جميلٍ وجهَه، ومررت بالرجل الجميلِ وجهَه]. فكلمة [وجه] في هذه المواضع الأربعة تمييز.
· بعدها فاعل:
[رأيت رجلاً جميلاً وجهُه، ورأيت الرجلَ الجميلَ وجهُه]، فكلمة [وجه] في الموضعين فاعل مرفوع للصفة المشبهة.
* * *
1- يسميها النحاة [الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد]. ورأَينا في [مجموعة القرارات العلمية في خمسين عاماً / 303] اقتراحاً في المادة 18: أن تسمى [الصفة الثابتة]. وإننا لَمَعَ هذا الاقتراح، فإنه أقرب إلى حقيقة هذه الصفة، غير أن المصطلح المستقرّ يؤدّي تبديله إلى بلبلة وتشويش.
2- إنما قلنا [يغلب في كثير من الأحوال] لأن بعض ذلك لا يستمرّ، بل يزول ببطء نحو: [غضبان – سكران…]، أو بغير بطء نحو: [فرِح – حَزِن – قَلِق…]، ولكنه يعود فيتكرر أو يتجدد.

(88/2)


التحذير والإغراء
أولاً: التحذير، وهو أسلوبٌ تُنَبِّه به مَن تخاطبه ليحترز. وهو نوعان:
آ: أن تحذّر المخاطَب بضمير النصب المنفصل: [إيّاك]، وأخواته(1)، نحو:
إيّاك النارَ، [وإذا أكّدت كرّرت: إيّاك إيّاك النارَ].
إيّاك والنارَ.
إيّاك من النارِ.
ب: أنْ تحذِّر المخاطَبَ بلفظ المحذَّر منه، نحو:
النارَ !! [وإذا أكّدت كررت: النارَ النارَ].
النارَ والغرقَ !! [وذلك إذا حذَّرتَ من شيئين فتعطف بالواو، دون غيرها].
ثانياً: الإغراء، وهو دعوة المخاطَب إلى الأخذ بما يُرغَب فيه. وليس للإغراء أحكامٌ خاصّة به، بل أحكامه هي أحكام التحذير نفسها المذكورة آنفاً في الفقرة [ب]. وعلى ذلك تقول:
الوفاءَ !! [وإذا أكّدت كررت: الوفاءَ الوفاءَ].
الوفاءَ والأمانةَ !! [وذلك إذا أَغريتَ بشيئين. فتعطف بالواو، دون غيرها].
ملاحظة:
تقول كتب الصناعة: إنّ المحذَّر منه، والمغرى به، هما صنفان من صنوف المفعول به، يُنصَبان بفعل مضمَرٍ وجوباً(2) معناه التحذير في الأول، والإغراء في الثاني.
* * *
نماذج فصيحة مِن التحذير والإغراء
· ]ناقةَ الله وسُقْياها[ (الشمس 91/13)
في الآية أسلوب تحذير. يدل عليه استعمال كلمة [ناقة] منفردةً، قائمةً برأسها، منصوبة بغير ناصب يُرى. وكذلك كلمة [سقياها]. ولو لم يكن الأسلوب أسلوب تحذير، لأُظهر الفعل فقيل مثلاً: [احذروا ناقةَ الله، وذَرُوا سقياها].
وذلك أن أسلوب التحذير لا يظهر فيه الفعل، فإذا ظهر فيه، فاعلم أن الأسلوب ليس أسلوب تحذير، وإن كان المعنى معنى تحذير. ومما يفرّق بينهما: أنّ التحذير يكون بالفعل كنحو قولك: اِحذرِ النارَ وباعدِ الكذبَ وتجنّب الحفرة، وأما أسلوب التحذير فيكون بالمفعول به وحده، لا بالفعل !! كنحو قولك: النارَ، والكذبَ، والحفرةَ.
ولما كان المحذَّر منه في الآية شيئين، فقد عطف الثاني على الأول بالواو، إذ لا يكون العطف في هذا الأسلوب إلاّ بالواو حصراً، دون أدوات العطف الأخرى.

(89/1)


· قال الفضل بن عبد الرحمن القرشيّ لابنه:
فإيّاكَ إيّاكَ المِراءَ فإنّه إلى الشرِّ دَعّاءٌ، ولِلشرِّ جالبُ
في البيت مسائل:
الأولى: أن الأسلوب أسلوبُ تحذير، بضمير النصب المنفصل: [إيّاك]. والفعل فيه مضمَرٌ على المنهاج.
الثانية: أنه كان يكفي لتحقق التحذير أن يُذكَر الضميرُ: [إيّاك] مرة واحدة، غير أنّ الشاعر لما أراد التوكيد كرر فقال: [إيّاكَ إيّاكَ].
الثالثة: أنّ فريقاً من النحاة يوجب أن يقال: [إيّاك والمراءَ]، أي: يوجب الإتيان بواوٍ بين [إ يّاكَ] و[المراء]، والحقّ أنّ ذلك ليس بالواجب، بل يجوز هذا ويجوز ذاك. والبيت شاهد على ذلك.
· قال مسكين الدارمي:
أخاكَ أخاكَ، إنّ مَن لا أخا له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ
في البيت أسلوب إغراء. يدلّك على ذلك استعمال كلمة [أخاكَ] منفردةً قائمةً برأسها منصوبةً بغير ناصب يُرى. وإنما أراد الشاعر: [اِلزَمْ أخاكَ]، لكنه لما أراد أن يعبّر عما في نفسه بأسلوب الإغراء، أضمر الفعل. وقد كرر المُغْرى به: [أخاكَ أخاكَ]، إذ أراد التوكيد.
· ]قُوْا أنفسَكم وأهليكم ناراً[ (التحريم 66/6)
في الآية أمرٌ للمؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم من النار. والتحذير فيها جليٌّ، مستغنٍ عن كل إيضاح. ومع ذلك لا بدّ من توجيه النظر، إلى أنّ ما في الآية هو [تحذير]، [لا أسلوب تحذير] !! وبين هذا وذاك فرقٌ: فمتى أُظهِر الفعل الناصب (أي: المحذَّرُ به، وهو هنا: قُوْا)، فقد لزم أن يكون الكلام [تحذيراً]، وبطل أن يكون أسلوب تحذير، لأنّ أسلوب التحذير لا ظهورَ للفعل فيه.

(89/2)


وقد يتّجه ذهن القارئ، إلى أنّ مادّة الفعل ذات تأثير في المسألة، وأنها لو لم تكن مِن [وقى – يقي] كما هي الحال هنا في الآية، بل كانت من [حذر – يحذر] لاختلف الأمر!! ونقول: لا شأن للمادّة اللغوية في المسألة أصلاً، وكيف يكون لها شأن فيها، والمحذَّرُ به (أي: الفعل الناصب) لا يجوز أن يظهر في أسلوب التحذير مهما يكن لفظه، ومهما تكن مادّته؟!
ومع ذلك، ولقطع الشكّ باليقين، نورد للاستئناس – لا للحصر – آيتين تدلاّن على ذلك هما: ]يعلم ما في أنفسكم فاحذروه[ (البقرة 2/235)، و]إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم[ (التغابن 64/14). ففي الآيتين استعمالٌ لمادّةِ [حذر – يحذر]، ومع ذلك ليس فيهما أسلوب تحذير.
ولقد كنا عرضنا في مطلع هذه النماذج، لقوله تعالى ]ناقةَ الله وسقياها[ وقلنا: إنّ مما يفرّق بين التحذير وأسلوب التحذير، أنّ التحذير يكون بذكر الفعل، وأما أسلوب التحذير فيكون بذكر المفعول به وحده، لا بالفعل. وهذا ضابط كالشمس في رائعة النهار، ولكنّ كتب الصناعة تهمل ذكره !!
· قال الشا عر:
اِتّقِ الأحْمَقَ، أنْ تَصحَبَهُ إنما الأحْمَقُ كالثوب الخَلَقْ
كلَما رقَّعْتَ منهُ جانباً حَرَّكتْهُ الريحُ وهْناً فانخرَقْ
وفي قوله: [اتّقِ الأحمقَ]، تحذير واضح، ومادّة الفعل هنا، هي نفسها، مادة [قُوْا] في الآية المتقدم ذكرها آنفاً. وكلّ ما قيل هناك يقال هو نفسه هنا، فلا نكرر، ولكن ندعو إلى التأمل، ونوجّه النظر، إلى أن التحذير شيء، وأسلوب التحذير شيء. والفرق بين الاستعمالين لا لقاء معه أبداً!!
* * *
1- أخواته: [إ يّاكِ – إيّاكما – إيّاكم – إيّاكنّ].
2- بناءً على هذا، لا يكون الأسلوبُ أسلوبَ تحذيرٍ ولا إغراء، إذا كان الناصب فعلاً مظهراً. فليس من أسلوب التحذير قولُك مثلاً: [اِحذرِ النارَ]، لأنّ الفعل الناصب مُظهَر لا مُضمر.

(89/3)


التعجّب
التعجب هو استعظامُ فِعْلِ فاعِل، وله صيغتان قياسيتان هما: [ما أَفْعَلَهُ] و[أَفْعِلْ بِه](1). مثال استعمالهما قولك في التعجب من حُسن الربيع: [ما أَجْمَلَ الربيعَ] و[أَجْمِلْ بالربيع]. فإذا تعذّر صوغ هاتين الصيغتين أمكن التوصل إلى التعجب بأن يُؤتى بمصدرٍ، بعد [أَكْثَر] أو [أَعْظَم] ونحوهما. فيقال مثلاً: [ما أَعْظَمَ إنسانيّةَ زهير، وأَعْظِمْ بإنسانيته]، و[ما أَكْرَمَ استقبالَه، وأَكْرِم باستقباله].
أحكام:
¨ لا تَعَجُّبَ إلا من معرفة، وأما النكرة فلا يتعجب منها، فلا يقال مثلاً: ما أجمل ربيعاً، ولكن إذا تخصّصتْ جاز ذلك. نحو: [ما أجمل ربيعاً تَكْثُر أزهارُه].
¨ صيغتا التعجب هما هما، لا تغيير فيهما، ولا تقديم ولا تأخير. تقول:
يا رجل ويا رجلان ويا رجال أَجْمِلْ بالربيع
يا امرأة ويا امرأتان ويا نساء أَجْمِلْ بالربيع
¨ الفعل المضعّف مثل: عزّ وحبّ وشدّ وعدّ وقلّ… يُفَكّ إدغامه في صيغة [أفعِلْ به]، فيقال: أَعْزِز وأَحْبِبْ وأشدد وأعدد وأقلل…
¨ في صيغتي التعجب تُصَحَّح عينُ المعتلّ، نحو: [ما أطْوَلَ ليلَ المريض، وأطوِلْ به].
تذييل:
قد يكون التعجب من الشيء بواسطة [يا]، في تراكيب ثلاثة، لا تتغيّر ولا تتبدّل. مثالها أن تتعجّب من روعة البحر فتقول: يا بَحر، يا لَلْبحرِ، يا بَحْرا.
وقد يستعمل العربي في تعجّبه، كلمةَ [العجَب] نفسها، فيقول:
[يا عَجَبَا] و[يا لَلْعَجَب].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال التعجب
· قال جميل بثينة (الديوان /179):
وتثاقلتْ لمّا رأتْ كلفي بها أَحْبِبْ إليَّ بذاك مِن مُتَثاقِلِ

(90/1)


[أَحْبِبْ]: الصيغة هذه صيغة أمر. والأمر إذا كان مبنياً على السكون – كما ترى هنا – جاز فيه وجهان: الفكّ والإدغام، أي: [أحبِب وأَحِبَّ]. لكنّ المُجمَعَ عليه، أن صيغة التعجب: [أفعِلْ به] من الفعل المضعّف نحو: [عزّ وحبّ وشدّ إلخ…] لا يجوز فيها إلا الفكّ. فيقال: [أعزِزْ وأَحبِبْ وأشْدِدْ إلخ…]. وعلى ذلك قول جميل: [أحببْ]. فالإدغام إذاً هنا ممتنع، وإن كان في غير صيغة التعجب جائزاً. ومنه قول عليّ كرم الله وجهه وقد رأى عمارَ بن ياسر – أبا اليقظان – صريعاً يوم صفين (همع الهوامع 5/61): [أَعْزِزْ عَلَيَّ – أبا اليقظان – أن أراك صريعاً مُجَدَّلاً].
· وقال رضي الله عنه (نهج البلاغة – د. الصالح /277): [ما أَطْوَلَ هذا العناءَ وأبعد هذا الرجاءَ].
[ما أطوَلَ]: هاهنا مسألة إعلالية، إذ القاعدة أن حرف العلة إذا وقع في حشو الكلمة، نُقلت حركته إلى الحرف الساكن الصحيح قبله. ولكن يستثنى من هذه القاعدة صيغتا التعجب: [ما أَفعلَه وأفعِلْ به] فلا تُعَلاّن. ولولا تصحيح الواو في قوله: [ما أطول…] لقُلبت ألفاً فقيل: ما أطال هذا العناء…!!
· قال الطغرائي:
أُعَلِّل النفسَ بالآمال أَرقُبُها ما أضيقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأَمَلِ
يقال هاهنا ما قيل آنفاً في قول عليّ، ولولا تصحيح الياء لقيل: ما أضاق…!!
· قال امرؤ القيس (الديوان /69):
أرى أُمّ عمروٍ دمعُها قد تحدّرا بكاءً على عمروٍ، وما كان أَصْبَرا
[ما كان أصبرا] فيه مسألتان:
الأولى: زيادة [كان] بين [ما] التعجبية وصيغة [أفعل]. وقد عالجنا ذلك في بحث [كان وأخواتها]، وذكرنا جوازه.
والثانية: أن الشاعر حذف المتعجب منه وهو الضمير [ها]، إذ الأصل: [وما كان أصبرها]، وإنما حذفه لدلالة السياق عليه، وحذفُ ما يعلم جائز.
ومنه قول عليّ كرّم الله وجهه:
جزى اللهُ قوماً قاتَلوا في لقائهم لدى الرَّوع قوماً ما أعزّ وأكرما

(90/2)


فقد حذف المتعجب منه مرتين وهو الضمير [هم]، إذ الأصل: [ما أعزهم وأكرمهم].
* * *
1- قد يكون التعجب بواسطة [يا]، ونبين ذلك بعد قليل.

(90/3)


تعليق شبه الجملة (الظرف والجار والمجرور)
تبيين للشداة وغير المتخصّصين:
إذا لم يَرْبِط شبهَ الجملة: (الظرف والجارّ والمجرور)، رابطٌ معنويٌّ، بما قبلَه أو بعدَه، كان شبه الجملة في العبارة لغواً أو إحالة(1).
فمِن اللغو والإحالة أن يقال مثلاً: [شَرِبَ خالدٌ بالقلم]. وذلك أنّ [بالقلم] لا يربطهما بـ [شرب] ولا بـ [خالد] رابطة معنوية. إذ الشُّرب لا يكون بالقلم.
وليس كذلك قولك: [كتب خالد بالقلم]، فهاهنا ارتباط معنوي بين [كتب] و[بالقلم]، وذلك أن الكتابة تتحقق بواسطة القلم. ومن هنا أن المعربين يقولون: [بالقلم: جار وجرور متعلّقان بكتب].
ومن اللغو أيضاً والإحالة أن يقال: [نام سعيدٌ تحت الماء]، وذلك أن [تحت الماء] لا يربطه بـ [نام] رابط معنوي، إذ النوم لا يكون تحت الماء.
وليس كذلك قولك: [نام سعيدٌ تحت السقف]، فهاهنا ارتباطٌ معنوي، لأنّ النوم ممكنٌ تحقُّقُه تحت السقف. ولذا يقول المعربون: [تحت: ظرفُ مكان متعلقٌ بنام].
فإذا قيل: إن العربي يقول: [خالد في البيت]، وشبه الجملة هنا لا يرتبط معنويّاً بخالد. وليس هاهنا كلمة أخرى يرتبط بها.
ففي الجواب نقول: إنّ شبه الجملة لما كان – في هذه الحال – هو الذي أتمّ معنى المبتدأ، استقلّ بنفسه فاستغنى عن التعلّق والارتباط بسواه. فشبه الجملة إذاً يفتقر إلى رابط معنوي، في نحو: [كتبت بالقلم] لأن الكتابة تتحقق بالقلم، وأما إذا كان شبه الجملة في موضع الخبر فتمّ به معنى المبتدأ، في نحو: [خالدٌ في البيت] أو [الكتاب على الطاولة]، فإنّ شبه الجملة هو نفسه، يكون الخبر.
وأمّا موضع التعليق (أي: بمَ نعلّق شبه الجملة؟) ويسمّيه النحاة: [المتعَلَّق]، فإنه إدراك عقليّ؛ وصحّةُ المعنى وحدَها، هي الحَكَمُ والفَيْصَلُ، في تعيينه.
البحث

(91/1)


¨ تعليق شبه الجملة (الظرف والجارّ والمجرور)، هو ربطٌ معنويّ بما قبله أو بعده في العبارة، نحو: [خالدٌ جالسٌ فوق السطح (التعليق بجالس)، يستدفئ بحرارة الشمس (التعليق بيستدفئ)، وبعد قليل يذهب إلى السوق (التعليق بيذهب)].
¨ إذا كان شبه الجملة في موضع الخبر، كان هو نفسه الخبر، فاستغنى عن التعليق، نحو: [العلم في الصدور] و[الجنة تحت أقدام الأمهات].
* * *
نماذج من تعليق شبه الجملة لمزيد من الإيضاح:
يقال مثلاً في نَقْد ممثِّل، لا يؤثِّر دورُه في حركته ولا في نُطْقه: [فلانٌ خشبةٌ على المسرح]: شبه الجملة [على المسرح] يتعلّق بـ [خشبة].
وتقول مثلاً في حديثك عن سفرك بالطائرة:
أُفٍّ للسيارة (التعليق باسم الفعل أفّ)،
فقد سافرتُ بالطائرة (التعليق بالفعل سافرت)،
فكانت مُتْعَة سفري عليها (التعليق بالمصدر سَفَر)،
كمتعة إنسان على بساط الريح (التعليق بإنسان)،
أو طفل في المهد (التعليق بطفل)، وهكذا…
ويتبين من هذه الأمثلة أنّ التعليق (الربط)، مسألةُ فهمٍ وإدراكٍ للمعنى، وليس شيئاً وراءَ ذلك.
* * *
1- الإحالة: التكلم بالمستحيل.

(91/2)


التمييز
التمييز: اسمٌ نكرةٌ فضلةٌ منصوب، يرفع إبهامَ ما تقدّمه مِن مفرد نحو: [عندي رِطلٌ – عسلاً]، أو جملة نحو: [حَسُنَ خالدٌ – خُلُقاً] (1).
وهو نوعان:
الأول: أن يتقدّم المضافُ إليه على المضاف، فيصير المضاف إليه فاعلاً أو مفعولاً به، ويصير المضافُ تمييزاً. وذلك نحو: ]واشتعل الرأسُ – شَيباً] (2) والأصل: [اشتعل شيبُ الرأس](3). و ]وفجّرنا الأرضَ – عيوناً] (4) والأصل: [فجّرنا عيونَ الأرض](5).
والنوع الثاني: أن تحتاج الكلمة المفردة، أو الجملة، إلى تبيينٍ يُزيل ما فيهما من الإبهام، فيؤتى باسم هو التمييز، يرفع ذلك الإبهام ويُزيله، نحو:
عندي مِتْرٌ – جوخاً:
لو اجتزأنا بـ [عندي مترٌ]، لكان كلامنا من الوجهة الصناعية تامّاً، إذ هو مؤلف من مبتدأ وخبر. ولكن الإبهام هاهنا يعتري قولنا، فلا يُدرَى: أمتر حرير هذا المتر، أم متر كتان، أم متر حديد تُقاس الأطوال به؟
فإذا أُتِيَ بالتمييز، فقيل: [جوخاً]، زال الإبهام، واتضح القصد.
لي قصبةٌ – أرضاً:
ما قلناه في المثال الأوّل، يقال هنا. فقولنا: [لي قصبةٌ]، كلام تامّ، إذ هو من الوجهة الصناعية، مؤلف من مبتدأ وخبر. ولكن الإبهام يعتريه، فلا يُدرَى: أهذه القصبة قصبةٌ مما تُنبت الأرض، أم قصبة مما يُكتَب به، أم قصبة تقاس بها الأراضي عند مسحها؟ فإذا أتينا بالتمييز، فقلنا: [أرضاً]، زال الإبهام، واتضح القصد.
خالدٌ أكبر منك – سِنّاً:
قولنا: [خالدٌ أكبر منك]، هو من الوجهة الصناعية،كلام تامّ، مؤلّف من مبتدأ وخبر. ولكنّ الإبهام يعتريه، فلا يُدرَى أخالدٌ أكبر منك حجماً، أم عُمراً، أم قَدْراً ؟ فإذا أُتِيَ بالتمييز، فقيل: [سِنّاً]، زال الإبهام، واتّضح القصد.
امتلأ قلبُ زهير – سروراً:

(92/1)


جملة: [امتلأ قلب زهير]، تصدق على أشياء كثيرة يمتلئ بها القلب، من فرح وسعادة وحُزن وغبطة إلخ… وذلك مدعاةُ إبهام، وللتبيين والإيضاح، أُتِيَ بكلمة [سروراً]، فأوضحتْ وفسّرتْ، وأزالت الإبهام، وبيّنتْ أنّ قلب زهير إنما امتلأ بالسرور، لا بغيره مما يمتلئ به في الحالات المختلفة.
وقس على ذلك قولَك: [عندي ذراعٌ – حريراً]، و[لك قنطارٌ – عسلاً]، و[أعطِ الفقير صاعاً – قمحاً]، و[ما في السماء قَدْرُ راحةٍ – سحاباً]، و[عندي جَرَّةٌ – ماءً]، و[لنا مثل ما لكم – خيلاً، ولنا غير ذلك – غنماً]، و[عندي خاتمٌ – ذهباً]، و[كفى بالشيب – واعظاً]، و[عَظُمَ عليٌّ – مقاماً]، و[ارتفع سعيدٌ – رتبةً]، و[ملأتُ بيتي – كتباً]، و[سموتَ – أدباً]، و[ما أكرمكَ – رجُلاً]، و[أَكرِمْ بسليم – خطيباً] إلخ…
تنبيهات:
1- قد يتقدّم التمييز على فعله، نحو: [نفساً يطيب خالدٌ]، إلاّ أن يكون فعلاً جامداً نحو: [ما أحسنه فارساً]، فيمتنع ذلك.
2- لا يتقدّم تمييز المفرد على المميَّز، قولاً واحداً. فلا يقال مثلاً: [نجح طالباً عشرون].
3- التمييز اسمٌ جامد، ولكن قد يكون مشتقاً نحو: [لله درّه فارساً].
فوائدُ تجلوها مقابلةُ الحالِ بالتمييز:
الحال
التمييز
الأصل في الحال أنها مشتقّة
الأصل في التمييز أنه جامد
الحال على معنى [في]
التمييز على معنى [مِن]
قد تحذَف الحال فيفسد المعنى
يُحذَف التمييز فلا يفسد المعنى
الحال تفسِّر هيئة صاحبها
التمييز يفسِّر ما انبهم من مفرد أو جملة
الحال تكون اسماً وجملة وشبه جملة
التمييز لا يكون إلاّ اسماً
* * *
نماذج فصيحة من استعمال التمييز
· ]رأيتُ أحدَ عشَرَ كوكباً[ (يوسف 12/4)

(92/2)


[أحدَ عشرَ كوكباً]: تجري كتب الصناعة على أنْ تُعرِب الاسم المنصوب [أي: المعدود]، بعد العدد تمييزاً، من الأحد عشر إلى التسعة والتسعين. وترى نموذج ذلك في كلمة [كوكباً] مِن الآية، فإنها المعدود بعد العدد: [أحد عشر] فتُعرَب تمييزاً منصوباً(6).
ومثل ذلك، قوله تعالى: ]إنّ هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجةً[ (ص 38/23)، فالتمييز هنا هو: [نعجةً]. وقوله أيضاً ]فانفجرت منه اثنتا عشْرةَ عيناً[ (البقرة 2/60)، فالتمييز هنا هو: [عيناً].
· قال الشاعر:
إذا المرء عيناً قرَّ بالعيش مُثرِياً ولم يُعْنَ بالإحسان، كان مذمَّما
[المرءُ عيناً قرّ]: الأصل في التركيب هو: [قرّتْ عينُ المرءِ]، ثم يُقدّم المضاف إليه [المرء]، فيكون فاعلاً لـ [قرّ]، ويؤخَّر المضاف [عين] فيكون تمييزاً. هذا هو الأصل؛ لكنّ الشاعر قدّم كلمة [عيناً] على الفعل فقال: [عيناً قرّ]. والتمييز يجوز أن يتقدم على فعله، إلاّ أنْ يكون فعلاً جامداً فيمتنع ذلك.
· قال المتنبي (الديوان 2/75):
فهنَّ أَسَلْنَ دماً مُقلتِيْ وعذَّبن قلبيْ بطول الصدودِ
[أسلنَ دماً مقلتي]: الأصل في التركيب هو: [هنّ أسلْنَ مقلتي دماً]، غير أنّ الشاعر قدّم التمييز وهو: [دماً]، فأتى به بين الفعل ومفعوله. ولقد قدّمنا آنفاً أنّ التمييز يجوز أن يتقدم على فعله، وإذا جاز تقديمه على الفعل، فتقديمه على المفعول أحرى.
· ومن تقديم التمييز أيضاً قول الشاعر:
أنَفْساً تطيب بنَيْلِ المنى وداعِيْ المَنُون ينادي جِهارا
[أنفساً تطيب]: الأصل في التركيب هو: [أتطيب نفساً؟]، غير أنّ الشاعر قدّم التمييز وهو: [نفساً]، على الفعل. وذلك جائز كما ذكرنا آنفاً.
· ومن التقديم أيضاً قول الشاعر:
ولستُ – إذا ذَرْعاً أَضِيقُ – بضارعٍ ولا يائس عند التعسُّرِ من يُسْرِ

(92/3)


البيت بعد حلِّه يصير إلى: ((إذا ضقتُ ذرعاً، فلست بضارعٍ (لست بمتذلّل)، ولا يائسٍ من يُسرٍ عند التعسّر)). والذي نريده من البيت هو [ذرعاً أضيق]، فإنّ الأصل تأخير التمييز، فيقال: [أضيق ذرعاً]. غير أنّ الشاعر قدّمه فقال: [ذرعاً أضيق]، وقد كررنا القول: إنّ ذلك جائز.
· ]قُلْ لو كان البحرُ مداداً لكلمات ربي لنفِدَ البحرُ قبل أنْ تنفَدَ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً[ (الكهف 18/109)
تعبِّر كتب الصناعة عن مجيء كلمة [مثل] وكلمة [غير] مبهمتين في الكلام، بقولها: [ما دلَّ على مماثلة، وما دلّ على مغايرة]. فأما المماثلة فمنها ما نحن بصدده، وهو قوله تعالى: [جئنا بمثله مدداً]، وذلك أنّ كلمة [مِثل] يعتريها الإبهام، فإذا سمعك امرؤ تقول: [خالدٌ مثل الجبل] لم يدرِ أهو مثله في التَوَطُّد أم الثبات أم الارتفاع إلخ… حتى إذا أتيتَ بالتمييز فقلتَ: [مثل الجبل ثباتاً]، ارتفع الإبهام واتّضح القصد.
وقُل الشيءَ نفسه في الآية. فإنّ المرء لا يدري أمماثلةُ البحر هنا بالكميّة، أم بسهولة الاستمداد، أم بالاتّساع؟ فلما قيل: [مدداً]، ارتفع الإبهام واتّضح القصد.
وكذلك الشأن – طِبقاً – في استعمال [غير]. تقول مثلاً لمن تحدّثه: [عندي خيلٌ وغير ذلك]، فلا يدري ما الذي عندك غير الخيل، حتى إذا أتيت بالتمييز فقلت: [وغير ذلك غَنَماً] ارتفع الإبهام واتّضح القصد.
· قال جرير (الديوان /89):
ألستم خيرَ مَن ركب المطايا وأندى العالمين بطونَ راحِ
قول الشاعر: [ألستم….أندى العالمين] – من الوجهة الصناعية – كلامٌ تامّ، غير أنّ الإبهام يعتريه، إذ لا يُعرَف بمَ كانوا أندى العالمين، أَهُمْ أنداهم نباتاً (مِن نَدِيَ النبات إذا أصابه الندى)؟ أم هم أنداهم صوتاً، (مِن نَدِيَ الصوتُ إذا علا وامتدّ)؟ حتى إذا أتى الشاعر بالتمييز فقال: [بطونَ راح] ارتفع الإبهام وتبيّن أنّ الشاعر أراد: ألستم أندى الناس كفّاً؟ (مِن النَدى، أي: الكَرَم).

(92/4)


· ]فلن يُقبَل مِن أحدهم مِلءُ الأرض ذهباً[ (آل عمران 3/91)
[لن يُقبلَ ملءُ الأرض]: الكلام مِن الوجهة الصناعية تامّ، مؤلَّف من فعل ونائب فاعل، غير أنّ الإبهام يعتريه، فلا يُدرى: أهذا الذي لن يُقبَل هو ملءُ الأرض نحاساً أم فضةً أم جواهرَ إلخ… حتى إذا جيء بالتمييز فقيل: [ملْءُ الأرض – ذهباً]، زال الإبهام واتّضح القصد.
* * *
1- كلمة [رطل]: تصدق على كل ما يوزَن، كالملح والخبز والسمن والتفاح إلخ… كما تصدق على الأداة التي يوزَن بها. ومن هنا ينشأ الإبهام. وللتبيين والإيضاح، يُؤتى باسم منصوب بعدها يَرفع الإبهام، ويُطلقون عليه اصطلاحاً [التمييز]، وهو في مثالنا، كلمة [عسلاً]. وأما ما يُرفَع إبهامُه، فيطلقون عليه اصطلاحاً [المميَّز].
ومثل ذلك جملة: [حَسُنَ خالدٌ]، فإنها تصدق على أشياء كثيرة، كأن يكون حُسْنُه في وجهه أو طوله إلخ… وللتبيين والإيضاح يُؤتَى بكلمةٍ تُزيل ما في الجملة من الإبهام، يُطلق عليها [التمييز]، وهي في مثالنا كلمة: [خُلُقاً]، وقد أزالت ما في جملة [حَسُنَ خالدٌ] من الإبهام، وبيّنت أنّ حُسْنه حُسْنُ أخلاق، لا سواه من صنوف الحُسْن الأخرى.
2- مريم 19/4
3- قُدِّم المضاف إليه: [الرأس] فكان فاعلاً، وأُخِّر المضاف: [شَيب] فكان تمييزاً.
4- القمر 54/12
5- قُدِّم المضاف إليه: [الأرض]، فكان مفعولاً به، وأُخِّر المضاف: [عيون] فكان تمييزاً.
6- نرى مِن المفيد التنبيه، على أنّ الكلام من الوجهة الصناعية، يتمّ بالفعل والفاعل: [رأيتُ]، وأنّ الذي نحن بصدده هنا، محصور في العدد ومعدوده.

(92/5)


التنازع
التنازع: أنْ يطلب المعمولَ عاملان تقدّما عليه. نحو قولك: [سافر وعاد خالدٌ]. فكلٌّ من الفعلين المتقدمَيْن: [سافر ورجع] يطلب فاعلاً هو كلمة: [خالدٌ]. ونحو الآية: ]آتوني أُفْرِغْ عليه قِطْراً[ (الكهف 18/96) فكلٌّ من الفعلين المتقدمين: [آتوني وأفرغ] يطلب مفعولاً به، هو كلمةُ [قِطراً]: (القِطر النحاس الذائب).
الحكْم:
لك أن تُعمِل في الاسم الظاهر أيَّ العاملين شئت، فيكون العامل الآخرُ عاملاً في الضمير(1).
* * *
نماذج مشروحة من التنازع!!
(النماذج هنا والتعليق عليها مقبوسان من شرح ابن عقيل)
ظنَّني وظننتُ زيداً قائماً إيّاه – ظننتُ وظنّنيهِ زيداً قائماً.
ظننتُ وظنّني إيّاه زيداً قائماً – أظنُّ ويظنّاني زيداً وعمراً أخوين.
ولقد رأى ابن عقيل – أثابه الله- أنّ ما صاغه ابن مالك ومثّل له، في باب التنازع، محتاج إلى شيءٍ !! من الشرح، وهو قولُه:
وأظهرِ انْ يكن ضمير خَبَرا لغير ما يطابق المفسَّرا
نحو: أظنُّ ويظنّاني أخَا زيداً وعمراً أخوين في الرَخا
فانبرى يشرح ذلك فقال ما نصّه: (1/555)
[يجب أنْ يُؤتى بمفعول الفعل المهمل ظاهراً إذا لزم من إضماره عدمُ مطابقته لما يفسِّره، لكونه خبراً في الأصل عما لا يطابق المفسِّر، كما إذا كان في الأصل خبراً عن مفرد ومفسِّرُهُ مثنى، نحو (أظن ويظناني زيداً وعمراً أخوين) فـ (زيداً) مفعول أوّل لأظُنُّ، و(عمراً) معطوف عليه، و(أخوين): مفعول ثانٍ لأظنُّ، والياء: مفعول أوّل ليظنّان، فيحتاج إلى مفعول ثانٍ. فلو أتيت به ضميراً فقلت: (أظنّ ويظناني إيّاه زيداً وعمراً أخوين)، لكان (إيّاه) مطابقاً للياء، في أنهما مفردان، ولكن لا يطابق ما يعود عليه وهو (أخوين)؛ لأنه مفرد، و(أخوين) مثنى؛ فتفوت مطابقة المفسِّر للمفسَّر، وذلك لا يجوز].
وتابع ابن عقيل شرحه وتبيينه فقال (1/556):

(93/1)


[وإن قلت: (أظنُّ ويظنّاني إيّاهما زيداً وعمراً أخوين) حصلت مطابقة المفسِّر للمفسَّر؛ وذلك لكون (إيّاهما) مثنى، و(أخوين) كذلك، ولكن تفوت مطابقة المفعول الثاني – الذي هو خبر في الأصل – للمفعول الأول، الذي هو مبتدأ في الأصل، لكون المفعول الأول مفرداً، وهو الياء، والمفعول الثاني غير مفرد، وهو (إيّاهما)، ولابدّ من مطابقة الخبر للمبتدأ، فلما تعذّرت المطابقة مع الإضمار وجب الإظهار؛ فتقول: (أظنّ ويظنّاني أخا زيداً وعمراً أخوين). فـ (زيداً وعمراً أخوين): مفعولا أظنّ، والياء مفعول يظنان الأول، و(أخا) مفعوله الثاني، ولا تكون المسألة – حينئذٍ – من باب التنازع لأن كلاً من العاملَين عمل في ظاهر].
وإنّ من أيسر اليسير، أنْ نقبس من مطولات كتب الصناعة، شيئاً كثيراً من هذا المعجن، نحو: [كنتُ وكان زيدٌ صديقاً إيّاه]، و[أظنّ ويظنّانني أخاً الزيدين أخوين] إلخ… ولكننا أعرضنا عن ذلك، إذ بعض الشيء يغني عن كله، إذا كان هذا هذا.
* * *
1- قال ابن هشام: [لاخلاف في جواز إعمال أيِّ العامِلَين أو العوامل شئت] (قطر الندى 198). وقال ابن عقيل: [ولا خلاف بين البصريين والكوفيين أنه يجوز إعمال كلِّ واحدٍ من العامِلَيْن في ذلك الاسم الظاهر] (شرح ابن عقيل على الألفية 1/548)

(93/2)


التصغير
¨ التصغير لغةً، هو: جَعْلُ الشيء صغيراً. وهو عند النحاة: تغيير في بناء الاسم، للدلالة على معان شتى. منها: التحقير، نحو: شُوَيْعِر، والتقليل، نحو: دُرَيْهِمات، والتصغير، نحو: كُتَيِّب، والتقريب، نحو: بُعَيْد الظهر…
والتصغيرُ للأسماء فحسب، وما جاء مصغَّراً من فعل أو حرف فشاذّ.
¨ للتصغير أوزانٌ ثلاثة هي:
1- فُعَيْل: ويُصَغَّر عليه كل اسم ثلاثي، نحو: جبل وقمر، فيقال في تصغيرهما: جُبَيْل وقُمَيْر.
2- فُعَيْعِيل: ويُصَغّر عليه كل اسم من خمسة أحرف، رابعُها حرفُ علّة. ففي تصغير نحو: قنديل وعصفور وقرطاس، يقال: قُنَيْدِيل وعُصَيْفِير وقُرَيْطِيس.
3 – فُعَيْعِل: ويصغَر عليه كل اسم رباعي الأحرف، نحو: درهم وجعفر (من أسماء النهر)، فيقال في تصغيرهما: دُرَيْهِم وجُعَيْفِر. فإن كانت حروفه أكثر من أربعة، تعذّر تصغيره، حتى تُصيِّره بالحذف أربعة – كما ذكرنا في بحث جموع التكسير(1).
فمن: سفرجل وفرزدق مثلاً، تحذف الحرف الخامس، ثم تصغّر فتقول: سُفَيْرِج وفُرَيْزِد.
ومن: غضنفر وفَدَوْكَس مثلاً، تحذف النون من الأول، والواو من الثاني، لأنهما زائدان – وذلك أنّ الزائد أولَى بالحذف – ثم تصغّر فتقول: غُضَيْفِر وفُدَيْكِس. ومن مستخرج، تحذف السين والتاء، لأنهما أقلّ قيمة من الميم، فتقول: مُخَيْرِج.
ومن: عندليب وخندريس، تحذف الخامس والسادس، ثم تصغِّر فتقول: عُنَيْدِل وخُنَيْدِر وهكذا…
أحكام:
¨ ما خُتِم من الأسماء بحرف زائد على الأصل، أو أكثر، لا يعتدّ – عند تصغيره – بزوائده، كعلامة التثنية وجمع السلامة وياء النسب وتاء التأنيث وألف التأنيث الممدودة والألف والنون الزائدتين، فتبقى الزيادة على حالها لا تُمَسّ، ويجري التصغير على ما قبلها. ودونك من ذلك نماذج، فَصَلْنا بين كلماتها، وبين الأحرف الزائدة عليها بثلاث نقاط، هكذا […] لمزيد إيضاح:
الكلمة
تصغيرها
الكلمة
تصغيرها
الكلمة
تصغيرها
تمر…ة

(94/1)


تُمَيرة
حنظل…ة
حُنَيْظلَة
خضر…اء
خُضَيْراء
زعفر…ان
زُعَيْفران
عبقر…يّ
عُبَيْقريّ
عثم…ان
عُثَيْمان
عَطْش…ان
عُطَيْشان
سكر…ان
سُكَيران
كاتب..ان
كُوَيْتِبان
كاتب..ون
كُوَيْتِبون
كاتب..ات
كُوَيْتِبات


ولا يستثنى من هذه القاعدة، إلا الألف المقصورة، فإنها تثبت إن كانت رابعةً، وتُحذَف إن وقعت خامسةً فصاعداً. ففي تصغير نحو: [حبلى]، تثبت فيقال: [حُبَيْلَى]، وفي تصغير نحو: [خَوْزَلَى]: (مشية في تثاقل)، تُحذَف فيقال: [خُوَيْزِل]…
¨ كل اسم ثلاثي مؤنث، خالٍ من تاء التأنيث، إذا صغّرته ألحقتها به:
ففي تصغير: عين وأذن وسن ودار وشمس وهند، تقول: عيينة وأذينة وسنينة ودويرة وشميسة وهنيدة.
¨ يجوز التعويض عن المحذوف:
ما تَحذف منه لتصيّره أربعة أحرف، يجوز أن تزيد قبل آخره ياءً للتعويض عن المحذوف. مثال ذلك [سفرجل]، وبالحذف [سفرج]، ثم بالتصغير [سُفَيْرِج]، ثم بزيادة الياء جوازاً [سفيريج]. ومثله: [عندليب]، فبالحذف [عندل]، ثم بالتصغير [عُنَيْدِل]، ثم بزيادة الياء جوازاً [عنيديل]…
إذا صغّرت اسماً منتهياً بحرفٍ منقلبٍ عن أصل، فأَعِدْه عند التصغير إلى أصله. وذلك نحو: [المَلْهَى]، فإن الألف في الآخر، أصلها الواو: [المَلْهَو]، لأنه من [اللهو]، وتصغيرُه: [المُلَيْهِو]، ولكن الواو تطرّفت بعد كسرة، فقُلِبت ياءً، فصارت [المُلَيْهِي]، فإذا نكّرت ونوّنت قلت: [مُلَيْهٍ].
وكذلك [الأعمى]، فإنّ الألف في آخره أصلها الياء، لأنه من [عمِي]، فتعاد عند تصغيره ياءً على الأصل أي [الأُعَيْمِي]. فإذا نكّرت ونوّنت قلت: [أُعَيْمٍ].
¨ إذاصغَّرت اسماً ثانيه حرف علّة، قلبته واواً في الحالات الأربع الآتية دون غيرها:
أ- إذا كان زائداً نحو: شاعر وخاتم، فتقول في تصغيرهما: شويعر وخويتم.
ب- إذا كان أصله واواً نحو: باب وميزان، فتقول في تصغيرهما: بويب ومويزين.

(94/2)


ج- إذا كان مجهول الأصل نحو: عاج وصاب، فتقول في تصغيرهما: عويج وصويب.
د- إذا كان مبدوءاً بمدّة نحو: آدم وآخر، فتقول في تصغيرهما: أويدم وأويخر.
وأما في غير ذلك، فليس إلا قلب حرف العلة ياءً بغير تردد في كل حال، مهما يكن موقع حرف العلة من الكلمة، ومهما يكن أصله.
ودونك من هذا نماذج، نذكر فيها: الاسم ثم تصغيره ثم شيئاً من التعليق لمزيد إيضاح:
الاسم
تصغيره
ملاحظات
ناب
نُيَيب
وقع حرف العلة ثانياً، لكنّ أصله الياء لا الواو، بدليل جمعه على أنياب، فيقلب ياءً.
عصا
عُصيّة
حرف العلة أصله الواو (عُصَيْوَة)، بدليل تثنيته على عَصَوَيْن، لكنه وقع ثالثاً لا ثانياً، فيُقلب ياءً.
ظَبي
ظُبَيّ
حرف العلة ياء، وقد وقع ثالثاً لا ثانياً، فظلّ ياءً على الأصل، وأُدغم في ياء التصغير.
جَمِيل
جُميّل
وقع حرف العلة – وهو الياء – ثالثاً لا ثانياً، فظلّ ياءً، وأدغم في ياء التصغير.
منشار
مُنَيْشِير
وقع حرف العلة – وهو الألف – رابعاً لا ثانياً – فقلب ياءً.
أرجوحة
أُرَيْجِيحة
حرف العلة واو، لكنه وقع رابعاً لا ثانياً، فقلب ياءً.
قنديل
قُنيديل
وقع حرف العلة – وهو الياء – رابعاً لا ثانياً، فظلّ ياءً على الأصل.
¨ ما حُذف من الاسم، يُرَدّ عند تصغيره:
مثال ذلك: زِنة ولُغة وعِدة، فـ [زِنة] محذوف منها واو، إذ الأصل [وزن]، و[لغة] محذوف منها واو أيضاً إذ الأصل [لغو]، و[عدة] محذوف منها واو كذلك، إذ الأصل [وعد]. فعند تصغيرها، يعاد إليها ما حُذف منها فيقال: [وُزَيْنَة – لُغَيَّة(2) – وُعَيْدَة]…
تصغير الجمع
– في العربية أربعة جموع تُصَغَّر على لفظها:
أوزانها: أَفْعُل وأَفْعال وأَفْعِلَة وفِعْلَة
وأمثلتها: أنفُس وأصحاب وأعمِدة وغِلْمَة (جمع غلام)
وتصغيرها: أُنَيْفس وأُصَيْحاب وأُعَيْمدة وغُلَيْمة
وأما غيرها من الجموع، فيؤخَذ مفرده، فيُصغَّر، ثم يُجمع جمع سلامة. ودونك نماذج:
– تصغير جمعِ مذكرٍ عاقل:
الجمع
المفرد
التصغير

(94/3)


جمع السلامة
رجال
رجل
رُجَيْل
رُجَيْلون
كُتّاب
كاتب
كُوَيتِب
كُوَيْتِبون
شعراء
شاعر
شُوَيْعِر
شُوَيْعِرون
– تصغير جمْعِ مؤنثٍ أو غير عاقل:
الجمع
المفرد
التصغير
جمع السلامة
كاتبات
كاتبة
كُوَيْتِبة
كُوَيْتِبات
شواعر
شاعرة
شُوَيْعِرَة
شُوَيْعِرات
دراهم
درهم
دُرَيْهِم
دُرَيْهِمَات
عصافير
عصفور
عُصَيْفِير
عُصَيْفِيرات
– تصغير الترخيم:
وهو تصغير الاسم بعد تجريده من كل حرف زائد؛ فإن كان ثلاثي الأصول، صُغّر على [فُعَيْل]، فأبلق ومنطلق ومحمود ومعطف، تُجرَّد من كلّ زيادة فتغدو: بلق وطلق وحمد وعطف. ثم تصغَّر على: بُلَيْق وطُلَيْق وحُمَيْد وعُطَيْف… فإن أردت التأنيث زدتَ في آخر ما تصغّره تاء التأنيث، فتقول مثلاً: حُمَيدة وعُطَيفة…
وإن كان الاسم رباعي الأصول، صُغّر على [فُعَيْعِل] نحو: قِنديل وقِرطاس وعصفور، فهذه إذا حُذِفت زياداتها غدت: قندل وقرطس وعصفر، ثم تُصّغَّر على: قُنَيْدِل وقُرَيْطِس وعُصَيْفِر…
* * *
1- فصّلنا في بحث جموع التكسير، قواعدَ حذف الحروف، سواء منها ما كان أصلياً أو زائداً، وبيّنّا أحكام ذلك، وما يتعلق بتسلسل قيم ومراتب الحروف الزائدة، وإذ قد كانت هذه القواعد والأحكام مشتركة بين جموع التكسير، والتصغير، فقد أغنى ذكرها هناك عن إعادة ذكرها هنا. فمن شاء رجع إليها في بحث جموع التكسير.
2- لغيّة: الأصل فيها [لغيوة]، وقلبت واوها ياءً، على المنهاج في الإعلال، فقيل: [لغيّة].

(94/4)


التوكيد
¨ التوكيد: تكرير اللفظ لتثبيته في النفس، اسماً كان أو فعلاً أو حرفاً أو ضميراً. ويتبع في إعرابه إعرابَ المؤكَّد قبله، رفعاً ونصباً وجرّاً، ويسميه النحاة اصطلاحاً: [التوكيد اللفظي]. ودونك الأمثلة: [جاء خالدٌ خالدٌ، وجاء جاء خالدٌ، ونعمْ نعمْ، وسافرتَ أنتَ، وسنسافر نحن].
¨ وقد يكون التوكيد بإحدى الكلمات السبع التالية، وهي: [العين، والنفس، وجميع، وعامّة، وكُلّ، وكِلا، وكِلتا] ويسمّونه: [التوكيد المعنويّ]. ودونك الأمثلة: [جاء الضيفُ عينُه، والزائرةُ نفسُها، والجيرانُ جميعُهم، ونظرنا إلى الطلاّبِ عامّتِهم، ثم كرَّمْنا الناجحِين كلَّهم، وصفّقنا للمتقدِّمَيْن كليهما، والمتقدِّمَتَيْن كلتيهما].
¨ قد يراد توكيد التوكيد وتقويته، فيؤتى بكلمة [كلّ]، وبعدها إحدى أربع كلمات هي – على حسب الحال -: [أجمع، أو جمعاء، أو أجمعون، أو جُمَع]، ودونك الأمثلة: [جاء المعهدُ كلُّه أجمعُ، يصحب الهيئة الإداريةَ كلَّها جمعاءَ، مع الطالباتِ كلِّهنَّ جُمَعَ، والطلاّبِ كلِّهم أجمعين](1).
أحكام:
· التوكيد خاصّ بالمعارف، غير أنّهم أكّدوا النكرات إذا كانت محدودة المقدار، كاليوم والشهر والسنة، نحو: [غبتُ سنةً كلَّها].
· المُظهَر يؤكَّد بمُظهَر نحو: [سافر خالدٌ نفسُه]، وأما الضمير فيؤكَّد بمضمَرٍ ومظهَر، نحو: [سافرنا نحن، وسلّمنا عليكَ نفسِك].
· إذا أكّدتَ ضمير الرفع بالنفس والعين، فلا بدّ من أنْ تقوّيه أوّلاً بضميره المنفصل، نحو: [سافرتُ أنا نفسي، وسافروا هم أنفسُهم، وخالدٌ نجح هو عينُه…].
· المؤكَّد، يؤكَّد بمثله، إلاّ المثنى فيؤكَّد بمثله وبالمفرد وبالجمع أيضاً، نحو: [جاء الرجلان نفساهما، أو نفسهما، أو أنفسُهما].
* * *
نماذج فصيحة من التوكيد
· ]فسجد الملائكةُ كلُّهم أجمعون[ (الحجر 15/30)

(95/1)


[أجمعون]: توكيد لكلمة [كلُّ]، التي هي أصلاً توكيدٌ لكلمة [الملائكةُ]، فهاهنا -كما ترى – توكيدٌ للتوكيد، والغرض من ذلك التقوية. فإذا لم تُرَد التقوية،لم تسبقها [كلّ]. ونذكّر بأنّ ما يؤتى به لتوكيد التوكيد أربع مفردات هي: أجمع وجمعاء وجُمَع، وأجمعون التي نحن بصددها.
· ]لأُغويَنَّهم أجمعين[ (ص 38/82)
[أجمعين]: اسمٌ منصوب، لأنه توكيد للضمير [هم] الذي هو في محل نصب مفعول به. وكلمة [أجمعين]، هي من الكلمات الأربع التي قلنا آنفاً: إنها يُؤتى بها مسبوقةً بـ[كل]، إذا أريدَ توكيد التوكيد (للتقوية). فإذالم تسبقها [كل] أفادت التوكيد فقط، كما ترى في الآية.
· ]هيهات هيهات لما توعَدون[ (المؤمنون 23/36)
[هيهات هيهات]: هيهات الثانية، توكيدٌ للأولى، وهو توكيد يسميه النحاة: [التوكيد اللفظي]، لأنه يكون بتكرير اللفظ. والغرض من تكريره وإعادته، تثبيتُه في النفس. وتلاحظ أنّ المؤكَّد هاهنا اسم فعل، ولكنْ قد يكون فعلاً، واسماً، وحرفاً، وضميراً،كما ترى بعدُ.
· قال جميل بثينة (الديوان /79):
لا لا أبوحُ بحبّ بَثْنَةَ إنها أخذتْ عليَّ مواثقاً وعهودا
[لا لا]: هاهنا توكيدٌ لفظيّ، وهو من توكيد الحرف بالحرف، بإعادة الأول بلفظه.
· قال الكميت بن زيد (الهاشميات /31):
فتلك وُلاةُ السوءِ قد طال ملكُهم فحتّامَ حتّامَ العناءُ المطَوَّلُ
[حتّامَ حتّامَ]: حتّامَ الثانية توكيدٌ لفظيّ للأولى، وهو من توكيد الجارّ والمجرور بجارّ ومجرور. الأصل: [حتى ما؟] ثم حذفت ألف [ما] الاستفهامية، على المنهاج في حذفها كلما دخل عليها حرف جرّ.
· قال الشاعر (شرح المفصل 2/25):
فإيّاكَ إيّاكَ المراءَ فإنّهُ إلى الشرّ دعّاءٌ وللشرّ جالبُ
[إيّاكَ إيّاكَ]: توكيد لفظيّ، وهو من توكيد الضمير بضمير، بإعادة الأول بلفظه.
· قال قطريّ ابن الفجاءة (شرح ديوان الحماسة: التبريزي 1/50):
فَصَبْراً في مَجال الموت صَبراً فما نَيْلُ الخُلودِ بمستطاعِ

(95/2)


[صبراً صبراً]: توكيد لفظي، وهو من توكيد الاسم الظاهر باسم ظاهر، بإعادة الأول بلفظه.
· قال النابغة للنعمان (الديوان /26):
مهلاً فداءً لكَ الأقوامُ كلُّهمُ وما أُثَمِّرُ من مالٍ ومن ولدِ
[كلُّهُم]: توكيدٌ لـ [الأقوامُ]، ويسميه النحاة اصطلاحاً: [التوكيد المعنويّ]. وهو توكيد يكون بكلمة من سبع كلمات هي: [العين والنفس وجميع وعامّة وكِلا وكِلتا، وكلّ: التي نحن بصددها هاهنا في البيت].
· ]يا آدمُ اسكنْ أنتَ وزوجُكَ الجنّة[ (البقرة 2/35)
[اسكنْ أنتَ]: هاهنا فعل أمر: [اسكنْ]، فاعله ضمير مستتر وجوباً. وأما الضمير [أنتَ] الظاهر، الذي تراه، فهو توكيد للضمير المستتر. وهذا صنف من صنوف التوكيد اللفظي، إذ هو تكرير للضمير المستتر، وإعادة له.
· قال الشاعر (الخزانة 5/168): يذْكر مرضعاً وابنها:
[إذاً ظلِلْتُ الدهرَ أبكي أجمعَا]
[الدهرَ… أجمَعا]: كلمة [أجمع] توكيد لـ [الدهر]، وهي واحدة من أربع كلمات يؤتى بها بعد [كلّ]، لتوكيد التوكيد، إذا أريد تقويته، هي: [جمعاء وجُمَع وأجمعون وأجمع (التي نحن بصددها)]. ويتوجّه النظر هاهنا، إلى أنّها لم تُسبَق بـ [كل]، ولذلك تكون في استعمال الشاعر للتوكيد، لا لتوكيد التوكيد (التقوية). وقد وجّهنا النظر آنفاً، إلى أنّ ذلك وارد في كلامهم. وأوردنا له شاهداً قوله تعالى: ]لأُغْوِيَنَّهمْ أجمعين[.
· ]وإنّ جهنمَ لَموعدُهم أجمعين[ (الحجر 15/43)
[أجمعين]: توكيد مجرور، للضمير المتصل: [هم] الذي هو في محلّ جرّ. وقد ذكرنا آنفاً أنّ [أجمعون] من الكلمات الأربع التي يُؤتى بها للتوكيد، إلاّ إذا سبقتها [كلّ] فتكون لتقويته. ولما كانت هنا في الآية غير مسبوقة بـ [كلّ] كانت للتوكيد فقط، لا لتقويته.
* * *
1- هذه الكلمات الأربع، قد لا تسبقها [كل]، فتكون عند ذلك للتوكيد فقط، لا لتقويته.

(95/3)


توكيد الفعل بالنون
يؤكَّد الفعل بالنون لتقوية معناه في نفس المستمع. ودونك أحكام ذلك في أحواله الثلاث:
1 – أما الفعل الماضي فلا يؤكد بالنون مطلقاً.
2- وأما فعل الأمر فلك الخيار – بغير قيد – إن شئت لم تؤكده، وإن شئت أكدته. وعلى ذلك تقول: [اذهب أو اذهبنّ، واكتب أو اكتبنّ]. قال عبد الله بن رواحة:
فأَنزلنْ سكينةً علينا وثبّتِ الأقدامَ إن لاقينا
وتلاحظ التوكيد مرة: [أنزلنْ]، وعدمَه مرة: [ثبت].
3- وأما الفعل المضارع فتوكيده بالنون ذو فرعين:
الفرع الأول: أن يكون هذا الفعل جواباً لقسم متصلاً باللام. ولا مناص في هذه الحال من توكيده. [توكيده واجب]. ومنه الآية: ]تالله لأكيدنّ أصنامكم[ (الأنبياء 21/57) فالمضارع [لأكيدنّ] واجبٌ توكيده لأنه جواب لقسم: [تالله]،لم تُفصَل اللام عنه.
فإذا لم تتصل به اللام، لم يؤكَّد بحال من الأحوال: (توكيده ممنوع). ومنه الآية: ]ولسوف يعطيك ربك فترضى[ (الضحى93/5) وقد فصلتْ [سوف] بين اللام وجواب القسم [يعطيك] فامتنع التوكيد. ولولا هذا الفصل لوجب التوكيد، فقيل: [ليعطينّك ربك].
ومن بديع الشواهد والأمثلة في هذا الباب، قوله تعالى: ]لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم لَيُوَلُّنَّ الأَدبار[ (الحشر59/12) ففي الآية -كما ترى – ثلاثة أجوبة للقسم.
فأما الأول والثاني، أي: [لا يخرجون] و[لا ينصرونهم]، فلم تتصل بهما اللام، فامتنع توكيدهما، وأما الثالث وهو: [ليولُّنَّ]، فقد اتصلت به اللام فوجب توكيده.
والفرع الثاني: ألاّ يكون المضارع جواباً لقسم؛ وفي هذه الحال يجوز توكيده، وعدم توكيده: [لك الخيار]. تقول: [ألا تسافرُ وألا تسافرنَّ، ولا تتأخرْ ولا تتأخرنَّ]…
ولا يستثنى من ذلك إلا الفعل الذي تُنْبِئ به مخاطبك نبأً ما، نحو: [يشرب خالد، وينام سعيد، ويلعب محمد…] فهذا لا يؤكده العربي(1).
أحكام:

(96/1)


1- تُحذَف من المضارع الذي يراد توكيده بالنون: ضمّةُ الرفع في المفرد، ونونُ الرفع في الأفعال الخمسة.
2- يجوز تثقيل النون وتخفيفها في كل موضع، إلاّ بعد ألف التثنية ونون النسوة، فليس إلاّ التثقيل، نحو: [تشربانّ وتشربنانّ].
3- إذا وقفتَ على النون الخفيفة جاز أن تقلبها ألفاً نحو: [يا زهيرُ سافِرَنْ = يا زهير سافِرَاْ].
4- يعامَل فعل الأمر عند توكيده، كما يعامل الفعل المضارع.
تطبيق على توكيد الفعل مقترناً بفاعله:
¨ فاعلُه: مفرد مذكَّر (نحو: تسافر): يُبنى على الفتح:
واللّه لَتُسافِرَنَّ ولَتسعَيَنَّ ولَتَدعُوَنَّ أصدقاءَك ولَتقضِيَنَّ حَقَّهم
سافِرَنَّ واسعَيَنَّ وادعُوَنَّ أصدقاءَك واقضِيَنَّ حَقَّهم
¨ فاعلُه: مثنى (نحو: تسافران): تُكسَر نون توكيده:
واللّه لَتُسافِرانِّ ولَتسعَيَانِّ ولَتَدعُوَانِّ أصدقاءَكما ولَتقضِيَانِّ حَقَّهم
سافِرانِّ واسعَيَانِّ وادعُوَانِّ أصدقاءَكما واقضِيَانِّ حَقَّهم
¨ فاعلُه: جمع مذكّر (نحو: تسافرون): تُحذَف واو الجماعة إلاّ مع المعتلّ بالألف:
واللّه لَتسافِرُنَّ ولَتسعَوُنَّ ولَتدعُنَّ أصدقاءَكم ولَتقضُنَّ حَقَّهم
سافِرُنَّ واسعَوُنَّ وادعُنَّ أصدقاءَكم واقضُنَّ حَقَّهم
¨ فاعلُه: مفردة مخاطَبَة (نحو: تسافرين): تُحذَف الياء إلاّ مع المعتلّ بالألف:
واللّه لَتسافِرِنَّ ولَتسعَيِنَّ ولَتدْعِنَّ صديقاتك ولَتقضِنَّ حَقَّهن
سافِرِنَّ واسعَيِنَّ وادعِنَّ صديقاتك واقضِنَّ حَقَّهنّ
¨ فاعلُه: جمع مؤنث (نحو: تسافرْنَ): الفعل هو هو، لكنْ يُزاد بعده ألِف:
واللّه لَتُسافِرْنانِّ ولَتسعَيْنانِّ ولَتَدعُونانِّ صديقاتكنّ ولَتقضِينانِّ حَقَّهنّ
سافِرْنانِّ واسعَيْنانِّ وادعُونانِّ صديقاتكنّ واقضِينانِّ حَقَّهنّ
* * *
نماذج فصيحة من توكيد المضارع بالنون وجوباً، وامتناع ذلك،
وجواز توكيده وعدمه
· قال النابغة:
فلَتأتِيَنْكَ قصائدٌ ولَيَدفَعَنْ جيشٌ إليكَ قوادمَ الأَكوارِ

(96/2)


(الأكوار للإبل بمنْزلة السروج للخيل. يتوعّده بجيش يأتيه على الإبل، حتى إذا حلّ بساحته نزل الأبطال عنها وامتطوا الخيل). وللبيت رواية أخرى: [جيشاً إليك قوادمُ].
[لَتَأْتِيَنْ]: فعل مضارع، واجبٌ توكيده، لأنه جواب قسم (القسم محذوف) وقد اتصلت به اللام، فتحقق شرط الوجوب. ومثله: [لَيَدفعَنْ]: والنون في كليهما هي الخفيفة(2).
· ]والقمرِ إذا اتّسق لَتركبُنَّ طبقاً عن طبق[ (الانشقاق84/18-19)
[لتركَبُنَّ] فعل مضارع واجبٌ توكيده، لأنه جواب قسم اتصلت به اللام؛ والنون هي الثقيلة.
· قال امرؤ القيس (الديوان/134):
والله لا يذهبُ شيخي باطلا حتى أُبيرَ مالكاً وكاهِلا
القاتِلينَ الملكَ الحُلاحِلا خيرَ مَعَدٍّ حَسَباً ونائِلا
(أبير: أُهلِك، الحلاحل: الشريف).
فهاهنا قسم: (والله)، وجواب القسم: (لا يذهبُ). وتوكيده بالنون ممنوع؛ وإنما امتنع ذلك مع أنه جوابُ قسم، لأن شرط التوكيد الذي لا بد منه، وهو اتصال لام القسم بالفعل، لم يتحقق. ومن هذا تعلم أن المسألة ليست مركوزة في القَسَم، وإنما هي مركوزة في اتصال اللام بجواب القسم!!
· وقال الشاعر:
فحالِفْ، فلا والله تَهبطُ تَلْعَةً من الأرض، إلا أنتَ للذلّ عارِفُ
(يقول الشاعر: حالفْ مَنْ تَعِزُّ بِحِلْفه، وإلا عرفت الذل حيث توجهت من الأرض).
قوله: (تهبط) جواب للقسم: (والله)، وتوكيده ممنوع، وإنما امتنع لأن شرط التوكيد، الذي لابد منه، وهو اتصال لام القسم بالفعل،لم يتحقق(3).
· ]واتّقُوا فتنةً لا تُصِيبَنَّ الذين ظلموا منكم خاصّة[ (الأنفال8/25)
[لا تصيبَنَّ]: تلاحظ توكيد المضارع بالنون. ولولا أن النص قرآني لجاز أن يقال: [لا تصيبُ الذين…]. وذلك أن المضارع ليس جواباً لقسم، فجاز التوكيد وعدمه.
· وقال الأعشى (الديوان /137):
وذا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ ولا تَعبدِ الأوثانَ والله فاعْبُدَا(4)

(96/3)


[تنسكَنَّ]: مضارع سبقته [لا] الناهية، وهو مؤكَّد بالنون، ولكن لو قيل: (لا تنسُكْه) لجاز. وقد أوضحنا سبب ذلك في الشاهد السابق، إذ قلنا إن المضارع إذا لم يكن جواباً للقسم، جاز توكيده وعدم توكيده.
ومن ذلك أيضاً، الآية: ]ولا تقولَنَّ لشيء إني فاعل ذلك غداً[ (الكهف 18/23) فلولا أن النص قرآني لجاز عدم التوكيد، أي: (ولا تقلْ…). وذلك أن المضارع ليس جواباً لقسم.
ومن هذه النماذج أيضاً قول امرئ القيس (الديوان /358):
قالت فُطَيْمَةُ: حَلِّ شِعرَكَ مَدحَهُ أَفَبَعْدَ كندةَ تَمْدَحَنَّ قَبيلا
[تمدحنَّ]: مضارع ليس جواباً للقسم، فيجوز فيه التوكيد وعدمه، ولو قيل: [أفبعد كندة تمدحُ] لجاز.
· ومثل ذلك قول الشاعر:
فهل يمنعنّي ارتيادي البلا دَ مِن حَذَرِ الموتِ أنْ يَأْتِيَنْ
[يمنعنّي]: مضارع ليس جواباً للقسم، وقد أُكّد بالنون، ولو لم يؤكَّد فقيل: [فهل يمنعُنِي] لجاز.
وقس على ذلك ألا يكون جواباً للقسم، فيجوز فيه الوجهان:
نحو: لِيُسافرَنَّ، فيجوز: لِيُسافِرْ
ونحو: ألا تسافرَنَّ، فيجوز: ألا تسافِرُ
ونحو: هلاّ تسافرَنَّ، فيجوز: هلاّ تسافِرُ
ونحو: ليتك تسافرَنَّ، فيجوز: ليتك تسافِرُ
ونحو: لعلك تسافرَنَّ، فيجوز: لعلك تسافِرُ
ومن هذه النماذج أيضا، أن يكون المضارع، مسبوقاً بـ [ما] الزائدة، ومنه قول الشاعر:
إذا مات منهم ميِّتٌ سَرَق ابنُهُ ومِنْ عِضَةٍ ما يَنْبُتَنَّ شَكيرُها
(يريد إذا مات منهم ميت سرق ابنه مساوئه، فكان شبيهاً به، فمن رأى هذا ظنه ذاك. و[العضة]: واحدة [العضاه]، وهو شجر عظام. و[الشكير]: صغار الورق والشوك).
[ينبتَنَّ]: مضارع ليس جواباً للقسم، وقد أُكّد بالنون، وسبقته [ما] الزائدة، ولو قيل: [ما ينبتُ] لجاز.
· ومن ذلك غير قليل من أمثال العرب:

(96/4)


منها قولهم (مجمع الأمثال 1/100): [بعينٍ ما أَرَيَنَّكَ] . ولو قالوا: [بعينٍ ما أراك] لجاز. [المعنى: اعمل كأني أنظر إليك، يُضرب في الحثّ على ترك البطء، و (ما) زائدة].
وقولهم (مجمع الأمثال1/107): [بألَمٍ ما تُخْتَنَنَّ]. ولو قالوا: [بألمٍ ما تختَنُ] لجاز.
وقولهم (مجمع الأمثال 1/102): [بسلاحٍ ما يُقْتَلَنَّ القتيل]. ولو قالوا: [بسلاحٍ ما يُقتَلُ] لجاز.
· ومنه الآية: ]إمّا يبلغَنَّ عندك الكبرَ أحدُهما أو كلاهما[ (الإسراء17/23)
[إما = إنْ الشرطية+ما الزائدة]، [يبلغَنَّ]: مضارع ليس جواباً للقسم، مؤكدٌ بالنون، ولو لم يكن النص قرآنياً لجاز: [إما يبلغْ].
· ومثل ذلك الآية: ]فإمّا تَرَيِنَّ من البشر أحداً[ (مريم 19/26)
ولولا أن النص قرآني لجاز: [إما تَرَيْ].
· ومما جاء من هذا غيرَ مؤكد بالنون قول الشاعر:
يا صاح إما تجدْني غير ذي جِدَةٍ فما التخلّي عن الخِلاّنِ من شِيَمِي
[إما تجدْني]: مضارع ليس جواباً للقسم، غير مؤكد بالنون، سبقته [ما] الزائدة، ولو أُكِّد بالنون فقيل: [إما تجدَنِّي] لجاز.
* * *
1- لا يؤكد العربي الفعل في هذه الحال، لأن المستمع يكون خالي الذهن من الخبر، غير متردد فيه، ولا منكر له. مما ينفي الحاجة إلى توكيده؛ وقد نص الأئمة على ذلك صراحة، فقال الرضي: [النون لها مواضع… ولا تجيء في الخبر الصرف، نحو: تضربنَّ زيداً]. (شرح الكافية 4/318)
2- تأتي هذه النون خفيفة: (نْ) للتوكيد، وثقيلة: (نَّ) لمزيد توكيد، وقد اجتمعتا في الآية: ]ليُسجَنَنَّ ولَيكونَنْ من الصاغرين[ (يوسف12/35)

(96/5)


3- في البيت فائدة عظيمة القيمة، وهي أن العربي قد يحذف (لا) النافية من جواب القسم، مع أنه يريد النفي. قال سيبويه – هارون 3/105: (تحذف لا وأنت تريد معناها، وذلك قولك: والله أفعل ذلك أبداً، تريد: والله لا أفعل ذلك أبداً) ثم استشهد بالبيت الذي نحن بصدده. وعلى ذلك فالأصل قبل الحذف: (والله لا تهبط… إلا). ومنه الآية: ]تالله تفتأ تذكر يوسف[ (يوسف12/85)، أي: تالله لا تفتأ تذكر يوسف. ومنه قول امرئ القيس: فقلت يمينُ الله أَبرحُ قاعداً ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي
أي: يمين الله لا أبرح. وكل هذا يمتنع توكيده مع أنه جواب للقسم. وذلك أنه لم يتحقق له شرط التوكيد، وهو اتصال اللام بجواب القسم.
4- قوله: [اعبدا] فعل أمر مؤكد بالنون الخفيفة. والأصل فيه [اعبدَنْ]، غير أن النون الخفيفة يجوز أن تقلب في الوقف ألفاً، فيقال مثلاً: [اضربنْ = اضربا واذهبْن = اذهبا واحفظنْ = احفظا].

(96/6)


ظرف الزمان، وظرف المكان (المفعول فيه)
الظرف: اسم منصوب، يقع الحدَث فيه، فيكون كالوعاء له؛ ثم إن دلّ على زمان، سُمّي: [ظرف زمان]، أو على مكان، سُمّي: [ظرف مكان]؛ مثال الأول: [سافرت يومَ العطلة]، ومثال الثاني: [جلست تحتَ الشجرة].
مِن ظروف الزمان: [حين – صباح – ظُهر – ساعة – سنة – أمس…].
ومِن ظروف المكان: [فوق – تحت – أمام – وراء – حيث – دون…].
حكمان:
¨ إذا لم يُستعمل الظرف وعاءً للحدث، بل استعمل كما تستعمل سائر الأسماء، أُعرِب على حسب موقعه مِن العبارة كسائر الأسماء: فاعلاً أو مفعولاً، أو مبتدأً أو خبراً… ويقال له عند ذلك اصطلاحاً: [ظرف متصرف]، نحو: [أقبل يومُ العيد] (فاعل). [أُحِبّ يومَ العيد] (مفعول به). [يومُ العيد بهيجٌ] (مبتدأ)…
¨ يحتاج الظرف إلى متَعَلَّق يتعلَّق به، وإلاّ كان لغواً(1).
ألِف العربي الاختصار والإيجاز في استعمال الظروف في مواضع من كلامه(2)، حتى غدت هذه الاستعمالات قواعد قياسية في كتب النحو واللغة.
وعلى ذلك:
– يحذِف العربيُّ الظرفَ ويجتزئ بصفته، فيقول مثلاً: [صبرت طويلاً = صبرت زمناً طويلاً].
– ويحذفه ويجتزئ بالمصدر الذي يكون بعده، فيقول: [سافرتُ طلوعَ الشمس = سافرت وقتَ طلوع الشمس].
– ويحذفه ويجتزئ بعَدَدِه، فيقول مثلاً: [صُمْتُ عشرين يوماً = صُمْتُ زمناً مدته عشرون يوماً].
مسائل أربع:
1- إذا أُشير إلى الظرف، نحو: [سهرت هذه الليلة]، عُدّ اسم الإشارة هو الظرف.
2- إذا أريد من الظرف كليّةٌ أو بعضيةٌ، نحو: [سهرت كلَّ الليل، نمت بعض الليل، كتبت نصفَ ساعة، قرأت ربعَ ساعة…]، عُدَّ اللفظُ الكليّ أو البعضيّ هو الظرف.
3- مِن الظروف ما هو مبنيّ، نحو: [إذا – متى – أيّانَ – إذ – أمسِ – الآنَ – مذْ – منذُ – قطُّ – بينا – بينما – ريثما – لمّا – حيث – هنا – ثَمَّ – أيْنَ – أنّى – لدُنْ – لدى…].

(97/1)


4- [قبل وبعد] و[الجهات الستّ]: يمين، فوق، تحت، أمام (ومثلها قُدّام)، وراء (ومثلها خلف)، يسار (ومثلها شِمال)، تُبنى على الضمّ إذا قُطعت عن الإضافة. تقول مثلاً: [سافرت قبلَ الفجرِ، ووقفت قدّامَ الطاولةِ]، فإذا قُطع الظرف عن الإضافة بُني على الضم فقيل: [سافرت قبلُ – وقفت قدّامُ].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال ظرف الزمان وظرف المكان
· ]فأوحى إليهم أنْ سبِّحوا بكرةً وعشيّاً[ (مريم 19/11)
[بكرةً]: ظرف زمان منصوب، متعلق بـ [سبِّحوا]. إذ البكرة وعاء زمني [ظرف] يحدث فيه التسبيح.
· ]قال آيتُك ألاّ تُكلّم الناس ثلاثَ ليالٍ سويّاً[ (مريم 19/10)
[ثلاثَ]: ظرف زمان منصوب، متعلق بـ [تكلّم]. وأصل المعنى: [ألاّ تُكلم الناس زمناً مدّته ثلاث ليالٍ]، ولكن الآية جرت على سَنَن العرب في الإيجاز، فحذفت الظرف واجتزأت بعدده.
· ]ومن الليل فسبِّحهُ وإدبارَ النجوم[ (الطور 52/49)
[إدبارَ]: ظرف زمان منصوب، متعلّق بـ [سبِّح]. وهو مصدرُ [أدبَرَ – يُدْبِر]. والأصل: سبِّحه وقت إدبار النجوم، أي وقت غروبها، ولكن الآية جرت على سَنَن العرب في الإيجاز، فحذفت الظرف واجتزأت بالمصدر.
· قال يزيد بن الصَّعِق، ويعزى لغيره (الخزانة 1/429):
فساغ ليَ الشرابُ وكنتُ قبلاً أكاد أَغَصُّ بالماء الفُراتِ
[قبلاً]: ظرف زمان منصوب، والشاعر بنصبه له وتنوينه، قد أشعر القارئ أنْ ليس بعد هذا الظرف مضاف إليه محذوف. إذ لو كان بعده مضاف إليه محذوف، وكان الأصل قبل الحذف هو مثلاً: [وكنت قبل كذا أكاد…]، لقال: [وكنت قبلُ]، فيُبنى الظرف في هذه الحال على الضم. وهو ما نبّهنا عليه في البحث إذ قلنا: [إذا قُطع الظرف عن الإضافة بُني على الضمّ].
· قال الشاعر (همع الهوامع 3/196):
لَعَنَ الإلهُ تَعِلَّةَ ابنَ مسافرٍ لَعْناً يُشَنُّ عليه مِنْ قُدّامُ

(97/2)


[قدّامُ]: ظرف، والظرف إذا قُطِع عن الإضافة (أي: حُذِف المضاف إليه بعده)، يُبنى على الضمّ، وذلك ما فعله الشاعر إذ قال: [من قدامُ]، وهو ما نوّهنا به في البحث إذ قلنا: [إذا قُطِع الظرف (قبل وبعد والجهات الست) عن الإضافة بُنِيَ على الضمّ].
· قال الشاعر (همع الهوامع 3/188):
اليوم أعلمُ ما يجيء بهِ ومضى بفضل قضائه أمسِ
[أمسِ]: اسم يدلّ على الزمان. ويبنى على الكسر، إذا أريد به اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه. ولم يُستعمل في البيت ظرفَ زمان، يقع فيه الحدث فيكون وعاءً له، بل استعمل كما تُستعمل سائر الأسماء، فهو هاهنا فاعل لفعل: [مضى]. وهذا معنى قولهم: [ظرف متصرف].
· ومنه قول المعريّ:
أمسِ الذي مرّ على قربه يعجز أهل الأرض عن ردّهِ
فكلمة: [أمسِ]، في البيت، استُعملت استعمال ظرفٍ متصرف، يُعرب على حسب موقعه من العبارة كسائر الأسماء. فهي هنا: اسمٌ مبني على الكسر، في محل رفع مبتدأ، خبره جملة [يعجز أهل الأرض عن ردّه].
· ]يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً[ (الإنسان 76/7)
[يوماً]: لم يستعمل في الآية ظرفاً يقع فيه الحدث فيكون وعاءً له، بل استعمل غير ظرف. أي استعمل كما تستعمل سائر الأسماء، فمحلُّه إذاً من الإعراب في الآية، مفعول به منصوب. ويقول عنه النحاة في هذه الحال: [ظرف متصرف].
· قال عبد الله بن الدمينة (الديوان /103):
أَحقّاً عبادَ اللهِ أنْ لستُ صادراً ولا وارداً إلاّ عليَّ رقيبُ
قوله: [أحقاً… أنْ لست…] تركيب عربي فصيح، يُستَعمل كما جاء، بدون تغيير ولا تبديل. تقول: أحقّاً أنك منطلق، أحقّاً أنك مسافر، أحقّاً أنّ الأمر الفلاني سيحدث…

(97/3)


ولقد زعمت كتب الصناعة، زعماً يفتقر إلى منطق محكَم، أنّ [حقّاً] منصوب على الظرفية الزمانية؛ والأقرب إلى المنطق اعتدادُه منصوباً على نزع الخافض، وأن الأصل: [أفي حقٍّ]. ونوجّه النظر، إلى أن التركيب هو هو، لا يتغير في كل حال. وإنما الذي يتغير هو الإعراب. وما أهون أن يختلف الإعراب ويسلم التركيب.
· ومثل ذلك قول المفضَّل النُّكري (الأصمعيات /231):
أَحقّاً أنّ جيرتنا استقلّوا فنيَّتُنا ونيَّتُهمْ فريقُ
· قال عبد الله بن الدمينة (الديوان /88):
نهاري نهارُ الناسِ حتى إذا بدا ليَ الليلُ هزّتني إليكِ المضاجعُ
[نهاري نهار]: لم يستعمل الشاعر هذين الاسمين على أنهما ظرفان يقع فيهما الحدث، فيكونان وعاءً له، بل استعملهما على أنهما ظرفان متصرفان، أي: اسمان كسائر الأسماء، فإعرابهما إذاً، على حسب موقعهما في العبارة. فالأول هنا مبتدأ، والثاني خبر.
* * *
1- الظرف والجارّ والمجرور شأنهما في التعليق سواء، والحديث عن أحدهما في هذا منطبق على الآخر. ولقد خصصنا هذه المسألة ببحث قائم برأسه، عنوانه [تعليق شبه الجملة (33)]، فمن شاء رجع إلى ذلك في موضعه.
2- ينفر العربي من الثرثرة في عامة تعابيره، ويميل إلى الإيجاز والاختصار، ما استقام المعنى. وما نرى وَعْدَ الله المؤمنين جنةً ]لا يسمعون فيها لغواً[، إلاّ استكمالاً لمتعها!!

(97/4)


عَلَى
¨ [على]: من حروف الجرّ، ولها معان أشهرها:
* الاستعلاء وهو أصل معناها، نحو: ]وعليها وعلى الفلك تُحمَلون[ (المؤمنون 23/22)
* المصاحَبة بمعنى [مع]، نحو: ]وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرةٍ للناس على ظُلمهِم[ (الرعد 13/6) أي مع ظلمهم.
* التعليل، نحو: ]وَلِتُكبِّرُوا اللهَ على ما هداكم[ (البقرة 2/185)
* الظرفية بمعنى [في]، نحو: ]ودَخلَ المدينَةَ على حين غَفْلَةٍ مِنْ أَهلِها[ (القصص 28/15) أي في حين غفلة.
* الاستدراك، ومنه قول ابن الدُمَينة:
بكلٍّ تداوَيْنا فلم يُشْفَ ما بنا على أنّ قُرْبَ الدار خيرٌ مِنَ البُعْدِ
¨ تكون اسماً بمعنى [فوق]، إذا دخل عليها حرف الجرّ [مِن]، وذلك نحو قولك: [نزلت مِن على المنبر]، و[سقط زيدٌ مِن على السطح].
* * *

(98/1)


عَنْ
¨ حرف جرٍّ، لها معانٍ أشهرها:
* المجاوزة، نحو: سِرتُ عن المدينة.
* معنى [بَعد]، نحو: ]عَمَّا قليلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمين[ (المؤمنون23/40)
* معنى [على]، نحو: ]وَمَنْ يَبخَلْ فإنما يَبْخَلُ عن نَفْسه[ (محمد 47/38)
* معنى [مِن]، نحو: ]وهو الذي يَقبَلُ التَّوبةَ عن عِبَاده[ (الشورى42/25)
* معنى البدلية، نحو: ]واخْشَوا يوماً لا يَجْزِي والدٌ عن وَلَدِه[ (لقمان31/33)
* معنى التعليل، نحو: ]وما نحن بِتارِكِي آلِهَتِنا عن قَوْلِك[ (هود11/53)
¨ وتكون بمعنى [جانب]، إذا سبقتها [مِن]، نحو قول قَطَرِيّ ابن الفُجاءة:
فلقد أراني للرماح دَريئةً مِنْ عَنْ يميني مرةً وأَمامي
* * *

(99/1)


عَدَا
أداةٌ يستثنى بها، لتضمّنها معنى [إلاّ]. والاسمُ بعدها يجوز جرُّه ونصبُه(1).
* فمن الجرّ قول الشاعر (الدرر اللوامع 1/197):
أَبَحْنا حَيَّهُمْ قَتْلاً وأَسْراً عَدا الشَّمْطاءِ والطفلِ الصغيرِ
[الشمطاء]: من خالط سوادَ شعرها بياضُ الشيب.
* ومن النصب قول الشاعر (همع الهوامع 3/284):
عَدا سُلَيْمَى وعَدَا أباها(2)
* فإذا اقترنت بها [ما] وجب النصب، وامتنع الجرّ، ومنه قول مروان بن أبي حفصة (الديوان /74):
ما عدا المُجْتَدَى أباكَ وما مِنْ راغبٍ يَنْتديه إلاّ اجتداكا
وقولُ الشاعر (الدرر اللوامع 1/197):
تُمَلُّ النَّدامَى ما عَدانِي فإنني بكلِّ الذي يَهْوى نَدِيمي مولَعُ(3)
* * *
1- يذهب النحاة إلى أن [عدا] في حالة الجرّ حرفُ جرّ، وفي حالة النصب فعل.
2- ذكر صاحب الدرر 1/196 أنه لم يقف على تتمة هذا الشاهد ولا نسبته.
3- الياء مِن [عداني] في محلّ نصب، وليس لها وجه آخر. وذلك أنّ نون الوقاية لا تدخل على ضمير مجرور.

(100/1)


أَجَلْ
حرف جواب، مثل نَعَمْ.
* * *

(101/1)


[ألـ]
· [ألـ]: تأتي على وجهين، مُعَرِّفةً وزائدة:
* المعرِّفة: تدخل على الأسماء فتفيدها التعريف. نحو: [الكتاب والقلم والمسطرة](1). ثمّ إن دلّ سياق الكلام على أنّ الاسم الذي تَعرّف بها مقصودٌ به جميع أفراد جنسه نحو: ]وخُلِق الإنسان ضعيفاً[ (النساء 4/28)، سمَّوها: [جنسية]، أو أنّ المقصود به معهود(2) نحو: [ابتدأت العطلة]، سمَّوها: [عهديّة].
* الزائدة: وهي التي تصحب الأعلام(3)؛ ثمّ إذا كانت تصحبها فتلزمها فلا تفارقها نحو: [اللات والعزّى ولفظ الجلالة…]. قيل: زيادتها (لازمة)، وإذا كانت تصحبها مرة وتفارقها أخرى نحو: [الحسن – الحسين – العباس – الرشيد…] قيل: زيادتها (غير لازمة).
* * *
1- [كتاب وقلم ومسطرة] نكرات لا تدلّ على معيَّن، فإذا أريدَ تعريفُها أُدخلت عليها [ألـ] فقيل: [الكتاب والقلم والمسطرة] فتتعرّف بذلك وتتعيّن. وذلك كأنْ تسأل صديقاً لك شراءَ قلمٍ ما على غير تعيين (وهذا نكرة)، ثم تقول له من بعدُ: [هل اشتريت لي القلم ؟]، أي: هل اشتريت لي القلم الذي كان موضوعَ حديثنا من قبل؟ (وهذا معرفة).
2- قد يكون [المعهود] حاضراً، أو سبق ذكرُه في الكلام، أو معيَّناً في الذهن نحو: [جاء الفائز].
3- ويقول بعض النحاة إنها زائدة أيضاً في كلمتين هما: الاسم الموصول نحو [الذي…]، وكلمة [الآن].

(102/1)


أَلاَ
تأتي على وجهين:
الأول: حرف استفتاح وتنبيه، وضابطها صحة الكلام بدونها. وتُكسر همزة [إنّ] بعدها، وتدخل على الجملة الاسمية والفعلية، نحو: ]ألا إنهم هم السفهاء[ (البقرة 2/ 13) و]ألا ساء ما يَزِرُون] (1) (الأنعام 6/31)
والثاني: العرض والتحضيض، وتختص بالأفعال، نحو: ]ألا تحبون أن يغفر اللهُ لكم[ (النور 24/22) و ]ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانَهم[ (التوبة 9/13)
* * *
1- ساء: فعل متعدٍّ متصرّف، و [ما] اسم موصول، فاعل (البحر المحيط 4/107)، و يزرون: من الوِزْر، أي: الحمل.

(103/1)


الأَلِف
لها وجوه:
الأول: ضمير الاثنين، وتتّصل بالفعل نحو: [قلتُ لزهيرٍ وسعيدٍ: سافِرا، فسافَرا وسيعودان].
الثاني: علامة التثنية، نحو: [عندي كتابان].
الثالث: علامة نصب الأسماء الخمسة، نحو: [زُرْنا أخاكَ].
الرابع: الزائدة، المتّصلة بالظرف [بين]، نحو: [بينا كنت أقرأ إذ قُرِعَ الباب].
الخامس: الزائدة لمدّ الصوت، في الندبة والاستغاثة والتعجّب، نحو:
[وا حسيناْ – يا زهيراْ – يا عجباْ].
السادس: ألِف الإطلاق، وهي التي تلحق القوافي، نحو:
أَقِلّي اللومَ عاذل والعِتابا
السابع: الفاصلة بين نون النسوة ونون التوكيد، نحو: [واللهِ لَتَذْهبْنانّ = لَتَذْهَبْنَ + الألف الفاصلة + نِّ].
الثامن: المبدلَة من نون التوكيد، نحو: ]لَنَسْفَعَنْ[ = لَنَسْفَعَا، أو مِن تنوين النصب عند الوقف، نحو: [زرت زهيرنْ = زُرت زهيراْ].
* * *

(104/1)


الباء
– الباء من حروف الجرّ، أصل معانيها الإلصاق نحو: [أمسكت بيدك]، و[مررت بدارك]. ومهما تختلف معانيها الأخرى فإن الإلصاق لا يفارقها؛ فمن ذلك:
* الاستعانة: كتبت بالقلم، أي مستعيناً به.
* السببية والتعليل: ]فكلاًّ أخذنا بذنبه[، (أي: بسبب ذلك).
* التعدية: ]ذهب اللهُ بنورهم[ أي: أذهب الله نورَهم.
* العِوَض: خذ الكتاب بدينار. أي: هذا عِوَضٌ من ذاك وبدلٌ منه.
* الظرفية: ]ولقد نصركم اللهُ ببدر[، (أي: نصركم في بدر)
* المصاحبة: اشتريت البيت بأثاثه، أي: مع أثاثه.
* القَسَم: باللهِ العظيم لأسافرنّ. ويجوز إظهار فعل القسم معها فيقال: أقسم بالله العظيم لأسافرنَّ.
– قد تأتي الباء في الكلام زائدة، ويطّرد ذلك قياساً في الخبر المنفيّ، نحو: [ليس الجهل بنافع] أي: ليس نافعاً. و[ما الطيش بمحمود]، أي: ما الطيش محموداً. وأما في غير الخبر المنفي، فزيادتها محصورة في تراكيب معينة مع كلمات لا تتغيّر، دونك بيانها:
* بعد [ناهيك] نحو: [ناهيك بخالدٍ بطلاً = ناهيك خالدٌ…].
* بعد [إذا الفجائية] نحو: [خرجتُ فإذا بخالدٍ يصيح = فإذا خالدٌ…].
* بعد [كيف] نحو: [كيفَ بِكَ إذا كان كذا وكذا = كيفَ أنتَ…].
* بعد [كفى] نحو: [كفى بزهير معلّماً = كفى زهيرٌ معلّماً].
* قبل [حَسْب] نحو: [بحَسْبِكَ دينارٌ = حسْبُكَ دينارٌ].
* قبل [النفس والعين] في باب التوكيد نحو: [زارنا خالدٌ بعينه وبنفسه = زارناخالدٌ عينُه ونفسُه].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الباء
· قال امرؤ القيس (الديوان /33):
وليس بذِي رُمحٍ فيطعنَنِي بِهِ وليس بِذي سَيْفٍ، وليس بِنَبّالِ
تزدحم الباءات في بيت الشاعر، وهي صنفان:
الأول قوله: [يطعنني به (أي: الرمح)] والباء فيه للاستعانة، أي: يطعنني مستعيناً به.

(105/1)


والثاني قوله: [ليس بذي رمح – وليس بذي سيف – وليس بنبّال] والباءات الثلاث حروف جرّ زائدة، جاءت – على المنهاج – في أخبار منفية، أي: ليس ذا رمح، وليس ذا سيف، وليس نبالاً. وقد ذكرنا في المتن أنّ زيادة الباء في الخبر المنفي زيادة قياسية مطّردة.
· ]وما ربك بظلاّم للعبيد[ (فصّلت 41/46)
[ما… بظلاّم]: الباء في الآية زائدة زيادة قياسية مطّردة، وذلك أنها جاءت – على المنهاج – في الخبر المنفي، أي: وما ربُّكَ ظلاّماً.
· ]كَفَى بالله شَهيدًا[ (الرعد 13/43)
[كفى بالله]: الباء في الآية زائدة، وقد جاءت بعد الفعل الماضي: [كفى]. وهي إحدى الزيادات المحصورة، في تركيب معيّن، مع كلمة لا تتغير، هي الفعل الماضي [كفى]. أي: كفى اللهُ شهيداً.
· قال الأشعَرُ الرَّقبانُ الأسديّ (نوادر أبي زيد /289):
بِحَسْبِكَ في القومِ أنْ يَعلَموا بأنّكَ فيهمْ غَنِيٌّ مُضِرّ
[بحسبك]: الباء زائدة، وقد دخلت على كلمةِ [حسْب]. وهذه الزيادة هي إحدى الزيادات المحصورة، في تركيب معيّن، مع كلمة لا تتغيّر، هي كلمة [حسْب]. أي: حسبك أن يعلموا.
· قال ذو الرمة (الديوان 2/778):
وقفنا فقلنا إِيهِ عن أُمِّ سالمٍ وكيف بتكليمِ الديار البلاقعِ
[كيف بتكليم…]: الباء زائدة، وقد جاءت بعد [كيف]. وهذه إحدى الزيادات المحصورة في تركيب معين، مع كلمة لا تتغير هي كلمة [كيف]. أي: كيف تكليمُ الديار.
* * *

(105/2)


الفاء
تَرِد الفاء على ثلاثة وجوه:
¨ الوجه الأول: العاطفة. وتفيد [الترتيب مع التعقيب] نحو: [دخل خالدٌ فزهيرٌ]. فالترتيب: دخول خالدٍ أولاً؛ والتعقيب: دخول زهيرٍ عقب خالد بلا مهلة(1). وقد تفيد معهما [التسبيب]، وذلك أن يكون ما قبلها سبباً فيما بعدها نحو: ]فوكزه موسى فقضى عليه] (2) (القصص 28/15)
حُكْم: قد يكون قبل الفاء المفيدة للتسبيب نفيٌ أو طلب، فينتصب الفعل المضارع بعدها، نحو: [لا تُقَصِّرْ فتندَمَ]. وتُسمّى في هذه الحال: [فاء السببية](3).
¨ والوجه الثاني: الرابطة لجواب الشرط، نحو: ]إنْ تُعذّبْهم فإنّهم عبادُك] (4) (المائدة 5/118)
¨ والوجه الثالث: الزائدة، ويكون دخولها في العبارة كخروجها، نحو: [أنت فاكتمْ ما حدّثتك به = أنت اكتمْ …]، ومن مواضع ذلك: دخولُها على خبر المبتدأ، إنْ كان المبتدأ مما يتضمن معنى الشرط، نحو: [الذي يأتي فله درهمٌ] و [كلّ صادقٍ فهو محترم].
تنبيه: قد تكون الفاء للاستئناف، وذلك إذا تمّ الكلام، وأُتِي بعد تمامه بكلام مستأنَف، قد يتّصل بالسابق من جهة الموضوع، ولكنْ لا صلةَ له به من الوجهة الإعرابية، نحو: [جعلوا لله شركاء، فتعالى الله].
* * *
1- تعمد كتب الصناعة إلى التفصيل في الترتيب والتعقيب، فتجعل الترتيب ترتيبين معنويّاً وذِكريّاً. فالمعنويّ نحو: [دخل خالدٌ فزهيرٌ]. والذِّكْريّ – وهو عطفُ مفصّلٍ على مجمَل – نحو: [سافر عليٌّ، فركب السيارة والطائرة]. وتجعل التعقيب تعقيبين، بلا مهلة نحو: [أكل فشبع]، وبمهلة نحو: [تزوَّج فوُلِد له]. وأما ابن هشام فيقول: [التعقيب، هو في كل شيء بحسبه] (المغني /174).
2- في الآية: ترتيب وتعقيب وتسبيب. فالترتيب من أنّ [الوكْز كان أولاً]، والتعقيب من أنّ [القضاء على العدوّ كان بعد الوكْز بلا مهلة]، والتسبيب من أنّ [الوَكْز كان سببَ الموت].

(106/1)


3- انظر أحكام ما قبل فاء السببية وما بعدها، في بحث [نصب الفعل المضارع (92)]. واعلَم أنّ بين فاء التسبيب (كما يسمّيها المالقيّ) وبين فاء السببية، اتّفاقاً وافتراقاً. فهما يتّفقان في أنّ ما قبلهما كليهما سببٌ فيما بعدهما، ويفترقان في أنّ التي بعدها مضارعٌ منصوبٌ هي فاء السببية، وأنّ ما عدا ذالك هو فاء التسبيب.
4- انظر أحكام ربط جواب الشرط بالفاء، في بحث [جزم الفعل المضارع (40)].

(106/2)


الهاء
على وجوه:
الأول: ضميرٌ للغائب، نحو: [فلانٌ حَسَدُهُ يقتلُه].
الثاني: حرف يلازم الضمير [إيّا]، للدلالة على الغيبة، نحو: [إيّاهُ أَعنِي](1).
الثالث: هاء السَّكْت، وهي هاء ساكنة يُؤتَى بها إذا وُقِفَ على آخر الكلمة مما يأتي:
* الاسم المندوب، نحو: [وا خالداهْ].
* كلّ فعلٍ حُذِفَ حرفُه الأخير، نحو: [عِ، لم يَعِ، لم يُوقَ](2)، فيقال عند الوقف: [عِهْ – لم يَعِهْ – لم يُوقَهْ].
* ياء المتكلِّم نحو: [هذا قلَمِيَهْ، قرأتُ كتابِيَهْ].
* ثلاثة ضمائر هي: [أنا – هو – هي] يقال في الوقف على آخرها:
[أَنَهْ – هُوَهْ – هِيَهْ].
* [ما]: الاستفهامية إذا حُذِفَت ألفُها لدخول حرف جرٍّ عليها، نحو:
[لِمَهْ – بِمَهْ – مِمَّهْ].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال هاء السَّكْت
· قال حسّان بن ثابت (الديوان /422):
إذا ما تَرَعرَعَ فينا الغلامُ فما إنْ يُقالُ لهُ: مَنْ هُوَهْ؟
[هُوَهْ]: الهاء المتصلة بهذا الضمير هي هاء السكت؛ وذلك أنّ ثلاثة ضمائر تُزاد هاءُ السكت في آخرها، هي: [أنا – هو – هي]، فيقال في الوقف على آخرها: [أَنَهْ – هُوَهْ – هِيَهْ].
· وقال أيضاً، زاعماً أنّ له شيطانَ شعرٍ من بني (الشَّيْصَبان) إحدى قبائل الجنّ (الديوان /423):
ولِي صاحبٌ مِن بني الشَّيْصبانِ فطَوْراً أقولُ، وطوْراً هُوَهْ
والاستعمال في هذا البيت هو الاستعمال نفسه في البيت السابق، فلا حاجة إلى الإعادة.
· ]يا ليتني لمْ أُوْتَ كتابِيَهْ. ولَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ[ (الحاقة 69/25-26)
تُزاد هاء السكت، بعد ياءِ المتكلّم إذا وُقِفَ عليها، وقد تحقق ذلك في الكلمتين: [كتابيَهْ] و [حسابيَهْ].
· ]ما أَغْنَى عنّي مالِيَهْ. هَلَكَ عني سُلطانِيَهْ[ (الحاقة 69/28-29)
يُقال في هاتين الآيتين، ما قيل آنفاً في الآيتين السابقتين، فلا حاجة إلى التكرار.
· ]وما أدراكَ ما هِيَهْ[ (القارعة 101/10)

(107/1)


[هِيَهْ]: الهاء المتصلة بهذا الضمير هي هاء السكت؛ وقد كُنَّا قلنا آنفاً: إنّ ثلاثة ضمائر تُزاد هاءُ السكت في آخرها، هي: [أنا – هو – هي]، فيقال في الوقف على آخرها: [أَنَهْ – هُوَهْ – هِيَهْ]. والآية شاهدٌ على ذلك، إذ جاءَتْ هاءُ السكت هاهنا في آخِر الضمير: [هي]. ومن المعجن نفسه القول: [هكذا فَصْدِي أَنَهْ] فإنّ الهاء هاهنا هاء السكت. وقد أورد ذلك المالقيّ، نموذجاً لزيادتها، بدلاً من ألف الوقف في آخر الضمير [أنا]، فقيل: [أَنَهْ].
* * *
1- مِن ملازمة الهاء لهذا الضمير، أجازوا إعرابهما معاً كلمةً واحدة. ومثل ذلك: إياك وإيانا و…
2- لولا الحذف لقيل: [عِيْ ويعِي ويُوْقَى]. انظر: هاء السكت، في بحث: القراءة (من أحكامها) (65).

(107/2)


الهمزة
للهمزة ثلاثة وجوه:
الأول: أداة نداء، نحو قول امرئ القيس:
أفاطمُ مهلاً بعضَ هذا التدلّلِ وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرمي فأجملِي
الثاني: أن تكون للتسوية: وتقع بعد: (سواء، وما أبالي، وما أدري، وليت شعري، ونحو ذلك). وتؤَوَّل هي وما بعدها بمصدر نحو: ]سواءٌ عليهم أأنذرتهمْ أم لم تنذرهم لا يؤمنون[، أي: سواء عليهم إنذارُكَ وعدمُ إنذارك.
الثالث: أداة استفهام: نحو: [أأنت خالدٌ؟]، [أيسافر زهيرٌ؟]. وفي استعمالها وجوه:
* قد تُحذَف، في الإثبات وفي النفي. فمن الإثبات قول عمَر بن أبي ربيعة (الديوان / 258):
فواللهِ ما أدري وإني لحاسِبٌ بسبعٍ رميتُ الجمرَ أم بثمانِ؟
أي: أبسبعٍ؟
ومن النفي قولُه تعالى: ]ألم نشرح لك صدرك[.
* لها الصدارة أبداً، ومن ذلك تقدمُها على حروف العطف: (الواو والفاء وثُمّ). نحو: ]أوَلَم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض[ ]أفلم يسيروا فينظروا[ ]أَثُمَّ إذا ما وقع آمنتم به[.
¨ من أحوال الهمزة:
1- يُقلب حرف العلة (الواو والياء) همزةً، إذا تطرّف وسبقته ألف زائدة. كنحو: سماء ودُعاء وبنّاء وسقّاء. فإن الأصل: سَماو ودُعاو وبَنّاي وسقّاي(1).
2- يُقلب حرف العلة همزةً في اسم الفاعل، الذي تُعَلّ عين فعله، كنحو: قائل وبائع وجائز(2) فإنّ أفعالها قبل الإعلال: قول وبيع وجوز. ثم بعد إعلالها: قال وباع وجاز.
3- الألف والواو والياء، إن وقعت ثالثة زائدة ساكنة في اسم مفرد، قُلبت همزةً في جمعه على فَعَاْئِلْ، نحو: [رسالة – رسائل، عجوز – عجائز، صحيفة – صحائف].
4- إن اجتمعت همزتان، أولاهما متحركةً، والثانية ساكنة، قلبت الثانية حرف مدّ يجانس حركة الأولى، كنحو: آمَنَ – أُومِنُ – إِيمان – آدم – آخر، والأصل: أَأْمن – أُأْمن – إِإْمان – أَأْدم – أَأْخر.

(108/1)


5- إن كانت الهمزة حشواً في الكلمة، ساكنةً بعد حرف صحيح، نحو: [رأْس] أو متحركةً بالفتح، نحو: [ذئاب]، أو تطرّفت نحو [القارِئ، الوضوْء]، جاز أن تُقلَب فتجانس ما قبلها من حركة أو حرف، على حسب الحال. ودونك نماذج من الصنفين:
أوّلاً: قلبُ الهمزة حرفاً يُجانس حركةَ ما قبلها:
قَرَأ (متطرّفة) = قَرَاْ (قلبت الهمزة ألفاً لتجانِس فتحةَ الراء)
يَقْرَأ (متطرّفة) = يَقْرَاْ (قلبت الهمزة ألفاً لتجانِس فتحةَ الراء)
القارِئ (متطرّفة) = القارِيْ (قلبت الهمزة ياءً لتجانس كسرة الراء)
رأْس (حشو) = رَاْس (قلبت الهمزة ألفاً لتجانس فتحة الراء)
الملأ (متطرّفة) = الملاْ (قلبت الهمزة ألفاً لتجانس فتحة اللام)
سُؤْل (حشو) = سُوْل (قلبت الهمزة واواً لتجانس ضمة السين)
بِئر (حشو) = بِيْر (قلبت الهمزة ياءً لتجانس كسرة الباء)
ذِئاب (حشو) = ذِياب (قلبت الهمزة ياءً لتجا نس كسرة الذال)
جُؤار(3) (حشو) = جُوار (قلبت الهمزة واواً لتجانس ضمة الجيم)
ثانياً: قلبُ الهمزة حرفاً يُجانس حرفاً قبلها:
وضوء(متطرفة) = وضوو (قلبت الهمزة واواً لتجانس الواو) = وضوّ (بعد الإدغام)
هنيء (متطرفة) = هني ي (قلبت الهمزة ياءً لتجانس الياء) = هنيّ (بعد الإدغام)
سوء (متطرفة) = سوو (قلبت الهمزة واواً لتجانس الواو) = سوّ (بعد الإدغام)
شَيْء (متطرفة) = شي ي (قلبت الهمزة ياءً لتجانس الياء) = شيّ (بعد الإدغام)(4)
¨همزة الوصل:
همزة الوصل: همزة زائدة في أول الكلمة، يؤتى بها: مفتوحةً أو مضمومةً أو مكسورة – على حسب الحال – لِيُتَخَلَّص من البدء بحرف ساكن(5). وأما في الحَدْر والدَّرْج فتنتفي الحاجة إليها فيُسقطها العربيُّ من لفظه. بيان ذلك أنه لا يقول في الأمر مثلاً: [قْرأْ]، بل يقول: [اِقْرأْ]. فإذا حدر قال: [اِقرأ، واقْرأ واقْرأ، ثم اكْتُبْ](6).
الأحكام: مواضعها وحركاتها:
في الأفعال:

(108/2)


كل فعل غير رباعي (ثلاثي – خماسي – سداسي)، فالهمزة الزائدة في أوّله وأوّل مصدره، هي همزة وصلٍ مكسورة. نحو: [اِشربْ، اِفتحْ، اِنطَلَقَ – اِنطَلِقْ – اِنطِلاق، اِستَخْرَجَ – اِستَخْرِجْ – اِستِخْراج].
ولا تُضَمّ إلا في الأمر الذي عينُ مضارعه مضمومةٌ نحو: [يدخُل – اُدْخُلْ، يكتُب – اُكْتُبْ]، والماضي الخماسي أو السداسي المبني للمجهول(7) نحو: [اُنْطُلِقَ – اُسْتُخْرِج].
في الأسماء:
وهي سبعة: [اثنان واثنتان – وابن(8) – وابنة – وامرؤ وامرأة – واسم(9)]. وهمزاتها مكسورة أبداً.
في الحروف:
وذلك في حرف واحد هو: [ألـ]. والهمزة فيه مفتوحة أبداً.
فائدة:
يُدخِل العربي همزة الاستفهام على [ألـ]، فينشأ من التقائهما مَدَّة: [آ]. ففي نحو: [ أ + الكتاب خيرُ صديق؟ ]، يقال: [آلكتاب خيرُ صديق؟]. ومنه قوله تعالى: ]آللهُ أَذِنَ لكم أم على اللهِ تفترون[
* * *
1- لا يغيّر من القاعدة شيئاً أن تلحق الكلمةَ تاءٌ مربوطة للتأنيث، نحو: [بنّاءة وسقّاءة…].
2- يقولون: إن صحّت العين في الفعل، صحّت في اسم الفاعل، ولكن ليس عندهم من هذا إلاّ فعلان هما (عَيِن وعَوِر)!!
3- الجُؤار: رفع الصوت بالدعاء.
4- الإدغام في الكلمات الأربع – ونظائرها – على المنهاج في الإدغام.
5- في النطق بالعربية قاعدتان مطلقتان: [لا يُبْدَأ بساكن]، فلا يقال مثلاً: [جْلِسْ]، بل يقال: [اِجْلِسْ]. و[لا يُوقَفُ على متحرك]، فلا يقال مثلاً في الوقف: [سافر خالدٌ]، بتنوين الآخر، بل يقال: [سافر خالدْ] بتسكينه. ولا يقال في الوقف: [حفظ الطالب الدرسَ] بتحريك الآخر، بل يقال: [حفظ الطالب الدرسْ] بتسكينه.
6- إذا كانت الهمزة مما يُلفظ في البدء والحدر جميعاً، سمّوها: [همزة قطع]، نحو: [أنا أُحِب أنْ أقرأ الأدب الأمويّ]. فكل همزة في هذه الكلمات الستّ همزة قطع.

(108/3)


7- لا يستثنى من هذا الحكم، إلا الخماسي الذي قبل آخره حرف مدّ، فتُكسَر في أوّله، نحو: [اِعتادَ – اِعتِيد، اِقتادَ – اِقتِيد].
8- يعدّ النحاة كلمة [ابنم] اسماً من هذه الأسماء قائماً بنفسه، وإنما هي [ابن] زيد في آخرها ميم.
9- [ايمن] كلمة موضوعة للقسم. كانوا يقولون (وايمن الله لأفعلَنّ كذا)، والأئمة مختلفون في همزتها، أهي قطع أم وصل. وبسبب اختلافهم فيها وعدم استعمالها في عصرنا، اطّرحنا ذكرها هنا.

(108/4)


الكاف
على وجوه ثلاثة:
الأول: اسم يفيد التشبيه، معناه معنى [مِثْل] ولذلك يُعرَب إعرابه، إذ هو بمنْزلته(1). وبعده مضاف إليه أبداً. ففي قولك: [خالدٌ كالأسد]:
[خالد]: مبتدأ. و[الكاف]: خبر المبتدأ في محل رفع. و[الأسد]: مضاف إليه.
الثاني: كاف الضمير، وتتّصل بالأسماء والأفعال، نحو: [رآك خالدٌ وكتابُكَ بيدكَ].
الثالث: كاف الخطاب، وهي حرف لا محل له من الإعراب، يلحق أسماء الإشارة نحو: [ذلكَ – ذلكِ – ذلكما…]، وضميرَ النصب المنفصل نحو: [إيّاكَ – إيّاكُما – إيّاكُم…].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال الكاف
· قال المتنبي:
وما قَتَلَ الأحرارَ كالعفوِ عنهمُ ومَنْ لكَ بالحُرِّ الذي يَحْفَظُ اليَدا
[كالعفو]: الكاف اسم بمنْزلة [مثل]، فاعل لـ [قتل] في محل رفع. و [العفوِ]: مضاف إليه.
· قال تعالى: ]أَخْلُق لكم مِن الطّين كَهَيْئَةِ الطّير فأَنفُخ فيه فيكونُ طيراً[ (آل عمران 3/49)
[كهيئة]: الكاف اسم بمنْزلة [مثل]، مفعول به في محل نصب، و[هيئةِ]: مضاف إليه.
· قال العجاج (الخزانة 10/166):
يَضْحَكْنَ عَنْ كالبَرَدِ المُنْهَمِّ (الذائب)
[كالبردِ]: الكاف اسم بمنْزلة [مثل]، في محل جرّ بـ [عن]، و[البَرَدِ]: مضاف إليه.
· قال ذو الرّمة (الديوان 2/1210-1211):
أَبِيتُ على مَيٍّ حزيناً، وَبَعْلُها على كالنَّقا مِن عالجٍ يَتَبَطّحُ
(النقا: الكثيب من الرمل، عالج: موضع معروف).
[على كالنقا]: الكاف اسم بمنْزلة [مثل]، في محل جرّ بـ [على]، و[النقا]: مضاف إليه.
· قال النابغة الذبياني (الديوان /38):
فإنّكَ كالليلِ الذي هو مُدْركي وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عنْكَ واسِعُ
[كالليل]: الكاف اسم بمنْزلة [مثل]، في محل رفع خبر [إنّ]، و[الليل]: مضاف إليه.
* * *

(109/1)


1- تسير كتب الصناعة على اعتداد الكاف مرةً حرف جر، ومرة اسماً بمعنى [مِثل]. ولما كان اعتدادها حرفاً يصدق في حال دون حال، وكان اعتدادها اسماً يصح ويصدق في كل حال، اطّرحنا حرفيّتها وأخذنا باسميتها. فهي اسم بمعنى [مِثل]، في كل موضع ترد فيه.

(109/2)


اللام
حرفٌ كثير المعاني، ذكر لها بعض النحاة نحواً من أربعين معنى. ولها أقسام هي:
1- الجارّة: وأشهر معانيها:
* الاختصاص، نحو: [الجنة للمؤمنين]. وقيل: هو أصل معانيها.
* التقوية: وتزاد بعد المشتق تقويةً له، نحو: ]وَمَا رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيد] (1) والأصل: [وما ربّك بظلامٍ العبيدَ]. كما تزاد أيضاً على المفعول به، إذا تقدم على فعله، نحو: ]هُم لِرَبِّهِم يَرْهَبون] (2)، والأصل قبل التقديم: [هم يرهبون ربَّهم].
* التعليل: نحو: [حزنت لفراق زهير].
* انتهاء الغاية: نحو: ]كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمَّى] (3)
* الاستغاثة: نحو: [يا لَلَّهِ].
* التعجب: [لِلّهِ دَرُّك].
* الصيرورة: نحو:
لِدُوا لِلموت وابْنوا لِلخرابِ فكُلُّكُمُ يصير إلى ذهابِ
* الظرفية: نحو: [كان ذلك لسبعٍ خَلَوْنَ مِن شهر شعبان]. أي عند …
* التبليغ: نحو: [قلت له، أذنت له، فسّرت له، ذكرت له، إلخ…].
2- لام الجحود: تختصّ بالنفي، وينتصب الفعل المضارع بعدها. وتقع بعد [ما كان ولم يكن] نحو: ]وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم[ (الأنفال 8/33) و]لم يكن الله ليغفرَ لهم[ (النساء 4/137)
3- لام التعليل: وينتصب الفعل المضارع بعدها نحو: [أدرسُ لأنجحَ] (انظر بحث نصب الفعل المضارع).
4- الجازمة(4): وتجزم الفعل المضارع نحو: [لِيَحمِلْ كلُّ عاملٍ تَبِعَةَ عملِه] (انظر جزم الفعل المضارع).
5- الزائدة(5): وتفيد التوكيد نحو: ]يَدعو لَمَنْ ضَرُّهُ أقربُ مِن نفعه[ (أي: يدعو مَن).
6- لام الابتداء: وتفيد التوكيد، وتدخل على المبتدأ وما حلّ محلّه، نحو: [لأنت أقوى من خالد، لأن تدرسَ خيرٌ لك]، وعلى الماضي الجامد: [لبئس ما فعلت]. وإذا دخلت [إنّ] على المبتدأ المقترن بلام الابتداء، زُحلِقت فأُخِّرَت. ويسمونها عند ذلك [اللام المزحلقة](6).
7- الفارقة(7): وتأتي وجوباً بعد [إِنْ] المخفَّفة مِن [إنّ] نحو: [إِنْ نظنُّ زيداً لَمِن المسافرين].

(110/1)


8- الرابطة لجواب [لو] و[لولا] و[القسَم]، نحو: [لو زارنا لأكرمناه – لولا وطْأة العمل لسافرت – والله لَتذهبَنَّ].
9- الموطّئة: وهي التي تقترن بـ [إنْ]، مؤذِنةً بمجيء جواب القسم بعدها نحو: ]لئن شكرتم لأَزيدَنَّكم] (8) (إبراهيم 14/7)
10- لام البعد: نحو: ]ذلك الكتاب[ (البقرة 2/2)
* * *
1- فُصّلت 41/46
2- الأعراف 7/154
3- الرعد 13/2
4- يسمّونها أيضاً: (لام الأمر).
5- بين النحاة اختلافٌ في زيادتها قياساً، حتى لقد اختلفوا في كونها زائدة في الآيةيدعو لَمَن …
6- بيان حقيقة هذه الزحلقة: أنّ [إنّ] ولام الابتداء لا تلتقيان، فلا يقال مثلاً: [إنّ لَخالداً مسافر]، فإذا التقتا زُحلِقت اللام فأُخِّرَت فقيل: [إنّ خالداً لمسافر]. وعلى هذا يصحّ أن يقال: [اللام المزحلقة هي أصلاً لام الابتداء]. انظر [إنّ] في قسم الأدوات.
7- انظر: [إنّ] في قسم الأدوات.
8- اللام المقترنة بـ [إنْ الشرطية] هي الموطِّئة، واللام المقترنة بجواب القسم: [أزيدنَّكم] هي الرابطة للجواب.

(110/2)


علٍُ
اسم يفيد الدلالة على العلوّ، ومعناه: [فوق]، ولا يأتي في الكلام إلاّ مسبوقاً بـ [مِنْ].
* يُبنى على الضمّ إذا دلّ على علوٍّ معيّن، ومنه قول الفرزدق يهجو جريراً:
ولقد سدَدْتُ عليك كلَّ ثَنِيَّةٍ وأَتَيْتُ فوقَ بَنِي كُلَيْبٍ مِنْ عَلُ
(الثنيّة: الطريق في الجبل).
فالعلوّ في البيت علوٌّ معيَّن، لا علوّ مطلق. وإنما عيّنه قولُ الشاعر: [فوق بني كليب]، وعلى ذلك كان بناؤه على الضم.
* ويُعرب إذا دلّ على علوّ غير معيّن. ومنه قول امرئ القيس يصف جواده:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ معاً كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السيْلُ مِنْ عَلِ
فالعلوّ في البيت علوٌّ غيرُ معيّن، إذ المعنى: أنّ السيل حطّ هذا الجلمود من مكان عالٍ، أي مكانٍ ما من الأمكنة، بغير تقييد ولا تحديد ولا تعيين. وعلى هذا جُرَّ بالكسرة. وكان الأصل أن ينوَّن فيقال: [مِن علٍ]، ولكن الشاعر حَذَفَ التنوين مراعاة للشعر فقال: [من علِ].
* * *

(111/1)


الواو
على وجوه أشهرها:
¨ العاطفة: ومعناها مطلق الجمع، فتعطف الشيء على مصاحِبِه، وسابقِه ولاحقِه، من غير دلالة على الترتيب أو عكسه أو المصاحبة. ففي نحو: [سافر زهيرٌ وسعيدٌ] يُحتمَل أن يكون كلٌّ منهما سافر قبل صاحبه، كما يُحتَمل أن يكونا سافرا معاً.
وتمتاز الواو من سائر أحرف العطف – عدا ما تقدّم – بأحكام، أشهرها:
* اقترانها بـ [إمّا] نحو: ]إمّا شاكراً وإمّا كفوراً[.
* اقترانها بـ [لا] إن سُبقت بنفي، نحو: [ما سافر زهيرٌ ولا سعيدٌ].
* اقترانها بـ [لكنْ] نحو: ]ما كان محمّدٌ أبا أحدٍ مِن رجالكم ولكنْ رسولَ الله[.
* عطفُ الصفات المفرَّقة، مع اجتماع منعوتها، نحو: [سلّمت على رجُلَين نحيفٍ وسمين](1).
* عطفُ ما لا يُستغنى عنه، نحو: [تَقاتَل زيدٌ وعمرو](2).
¨ الاستئنافية: نحو: ]لنبيِّنَ لكم ونُقِرُّ في الأرحام ما نشاء] (3)
¨ الاعتراضية: وتقع بين مُتَطالِبَيْن: (كالمبتدأ والخبر – الفعل وفاعله – الفعل ومفعوله – الموصوف وصفته) نحو:
إنّ الثمانين – وبُلِّغْتَها – قد أَحْوَجَتْ سَمْعي إلى تَرجُمانْ
¨ الحاليّة: وتدخل على الجملة الاسمية والفعلية نحو: [سافرت والمطر منهمر، وعدت وقد انقطع].
¨ واو المعية: وينتصب بعدها الفعل المضارع، لعطفه على اسمٍ صريح أو مؤوَّل.
* فالصريح نحو:
ولُبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني أحبُّ إليَّ مِن لُبسِ الشُّفوفِ
* والمؤوَّل، شرطُه أن تُسبَق الواوُ بنفيٍ أو طلب:
– فالنفي نحو: ]أم حسبتم أنْ تدخلوا الجنّة ولمّا يعلمِ اللّهُ الذين جاهدوا منكم ويعلمَ الصابرين[
– والطلب نحو:
لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَهُ عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ
¨ واو المفعول معه: نحو: [سرت والجبلَ](4).
¨ واو القسَم: وهي حرفُ جرٍّ، نحو: ]والتينِ والزيتون] (5).
¨ واو ربَّ: ولا تدخل إلاّ على اسمٍ نكرة مجرور بـ [ربَّ] محذوفة(6) نحو:
وليلٍ كموجِ البحر أَرْخَى سدولَهُ عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي

(112/1)


¨ ضمير رفع، في نحو: [كانوا سافروا، وقد يعودون].
¨ علامة رفع، في الأسماء الخمسة، وجمع المذكّر السالم، نحو: [سافر أخوك ومعلّموه].
¨ زائدة، نحو أن تُسْألَ: [أسافرت؟] فتجيب: [لا وعافاك الله].
* * *
1- هما رجل نحيف ورجل سمين، وقد اجتمع المنعوتان: [رجلين]، وتفرّقت الصفتان: [نحيف وسمين].
2- بيان ذلك أنّ نحو: [تقاتل وتخاصم وتسابق …] أفعال لا تكون إلاّ بالمشاركة بين اثنين فأكثر، فلا يقال مثلاً: [تقاتل سعيدٌ] حتى يقال: [وزهيٌر]. وقُل الشيء نفسه في [تَخاصَم وتَسابَق إلخ…].
3- لو كانت الواو هاهنا عاطفة لانتصب فعْل [نقرُّ].
4- انظر [المفعول معه].
5- الواو الأولى واو القسم، والثانية حرف عطف.
6- استعمال واو [ربّ] مقصور على الشعر دون النثر.

(112/2)


أَمْ
تأتي على وجهين:
¨ الوجه الأول: أن تكون حرف عطف، ويسمّونها اصطلاحاً: [المتّصلة، أو المعادِلة(1)، ولا بدّ في هذه الحال مِن أن تسبقها إحدى همزتين:
* همزة استفهام، نحو: [أزهيرٌ أم سعيدٌ عندك؟]، ويكون الجواب بالتعيين: [زهير] أو [سعيد].
* أو همزة تسوية(2)، وتقع [أم] في هذه الحال بين جملتين نحو: [سواءٌ عليّ أغضبتَ أم رضيت] تؤوَّلان بمفردَين، أي: [غضبُك ورضاك سواء](3).
¨ والوجه الثاني: أن تكون حرف استئناف بمعنى: [بل]، فلا يفارقها معنى الإضراب، ويسمّونها اصطلاحاً: [المنقطعة، أو المنفصلة](4)، وتقع بين جملتين مستقلّتين، نحو: ]تنْزيلُ الكتابِ لا ريبَ فيه مِن ربِّ العالمين. أم يقولون افتراه[ (السجدة 32 / 2-3)
مسألة ذات خطر:
جرى الاستعمال، على أن يكون العطف بـ [أم] بعد [سواء]. ومن هنا تخطئةُ مَن يقول: [سواء كان كذا أو كذا]. وقد وقف النحاة عند هذا مرةً بعد مرّة، فصحّح العطفَ بـ [أو] فريقٌ، وخطّأه فريق. ثمّ جاء العصر الحديث، فنظر مجمعُ اللغةِ العربية بالقاهرة في المسألة، ومال فيها إلى التيسير، فأصدر قراراً شموليّاً، نصّ فيه على صحة استعمال [أم] و[أو] بعد [سواء] بغير قيد، مع وجود همزة التسوية وبغير وجودها.
ونورد نص القرار مقبوساً من [كتاب في أصول اللغة الدورات 29-34 /227] وهو:
[يجوز استعمال (أم) مع الهمزة، وبغيرها، وفاقاً لما قرّره جمهرة النحاة. واستعمال (أو) مع الهمزة وبغيرها كذلك، على نحو التعبيرات الآتية: (سواء عَليَّ أحضرتَ أم غبت)، (سواء عليّ حضرت أم غبت)، (سواء عَليَّ أحضرتَ أو غبت)، (سواء عليّ حضرت أو غبت). والأكثر في الفصيح استعمالُ الهمزة و(أم) في أسلوبِ (سواء)].
* * *

(113/1)


1- هي في الاصطلاح متّصلة، لأنّ ما قبلها وما بعدها، لا يَستغني أحدهما عن الآخر. وهي معادِلة، بسبب ما يتحقَّق من تعادُلِ ما قبلها وما بعدها. قال ابن الشجري: [جُعِلَت الهمزة مع أحد الاسمين المسؤول عنهما، وجُعِلَت (أم) مع الآخر. فهذا هو المعادلة].
2- سُمِّيَتْ بهمزة التسوية لوقوعها بعد كلمة [سواء]، أو ما يشبهها في الدلالة، نحو [لا أُبالي].
3- لا تقتضي [أم] هاهنا جواباً، لأنّ همزة التسوية لا يُستفهَم بها أصلاً.
4- يسمّونها اصطلاحاً: [منقطعة، أومنفصلة]، لانقطاع الكلام بعدها وانفصالِه، عن الكلام قبلها؛ ومن هنا قولهم: إنّ معنى الإضراب لا يفارقها. وذلك أنّ الإضراب في الأصل، تحوّلٌ وانتقال. وما انقطاعُ الكلام ثم استئنافه، إلاّ هاذان.

(113/2)


أَمَا
تأتي [أَمَا] على وجهين:
الأول: حرف استفتاح، تُكسَر بعدها همزة [إِنَّ]، نحو: [أمَا إنه ليجتهد] وتكثر قبل القسم [أمَا – والله – إنه لصادق].
الثاني: حرف عَرْض، فلا يكون بعدها إلاّ الفعل، نحو: [أمَا تقوم – أمَا تقعد]، وذلك إذا عرضت عليه فعل القيام والقعود لترى أيفعلهما، أوْ لا.
* * *

(114/1)


أَمّا
حرف شرطٍ وتوكيد، نحو: [أمّا سعيدٌ فمجتهدٌ]. وقد تفيد التفصيل نحو: [الطلاّب صنوف، فأمّا المجتهد فناجح، وأمّا اللاهي فمخفق، وأمّا…] (1)، وتلزم الفاءُ جوابَها أبداً.
¨ حُكْم:
لا يفصِل بين [أمّا] وفائها، إلا اسمٌ، نحو: [أمّا سعيدٌ فمنطلق](2)، أو شرط نحو: [أمّا إنْ كنت مسافراً فعناية الله تَحُوطُك](3).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [أمّا]
· ]سأُنبِّئُك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً. أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر… وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنَيْن… وأمّا الجِدارُ فكان لغُلامَيْن… [
(الكهف 18/78-82)
الآيات نموذجٌ جليٌّ للتفصيل والتكرار.
· ]فأمّا الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيُدخِلهمْ في رحمةٍ منه وفضل[
(النساء 4/175)
الآية نموذج لترك التفصيل والتكرار، استغناءً بذكر أحد القسمين. ولولا هذا الاستغناء لَتُوبِع الكلام فقيل مثلاً: [وأما الذين كفروا فسيُفعَل بهم كذا وكذا…]
· ]فأمّا إنْ كان من المقرَّبين فَرَوْحٌ وريحانٌ وجنَّةُ نعيم. وأمّا إنْ كان من أصحاب اليمين فسلامٌ لكَ من أصحاب اليمين. وأمّا إنْ كان من المكذّبين الضّالِّين فنُزُلٌ من حميم[
(الواقعة 56/89-93)
في هذه الآيات مسائل:
الأولى: ما فيها من التفصيل والتكرار: [أمّا… وأمّا… وأمّا…].
والثانية: أنّنا ذكرنا في أثناء البحث أنّ الأسماء هي التي تفصل بين أمّا وفائها، وأمّا الأفعال فلا تفصل بينهما، إلاّ أن يكون ذلك فعلَ شرط، كما ترى في الآيات الثلاث، إذْ جاء في كلٍّ منها أداة الشرط [إنْ] وبعدها فعل شرط هو [كان].

(115/1)


والثالثة: أنّ في كلّ من الآيات الثلاث، أداتين شرطيّتين هما: [أمّا] و[إنْ] وجوابَ شرط واحداً. وتختلف كتب الصناعة هاهنا، ففريق يجعل الجواب لـ [أمّا]، وجواب [إن] محذوف. وآخر يجعله لـ [إنْ]، وجواب [أمّا] محذوف. وفريق ثالث يقول: الجواب لهما معاً. والأكثرون على أنه جواب [أمّا]، وأنّ جواب [إنْ] محذوف.
· ]فأمّا الذين اسودّتْ وجوهُهُمْ أَكَفَرتُمْ بعدَ إيمانكم[ (آل عمران 3/106)
الإجماع منعقدٌ على أنّ [أمّا] تحتاج إلى جواب، وأن الفاء تلزمه أبداً. وليس في الآية جواب ولا فيها فاء، كما يبدو في الظاهر. وسبب ذلك أنّ في الآية حذفاً، إذ الأصل: [فأما الذين… فيقال لهم: أَكفرتم بعدَ إيمانكم؟]. وحذفُ فعل القول في التنْزيل العزيز كثير، منه أيضاً:
· ]وأمّا الذين كفروا أَفَلَم تكن آياتي تُتلى عليكم؟[ (الجاثية 45/31)
فهاهنا حذفٌ، إذ الأصل: وأمّا الذين… فيقال لهم: أَفَلَم تكن آياتي تُتلى عليكم؟
· ]فأمّا اليتيمَ فلا تقهر[ (الضحى 93/9)
من المقرر أنّ الأسماء هي التي تفصل بين [أمّا] وفائها. وأمّا الأفعال فلا تفصل بينهما، إلاّ أن يكون ذلك فعلَ شرط. وقد ذكرنا في الحاشية من البحث أنّ إعراب هذه الأسماء يكون على حسب موقعها من العبارة، وأن إعرابها يسهل إذا تغافلتَ عن [أمّا والفاء]. وبناءً على ذلك تُعرَب كلمة [اليتيم] مفعولاً به مقدّماً على فعلِه: [تقهر]، فكأنما قيل: [لا تقهر اليتيمَ].
· ]أمّا السفينة فكانت لمساكين[ (الكهف 18/79)
[السفينة]: مبتدأ خبره جملة [كانت لمساكين]. ويتبيّن لك الوجه في هذا الإعراب، إذا تغافلتَ عن [أمّا] وفائها، مسترشداً بقولنا: تغافلْ عن [أمّا وفائها] وأَعربْ تصب إن شاء الله.
* * *

(115/2)


1- يدل على شرطيّتها أنّ الفاء تلزم جوابها أبداً. ويدل على التوكيد ما في قولك: [أمّا سعيدٌ فناجح] من قطعٍ بأنّ الجواب لا بدَّ واقع، على حين لا تجد هذا المعنى في قولك: [سعيدٌ ناجحٌ]. ويقول المعربون: [سعيدٌ] مبتدأ، و[ناجح] خبر، والفاء الواقعة في جواب [أمّا] زائدة.
2- الاسم الواقع بين [أمّا] وفائها يُعْرَب على حسب موقعه من العبارة: مبتدأً، مفعولاً به، جارّاً ومجروراً، خبراً، ظرفاً إلخ… وقد رأينا من المفيد هاهنا أن نقبس قول المبرّد في المقتضَب: (…الكلام بعد أمّا على حالته قبل أن تدخل). ويصحّ أن يقال: تغافلْ عن أمّا وفائها وأعربْ تُصِبْ، إن شاء الله.
3- تختلف كتب الصناعة في هذه الحال: فالأكثرون على أن الجواب لـ [أمّا] وجواب [إنْ] محذوف، وآخرون يقولون بالعكس، وفريق ثالث يقول: الجواب لهما معاً.

(115/3)


أَنْ
حرفٌ على أربعة وجوه:
الأوّل: المخفّفة من الثقيلة (انظر: أَنَّ).
الثاني: المصدريّة، وتدخل على الفعل المضارع فتنصبه، وعلى الفعل الماضي أيضاً. ويُسبَك منها ومن الفعل بعدها مصدرٌ مؤوّل نحو: [يسرّني أنْ تدرسَ = يسرّني دراستُك] و [سرّني أنْ نجحتَ = سرّني نجاحُك].
الثالث: التفسيرية، وهي بمنْزلة [أَيْ]، وتأتي بعد ما فيه معنى القول دون حروفه، نحو: [كتبتُ إليه أَنْ أَقْبِلْ = أي: أَقبِلْ] و [صِحْتُ به أَنْ كسَلُكَ مُضِرٌّ بك = أي: كسلك مضرّ بك].
الرابع: الزائدة، وتأتي في موضعين: بعد [لمّا] وقبل [لَوْ]، نحو: [لمّا أَنْ قَدِمَ استقبلتُه = لما قدِم…] و [أُقسم أنْ لوْ صَدَقْتَ لاَحْتُرِمتَ = أُقسم لو صَدَقْتَ…].
¨ حكْم:
يُحذف حرف الجر قبلها قياساً نحو: [أعجبت أنْ نجح زهيرٌ؟ = من أن نجح؟].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [أَنْ]
· ]فلمّا أنْ جاء البشيرُ ألقاه على وجهه فارتدّ بصيراً[ (يوسف12/96)
[لمّا أنْ جاء = لمّا جاء]، وذلك أنّ [أنْ] في الآية زائدة، وزيادتها على المنهاج، إذ القاعدة أنّها تأتي زائدةً في موضعين: بعد [لمّا] وقبل [لَوْ]، والذي في الآية من مجيئها بعد [لمّا]. وأما زيادتها قبل [لوْ]، فمنه قوله تعالى: ]وأَنْ لو استقاموا على الطريقة لأَسْقَيناهم ماءً غَدَقاً[ (الجنّ 72/16)، فـ [أنْ لو استقاموا = لو استقاموا].
· ]ما قُلْتُ لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعبُدوا الله[ (المائدة 5/117)
[أن اعبُدوا]: أنْ هاهنا تفسيرية بمنْزلة [أَيْ]، وقد تحقّق لها ما يجب للتفسيرية، وهو أن تأتي بعد ما فيه معنى القول دون حروفه. وذلك أنّ [أَمَرَ] في الآية فيه معنى القول ولكن ليس فيه حروفه، أي: ليس فيه القاف والواو واللام. وعلى ذلك: [أن اعبدوا الله = أي اعبدوا الله].
· ]فأوحينا إليه أن اصنعِ الفلك[ (المؤمنون 23/27)

(116/1)


[أنْ] هنا تفسيرية أيضاً. وذلك أنّها جاءت بعد فِعلِ [أوحينا]، وهو فعل فيه معنى القول دون حروفه. فيكون: [أن اصنع الفلك = أي اصنع الفلك].
· ]وأنْ تصوموا خيرٌ لكم[ (البقرة 2/184)
[أنْ] مصدرية، دخلت على الفعل المضارع فنصبته، وعلامة نصبه حذف النون. والمصدر المؤوّل منها ومن الفعل بعدها، أي: [صيامُكم] مبتدأ، خبرُه [خيرٌ].
* * *

(116/2)


أَنَّ
¨ من الأحرف المشبّهة بالفعل، تنصب الاسم وترفع الخبر، وتفيد التوكيد. (انظر الأحرف المشبهة بالفعل)
¨ تُفتَح همزتُها إذا صحّ أن يُسبَك منها ومما بعدها مصدر، نحو: [سرّني أنّ خالداً قادمٌ = سرّني قدومُه] وتُكسَر إذا لم يصحّ (انظر كسرها وفتحها في: [إنّ]).
¨ إذا خُفِّفت أو اتّصلت بها [ما] الزائدة أُهمِلت فبطل عملها، ودخلت على الجمل الاسمية والفعلية، فالاسمية نحو: [أحزنني أنْ زهيرٌ مسافرٌ، وسرّني أنما هو راجع]، والفعلية نحو: [أحزنني أنْ سيسافرُ، وسرّني أنما يرجع ليُقيم].
¨ إذا سبق المخففةَ فعلٌ، فلا بدّ أن يكون من أفعال اليقين، أو الظنٍّ الراجح، نحو: [علم، أيقن، حسب، ظنّ…]. مثال ذلك: [علمتُ أنْ سيسافرُ زهير].
¨ كثيراً ما يفصلها عن الفعل بعدها أداة تؤنس بأنها [أنْ] المخففة لا الناصبة للفعل المضارع، كالسين وسوف وقد ولن ولو ولم… نحو: [أيقنتُ أن سوف ينجحُ] (1).
¨ يُحذَف حرف الجرّ قبلها قياساً، سواء كانت ثقيلة أو مخفّفة، نحو: [أشهد أنّك صادق = أشهد بأنك صادقٌ] و[أَعَجِبْتَ أنْ نجحَ زهيرٌ؟ = أعجبتَ من أن نجح زهيرٌ؟].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [أنَّ]
· ]وآخر دعواهم أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين[ (يونس10/10)
[أَنْ]: أصلها [أنّ] المشددة، خُفِّفت فقيل: [أنْ]، والقاعدة أنها متى خفِّفتْ أُهملت فلم تعمل، ودخلت على الجمل الاسمية والفعلية. والذي في الآية من دخولها على الاسمية: فـ [الحمد: مبتدأ] و [لله: خبر].
· ]يُوحَى إليّ أَنَّما إلاهكمْ إلهٌ واحد[ (الكهف 18/110)
القاعدة: أنّ [ما] الزائدة إذا اتّصلت بـ [أنّ] كفّتها عن العمل، فأُهمِلت فلم تعمل، ودخلت على الجمل الاسمية والفعلية. والذي في الآية من دخولها على الاسمية: فـ [إلاهُكم] مبتدأ، و [إلهٌ] خبر للمبتدأ.
· ]أوَلم يَكفِهمْ أنّا أنزلنا عليكَ الكتاب[ (العنكبوت 29 /51)

(117/1)


[أنّا أنزلنا]: أنّ – هاهنا – مفتوحة الهمزة، على المنهاج. وذلك أنّ همزتها تُفتَح إذا صحّ أن يُسبَك منها ومما بعدها مصدر. وقد تحقّق ذلك في الآية: فالمصدر المؤوّل هو: [إنزالُنا]. ولو أحللته محلّها هي واسمها وخبرها لاستقام المعنى، فـ [أولم يكفهم أنّا أنزلنا = أو لم يكفهم إنزالُنا]، وهو من الوجهة الإعرابية: فاعل.
· ]قُلْ أُوحِيَ إليَّ أنّه استمَعَ نَفَرٌ من الجنِّ[ (الجنّ 72/1)
[أنه استمع نفرٌ]: أنّ في الآية، مفتوحة الهمزة، على المنهاج. ولقد ذكرنا من قبلُ أنّ همزتها تُفتَح إذا صحّ أن يُسبَك منها ومما بعدها مصدر. وقد تحقّق ذلك هاهنا، فالمصدر المؤوّل هو: [استماع نفر]. ولو أحللته محلّها هي واسمها وخبرها لاستقام المعنى، فـ [أوحي أنه استمع نفر = أوحي استماعُ نفر]، وهو من الوجهة الإعرابية نائب فاعل.
والذي قلناه في معالجة الآيتين السابقتين، منطبق كلّ الانطباق على آيات أخرى من هذه النماذج، ولذلك سنوجز في معالجتها، خشية الإملال.
· ]ولا تخافون أنّكم أشركتُمْ[ (الأنعام 6/81)
[أنّ] مفتوحة الهمزة على المنهاج، فـ [أنّكم أشركتُمْ = إشراككم]، والمصدر المؤوّل مفعول به.
· ]ومن آياته أنّك ترى الأرض خاشعة[ (فُصِّلت 41/39)
[أنّ] مفتوحة الهمزة على المنهاج، فـ [أنّك ترى الأرض = رؤيتُك الأرض]، والمصدر المؤوّل مبتدأ، خبره مقدم [من آياته].
· ]علِمَ أنْ سيكونُ منكم مرضى[ (المزّمّل 73/20)
أنْ: مخففة من الثقيلة، ومتى كان ذلك أُهمِلت فلم تعمل، ودخلت على الجمل الاسمية والفعلية. وقد دخلت في الآية على فعلية: [سيكون]. ولا بدّ من توجيه النظر إلى مسألتين:

(117/2)


الأولى: أنّ المخففة إذا سبقها فعل، فلا بدّ من أن يكون من أفعال اليقين، أو الظنّ الراجح. والذي سبقها في الآية فعلُ يقين هو: [علم]. وأما المسألة الثانية: فأنّ مجيئها ساكنة قد يوهم أنها الناصبة للفعل المضارع، ولذلك كثيراً ما يفصلها عن الفعل بعدها أداة تدفع هذا الوهم، وتؤنس بأنها المخففة لا الناصبة.
والأداة الفاصلة بينهما في الآية هي السين الداخلة على الفعل [يكون]. ومن هنا أنْ أُتِي بالفعل مرفوعاً: [سيكونُ].
· ]ونعلَم أنْ قد صَدَقْتَنا[ (المائدة 5/113)
يمكن أن تقيس هذه الآية، على الآية السابقة وعلى ما قلنا في معالجتها: فـ [أنْ] مخففة من الثقيلة. وقد سبقها فعلُ يقين: [نعلم]. وفصَل بينها وبين الفعل بعدها [قد].
· ]تبيَّنت الجنُّ أنْ لو كانوا يعلمون الغيبَ ما لبثوا في العذاب[ (سبأ 34/14)
وهذه الآية أيضاً تقاس على الآيتين السابقتين: فـ [أنْ] مخففة من الثقيلة. وقد سبقها فعلُ يقين: [تبيّنت]. وفصَل بينها وبين الفعل بعدها [لو].
* * *
1- إذا انتفى احتمال كونها عاملةً في ما بعدها، لم يفصلها عنه فاصل، نحو: [اعلمْ أنْ ليس ينفعك إلاّ الجدّ].

(117/3)


النون
تأتي النون على أربعة وجوه:
الأول: نون التوكيد ثقيلةً وخفيفة، وقد اجتمعتا في قوله تعالى ]لَيُسجَنَنَّ ولَيَكونَنْ من الصاغرين[. وتلحقان الأمر والمضارع، ولا تلحقان الماضي مطلقاً.
الثاني: التنوين. وهو نون ساكنة، تُلفظ ولا تُكتب، نحو: [خالِدُن = خالِدٌ]. وإنما تُنوَّن الأسماء، وأما الأفعال والحروف فلا. وقد يكون التنوين تعويضاً من حرف أو اسم أو فعل.
* فمثال التعويض من الحرف: [جوارٍ و عوادٍ] = [جواري – عوادي](1).
* ومثال التعويض من الاسم: ]تلك الرسُلُ فَضَّلْنا بعضَهم على بَعْضٍ[ = [بعضَهم على بعضِهم]
* ومثال التعويض من الجملة – ويكون ذلك بعد (إذْ) -: ]وأَنتم حينئذٍ تَنظُرون[ = [وأنتم حين إذ (بلغت الروح الحلقوم) تنظرون].
الثالث: نون النسوة. نحو: [الطالبات يدرسْنَ].
الرابع: نون الوقاية: وتفصل بين ياء المتكلم وما ينصب هذه الياء، فعلاً كان أو حرفاً من الأحرف المشبهة بالفعل(2) نحو: [أكرَمَني – يُكرمني – أكرِمْني، إنني – أنني – لكنني إلخ…]
ويَفصل أيضاً بين الياء وحرفَي الجرّ [مِنْ و عنْ] فيقال: [منّي – عنّي]،
وبين [لَدُنْ] والمضاف إليه بعدها، نحو: [لدنّي].
* * *
1- لا التفات إلى أنّ ياء الاسم المنقوص من حقّها الحذف هنا، فالمقام مقام تبيين وإيضاح، لا مقام فصاحة وإعراب !!
2- للتذكير بالأحرف المشبهة بالفعل نقول: هي: (إنَّ – أنَّ – كأنَّ – لكنَّ – ليت – لعلّ)، وأما (لا) النافية للجنس فلا تنصب ياء المتكلم أصلاً.

(118/1)


عَسَى
فعلٌ غير متصرّف، من أفعال الرجاء. ولها وجهان:
الأول: ناقصة تعمل عمل [كان]، سواء اتّصلت بضمير، نحو: [عساه عساكم] إلخ… أو لم تتّصل به، نحو: [عسى خالدٌ…]. ويكون خبرُها فعلاً مضارعاً – قولاً واحداً – مسبوقاً بـ [أَنْ]، أو غير مسبوقٍ بها، نحو: [عسى خالدٌ يسافر = عسى خالدٌ أنْ يسافر = عساهُ أن يسافر](1).
والثاني: تامة ترفع فاعلاً، وذلك إذا تجرَّدَت من اسم لها، ظاهر أو مضمر، نحو: [عسى أن نسافر]، فيكون المصدر المؤوّل مِن [أنْ والفعل المضارع بعدها]، هو الفاعل.
تنبيه: جاءت [عسى] بمعنى [لعلّ] عاملةً عملها: ناصبةً للاسم رافعة للخبر. ومنه قول صخر بن جعد:
فقلت عساها نارُ كأسٍ، وعلّها تشكّى فآتي نحوَها فأعودُها(2)
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [عسى]
· ]فعسى اللهُ أن يأتيَ بالفتح[ (المائدة 5/52)
[عسى]: في الآية ناقصة، عاملة عمل [كان]. ولفظ الجلالة اسمها، وخبرها المصدر المؤوّل من [أنْ] والفعل المضارع [يأتيَ].
· ]قال عسى ربّي أنْ يَهْدِيَنيْ سواءَ السبيل[ (القَصص 28/22)
[عسى]: ناقصة، عاملة عمل [كان]. و[ربّي] اسمها، وخبرها المصدر المؤوّل من [أنْ] والفعل المضارع [يهديَ].
· قال الشاعر:
عسى الكَرْبُ الذي أمسيتَ فيهِ يكونُ وراءَهُ فَرَجٌ قريبُ
[عسى] في البيت ناقصة عاملة عمل [كان]. و[الكربُ] اسمها مرفوع. ويلاحظ هنا أنّ الفعل المضارع [يكون] غير مسبوق بـ [أنْ]، وينشأ عنه أنّ خبر [عسى] في هذه الحال هو جملة الفعل المضارع: [يكون وراءه فرجٌ].
· ]وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شرٌّ لكم[
(البقرة 2/216)

(119/1)


تكررت [عسى] في الآية مرتين، وهي في كلتيهما فعلٌ تامّ لا يطلب اسماً وخبراً، بل يطلب فاعلاً. وذلك أنها تجرّدت من اسم لها ظاهرٍ أو مضمر. وتلاها [أن] وفعلٌ مضارع منصوب بها: [تكرهوا، تحبوا]، ومتى كان ذلك (أي: متى تجرّدت من اسم لها، وتلاها أنْ وفعل مضارع) كانت تامة، وكان فاعلُها المصدرَ المؤوّل من [أنْ] والفعل المضارع. ومثل ذلك قولُه تعالى:
· ]عسى أنْ يبعثكَ ربُّكَ مقاماً محموداً[ (الإسراء 17/ 79)
فهي هنا تامة، والمصدر المؤوّل من [أنْ يبعثك ربُّك] هو الفاعل. وذلك كثير في القرآن، ومنه أيضاً:
· ]لا يَسخَرْ قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم[ (الحجرات 49/11)
فإنّ [عسى] هنا تامّة، فاعلها المصدر المؤوّل من [أن يكونوا…].
· ]قال هل عسيتم إنْ كُتِب عليكمُ القتال ألاّ تقاتلوا[ (البقرة 2/246)
[عسيتم]: عسى في الآية ناقصة ترفع الاسم وتنصب الخبر. وذلك أنها اتّصلت بضمير، ومتى اتّصلت به كان هو اسمَها ودليلَ نقصانها. وأما خبرها فهو المصدر المؤوّل من [أنْ] و [تقاتلوا]. ومثل ذلك طِبقاً قولُه تعالى:
· ]فهل عسيتم إنْ تولَّيتُمْ أنْ تُفسدوا في الأرض[ (محمّد 47/22)
فضمير المخاطب المتّصل بها هو اسمُها ودليلُ نقصانها. وأما خبرها فهو المصدر المؤوّل من [أنْ] و [تفسدوا].
* * *
1- إذا سُبِق الفعل المضارع بـ [أنْ] فالمصدر المؤوّل منهما هو خبر عسى نحو: [عسى خالد أن يسافر]. وإذا لم يُسبَق بها فجملة الفعل المضارع هي الخبر نحو: [عسى خالد يسافر].
2- كأس: اسم امرأة.

(119/2)


السِّين
السين: حرف غير عامل. يختصّ بالفعل المضارع، ويخلّصه للاستقبال، نحو: [ستذهب]. والمعنى أنك تذهب فيما يُستقبل من الزمان.
* * *

(120/1)


التاء
التاء حرف ذو وجوه أشهرها:
* حرف جرّ للقَسَم (تاء القسم): مختصة بالدخول على اسم الجلالة دون غيره. ومن ذلك الآية ]تَاللهِ لقد آثَرَكَ اللهُ علينا[ (يوسف 12/91)
* علامة تأنيث: تلحق الاسم للدلالة على تأنيثه، نحو: [طالبة].
* تاء التأنيث الساكنة: وهي من علامات الفعل الماضي، تلحقه للدلالة على أنّ فاعله مؤنّث، نحو: [سافرتْ زينب].
* حرف مضارَعَة: (أحد حروف نأيت)، وهي التي تكون في أول الفعل المضارع، نحو: [أنت تسافر وزينب تودّعك].
* حرف يلحق آخر جمع المؤنث السالم، نحو: [الطالبات مسافرات].
* ضمير رفع يلحق الفعل الماضي: وتتعاورها الحركات الثلاث، نحو: [سافرتُ – سافرتَ – سافرتِ].
* الدلالة على النسب، نحو: [قرامطة – غساسنة – أشاعرة].
* التعويض عن حرف محذوف، نحو: [صِفَة = وَصْف] و [زِنَة = وَزْن] و[عِدَة = وَعْد].
* الزائدة: وتلحق حرف الجرّ: [رُبَّ] وحرف العطف: [ثُمَّ]، فيقال: [رُبَّتَ وثُمَّتَ] ويوقَف عليهما بالتاء. كما تلحق الظرف: [ثَمَّ]، فيقال: [ثَمَّةَ] ويوقف عليها بالهاء.
* * *

(121/1)


أَوْ
[أوْ]: حرف عطف. وبين الأئمة تباينٌ كثير في وجوه معانيها(1). ونورد هاهنا أشهرها:
الأول: الشكّ، نحو: ]قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم[ (الكهف 18/19)
الثاني: الإبهام، نحو: ]إنّا أو إيّاكم لعلى هدى[ (سبأ 34/24)
الثالث: التخيير، نحو: [خُذ ديناراً أو ثوباً] أي: اختْر أحدَهما فخُذْه، ولا تأخذْهما جميعاً.
الرابع: الإباحة، نحو: [جالسِ الصادقَ أو النبيل] أي: مباح لك مجالسة أحدِهما أو كليهما.
الخامس: التقسيم، نحو: [الكلمة: اسم أو فعل أو حرف].
السادس: الإضراب، نحو: ]وأرسلناه إلى مئة ألفٍ أو يزيدون[ (الصافات 37/147) أي: [بل يزيدون].
السابع: بمعنى الواو (الجمع المطلق)، نحو: [هم ما بين مسافرٍ أو مقيم = مسافر ومقيم].
الثامن: بمعنى [إلاّ أنْ]، نحو: [لنقاتلنَّ العدوَّ أو يجنحَ للسلم]. وينتصب بعدها الفعل المضارع.
التاسع: بمعنى [إلى أنْ]،. نحو: [لأجهدنَّ في مطالبته أو يعطيَني حقّي]. وينتصب بعدها الفعل المضارع أيضاً كالتي قبلها.
العاشر: الشرطيّة، نحو: [لأضربنَّه عاش أو مات] أي: إن عاش بعد الضرب وإن مات.
* * *
1- على حين يذكر لها بعضُهم ثلاثة معانٍ، ويقول: إنّ معانيها الأخرى مستفادةٌ من العبارة، يورد لها ابن هشام، اثني عشر معنى. ويورد لها المراديّ ثمانية معان، ثمّ يقول: إنّ من العلماء من يقول إنّ [أو] موضوعة لقدر مشترك بين خمسة منها، هو أحد الشيئين أو الأشياء، وأن هذه المعاني الخمسة تُفهم من القرائن. ولقد أنفق ابن هشام نحو سبع صفحات في دراسة معاني [أو]، حتى إذا أتمّ ذلك قال ما نصُّه الحرفيّ: [تنبيه: التحقيق أنّ (أو) موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء – وهو الذي يقوله المتقدّمون، وقد تخرج إلى معنى (بل)، وإلى معنى (الواو)، وأما بقية المعاني فمستفادة من غيرها]. (مغني اللبيب /70)

(122/1)


أَيْ
على وجهين:
الأول: حرف نداء، نحو قولك في نداء ابنك مثلاً: [أَيْ بُنَيّ = يا بنيّ].
الثاني: حرف تفسير، يفسِّر ما قبله مِن مفردات أو جُمَل؛ فمن تفسير المفردات: [عندي عسجدٌ أَيْ ذهبٌ]، ومن تفسير الجمل:
[وترمينني بالطَرف أَيْ أنتَ مذنبٌ](1)
* * *
1- يُعربون كلمة [ذهبٌ] بدلاً من [عسجد]، وجملةَ [أنت مذنبٌ] تفسيرية، لا محلّ لها من الإعراب.

(123/1)


أَيَا
[أيا]: حرف نداء. ومنه قول المجنون (الديوان / 196):
أيا جَبَلَيْ نَعْمانَ باللهِ خَلِّيا نسيمَ الصَبا يَخْلُصْ إليَّ نسيمُها
وقد تُبدَل همزتها هاءً فيقال: [هَيا]، ومنه قول الحطيئة (الديوان/337):
وقال:هيا ربّاهُ ضيفٌ ولا قِرى بحقِّكَ لا تحرمْهُ تا الليلةَ اللَّحْما
* * *

(124/1)


أَيّ
اسم يأتي على وجوه:
* اسم شرط يضاف إلى اسم ظاهر نحو: [أيُّ تلميذٍ يجتهدْ يستَفِدْ]، فإذا قُطِع عن الإضافة نُوِّن، نحو: [أيّاً تُكرِمْ يحمدْكَ].
* اسم استفهام، نحو: [أيُّكم خالدٌ؟ أيُّكم يُزْمِعُ السفر؟]
* اسم موصول(1)، نحو: [سأزور أيَّهُم أفضلُ] = سأزور الذي هو أفضلُ.
* أن تدلّ على الكمال، نحو: [خالدٌ رجلٌ أيُّ رجل!!] أي: خالد رجل كامل في صفات الرجال.
* أن تكون وُصلةً إلى نداء الاسم المعرّف بـ [ألـ] وتلحقها [ها] التنبيهيّة نحو: [يا أيُّها الرجلُ أقْبِلْ](2).
تنبيه:
يجوز تذكير [أيّ] وتأنيثها: في نداء المؤنث وفي إضافتها إلى المؤنث نحو: [يا أيتها المرأة = يا أيها المرأة] و [أيّة امرأة هذه؟ = أيّ امرأة هذه؟](3).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [أيّ]
· ]في أَيِّ صُورةٍ ما شاءَ رَكَّبَك[ (الانفطار 82/8)
[أيّ]: اسم مذكر مضاف، والمضاف إليه: [صورة]، مؤنث. ولولا أن الكلام قرآن لجاز أيضاً [في أيّة صورة…]. وذلك أنّ [أيّ] يجوز تذكيرها وتأنيثها في الإضافة إلى المؤنث كما ترى هنا في الآية، وفي نداء المؤنث أيضاً. ويحسن توجيه النظر هاهنا إلى أنّ هذه الآية كانت من مؤيّدات اتخاذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة قراراً يقضي بإجازة قول من يقول مثلاً: [اشترِ أيَّ كتاب، ولا تُبالِ أيَّ تهديد]، اعتماداً على أنّ (الإبهام) معنىً من معاني [أيّ].
· قال الكميت (شرح هاشميات الكميت 49):
بأيِّ كتابٍ، أم بأيّةِ سُنَّةٍ ترى حُبَّهمْ عاراً عَلَيَّ وَتَحْسَبُ
[أيّة]: اسم استفهام مؤنث، والمضاف إليه: [سنّة] مؤنث، ولو ذَكَّر فقال: [بأيّ سنّة] لكان قوله صحيحاً، بل التذكير في هذه الحال هو الأكثر. وقد اجتمعا في قول البحتري (الديوان 1/78):
رحلوا فأيّةُ عَبرةٍ لم تُسْكَبِ أسَفاً وأيُّ عزيمةٍ لم تُغْلَبِ
فـ [أيّة عبرة] مؤنث أضيف إلى مؤنث. و[أيّ عزيمة]: مذكر أضيف إلى مؤنث. وكلاهما جائز.

(125/1)


· ]أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأَسماءُ الحُسنَى[ (الإسراء 17/110)
[أيّاً] اسم شرط، مفعول به لـ [تدعوا]، والأصل: [تدعون]، ولكنه جُزم بـ [أيّ] فحُذفتْ نونُه. وجواب الشرط جملة [فله الأسماء الحسنى].
· ]أَيُّكُم يأْتيني بعَرشِها[ (النمل 27/38)
[أيّ]: اسم استفهام، مبتدأ، خبره جملة [يأتيني].
· ]ثُم لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعةٍ أَيّهُمْ أَشَدُّ على الرحمنِ عِتِيّاً[ (مريم 19/69)
للآية قراءتان: [أيَّهم] و[أيُّهم]، ولكلّ قراءة إذاً إعراب:
[أيَّ] بالفتح: اسم موصول، منصوب بالفتحة، مفعول به.
[أيُّ] بالضم: وضمتها هي مبعث الاختلاف بين النحاة، فهي موصولة مبنية على الضمّ عند سيبويه ومَن تابعه، وهي استفهامية – أو موصولية – معربة تتعاورها الحركات عند غيره. ولكلٍّ وجهة نظر، ولكلٍّ إعراب، وقد حفظت ذلك أمّهات كتب النحو.
· ]يا أيُّها الرسولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إليك مِن ربِّك[ (المائدة 5/67)
· ]يا أيَّتها النَّفْسُ المطمَئِنَّةُ ارجِعي إلى ربِّك[ (الفجر 89/27)
المنادى في الآية الأولى: [الرسول] وفي الثانية: [النفس]. ولما كان المعرف بـ [ألـ] لا يُنادى، إلاّ إذا جيء بأيّ أو أيّة وصلةً إلى النداء، قيل: [ياأيها] و[ياأيتها]. و[ها] بعدهما للتنبيه. وذلك في العربية كثير يتعذّر إحصاؤه.
· قال عليّ كرّم اللّه وجهه: [اِصحبِ الناسَ بأيِّ خُلُقٍ شِئْتَ، يَصحبوكَ بِمثْلِه].
· وقال الشاعر:
إذا حاربَ الحجّاجُ أيَّ منافِقٍ عَلاهُ بسيْفٍ كلّما هُزَّ يَقْطَعُ
وتلاحظ معنى الإبهام في قوله عليه السلام: [بأيِّ خلق]، وفي قول الشاعر: [أيَّ منافق].

(125/2)


ولم يكن النحاة من قبل نصّوا على أن الإبهام هو أحد معاني [أيّ]، وأنه وجه من وجوهها. ولذا نظر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في هذا الاستعمال، وكان هذان الشاهدان اللذان نحن بصددهما من مسوّغات إجازة استعمال [أيّ] بمعنى الإبهام. وعلى ذلك يجوز لك أن تقول: [اقرأ أيّ كتاب] مثلاً، و[زُرْ أيّ بلد](4)…
* * *
1- [أيّ]: اسم معرب، يُرفع بالضمة وينصب بالفتحة ويجرّ بالكسرة، على حسب موقعه من الكلام. ولكنهم قالوا – على اختلاف عظيم بينهم -: إذا كانت اسماً موصولاً جاز مع إعرابها بناؤها على الضمّ أيضاً.
2- المعرّف بـ [ألـ] في العربية لا ينادى، فإذا احتيج إلى ندائه، جيء بـ [أيّ] وُصلة إلى ذلك، فقيل مثلاً: [يا أيُّها الرجل]، وتكون [ها] للتنبيه.
3- وقس على هذا المثنى والجمعَ: [يا أيتها المرأتان = يا أيها المرأتان] و [يا أيتها النسوة = يا أيها النسوة]. و[أيّتهما زينب = أيّهما زينب] و[أيّتهنّ زينب = أيّهنّ زينب].
4- انظر مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة العدد (25) الصفحة (195) العام (1969).

(125/3)


بَعْض
[بعض]: لفظها مفرد، يُجمَع على [أبعاض] ومعناها الجمع. ولذلك يجوز في الكلام الإفرادُ مراعاةً للفظها، والجمعُ مراعاةً لمعناها. فمن الإفراد قولك: [بعض الرجال حضر] و[بعض النساء حضر]، ومن الجمع قولك: [بعض الرجال حضروا] و [بعض النساء حضرن].
ومن المجمع عليه أنّ بعض الشيء طائفة منه. ثمّ قد تكون هذه الطائفة جزءاً أقل من الباقي كالثلاثة من العَشَرة، أو أعظمَ من الباقي كالثمانية من العَشَرة.
وتدخلها الألف واللام خلافاً للأصمعي. قال الجاحظ: [هذا فرقُ ما بينَ مَنْ بُعِثَ إلى البعض ومَنْ بُعِثَ إلى الجميع].
وأما إعرابها فعلى حَسَبَ موقعها من الكلام: تكون مفعولاً ومبتدأً وفاعلاً إلخ… نحو: رأيت بعضَ المتسابقين (مفعول به)، فبعضُهم سبق (مبتدأ)، وقصَّر بعضُهم (فاعل)…
* * *

(126/1)


بَل
هي: حرف إضرابٍ عمّا قَبْلَها، وإثباتٍ لِما بعدَها. وتأتي على وجهين:
· الأول: حرف عطف، وذلك إذا تلاها مفرد(1).
ثمّ إمّا أن يكون الكلام قبلها غلطاً أو نسياناً، فيكون ما بعدها إصلاحاً لهما نحو: [شرب زهيرٌ ماءً بل حليباً] و[اِشربْ ماءً بل حليباً].
وإما ألاّ يكون غلطاً أو نسياناً، فيكون ما بعدها ضدَّ ما قبلها نحو:
[لا تصاحبِ الأحمقَ بل العاقلَ] و[لا نزورُ العدوَّ بل الصديقَ].
· والثاني: حرف ابتداء(2)، وذلك إذا تَلَتْها جملة.
ثمّ إمّا أن يُبطِلَ الذي بعدها الذي قبلها، ويسمّونه: [الإضراب الإبطالي] نحو: [قيل: زيدٌ شجاعٌ، بل هو جبان].
وإما أن يُترَك ما قبلها على ما هو عليه فلا يُنقَض ولا يُبطَل، بل يُنتَقَل إلى غرضٍ آخر غيرِه، ويسمّونه: [الإضراب الانتقالي] نحو: [إنّ زهيراً جاهل. بل تشغَلنا شؤونُنا].
حُكْم: قد تُزاد [لا] قبل [بل] للتوكيد، نحو: [خالدٌ متعلّمٌ، لا بل عالم] و[ما ودّعت زهيراً يوم سفرِه، لا بل ودّعت الأُنس والطمأنينة].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [بل]
· ]لَبِثتُ يوماً أو بعضَ يوم… بل لبِثتَ مئةَ عام[ (البقرة 2/259)
[بل]: هنا حرف ابتداء لدخولها على جملة [لبثتَ]. وكذلك هي كلما دخلت على جملة. ثم هاهنا إضراب يسميه النحاة إضراباً إبطالياً. وإنما سمَّوه بذلك لأنّ ما بعدها وهو: [لبثتَ مئة عام] قد أَبطَل ونَقَض ما قبلها وهو: [لبثتُ يوماً].
· ]أم يقولون به جِنَّة بل جاءهم بالحقّ[ (المؤمنون 23/70)
ما في هذه الآية، يطابق ما في الآية السابقة. فـ [بل] حرف ابتداء لدخولها على جملة [جاء]، والإضراب هاهنا هو الإضراب الذي يسميه النحاة إضراباً إبطالياً. لأنّ ما بعد [بل] وهو: [جاءهم بالحقّ]، يُبطِل ويَنقض ما قبلها وهو قولهم [به جِنَّة].
· ]وقالوا اتَّخذ الرحمانُ ولداً سبحانه بل عبادٌ مُكْرَمون[ (الأنبياء 21/26)

(127/1)


لا بدّ قبل البحث في [بل]، وما قبلها وما بعدها، من الوقوف عند كلمة [عبادٌ] فإنّها خبر لمبتدأ محذوف تقديره [هم]، أي: [هم عبادٌ]. ولا وجه لإعرابٍ آخر يستقيم معه الكلام. فهي خبرٌ، ليس غير. وإنما عرضنا لإعرابها لنُبيِّن أنّ ما بعد [بل] هو جملة لا مفرد.
وإذ قد كان الأمر كذلك، فإنّ [بل] إذاً حرف ابتداء. وكذلك تكون، كلما دخلت على جملة. ثم إنّ هاهنا إضراباً إبطالياً، لأنّ مابعد [بل] وهو: [هم عبادٌ مكرمون]، يُبطِل ويَنقض ما قبلها وهو قولهم [اتّخذ الرحمانُ ولداً].
· ]ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون[
(آل عمران 3/169)
عمَدنا إلى إيراد هذه الآية بعد آيةِ: ]وقالوا اتَّخذ الرحمانُ ولداً… [ لما فيهما من التطابق في الأحكام. فـ [أحياءٌ] هنا، خبر – بالضرورة – لمبتدأ محذوف تقديره: [هم]، أي: [هم أحياءٌ]. والذي بعد [بل] إذاً، هو جملة لا مفرد.
ومن ثمّ تكون [بل] حرف ابتداء لدخولها على جملة، ويكون الإضراب في الآية إضراباً إبطاليّاً، لأنّ ما بعد [بل] وهو: [هم أحياءٌ]، يُبطِل ويَنقض ما قبلها وهو [حُسبان القتلى في سبيل الله أمواتاً].
· ]قد أفلح مَن تزكّى وذكر اسم ربّه فصلّى بل تُؤثرون الحياة الدنيا[
(الأعلى 87/14-16)
[بل]: في الآية حرف ابتداء، لدخولها على جملة هي [تؤثرون]. لكنّ الإضراب هاهنا ليس إضراباً إبطالياً، بل هو الإضراب الذي يسمّيه النحاة: [إضراباً انتقاليّاً]. وبيان ذلك أنّ ما بعد [بل] وهو: [تؤثرون الحياة الدنيا] لم يَنقُض ولم يُبطِل الذي قبلها وهو: [قد أفلح مَن تزكّى… فصلّى] بل تركه وأبقاه على ما هو عليه، ثم انتقل إلى غرضٍ آخر غيره هو: [إيثار الحياة الدنيا]. ومن هنا أن النحاة يسمّون هذا النوع من الإضراب: إضراباً انتقاليّاً.
· ]ولدينا كتابٌ ينطق بالحقّ وهم لا يُظلمون بل قلوبُهم في غَمرة[
(المؤمنون 23/62-63)

(127/2)


[بل]: هاهنا على المنهاج، حرف ابتداء، لدخولها على جملةٍ، هي: [قلوبهم في غمرة]. وأما الإضراب فإضرابٌ انتقاليّ. وبيان ذلك أنّ ما بعد [بل] وهو: [قلوبُهم في غَمرة] لم يَنقُض ولم يُبطِل الذي قبلها وهو: [لدينا كتابٌ ينطق بالحقّ…] بل تركه وأبقاه على ما هو عليه، ثم انتقل إلى غرضٍ آخر غيره، وهو أنّ: [قلوبُهم في غَمرة]، ومن هنا أنْ قلنا: الإضراب في الآية إضراب انتقاليّ.
· قال الشاعر (المغني /120):
وما هجَرْتُكِ، لا، بل زادني شَغَفاً هَجْرٌ وبُعْدٌ تراخَىْ لا إِلى أَجَلِ
[بل] في البيت حرف ابتداء، لدخولها على جملة، هي: [زاد…]. ويلاحَظ في البيت زيادة [لا] قبل [بل]. وإنما يكون ذلك لتوكيد ما قبلها.
· وقال الآخر (المغني /120):
وَجْهُك البَدْرُ، لا، بل الشمسُ لو لم يُقْضَ للشمسِ كَسْفَةٌ أو أُفُولُ
في البيت مسألتان:
الأولى: أنّ [بل] في البيت حرف عطف، إذ دخلت على اسم مفرد هو [الشمسُ] فعطفته على [البدرُ]، وكذلك هي كلما دخلت على اسم. ومتى كانت حرف عطف، كان الكلام قبلها كأنه غلطٌ أو نسيانٌ، وكان ما بعدها إصلاحاً لهذا الغلط والنسيان.
والثانية: أنّ [لا] زِيدَت قبل [بل]، وإنما يكون ذلك لتوكيد ما قبلها.
* * *
1- المراد بـ [المفرد] هنا، ما ليس جملة.
2- المراد من تسميتها ابتدائية، أنّ لها صدر الكلام، لا أنّ بعدها مبتدأً.

(127/3)


بَلى
حرفٌ يُجاب به عن سؤال منفيٍّ فيُبْطِل نَفْيَه. كنحو أنْ تُسأَل وقد نجحتَ: [أما نجحتَ؟] فتجيب: [بلى]، والمعنى: بلى نجحتُ. ولو قلتَ: [نعم]، لكان المعنى: نعم ما نجحتُ !! وذلك أنّ [نعم] لا تُبطِل النفي، بل تُثبِته فيظلّ المنفي منفيّاً(1).
* * *
نماذج من استعمال [بلى]
· أليست كل نفس ذائقة الموت؟ بلى. [أي: بلى كل نفس ذائقته].
ولو قيل: [نعم] لكان المعنى: نعم، كل نفسٍ ليست تذوقه !!
· ألم يَنْقَضِ عامُ الفيل؟ بلى. [أي: بلى انقضى].
ولو قيل: [نعم] لكان المعنى: نعم، لم ينقضِ عامُ الفيل !!
· ]ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير[ (الملك 67/8-9)
ولو قالوا: [نعم]، لكان المعنى: نعم،لم يأتنا نذير!!
· ]زعم الذّين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثنّ[ (التغابن 64/7)
ولو قال لهم: [نعم]، لكان المعنى: نعم، وربّي لن يُبعثوا !!
· ]ألستُ بربّكم قالوا بلى[ (الأعراف 7/172)
(أي: بلى أنتَ ربّنا).
ولو قالوا: [نعم]، لكفروا؛ إذ يكون المعنى: نعم، لستَ ربّنا !!
* * *
1- من اللطائف أن العامّة تستعمل [بلى] استعمالاً صحيحاً على السليقة، غير أنها تُدخِلُ عليها ميماً ساكنة فتقول: [مْ بَلى] !!

(128/1)


بَيْدَ
أداةٌ تجيء في الكلام على صورة واحدة لا تعدوها، وفي تركيب واحد لا تعدوه. فهي دوماً منصوبةٌ وبعدها أنّ واسمها وخبرها، نحو: [خالد عالم بيْد أنه متعجّل].
قال الجوهريّ في الصحاح وهو يترجمها ويمثّل لها: [وبَيْدَ: بمعنى غير، يقال: إنه كثير المال بيد أنّه بخيل]. (الصحاح 2/450)
* * *

(129/1)


إلى
* من حروف الجرّ، معناها انتهاء الغاية الزمانية أو المكانية. فالزمانية نحو: ]ثُم أتموا الصيام إلى الليل[ (البقرة 2/187). والمكانية نحو: ]سبحان الذي أَسْرَى بعبده ليلاً مِنَ المسجد الحَرامِ إلى المسجد الأَقْصَى[ (الإسراء 17/1)
ولها معانٍ أخرى أشهرها:
* المصاحبة (بمعنى: مع): ومن ذلك المثل العربي: [الذَّوْدُ إلى الذَّوْد إبِل].
(الذود: ثلاثة إلى عشرة من الإبل. يريدون بذلك أن القليل مع القليل يغدو كثيراً).
* ومعنى [عند]، ومنه قول أَبِي كثير الهذليّ:
أمْ لا سبيلَ إلى الشباب، وذِكْرُ هُ أشهى إليّ من الرحيق السَّلسَلِ
(أي: أشهى عندي مِن الرحيق).
* ومعنى [في]، نحو: ]لَيجمعنَّكم إلى يوم القيامة[ (النساء 4/87)
(أي: في يوم القيامة).
* ومرادفة اللام نحو: ]والأمرُ إليك[ (النمل 27/33)
(أي: والأمر لكِ).
* والتبيين، وهي التي تبيّن أن مجرورها هو الفاعل نحو: ]قال ربِّ السجنُ أَحَبُّ إليّ مما يدعونني إليه[ (يوسف 12/33)
(أي: أُحِبُّ السجنَ أكثر من دعوتهنّ).
* * *

(130/1)


إِلاّ
على وجهين:
الأول: حرف استثناء(1)، فيكون ما بعدها مخالفاً ما قبلها، ويسمّى: [المستثنى بـ (إِلاّ)].
الثاني: أداة تفيد الحَصْر، لا أثر لها في إعراب ما بعدها(2)، نحو: [ما أنت إلاّ بشرٌ]. ومنه قوله تعالى: ]وما محمدٌ إلاّ رسولٌ] (3) (آل عمران 3/144)
حُكْم:
إذا تكرّرت [إلاّ] في نحو قولك: [يزورني الأصدقاء إلاّ المريضَ وإلاّ المسافرَ]، فالواو عاطفة، و[إلاّ] الثانية توكيد لفظي للأولى.
* * *
1- انظر بحث [المستثنى بـ (إِلاّ)].
2- [الحَصْر] ويسمّونه [القَصْر] أيضاً: مصطَلَحٌ يريدون به تخصيص موصوف بصفة. وأما إعراب ما بعدها فينكشف لك إذا تغافلتَ عنها. فهو في نحو: [ماجاء إلاّ خالدٌ] فاعل، وفي: [ما رأيت إلاّ خالداً] مفعول به، وفي [ما مررت إلاّ بخالدٍ] مجرور بالباء.
3- أي: محمّد صلى الله عليه وسلّم رسول، مقصور على الرسالة، لا أنّ [رسولٌ] مستثنى من [محمّد]!! ومن الغريب أنّ كتب الصناعة تجعل هذا الصنف من التراكيب فرعاً من فروع الاستثناء، وتسميه: الاستثناء المفرَّغ.

(131/1)


إِمّا
حرفٌ لتعليق الحُكم بأحد الشيئين نحو: [زُرْ إمّا دمشقَ وإمّا بيروتَ] أو الأشياء نحو: [زُرْ إمّا دمشقَ وإمّا بيروتَ وإمّا القاهرة](1). وتُلازِم التكرار، كما جاء في المثالين، ولكنْ قد يُستغنى عن تكرارها بـ [أو] نحو: [زُرْ إمّا دمشقَ أو بيروتَ أو القاهرة]، أو بـ [إلاّ]، نحو: [إمّا أن تقول الصدقَ، وإلاّ فاسكُتْ].
حُكْم: يُعرَب ما بعدها على حسب موقعه من العبارة: فاعلاً أو مفعولاً أو حالاً أو…(2).
معانيها: لها خمسة معان:
الأول: التخيير، نحو: [كُلْ إمّا سمكاً وإمّا تمراً]، أي: اِختَرْ أحدَهما، ولا تجمَعْهما.
الثاني: الإباحة، نحو: [يا بُنَيَّ، اِقرأ إمّا كتاباً وإمّا ديوان شِعر]، أي: قد أبحتُ لك قراءتَهما.
الثالث: الشكّ، نحو: [غاب خالدٌ عن المدرسة إمّا مرّةً وإمّا مرّتين]، إذا لم يُعلَم: أمرّةً غاب أم مرّتين.
الرابع: الإبهام، نحو: ]وآخرون مُرْجَوْنَ لأمر الله إمّا يعذبهم وإمّا يتوب عليهم[
(التوبة 9/106)
الخامس: التفصيل، نحو: ]إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً[ (الإنسان 76/3)
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [إمّا]
· ]قلنا ياذا القرنين إمّا أنْ تعذِّبَ وإمّا أن تتَّخذَ فيهم حُسناً[ (الكهف18/86)
هي في الآية للتخيير.
· ]وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذْ إليهم[ (الأنفال 8/58)
[إمّا]: في الآية مركبة من حرفين هما: [إنْ الشرطية + ما الزائدة] وليست هي [إمّا] التي للتفصيل والتخيير. يدلّك على ذلك: هذه النون المؤكّدة في [تخافنّ]، فإنها تلحق فعل الشرط إذا كانت [ما] زائدة داخلة على [إنْ] الشرطية. ولا تأتي بعد [إمّا] التي للتفصيل والتخيير. ثمّ هذه الفاء الرابطة لجواب الشرط في [فانبذْ]، فإنّها لا تصحب [إمّا] التفصيلية. كلّ هذا فضلاً على أنها في الآية غير مكررة.

(132/1)


· قال عليّ كرّم الله وجهه يوصي ابنه الحسن: [واعلمْ أنّ أمامك عقبةً كَؤُوداً، … وأنّ مَهبِطَكَ بها لا محالةَ إمّا على جنّةٍ أو على نار] (نهج البلاغة /398)
كنّا ذكرنا في أثناء البحث، أنّ [إمّا] تتكرّر فيقال: [إمّا … وإمّا…]، وأنه قد يُستغنى عن تكرارها بـ [أو] فيقال مثلاً: [زُرْ إمّا دمشقَ أو بيروتَ]؛ وقول عليّ: [إمّا على جنّةٍ أو على نار] شاهد على ذلك.
· قال الجاحظ: [وتكلّم رجلٌ عند الحسن (أي: الحسن البصري/110هـ)… فقال الحسن: إمّا أن يكون بنا شَرٌّ أو يكون بك] (البيان والتبيين 4/29)
وقد استغنى هاهنا بـ [أو] عن تكرار [إ مّا].
· قال المثقِّب العَبْديّ (الديوان /211، 212):
فإمّا أنْ تكون أخي بحقٍّ فأَعرفَ منك غَثِّي مِن سَمِيني
وإلاّ فاطَّرِحني واتّخِذْني عدوّاً أتَّقِيكَ وتتَّقِيني
كنّا ذكرنا في أثناء البحث، أنّ [إمّا] تتكرّر فيقال: [إمّا… وإمّا…]، وأنه قد يُستغنى عن تكرارها بـ [إلاّ] نحو: [إمّا أن تقول الصدقَ، وإلاّ فاسكُتْ]. وقولُ المثقّب: [فإمّا… وإلاّ…] شاهد على ذلك.
* * *
1- [إمّا] في نحو قوله تعالى ]فإمّا ترَيِنَّ مِن البشر أحداً فقولي[ (مريم 19/26) مرَكَّبة من حرفين هما [إنْ] الشرطية الجازمة، و [ما] الزائدة، وليست هي [إمّا] التفصيلية التي نحن بصددها هنا.
2- ينجلي للمعرب إعراب ما بعدها، إذا تغافل عنها. ففي نحو: [سيسافر إمّا زهيرٌ وإمّا سعيدٌ]، زهيرٌ: فاعل. وفي نحو: [نودّع إمّا زهيراً وإمّا سعيداً]، زهيراً: مفعول به. وفي نحو: [يذهب خالدٌ إلى العمل إمّا راكباً وإمّا ماشياً]، راكباً: حال. وهكذا…

(132/2)


إِنْ
إِنْ: تأتي على أربعة وجوه:
الأول: شرطية، نحو: [إِنْ تدرسْ تنجحْ].
الثاني: نافية مهملة، وتدخل على الجمل الاسمية والفعلية:
فالاسمية نحو: [إنْ زهيرٌ مسافرٌ](1).
والفعلية نحو: ]إنْ أردنا إلاّ الحسنى[ (التوبة 9/107) و ]إنْ يقولون إلاّ كذباً[ (الكهف 18/5) أي: [ما أردنا إلاّ الحسنى، ما يقولون إلاّ كذباً].
الثالث: مخففة مِن [إِنَّ] فتُهمَل(2) في هذه الحال ويُؤتى بعدها في الكلام بلام تسمّى: اللامَ الفارقة، نحو: [إنْ خالدٌ لَمجتهدٌ، وإن نظنه لمن الناجحين] (انظر: إِنَّ).
الرابع: زائدة، وتدخل على الجمل الفعلية والاسمية، نحو: [ما إنْ جاء زهيرٌ حتى انصرف] و [ما إنْ أنت مسافرٌ].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [إِنْ]
· ]إنْ ينتهوا يُغفرْ لهم[ (الأنفال 8/38)
[إِنْ] في الآية شرطية جازمة، جزمت الفعلين: [ينتهوا] و [يغفرْ]، على المنهاج. وكانا لولا الجزم [ينتهون] و [يغفرُ]. ومثل هذا طِبقاً: ]وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ[ (الأنفال 8/19) فقد جَزمَت الفعلين: [تعودوا] و [نعدْ] وكانا لولا الجزم [تعودون] و [نعودُ].
· ]وإلاّ تغفرْ لي وترحمْني أكنْ من الخاسرين[ (هود 11/47)
[إلاّ = إنْ لا]: إنْ شرطية، و لا نافية. والفعلان المجزومان بها هما: [تغفرْ]
و[أكنْ]. وكانا لولا الجزم: [تغفرُ] و [أكونُ].
· ]إنْ أدري أقريب ما توعدون[ (الجنّ 72/25)
[إنْ]: نافية لا عمل لها، وقد دخلت على جملة فعلية، على المنهاج. والمعنى: [ما أدري…].
· ومثل ذلك: ]إنْ أردنا إلاّ الحسنى[ (التوبة 9/107)
[إنْ] نافية لا عمل لها، دخلت على جملة فعلية، والمعنى: [ما أردنا إلاّ الحسنى].
· ]إنِ الكافرون إلاّ في غرور[ (الملك 67/20)
[إنْ] نافية دخلت على جملة اسمية: [الكافرون في غرور] على المنهاج.
· ومثل ذلك قوله تعالى: ]إنْ أنا إلاّ نذيرٌ وبشير[ (الأعراف 7/188)
[إنْ] نافية، والجملة الاسمية هي: [أنا نذير].

(133/1)


· ]وإنْ كلُّ ذلك لَمَا متاعُ الحياة الدنيا] (3) (الزخرف 43/35)
[إنْ]: مخففة من [إنّ] الثقيلة، فهي إذاً مهملة لا عمل لها، وقد دخلت على جملة اسمية. والإعراب يبيّن المسألة: [كلُّ] مبتدأ، واللام من [لَمَا] هي الفارقة، و[ما] زائدة، و [متاعُ] خبر المبتدأ. (قال ابن هشام: وحيث وجدت إنْ وبعدها اللام المفتوحة… فاحكم عليها بأنّ أصلها التشديد).
· ]وإنْ كانت لَكبيرةً إلاّ على الذين هدى الله[ (البقرة 2/143)
[إنْ]: مخففة من [إنَّ] الثقيلة، فهي إذاً مهملة غير عاملة. وقد دخلت على جملة فعلية: [كانت كبيرة]. واللام من [لَكبيرة] هي الفارقة. [وحيث وجدت إنْ وبعدها اللام المفتوحة فاحكم عليها بأنّ أصلها التشديد].
· ]وإنْ يكادُ الذين كفروا لَيُزْلِقونكَ بأبصارهم[ (القلم 68/51)
[إنْ]: مخففة من الثقيلة، لا عمل لها. وقد دخلت على جملة فعلية. [يكاد]: فعل مضارع، وجملة: [يزلقونك]: خبر يكاد، واللام الداخلة على [يزلقونك] هي الفارقة. [وحيث وجدت إنْ وبعدها اللام المفتوحة فاحكم عليها بأنّ أصلها التشديد].
· قال فَرْوة بن مُسَيْك (الخزانة 4/112):
فما إنْ طِبُّنا جُبْنٌ ولكنْ منايانا ودَوْلَةُ آخَرينا
(طبّنا: عادتنا – الدَولة: الغلبة في الحرب)
[إنْ]: زائدة، ومتى كانت كذلك دخلت على الجمل الاسمية والفعلية، وقد دخلت في البيت على جملة اسمية، إذ تلاها مبتدأٌ: [طبُّنا] وخبرٌ: [جبنٌ].
· وقال النابغة الذبياني يعتذر إلى النعمان بن المنذر (الخزانة 8 /449):
ما إنْ أتيتُ بشيءٍ أنت تكرههُ إذاً فلا رَفَعَتْ سَوْطي إليَّ يدِي
[إنْ]: في البيت زائدة، والزائدة تدخل على الجمل الاسمية كما في البيت السابق، وعلى الجمل الفعلية كما في هذا البيت، إذ تلاها فعلُ: [أتيتُ].
* * *

(133/2)


1- ذكروا أنّ أهل العالية (منطقة في جزيرة العرب)، كانوا يُعملونها عملَ [كان] فيرفعون المبتدأ اسماً لها، وينصبون الخبر خبراً لها، شريطة ألاّ يتقدم خبرها على اسمها، وألاّ ينتقض نفيها بـ [إلاّ]. فإنْ تخلّف أحد الشرطين بطل عملها نحو: [إنْ خالدٌ إلاّ بشرٌ].
2- تقول كتب الصناعة: قد تخفَّف [إِنّ] وتظلّ تنصب الاسم وترفع الخبر على قلّة !! وطرد القاعدة واطّراح هذه القلّة أفضل.
3- للآية قراءة أخرى بتشديد [لَمَّا] وليست غايتَنا هاهنا، وإنما غايتنا قراءة التخفيف: [لَمَا].

(133/3)


عِنْد
على وجهين:
عندَ: ظرفٌ للمكان وللزمان، تلازم الإضافة أبداً، نحو: [نِمتُ عندَ زهيرٍ وسافرت عندَ الصباحِ]. وقد تُجَرّ بـ [مِنْ] نحو: [أتاني كتابٌ مِنْ عندِ خالدٍ] (1).
عندَك: اسم فعل أمر، بمعنى: [اِلْزَمْ]، نحو: [عندَكَ الفُضَلاءَ](2).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [عند]
· مِن أمثالهم: عندَ الصباح يَحمَدُ القومُ السُّرَى (السرى: سَيْر الليل): ظرف للزمان.
· ]آتيناه رحمةً مِنْ عندِنا[ (الكهف 18/ 65): مجرورة بـ [مِن].
· ]فلمّا رآه مستقِرّاً عندَه قال هذا من فضل ربّي[ (النمل 27/40) ظرف للمكان.
· ]وما النصرُ إلاّ مِنْ عندِ الله[ (الأنفال 8/10) مجرورة بـ [مِنْ].
· [الصبرُ عندَ الصدمةِ الأولى]. (حديث شريف) ظرف للزمان.
· ]قال الذي عندَه عِلْمٌ من الكتاب أنا آتيك به[ (النمل 27/40) ظرف للمكان.
· ]ولو كان مِن عندِ غيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فيه اختلافاً كثيراً[ (النساء 4/78) مجرورة بـ [مِنْ].
* * *
1- في نحو قولك [أُكرمه عندما يحضر]: [عند] ظرف للزمان، و[ما]: مصدرية، يتألّف منها ومن الفعل بعدها مصدر مؤوّل، مضاف إليه = أُكرمه عندَ حضوره.
2- مِن تطوّرها اللغوي التاريخي، استعمال الناس لها اليوم بمعنى: [قفْ]، وبمعنى الإغراء بالمجرم والعدوّ، فيقولون مثلاً: [عندَك اللّصّ].

(134/1)


إنَّ
من الأحرف المشبهة بالفعل(1) ينصب الاسم ويرفع الخبر، ويفيد التوكيد، نحو: [إنّ خالداً مسافرٌ]. (انظر الأحرف المشبهة بالفعل)
* إذا اتصلت بها [ما] الزائدة، كفَّتها عن العمل، فعاد الكلام مبتدأً وخبراً، نحو: [إنّما أنت بَشَر].
* إذا دخلت على مبتدأ مقترن بلام التوكيد(2) زُحلِقت اللام فأُخِّرت وجوباً، سواء كان ما تُزَحلَق إليه اسماً، نحو: [إنّ زهيراً لمسافر]، أو فعلاً مضارعاً، نحو: [إنّه ليحب العلم]، أو فعلاً ماضياً جامداً، نحو: [إنّه لنعم التلميذ]. وقد يتقدّم خبرها وهو شبه جملة، فلا تتقدّم اللام معه، بل تظل على تزحلقها فتلزم اسمَ [إنّ] المؤخّر، نحو: [إنّ في النفس لَتساؤلاً].
* قد تُخّفَّف فيقال: [إِنْ]، فتُهمَل عندئذٍ فلا تعمل، ويؤتى في الكلام بعدها – وجوباً – بلامٍ تسمّى اللام الفارقة(3) نحو: [إنْ خالدٌ لَمسافرٌ] و[إنْ كاد زيدٌ لَيَهْلِكُ] و [إنْ نظنه لَمن المسافرين] و[إنْ سالمتَ لعدوّاً](4).
* إذا تمّت جملتها كان العطف بعدها عطف جمل، نحو: [إنّ خالداً مسافرٌ، وزهيرٌ] = [وزهيرٌ مسافرٌ أيضاً] و[إنّ سعيداً مسافر، ومحمداً] = [وإنّ محمداً مسافر أيضاً](5).
* تُفْتَح همزة: [إنّ] إذا صحّ أن يُسْبَك منها ومما بعدها مصدر، نحو: [علمت أَنّك مسافرٌ = علمت سفرك]. وتُكسَر إذا لم يصحّ ذلك نحو: [إنّ خالداً مسافرٌ](6).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [إنَّ]
· ]إنّ ربي لَسَميع الدعاء[ (إبراهيم 14/39)

(135/1)


إذا دخلت [إنّ] على مبتدأ مقترن بلام التوكيد، زُحلِقت اللام فأُخِّرت وجوباً. وقد تحقّق ذلك في الآية، إذ كان الكلام مبتدأً وخبراً: [ربي سميع]. ثمّ أُكِّد بلام الابتداء [لَرَبي سميع]. ثم أُكِّد مرة أخرى بـ [إنّ] فاجتمع أداتا توكيد هما: [إنّ + اللام] وهذا ممتنع. فزُحلقت اللام إلى الخبر: [إنّ ربي لسميع]، على المنهاج. إذ القاعدة أنّهما إذا التقتا زُحلِقت اللام إلى الخبر، اسماً كان الخبر كما جاء هاهنا، أو فعلاً كما يجيء في الآية التالية:
· ]إنّ ربك لَيَحكم بينهم[ (النحل 16/124)
الكلام لو لم يكن قرآناً هو: [ربُّك يَحكم]. ثمّ أُكِّد بلام الابتداء [لَرَبُّك يحكم]. ثم أُكِّد مرة أخرى بـ [إنّ] فاجتمع أداتا توكيد هما: [إنّ + اللام] وهذا ممتنع. فزُحلقت اللام – على المنهاج – إلى الخبر وهو هنا جملة فعلية: [إنّ ربك ليحكم].
· ]إنّ في ذلك لَعِبرةً[ (النازعات 79/26)
الكلام لو لم يكن قرآناً، وقبل التقديم فيه والتأخير والتنكير هو: [العبرة في ذلك]، ثمّ أُكِّد باللام: [لَلْعِبرةُ في ذلك]. ثمّ أُكِّد بـ [إنّ] أيضاً فاجتمع مؤكِّدان هما: [إنّ + اللام] فوجبت زحلقة اللام إلى الخبر وهو شبه جملة: [في ذلك]، فقيل: [إنّ العبرة لفي ذلك]. ثم أريد تقديم الخبر – مع جواز تنكير المبتدأ – فصار النظم: [إنّ لفي ذلك عِبرة] وعاد اجتماع [إنّ + اللام] مرة أخرى، ووجبت الزحلقة فقيل: [إنّ في ذلك لعبرةً].
ومثل ذلك طِبقاً قوله تعالى: ]وإنّ لنا لَلآخرةَ والأولى[ (الليل 92/13). وقد عبّرنا عن ذلك في المتن فقلنا: قد يتقدّم خبر [إنّ] وهو شبه جملة، فلا تتقدّم اللام معه، بل تظلّ على تزحلقها فتلزم اسم [إنّ] المؤخّر.
· ]قل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنّما إلاهكم إلَهٌ واحد[
(الكهف 18/110)

(135/2)


إذا اتصلت [ما] الزائدة، بالأحرف المشبهة بالفعل كفّتها عن العمل فعاد الكلام مبتدأً وخبراً(7). وفي الآية نموذجان من ذلك: الأول: [إنما أنا بشر]، فقد اتصلت [ما] بـ [إنّ] فكفّتها عن العمل، فعادت كلمة [أنا] مبتدأً، وكلمة [بَشَر] خبراً للمبتدأ. والثاني: [أنما إلاهكم إلهٌ]، والشيء نفسه هنا – ما عدا فتح الهمزة: [أنّ] – فالمبتدأ [إلاهُكم]، والخبر [إلهٌ].
· ]يقول إنّها بقرة صفراء[ (البقرة 2/66)
من القواعد المقرَّرة أنّ همزة [انّ] تُفتَح إذا صحّ أن يُسبَك منها ومما بعدها مصدر، وتُكسَر إذا لم يصحّ ذلك. وعلى هذا يكون كَسْر همزة [انّ] هنا واجباً. إذ لا يصحّ سبك مصدر منها ومما بعدها، فلو قلت: [يقول: صُفرتها] لكان المعنى ناقصاً.
· ]وآتيناه من الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوء[ (القصص 28/76)
[ما] في الآية اسم موصول وكسر همزة [انّ] بعده واجب. إذ لا يصحّ هنا سبك مصدر منها ومما بعدها، فلا يقال: [آتيناه ما نَوء مفاتحه]، ولو قيل ذلك لكان المعنى ناقصاً.
· ]أَلاَ إنّهمْ هم السفهاء[ (البقرة 2/13)
[أَلاَ]: استفتاحية، فبعدها إذاً كلام مستأنف. والكسر هنا واجب، إذ لا يصحّ سبك مصدر بعد [أَلاَ]، لأنه يَؤُوْل إلى: [أَلاَ سفاهتُهم]، وهذا معنىً ناقص، ولو قيل، لم يكن كلاماً.
· ]وإنْ يكاد الذين كفروا لَيُزلِقونك بأبصارهم[ (القلم 68/51)
[إنْ] مخففة مِن [إنّ] ومتى خُفِّفت أُهمِلت ولزمتها اللامُ الفارقة، ومن هنا أن قيل: [ليزلقونك]. وذلك في العربية كثير جداً. ومنه قوله تعالى:
· ]وإنْ وجدنا أكثرهم لفاسقين[ (الأعراف 7/102)
فـ [إنْ] مخففة، ودخلت اللام الفارقة على [فاسقين].
ومثله من القرآن: ]وإنْ نظنّك لمن الكاذبين[ (الشعراء 26/186)
[إنْ] مخففة، واللام هي الفارقة.
· والآية: ]وإنْ كانت لكبيرة[ (البقرة 2/143)
[إنْ] مخففة، واللام هي الفارقة.
· ومن الشعر قول عاتكة زوجة الزبير، تدعو على قاتله (الخزانة10/378):

(135/3)


شَلَّتْ يمينُك إنْ قتلتَ لَمسلماً حَلَّتْ عليك عقوبةُ المتعمِّدِ
[إنْ] في البيت مخففة، واللام الداخلة على [مسلماً] هي الفارقة. والبيت شاهد على أن اشتراطهم أن يكون الفعل بعد [إنْ] من النواسخ، شرط غير لازم.
· قال النابغة (الأزهية /47):
وإنْ مالِكٌ لَلْمُرتَجَى إنْ تَقَعْقَعَتْ رَحَى الحربِ أو دارتْ علَيَّ خُطوبُ
[إنْ مالِكٌ لَلْمُرتَجَى]: لولا أن يجنح الشاعر إلى التخفيف لقال: [إنّ مالكاً المرتجى]. فيُعمِل [إنّ] فتنصب اسماً وترفع خبراً. ولكنه جنح إلى التخفيف فالإهمال فقال: [إنْ]؛ فـ [مالكٌ] – إذاً – مبتدأ، و[المرتجى] خبر المبتدأ دخلت عليه اللام الفارقة.
· قال الطِّرِمّاح بن حكيم (الجنى الداني /134):
أنا ابنُ أباةِ الضيمِ من آل مالكٍ وإنْ مالكٌ كانت كرامَ المعادِنِ
قول الطرماح:[إنْ مالكٌ كانت…]، فيه نكتة يحسُن أن يتوقّف المرء عندها. وهي أنّ الشاعر استعمل [إنّ] مخففة مهملة فقال: [إنْ مالكٌ]، ومع ذلك لم يأت باللام الفارقة بعدها. والسرّ هنا أنّه يمدح قبيلته، ومدحه لها يمنع من أنْ تكون [إنْ] هي النافية التي تُعَدّ من أخوات [ليس]، لأنّ اعتدادها كذلك يقلب مدحه لقبيلته ذمّاً !! إذ يكون المعنى: [ليست قبيلة مالكٍ كرام المعادن] !!
ولما كانت هذه القرينة مانعة من أن يُظَنّ به إرادة الذم لقبيلته، جنح إلى التخفيف فقال: [إنْ مالكٌ]، مستغنياً بالقرينة، عن الإتيان باللام الفارقة.
· ]إنّ فيها قوماً جبّارين[ (المائدة 5/22)
[قوماً] اسم إنّ وقد تأخر، وتقدّم عليه خبرها، وهو شبه الجملة (الجار والمجرور): [فيها]. والقاعدة أن أخبار الأحرف المشبهة بالفعل لا تتقدم على أسمائها، إلاّ أن يكون الخبر شبه جملة فيجوز.
* * *
1- زعموا أنها تكون حرف جواب بمعنى [نَعَمْ].

(135/4)


2- [لام الابتداء ولام التوكيد واللام المزحلقة] ثلاثة أسماء لمسمّى واحد. فهي: لام الابتداء، لأنها تقترن بالمبتدأ. وهي: لام التوكيد، لأنها تؤكّد المبتدأ. وهي: اللام المزحلقة، لأنها هي و [إنّ] لا تجتمعان، فإذا التقتا زُحلِقت اللام فاُخِّرت.
3- سمّوا هذه اللام فارقةً، لأنها تفرق بين (إنْ) المخفّفة التي نحن بصددها، و(إنْ) النافية التي هي من أخوات ليس.
4- تشترط كتب الصناعة أن يكون الفعل بعدها من النواسخ، أي: (كان وأخواتها، وظنّ وأخواتها). وهو شرط غير لازم.
5- أما قبل إتمام جملتها فالعطف عطف مفردات، فيقال مثلاً: [إنّ خالداً وسعيداً مسافران].
6- بيان ذلك أن جملة [إنّ خالداً مسافرٌ] لو أُوِّلتْ بمصدر – جدلاً – فقيل: [سفرُ خالدٍ] لكان المعنى ناقصاً. ومما لا يصحّ تأويله بمصدر أيضاً – على سبيل المثال – جملة مقول القول، نحو: [قال خالدٌ: (إنّ زهيراً مسافرٌ)]. فلا يصحّ: [قال خالد: سفرُ زهيرٍ]، ومنه: [والله، إنّ خالداً مسافرٌ، أو والله إنّ خالداً لمسافرٌ]، إذ لا يصحّ في الحالتين: [والله سفرُ خالدٍ]، ومنه كذلك: [جاء الذي إننا نكرمه]، فلا يصحّ: [جاء الذي إكرامه]. ومما لا يصحّ تأويله بمصدر أيضاً، وقوع [إنّ] وما بعدها، بعد [ألا] الاستفتاحية، نحو: ]ألا إنّهم هم السفهاء[.
7- قولُ المعربين في مثل هذه الحال: [كافة ومكفوفة]؛ يريدون به أنّ: [ما] كافّة للحرف المشبه بالفعل عن العمل، وأن [الحرف المشبه بالفعل] مكفوف.

(135/5)


إذْ
مبنية على السكون. وهي على وجوه(1):
1- ظرف زمان، يضاف إلى جملة بعده، نحو: ]إلاّ تنصروه فقد نصره اللهُ إذْ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذْ هما في الغار إذْ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ اللّهَ معنا](2)
(التوبة 9/40)
2- مضاف إليه، نحو: ]ربّنا لا تُزغْ قلوبنا بعد إذْ هديتنا[ (آل عمران 3/8): [بعدَ] مضاف، و [إذْ] مضاف إليه.
3- حرف تعليل، نحو: ]ولن ينفعكم اليومَ إذْ ظلمتم أنّكمْ في العذاب مشترِكون[ (الزخرف 43/39)، أي: لن ينفعكم بسبب ظلمكم في الدنيا… ومنه قول الشنفرى
(قطر الندى /188):
وإن مُدَّتِ الأيدي إلى الزاد لم أكنْ بأجشعهمْ إذْ أجشعُ القومِ أَعْجَلُ
4- حرف للمفاجأة، وتأتي بعد [بينا] و [بينما]، نحو قول حُرَيْث بن جَبَلَة العذري (شرح شواهد المغني للسيوطي /86):
اِستقدِرِ اللّهَ خيراً وارْضَيَنَّ بِهِ فبينما العسرُ إذْ دارتْ مَياسيرُ
وقول سليمان بن داوود القُضاعي (المعجم الكبير 1/160):
وبينا نِعْمةٌ إذْ حالَ بؤسٌ وبؤسٌ إذْ تَعَقَّبَهُ ثَراءُ
تنبيه: تلزم [إذ] الإضافة إلى جملة، فإذا حُذِفت الجملة، نُوِّنت [إذ] بالكسر(3)، نحو: ]فلولا إذَا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذٍ تنظرون](4) = (وأنتم حينَ إذ بلغتِ الروحُ الحلقوم تنظرون).
* * *
1- يذهب فريق من النحاة إلى أنها تكون مفعولاً به (15)، وبدلاً (29) منه أيضاً.
2- تكررت (إذ) في الآية ثلاث مرات وبعدها ثلاثة أنواع من الجمل: ماضوية ثم اسمية ثم مضارعيّة.
3- يسمي النحاة هذا التنوين اصطلاحاً: [تنوين عِوَض].
4- الواقعة 56/83-84

(136/1)


إذاْ
على وجوه:
¨ فجائية: وتختصّ بالجمل الاسمية نحو: ]فألقاها فإذا هي حية تسعى[ (طه 20/20) وقد تكون بمنْزلة الفاء الرابطة لجواب الشرط نحو: ]وإنْ تصبهمْ سيّئةٌ بما قدّمت أيديهم إذا هم يقنطون] (1) (الروم 30/36)
¨ ظرفية غير متضمنة معنى الشرط، فتكون بمعنى [حين] نحو: ]والنجم إذاْ هوى[ (النجم 53/1)
¨ ظرفية متضمنة معنى الشرط،(2) فيكون فعل الشرط بعدها ماضياً أو مضارعاً، وقد اجتمعا في بيت أبي ذُؤيْب (المغني /97):
والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبْتَها وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ
ويقترن جوابها بالفاء الرابطة، إذا كان مما يحتاج إلى رابط(3)، نحو: ]وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له[ (الأعراف 7/204)
– قضيّة: تدخل [إذاْ] على الاسم نحو: ]إذا السماءُ انشقّت[ (الانشقاق 84/1) فيذهب المعربون في إعرابه مذاهب ثلاثة:
1- مبتدأ.
2- فاعل مقدّم على فعله: [انشقّت].
3- فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل الظاهر، والتقدير: [إذا انشقت السماء انشقت].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال إذا
· ]إذا جاء نصر اللهِ والفتح. ورأيتَ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. فسبّح بحمد ربك… [ (النصر 110/1-3)
[فسبّح]: أمر، وهو جواب [إذا] الشرطية. وقد اقترن بالفاء، لمّا كان لا يصلح أن يكون فعل شرط.
· قال ابن أحمر الكنانيّ (الأزهية /185):
وإذا تكون كريهةٌ أُدعى لها وإذا يُحاسُ الحَيسُ يُدعى جُندُبُ
(جندب: من أسمائهم. الحيس: تمرٌ ولبنٌ مستحجرٌ مدقوق، يُعجَنان بالسمن عجناً شديداً).
[تكون]: فعل الشرط وهو مضارع، على المنهاج. ويجوز أن يكون ماضياً.
· ]وإذا رَأَوْا تجارةً أو لهواً انفضّوا إليها[ (الجمعة 62/11)
[رأوا]: فعل الشرط وهو ماض، على المنهاج. ويجوز أن يكون مضارعاً.
· ]ونزع يدَه فإذا هي بيضاءُ للناظرين[ (الأعراف 7/108)
[إذا] فجائية، وبعدها جملة اسمية، على المنهاج.
· قال البرج بن مسهر (لسان العرب 10/243):

(137/1)


ونَدمانٍ يزيد الكأسَ طيباً سقيتُ إذا تغوّرَت النجومُ
[إذا تغوّرت]: إذا ظرفيةٌ بمعنى [حين]، غير متضمنة معنى الشرط.
· قال الأصمعي (زهر الآداب 1/182):
مررت بدار الزبير بالبصرة فإذا شيخٌ قديم… جالس بالباب. فسلّمت عليه.
[إذا]: فجائية، وتختص في هذه الحال بمجيء الجملة بعدها اسمية، وقد تحقق ذلك هنا، فكلمة [شيخ: مبتدأ] و [جالسٌ] خبر.
· قال نصر بن مزاحم (مقاتل الطالبيِّين /427):
حدثني رجل… قال: إني لَعِندَ قبر الحسين… إذا بفرسانٍ قد أقبلوا.
[إذا]: فجائية، والباء بعدها زائدة. أي: إذا فرسان قد أقبلوا.
· ]فلما نجّاهم إلى البرّ إذا هم يُشرِكون[ (العنكبوت 29/65)
[إذا] في الآية فجائية. ومتى كانت فجائية اختصت بالدخول على الجمل الاسمية، وكانت كالفاء في ربط جواب الشرط. وكذلك هي في الآية، فقد ربطت جواب [لما]. وجملة [هم يشركون] اسمية، على المنهاج.
* * *
1- مجيء مبتدأ وخبر بعدها نحو: [خرجت فإذا خالدٌ واقفٌ]، هو الأصل. ولكن قد يحذفون الخبر فيقال: [فإذا خالدٌ…]، وقد يزيدون بعدها الباء فيقال: [فإذا بخالدٍ] فيكون الاسم مجروراً لفظاً.
2- يقول المعربون: [إذا: ظرف لما يستقبل من الزمن، خافض لشرطه]، أي: الجملة بعده مضاف إليه، هو خافضُها، أي: هو الذي جَرَّها. وأما قولهم: [متعلّق بجوابه] فيريدون به أنّ [إذا] باعتباره ظرفاً، يحتاج إلى متعلَّق هو جواب الشرط.
3- يقترن جواب الشرط بالفاء إذا كان غير صالح لأن يكون شرطاً. (انظر بحث جزم الفعل المضارع).

(137/2)


إذاً
حرف جواب وجزاء لا عمل لها(1). وقد اختلف الأئمة في كتابتها فمنهم من يكتبها بالألف: [إذاً]، ومنهم من يكتبها بالنون: [إذنْ]، ولكلٍّ حججٌ ومؤيّدات.
* * *
1- سمَّوها [حرف جواب] لأنها تأتي جواباً لكلام يسبقها، و [حرفَ جزاء] لأن ما تدخل عليه يكون جزاءً لما يسبقها من كلام. نقل سيبويه عن عيسى بن عمر أنّ من العرب مَن لا يُعْمِلُها. قال سيبويه (الكتاب – هارون 3/16): [فأخبرتُ يونس بذلك – وكلا الرجلين من شيوخ سيبويه – فقال:لم يكن ليروي إلاّ ما سمِع].

(138/1)


إذْما
لا يكاد المرء يقع على هذه الأداة مستعملَةً في كلام العرب، وبين الأئمة اختلاف فيها، ونرى الأسهل اعتدادها كلمتين: [إذْ] ظرف زمان، و [ما] زائدة، أخذاً برأي المبرد وابن السرّاج وأبي عليّ الفارسي.
* * *

(139/1)


إِيْ
حرف جواب بمعنى [نَعَمْ]، لا تجيء في الكلام إلاّ وبعدها قسَمٌ بـ [الربّ، أو الله، أو لعَمْري]. يقال: [إِيْ وربّي، إِيْ والله، إيْ لَعَمْري]، وفعل القسم في جميع ذلك محذوف دوماً، فلا يقال مثلاً: [إِيْ أُقسِم بالله]، أو: [إِيْ أُقسم بربّي]، قال تعالى: ]ويَسْتَنْبِئُونكَ أحقٌ هو قل إي وربي إنه لَحَقّ[ (يونس 10/53)
* * *

(140/1)


فَقَطْ
كلمة مبنية على السكون، تدلّ على الاكتفاء، نحو: [قرأت صفحة فقطْ – زارني زهيرٌ فقط – اشتريت ثلاثة كتب فقط…].
* * *

(141/1)


في
حرف جرٍّ، ولها معانٍ أشهرها:
* الظرفية المكانية أو الزمانية، وقد اجتمعتا في قوله تعالى ]غُلِبَت الروم في أدنى الأرض وهم مِن بعدِ غَلَبِهمْ سيغلِبون. في بضع سنين[ (الروم30/2-4)
* السببية: ومن ذلك [دخلت النارَ امرأةٌ في هرَّةٍ حبستها]، (أي: بسبب هرّة).
* الاستعلاء (بمعنى على)، نحو: ]ولأُصَلِّبَنَّكمْ في جذوع النخل[ (طه 20/71) (أي: على جذوع النخل).
* المصاحبة، نحو: ]قال ادخلوا في أُمَمٍ قد خَلَتْ مِن قبلكم[ (الأعراف 7/38) (أي: ادخلوا مع أُممٍ).
* * *

(142/1)


غَيْر
اسم متوغّلٌ في الإبهام. نكرةٌ أبداً، لا يتعرَّف بالإضافة، ولا يُحلّى بـ[ألـ](1).
حُكمان:
¨ يلازم الإضافة أبداً، ولا يُقطَع عنها إلاّ أنْ تتقدّم عليه كلمةُ [ليس]، فيضمّ آخره، نحو: [قبضتُ عشرةَ دراهم ليس غيرُ](2).
¨ يُعرَب في الكلام على حسب موقعه(3):
زارني غيرُك : فاعل
سألتُ غيرَك : مفعول به
نظرتُ إلى غيرِك : مجرور بحرف جرّ
اشترِ كتاباً غيرَ هذا : نعت
سافر زهيرٌ غيرَ راضٍ : حال
نجح الطلاّبُ غيرَ زيدٍ : منصوب على الاستثناء
ما نظرتُ إلى الطلاّبِ غيرَِ زيدٍ : إذا جاء بعد جملة منفية، جاز مع نصبه على الاستثناء، إتباعُه على البدلية مما قبله.
فائدة: مِن التراكيب الفصيحة قولهم مثلاً: [قرأت غيرَ كتابٍ]، ومعناه: قرأت أكثرَ من كتاب.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [غير]
· ]ربَّنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل[ (فاطر 35/37)
[غير] مضافة في الآية إلى اسمٍ معرفة هو: [الاسم الموصول: الذي]، ومع ذلك وَصَفَتْ كلمةً نكرة هي: [صالحاً]، فدلّ هذا على أنّ [غير] لا تكتسب التعريف مما تُضاف إليه، بل تظلّ نكرة. ولو أنها اكتسبت التعريف مما أُضيفت إليه لما جاز أن تصف نكرة. إذ النكرة لا توصَف بمعرفة.
· ]ومَن أضلُّ مِمّن اتّبع هواه بغير هدى[ (القصص 28/50)
[بغيرِ]: جارّ ومجرور، وذلك وجهٌ من وجوهها، إذ تُعرَب في الكلام على حسب موقعها فيه.
· ]وهو في الخصام غيرُ مبين[ (الزخرف 43/18)
[غيرُ]: خبرٌ للمبتدأ: [هو]، وورودها خبراً، هو وجهٌ من وجوهها.
· ]تقولون على الله غيرَ الحقّ[ (الأنعام 6/93)
[غيرَ]: مفعولٌ به.
· ]ويستبدل قوماً غيرَكم[ (التوبة 9/39)
[غيرَ]: صفة لكلمةٍ نكرة هي: [قوماً]، و إنما كان ذلك مع أنها أُضيفت إلى الضمير [كم]، والضمير معرفة، لأنها لا تكتسب التعريف مما تُضاف إليه.
· قال أبو قيس بن الأسلت يصف الناقة:
لم يَمنعِ الشُّربَ منها غيرَ أن نطقتْ حمامةٌ في غصونٍ ذاتِ أوقالِ

(143/1)


(الأوقال: نبات؛ يقول الشاعر: لم يمنع الناقةَ من الشُّرب إلا تصويت حمامةٍ غنَّتْ على هذه الغصون).
فِعلُ [يمنع] فاعله [غيرَ]، والأصل في الفاعل أن يُرفع. لكنّ [غير]، إذا تلاها مبني، كما هي الحال في البيت، جاز إعرابها وبناؤها. وقد اختار الشاعر البناء، فقال: [لم يمنع الشربَ غيرَ]، فـ [غير] مبنية على الفتح في محل رفع فاعل للفعل [يمنع]؛ ولو شاء الشاعر أن يُعرب فيقول: [لم يمنع الشربَ غيرُ…] لكان جائزاً.
* * *
1- يقال مثلاً: [زرتُ رجلاً غيرَك]. ولو أنّ [غير] اكتسبت التعريف بإضافتها إلى الضمير [الكاف] لما نعتت [رجلاً] وهو نكرة. وأما دخول [ألـ] على [غير]، فلم يُسمَع من العرب قطّ، لا في شعر ولا في نثر.
2- أي: ليس غيرُها مقبوضاً. فحُذِف المضافُ إليه وخبرُ [ليس] أيضاً.
3- إذا تلاه مبنيٌّ، جاز-مع إعرابه-بناؤه على الفتح نحو: [لم يَسُؤني غيرَُ أن غضبتَ]، فالضمّ إعراب، والفتح بناء.

(143/2)


ها
على وجوه:
الأوّل: اسم فعل أمر (12)، معناه: [خُذْ]، نحو: [ها كتابَك] أي: خُذْه. ويجوز أن تلحق به الهمزةُ، نحو: [هاءَ وهاءِ وهاؤما وهاؤم…] أو الكافُ أيضاً، نحو: [هاكَ وهاكِ وهاكما وهاكم…].
الثاني: المتّصلة بـ [أَيُّ وأَيّةُ] ليصحّ نداء المحلَّى بـ [ألـ]، نحو: [يا أيّها الرجل ويا أيّتها المرأة]. وذلك أنّ المحلَّى بـ [ألـ] لا ينادى مباشرة، فيؤتى بـ [أيّ وأيّة] وصلة إلى ندائه.
الثالث: حرف تنبيه، يُنَبَّه به المخاطَب، على ما يُحَدِّثه به مخاطِبُه، نحو: [ها إنّك تعود بعد التوبة !!] و [ها قد شُفي خالدٌ وكنت لا ترجو شفاءَه] و[ها أنت ذا تدرس فتنجح]
و]يا بُشرى هذا غُلام[ إلخ…
* * *

(144/1)


حبَّذا
حَبَّذا: تركيبٌ يستعمل في المدح (1). مؤلف من ثلاثة عناصر يمثلها قولك: [حبّذا زهير رجلاً]. ويختلف المعربون في إعراب هذه العناصر. ولعل أسهل ذلك ما يلي: [حبذا: فعل]، و [زهير: (المخصوص بالمدح) فاعل]، [رجلاً: تمييز].
أحكام:
¨ يلزم [حبذا] صيغةَ الإفراد والتذكير أبداً في كل حال، فيقال مثلاً:
[حبذا الرجل، وحبذا المرأة، وحبذا التلميذان، وحبذا التلميذتان، وحبذا الرجال، وحبذا النساء].
¨ إذا دخلت [لا] النافية على [حبذا] تحول معناه إلى الذم نحو: [لا حبّذا الجهلُ].
¨ يجوز تقديم التمييز على الفاعل وتأخيرُه عنه، نحو: [حبذا زهير رجلاً، وحبذا رجلاً زهير].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [حبّذا]
· قال الشاعر (الدرر اللوامع 2/117):
ألا حَبَّذا قوماً سُلَيْمٌ فإنهم وَفَوْا، إذ تواصَوْا بالإعانة والصبرِ
[قوماً]: تمييز تقدم على الفاعل [سليم]، وهو جائز، بل هو الأكثر في كلامهم.
· قال الحطيئة (الديوان /64):
ألا، حَبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ وهندٌ أتى مِن دونها النأيُ والبُعْدُ
[هند]: هي المخصوص بالمديح، فاعل. ولم ير الشاعر في نفسه حاجةً إلى تمييز، فاطّرحه، ولو ذكره لقال مثلاً: حبذا هندٌ امرأةً. وتأنيث الفاعل لم يغيّر من [حبذا] شيئاً، لأنه يلزم صيغة الإفراد والتذكير أبداً في كل حال.
· وقال جرير (الديوان /165):
يا حبَّذا جَبَلُ الرَّيّان مِن جبلٍ وحبذا ساكنُ الريان مَنْ كانا
وحَبَّذا نفَحاتٌ مِن يَمانية تأتيكَ مِن قِبَلِ الرَّيَّانِ أحيانا
(يمانية: أراد ريحَ الجنوب).
استعمل الشاعر [حبذا] مراتٍ ثلاثاً على اختلاف ما تلاها من مفرد مذكر أو جمع مؤنث، وذلك أن [حبذا] لا يغيّر منها اختلاف الفاعل بعدها تذكيراً وتأنيثاً وإفراداً وتثنيةً وجمعاً، بل تلزم حالة واحدة هي: الإفراد والتذكير أبداً في كل حال.
· قال ذو الرمّة (2):
ألا، حبّذا أهلُ المَلا غيرَ أنهُ إذا ذُكِرَتْ مَيٌّ فلا حبّذا هِيَا
في البيت مسألتان:

(145/1)


– الأولى: ثبات صيغة [حبذا]، سواء أجاء الفاعل بعدها مذكّراً معناه الجمع: [أهل الملا] أم مفرداً مؤنثاً: [هي].
– الثانية: اجتماع المدْح والذمّ في البيت: فـ [حبّذا أهلُ الملا]: للمدح، على المنهاج. و[لا حبّذا هي]: للذمّ، وذلك أنهم إذا أرادوا الذمّ أدخلوا [لا النافية] على حبّذا.
* * *
1- تعريف [حبّذا] في كتب الصناعة شديد الاضطراب. فعند فريق فعل و[ذا] فاعله، وعند فريق آخر: اسم مركب من [حبّ] و [ذا]، وعند فريق ثالث: فعلٌ مركب من [حب و ذا]، فاعلُه المخصوص بالمدح إلخ… وقد آثرنا أنْ نقول: هو تركيب يستعمل في المدح.
1- ملحق ديوان ذي الرمة 3 /1920، وفيه أن البيت يُعزى أيضاً لكنْزة بنت برد المنقريّ.

(145/2)


حَيْثُ
¨ ظرف مكان مبنيّ على الضمّ. يلازم الإضافة إلى الجُمل نحو: [وقفتُ حيثُ وقف خالدٌ، وجلستُ حيثُ الجلوسُ مريحٌ]. فإن تلاها مفردٌ فهو مبتدأ محذوف الخبر نحو: [مكثنا حيث الظلُّ… = مكثنا حيثُ الظلُّ ممدودٌ].
¨ قد تُجَرّ بأحد حروف الجرّ الآتية: [مِن – إلى – في – الباء].
¨ إذا اتصلت بها [ما] الزائدة، ضُمِّنت معنى الشرط فجزمت فعلين نحو: [حيثما تجلسْ أجلسْ].
تنبيه: الأصل أن تُكسر همزة [انّ] بعد [حيثُ] فيقال مثلاً: [تنَزّهت حيثُ إنّ الزهر كثيرٌ]، لكنّ فريقاً من النحاة – ولهم حجّتهم – أجازوا الفتح أيضاً، فيقال: [تنَزّهت حيثُ أنّ الزهر كثيرٌ].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [حيث]
· ]فكُلاَ منها رَغَداً حيثُ شئتما[ (البقرة 2/35)
[حيثُ]: ظرف للمكان مبني على الضم، وقد أُضيف إلى الجملة الفعلية [شئتما]. ومثل هذا طِبقاً قولُه تعالى:
· ]نتبوَّأ مِن الجنة حيثُ نشاء[ (الزمر 39 /74). وقولُه:
· ]وامضُوا حيثُ تُؤمَرون[ (الحجر 15/65)
· ]ومِن حيثُ خرجتَ فَوَلِّ وجهَكَ شطر المسجد الحرام[ (البقرة 2/149)
[مِن حيثُ]: مِن حرف جرّ، يجوز دخوله على [حيثُ]، فتكون اسماً مبنياً على الضم في محل جرّ بـ [من]، مضافةً إلى جملة فعلية هي: [خرجتَ].
ومثل هذا طِبقاً، قولُه تعالى:
· ]سنستدرجهم مِن حيثُ لا يعلمون[ (الأعراف 7/182)
· مِن شواهدهم التي يُجمِعون على إيرادها قولُ القائل:
حيثُما تَستقمْ يُقَدِّرْ لك اللّـ ـهُ نجاحاً في غابرِ الأيامِ
[حيثُما]: اتصلتْ [ما] الزائدة بـ [حيث]، ومتى كان ذلك تضمّنت [حيثُ] معنى الشرط فجزمت فعلين، كما في البيت إذ جزمتْ [تستقمْ + يُقَدِّرْ].
* * *

(146/1)


هَلْ
حرف استفهام، يدخل على الجمل الاسمية والفعلية، للاستفهام عن العلاقة بين جزأيها(1) نحو: [هل سافر خالدٌ – هل يسافر خالدٌ – هل خالدٌ مسافرٌ – هل خالدٌ يسافر – هل خالدٌ سافر(2)]، ولذلك يكون الجواب في كلّ حال: [نعم] أو [لا]، سواء أجاءت بعدها [أو] – مكررة أو غير مكررة – أم لم تجئ(3)، نحو:
– هل سافر خالدٌ؟ – [نعم]، [لا].
– هل سافر خالدٌ أو زهيرٌ؟ – [نعم]، [لا].
– هل سافر خالدٌ أو زهيرٌ أو عليّ أو محمد؟ – [نعم]، [لا].
أحكام:
* لا تدخل [هل] على [إنّ]، فلا يقال: [هل إنّك مسافرٌ].
* ولا تدخل على شرط، فلا يقال: [هل إنْ نزُرْكَ تُكرِمْنا].
* ولا تدخل على منفيّ، فلا يقال: [هل لم يذهب خالدٌ].
* يراد بها النفي، إذا جاء بعدها [إلاّ]. نحو: [هل أنت إلاّ بشر = ما أنت إلاّ بشر].
مسألة ذات خطر، فافهم كل كلمة مما يلي:
* لا تأتي بعدها [أَمْ] في حيّز الاستفهام. فلا يقال مثلاً: [هل جاء زهير أم سعيد؟]. وإنما تأتي بعدَ تمام الاستفهام، فتكون بمعنى [بل] التي للإضراب، ولهذا يسمّيها النحاة [أم] المنقطعة ويُعرِبونها حرف استئناف. ومنه قوله تعالى ]هل يستوي الأعمى والبصير – أم هل تستوي الظلمات والنور[ (الرعد 13/16)
* * *

(147/1)


1- يستعمل النحاة هنا مصطلح: [التصديق]، ويريدون به [الإسناد]، كإسناد السفر إلى زيدٍ في قولهم: [سافر زيدٌ]، أو إسناد الوقوف إلى خالد في قولهم: [خالدٌ واقف]… وقد يستعملون مكان ذلك، مصطلح: [الحُكْم] إلخ… وقد آثرنا استعمال: [العلاقة بين جُزأي الجملة]، أي بين رُكنيها، لتقريب معنى مصطلحهم إلى الذهن. ثمّ هم يَقسمون أدوات الاستفهام أقساماً ثلاثة، الأوّل: [هل] وهي لطلب التصديق، وقد بيّنّا معناه. والثاني: أدوات الاستفهام الأخرى جميعاً – ماعدا الهمزة – وهي للتصوّر، ويريدون بالتصوّر: طلب التعيين، في نحو قولهم: [أجاء خالدٌ أم سعيد؟] فيكون الجواب تعييناً: [خالدٌ] مثلاً، أو [سعيدٌ]. والثالث: [الهمزة] وهي لطلب التصديق والتصوّر جميعاً، فيصح التصديق في نحو: [أسافر خالدٌ؟] فيقال في الجواب: [نعم] أو [لا]. ويصحّ التصوّر [أي: التعيين] في نحو: [أسافر خالدٌ أم زهيرٌ] فيقال في الجواب مثلاً: [زهير] أو: [سعيدٌ].
2- إذا جاءت [أو] بعد [هل]، نحو: [هل جاء سعيدٌ أو خالدٌ] فحذارِ أنْ تعيّن فتقول: [خالدٌ] أو [سعيدٌ]. وذاك أنّ [هل] لا يُؤتى بها للتعيين، بل يُؤتى بها للاستفهام عن العلاقة بين رُكنَي الجملة. ولذلك أجبْ بـ [نعم]، أو [لا].
3- بيْن النحاة اختلاف في صحّة دخول [هل] على اسمٍ بعدَه فعل، نحو: [هل زهيرٌ يجتهد]. فمنهم مَن منع ذلك، ومنهم مَن قال: إنه لا يمتنع، ومنهم مَن قال إنه لا يمتنع لكنه قبيح !! ولما لم يكن في قواعد اللغة: [هذا قبيح وهذا جميل]، وكان يجب أن تتبرّأ من مثل هذا الاضطراب والتقلقل، فإننا نرى أنّ في اطّراحها الخير.

(147/2)


هَلاّ (1)
حرف تحضيض له صدر الكلام. لا عملَ لها، وتدخل على الفعل، نحو: [هلاّ سافرتَ وهلاّ تسافر]، أو على اسمٍ مقدَّم على فعله، نحو: [هلاّ زيداً ضربتَ وهلاّ زيداً ضربتَه] (2).
* * *
1- تُبدَل هاؤها همزةً فيقال: [ألاّ]، ومن النحاة من يقول بالعكس. ومهما يَدُرِ الأمر فإنّ [ألاّ] هذه حرفٌ واحد، وهي غير [ألاّ] المؤلفة من [أنْ] و [لا] النافية.
2- قال الرضي: [جاءت الاسمية بعدها – يريد الجملة الاسمية المؤلفة من مبتدأ وخبر – في ضرورة الشعر نحو قوله:
يقولون ليلى أرسلت بشفاعةٍ إليَّ، فهلاّ نفسُ ليلى شفيعُها
ولقد اطّرحنا ذلك اطّراحا، لأنّ الضرورة لا تبنى عليها قاعدة، فضلاً على أنّها في آخر المطاف شهادة على أنّ الشاعر عَجَز أن يعبّر عما في نفسه بلغة أمّته، فعبّر عن ذلك بلغة اخترعها من عند نفسه، ما أنزل الله بها من سلطان.

(148/1)


حاشا
أداةٌ يستثنى بها، لتضمّنها معنى [إلاّ]. والاسمُ بعدها يُنصَب ويُجَرّ(1):
فمن النصب قول الفرزدق (شرح ابن عقيل 1/622):
حاشا قريشاً فإنّ الله فضّلهمْ على البريّة بالإسلامِ والدينِ
ومن الجرّ قولُ عمر بن أبي ربيعة (لسان العرب 14/182)
مَنْ رامَها حاشا النبيِّ وأهلِهِ في الفخر غَطْمَطَهُ هناك المُزْبِدُ
وبيت الشاعر (الجنى الداني /563):
حاشا أبي ثَوْبانَ، إنّ أبا ثَوْبانَ ليس بِبُكْمَةٍ فَدْمِ(2)
له روايتان: الجرّ، وهي الرواية المذكورة آنفاً: [حاشا أبي ثوبان…]، والنصب، وهي رواية: [حاشا أبا ثوبان…].
فائدتان:
1- يَكثر مجيء اللام بعدها، ومن ذلك قول أبي نواس (الديوان /7):
حاشا لِدَرَّةَ أنْ تُبْنَى الخِيامُ لها وأنْ تَروحَ عليها الإبْلُ والشاءُ
(أراد بالدرة: الخمرة).
2- قد يُحذف حرفها الأخير (الألف) اختصاراً، لكثرة الاستعمال. ومنه قوله تعالى: ]وقلن حاشَ للّهِ ما هذا بشرًا[ و]حاشَ للّهِ ما علمنا عليه من سوءٍ[.
* * *
1- يذهب النحاة إلى أنه في حالة الجرّ حرفُ جرّ، وفي حالة النصب فِعل.
2- البكمة: من البكم وهو الخرس، والفدم: العَيّ.

(149/1)


حتّى
معناها انتهاء الغاية، نحو: أدرسُ حتى الصباحِ = إلى الصباح، وتأتي للتعليل، نحو: أدرسُ حتى أنجح = كي أنجح.
ولها وجوه ثلاثة:
1- حرف عطف، يعطف الأسماء فقط. ومنه المثال الشائع: [أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها]، أي: أكلتَ السمكةَ ورأسَها أيضاً(1).
2- ابتدائية(2)، وتدخل على الجمل الاسمية والفعلية، نحو: [فوائد الكتاب لا تنتهي، حتى اقتناؤه زينةٌ في البيت] و[عمَّ استعمال الحاسوب حتى دخل كلَّ ميدان].
3- حرف جر، نحو: [قرأت الكتاب حتى خاتمتِه].
تنبيهٌ عظيم الخطر: ينتصب الفعل المضارع بعد حتى الجارّة، إذا كان زمانه للمستقبل، نحو: [أدرسُ حتى أنجحَ]. فإذا لم يكن للمستقبل وجب رفعه، نحو: [فلان في الرمق الأخير، حتى ما يُؤمَلُ أنْ يعيش إلى الغد].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [حتى]
· ]ثمّ بدا لهم من بعدِ ما رأَوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِين[ (يوسف12/35)
[حتى حينٍ]: حتى في الآية حرف جرّ، يَجرّ الاسم الظاهر (أي لا يجر الضمير)، ومعناها انتهاء الغاية. أي: ليسجننه إلى حين.
· قال الشاعر:
قَهرْناكمُ حتى الكماةَ فأنتمُ تَهابونَنا حتى بَنِينَا الأَصاغِرا
[حتى الكماةَ]: حتى هنا في البيت هي العاطفة. والعاطفة تعطف الأسماء على الأسماء فقط. لكن الشاعر هنا عطف [الكماةَ] على الضمير [كم]، الذي هو في محل نصب. ويقال الشيء نفسه طِبقاً، في قوله: [حتى بنينا]. فـ [حتى] هنا عاطفة، و[بني]: (حُذفت النون منه للإضافة، والأصل بنين) اسم ملحق بجمع المذكر السالم منصوب بالياء، لأنه معطوف على الضمير [نا] قبله الذي هو في محل نصب. ويحْسن أن نذكر هاهنا أنّ الاسم المعطوف بعد [حتى] يكون غاية لما قبلها تعظيماً أو تهويناً. وقد اجتمعا في البيت. ففي الصدر تعظيم [قهرناكم حتى الكماةَ]، وفي العَجُز تهوين [تهابوننا حتى بنينا الأصاغرَ].
· قال جرير:
فما زالتِ القتلى تَمُجُّ دماءَها بدجلةَ حتى ماءُ دجلةَ أشْكَلُ

(150/1)


[حتى ماءُ دجلة أشكل] (الماء الأشكل: المختلط بالدم): حتى ابتدائية(3). والابتدائية إنما تدخل على الجمل اسميةً وفعلية، وقد دخلت في البيت على جملة اسمية، مؤلفة من مبتدأ هو [ماء] وخبر هو [أشكل].
· وقال الفرزدق:
فواعجبا، حتى كُلَيْبٌ تَسبُّني كأنّ أباها نَهْشَلٌ أو مُجاشِعُ
[حتى كليب تسبّني]: يقال هنا في بيت الفرزدق، ما قيل في بيت جرير آنفاً، فـ [حتى] ابتدائية، والابتدائية إنما تدخل على الجمل، وقد دخلت في البيت على جملة اسمية، مؤلفة من مبتدأ هو [كليب] وخبر هو جملة [تسبّني].].
· وقال الراعي النميري:
وما هجرتُكِ حتى قلتِ معلنةً لا ناقةٌ لِيَ في هذا ولا جَمَلُ
[حتى قلتِ]: حتى ابتدائية، والابتدائية تدخل على الجمل اسميةً وفعلية. وقد دخلت في البيت على جملة فعلية: [قلتِ].
· ]لن نَبْرَحَ عليه عاكِفينَ حتى يَرجعَ إلينا موسى[ (طه 20/91)
[حتى يرجعَ…]: حتى في الآية حرف جرّ لانتهاء الغاية، والمعنى: [إلى أن يرجع]. والقاعدة أنّ الفعل المضارع ينتصب بعد حتى إذا كان زمانه للمستقبل، وقد تحقق ذلك هنا، وذلك أنّ رجوع موسى هو بعد قولهم: (لن نبرح…)، وبتعبير آخر: إنّ زمن رجوع موسى هو مستقبَلٌ بالقياس إلى زمن قولهم: (لن نبرح). ومن هاهنا كان انتصاب الفعل المضارع بعد حتى.
ويتّضح هذا إذا تأمّلت بيت حسان بن ثابت، الذي وردت فيه [حتى] وبعدها فعل مضارع لا يدلّ على زمنٍ مستقبل. فارتفع ولم ينتصب. وهو:
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهمْ لا يَسألون عنِ السَّوادِ المقْبِلِ
فقوله: [ما تهرُّ كلابهم] بضمّ الراء، لا يدل على حدث سيقع في المستقبل، أي لا يدلّ على أنّ كلابهم تهرّ في وقتٍ آتٍ في المستقبل، وإنما يدلّ على أنها اعتادت رؤية الضِّيفان يغشون حيّهم، وأَلِفَتْ ذلك فهي لا تهرّ. ولذا جاء فِعْلُ [تهرّ] بعد [حتى] مرفوعاً لا منصوباً.
* * *

(150/2)


1- لاحظ العلماء – بالاستقراء – أنّ [حتى] العاطفة، تقع في التعظيم والتهوين (التحقير). مثال التعظيم قولُك: [يموت الناس حتى الأنبياءُ]، ومثال التهوين قولُك: [صام الناس حتى الصبيانُ].
2- المقصود بمصطلح [ابتدائية] أنّها حرف ابتداء، وما بعدها مستأنَف. لا أنها تدخل على المبتدأ والخبر.
3- نذكّر بأن مصطلح ابتدائية هنا، مقصود منه أنها حرف ابتداء، وبعده جملة مستأنفة.

(150/3)


هُوَ
ضمير، وله فروع:
الأول: ضمير رفعٍ منفصل، للغائب نحو: [هو مسافرٌ].
الثاني: ضمير فصل لا محلّ له من الإعراب، يفصل بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر نحو: [خالدٌ هو المسافرُ، كان خالدٌ هو المسافرَ](1).
الثالث: ضمير الشأن، ولا يكون إلاّ مبتدأً خبرُه الجملة بعده، نحو: ]قلْ هو اللهُ أحد] (2) .
* * *
1- من النحاة من يجعل له إعراباً. انظر بحث [الضمير].
2- يُؤتَى بضمير الشأن قبل الجملة لتعظيمها وتفخيمها والرمز إلى شأنها، ثمّ تأتي هذه الجملة بعده فتكون خبراً عنه وتفسيراً له. وإنما تكون تفسيراً له، لأنه ضميرٌ لا مرجع له.

(151/1)


كأيِّنْ(1)
كأيّنْ: تفيد الكثرة، وتختص بالماضي. وفيها لغات، أشهرها: [كائِنْ].
أحكام:
¨ مبنية على السكون أبداً.
¨ لها الصدارة وبعدها اسم مفرد مجرور بـ [مِنْ]، يتعلق بها.
¨ يجوز الفصل بينها وبين شبه الجملة بعدها، نحو: [كائن ترى من ظالم يَحيق به ظلمه].
¨ إعرابها: يختلف إعرابها على حسب موقعها من العبارة(2). فتكون ظرفاً أو مفعولاً به أو مفعولاً مطلقاً أو مبتدأ إلخ… ودونك الأمثلة:
[كَأَيِّنْ مِن كتابٍ قرأت]: مفعول به. [كأيّن مِن ليلةٍ سهرت]: ظرف زمان.
[كأيّن مِن مِيلٍ مشيت]: ظرف مكان. [كأيّن مِن زيارةٍ زرناك]: مفعول مطلق.
فإن وقعت مبتدأً، فخبرُه حتماً جملة أو شبه جملة، فالجملة نحو: [كأيّن من كتاب صاحبني] وشبهها نحو: [كأيّن مِن كتابٍ عندي].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [كأين]
· ]وكأَيِّنْ مِنْ دابّةٍ لا تَحملُ رِزقَها اللّهُ يرزقُها وإيّاكم[ (العنكبوت29/60)
مِن أحكام استعمال [كأيّنْ] أن يتعلّق بها اسمٌ مفردٌ مجرور بحرف الجر [مِن]. وقد تحقق ذلك في الآية. والجار والمجرور متعلّقان بـ [كأيّن].
وفي الآية مسألة أخرى هي أنّ [كأيّن] مبتدأ، وجملة [لا تحمل رزقها] صفة لـ [دابّة] . وأما خبر المبتدأ فهو: جملة [اللهُ يرزقها].
والقاعدة أنّ [كأيّن] إذا وقعت في الكلام مبتدأً، كان خبرها حتماً جملةً – كما ترى في الآية – أو شبه جملة. والمعنى: [كثير من الدوابّ لا تحمل رزقها يرزقها الله]. وقولنا: [كثير من الدوابّ] إنما هو مِن معنى [كأيّن]، فإنها تفيد الكثرة.
· ]وكأيِّنْ مِن نبيٍّ قاتَل معه رِبِّيّون كثير[ (آل عمران 3/146)
[كأيّنْ]: مبتدأ، خبره جملة [قاتل]، وقد ذكرنا آنفاً أنّها حين تكون مبتدأً يكون خبرها حتماً جملة – كما ترى في الآية – أو شبه جملة.
· قال الشاعر:
وكائنْ-ترى- مِنْ صامتٍ لكَ مُعْجِبٍ زيادتهُ أوْ نَقْصُهُ في التكلُّمِ

(152/1)


يجوز الفصل بين [كائن] وشبه الجملة [من…]. ويُعدّ البيت شاهداً على ذلك. فقد فصل الشاعر، بين [كائن] وشِبه الجملة بعدها [مِن صامتٍ]، بكلمةِ: [ترى]. ومثلُه أيضاً في جواز هذا الفصل قول الآخر:
وكائن-رأينا- من فروعٍ طويلةٍ تموت إذا لم تُحْيِهِنَّ أصولُ
فقد فصل الشاعر بينهما بكلمةِ [رأينا]، وذلك جائز كما قدّمنا.
* * *
1- تُكتب: [كأيِّنْ]، وهو رسم المصحف، وتكتب: [كأيٍّ] أيضاً.
2- يسهل عليك إعرابها إذا تغافلت عنها وعن [مِن] بعدها، وجعلت إعرابَ الاسم الذي بعد [مِن] إعراباً لها، كما ترى: [كأين من كتاب قرأت: قرأت كتاباً (مفعول به)] و [كأين من ليلة سهرت: سهرت ليلةً (ظرف زمان)] و [كأيّن من مِيل مشيت: مشيت مِيلاً (ظرف مكان)]، و [كأيّن من زيارة زرتك: زرتك زيارةً (مفعول مطلق)]، و [كأيّن من كتاب صاحبني: كثيرٌ من الكتب صاحبني (مبتدأ)]، و [كأيّن من كتاب عندي: عندي كتابٌ (مبتدأ)].

(152/2)


كَأَنَّ
من الأحرف المشبهة بالفعل، تنصب الاسم وترفع الخبر، وتفيد التشبيه نحو: [كأنّ النجاحَ قريبٌ]. (انظر الأحرف المشبهة بالفعل).
– إذا خُفِّفَت أو اتّصلت بها [ما] الزائدة أُهملت فلم تعمَل، ودخلت على الجمل الاسمية والفعلية نحو:
[كأنْ فَوْزُ سعيدٍ محتومٌ]: خففت فأهملت ودخلت على جملة اسمية.
[وكأنْ قد هنّأناه بفوزه]: خففت فأهملت ودخلت على جملة فعلية.
[كأَنما خالدٌ مسافرٌ]: اتصلت بها [ما] فأهملت ودخلت على جملة اسمية.
[وكأنما يريد العودة]: اتصلت بها [ما] فأهملت ودخلت على جملة فعلية.
تنبيه: إذا دخلت المخففة على فعلٍ، وجب أن يفصل بينهما [قد] أو [لم] نحو: [كأنْ قد رضي زهيرٌ، وكأنْ لم يغضب].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [كأَنّ]
· ]كأنْ لم تغنَ بالأمس[ (يونس 10/24)
[كأنْ]: أصلها [كأنّ] مشددة، ثم خففت. والقاعدة أنها متى خفِّفت أهمِلت فلم تعمل، ودخلت على الجمل الاسمية والفعلية. ويشترط عند دخولها على فعلٍ أن يفصل بينها وبينه [قد] أو [لم]. وهو ما تراه متحققاً في الآية، فقد خففت فأهملت ودخلت على جملة فعلية، وفُصِل بينها وبين الفعل [تغن] بـ [لم].
· قال الشاعر (شرح ابن عقيل 1/391):
وصدر مشرق اللونِ كأنْ ثدياهُ حُقّانِ
[كأَنْ]: مخففة من [كأنَّ]، وقد دخلت على جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر، فلم تعمل في أيّ منهما، فظلاّ مبتدأً وخبراً. وذلك أنها حين تخفف تهمل.
· ]كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون[ (الأنفال 8/6)
[كأنّما]: اتّصلت [ما] بـ [كأنّ]، فكفّتها عن العمل، فلم تنصب اسماً ولم ترفع خبراً، وذلك جرياً مع قاعدة أنها إذا اتصلت بها [ما]، أُهملت فلم تعمل، ودخلت على الجمل الاسمية والفعلية. وقولُه تعالى: [كأنما يساقون] من دخولها على الجمل الفعلية.
· قال النابغة الذبياني (الديوان / 89):
أفِدَ الترحُّلُ، غيرَ أَنّ رِكابَنا لمّا تَزُلْ برحالنا، وكأَنْ قَدِ
(أفد الترحّل: دنا الرحيل – الركاب: الإبل).

(153/1)


في البيت مسألتان:
الأولى: أنّ الأصل أنْ يقول الشاعر [لما تزُل برحالنا وكأنْ قد زالت]. غير أنه حَذَف كلمةَ: [زالت]. والقاعدة: أنّ ما يُعلَم جائزٌ حذفُه.
والثانية: أنّ الشاعر خفّف [كأنّ] فقال: [كأنْ]. والقاعدة: أنها متى خُفِّفت زال اختصاصها بالأسماء، فدخلت على الجمل الاسمية والفعلية. وقول النابغة [كأن قد…] من دخولها على الجمل الفعلية، ولا بد عند دخولها على فعلٍ، من أن يفصل بينهما [قد] كما في البيت، أو [لم].
· قال عمرو بن الحارث بن مُضاض (لسان العرب 13/109):
كأَنْ لم يكن بينَ الحَجونِ إلى الصَّفا أنيسٌ، ولم يَسمُرْ بمكّةَ سامِرُ
(الحجون والصفا: موضعان في مكّة).
خفّف الشاعر كلمة [كأنّ] فقال: [كأنْ لم يكن]، وقد ذكرنا آنفاً أنّها متى خُفِّفت زال اختصاصها بالأسماء فدخلت على الجمل الاسمية، وعلى الفعلية أيضاً. ولا بد عند دخولها على فعلٍ من أن يفصل بينهما [قد] أو [لم]. وهوشرط حقّقه الشاعر إذ أتى بـ [لم] فاصلةً بين [كأنْ] والفعل: [يكن].
· قال امرؤ القيس:
ولكنّما أسعى لمجدٍ مؤثّلٍ وقد يدرِك المجدَ المؤثَّلَ أمثالي
[لكنّما]: اتّصلت [ما] بـ [لكنّ] فكفّتها عن العمل، فدخلت على فعل [أسعى].
* * *

(153/2)


كي
كي: حرف مصدري ينصب الفعل المضارع ويخلّصه للمستقبل نحو: [سافرت كي أستجمّ]. وقد تقترن به اللام الجارّة فيقال: [سافرت لكي أستجمّ](1).
* * *
1- إذا اقترنت به اللام كان المصدر المؤوّل من [كي والفعل المنصوب بعدها] في محل جر باللام: [سافرت لكي أستجمّ = سافرت للاستجمام]. وإذا لم تقترن به كان المصدرُ المؤوّل في محل نصب على نزع الخافض.

(154/1)


كَيْفَ
لها وجهان:
الأوّل: اسم استفهام مبني على الفتح. لها صدْر الجملة، ويُستَفهَم بها عن حالة الشيء، نحو: [كيفَ أنت؟ وكيف ذهبت؟] أي: على أيّ حالة أنت؟ وعلى أيّ حالة ذهبت؟
وتكون:
خبراً: إن كان ما بعدها محتاجاً إليها نحو: [كيف أنت، وكيف كنت؟].
وحالاً: إن كان مُستغنياً عنها نحو: [كيف سافر سعيدٌ؟].
ومفعولاً به ثانياً مقدَّماً لـ [ظَنَّ وأخواتها]: نحو: [كيف تظنّ زهيراً، وكيف تحسَبه؟].
الثاني: أداة شرْط غير جازمة سواء اتصلت بها [ما] أو لم تتصل نحو: [كيف تجلسُ أجلسُ، وكيفما تقومُ أقومُ](1)، ولا بدّ من أن يكون الفعلان بعدهما متفقَين لفظاً ومعنى.
فائدة: مِن التراكيب الفصيحة قولُهم مثلاً: [كيف بِكَ يومَ الرَّوع؟](2).
* * *
1- يختلف النحاة فيها سواء اتصلت بها [ما] أو لم تتصل، أهي شرطية جازمة ؟ أم مهملة لا تجزم ؟ وإذ لم يكن للقائلين بالجزم بهما شاهد، فقد آثرنا مذهب مهمليهما.
2- الباء في التركيب زائدة، والمعنى: كيف أنت يومَ الرَّوع؟

(155/1)


كَلاّ
لها معانٍ، منها:
¨ الزَّجْر: ومنه قوله تعالى: ]واتَّخَذوا من دون اللهِ آلهةً ليكونوا لهم عزّاً كلاّ سيكفُرون بعبادتهم[ (مريم (19/81-82)
¨ والنفي، بمعنى: [لا]، ومنه قول الشاعر (اللسان 11/597):
قريشٌ جهازُ الناس حيّاً ومَيِّتاً فمَن قال: كلاّ، فالمكذِّبُ أكذَبُ
¨ والاستفتاح، بمعنى: [أَلاَ]، ومنه قوله تعالى: ]اِقرأْ وربُّك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم. كلاّ إنّ الإنسان ليطغى[ (العلق 96/3-6)
¨ وبمعنى: [حقّاً] ومنه قوله تعالى: ]كلاّ إنّ كتابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّين[
(المطففين 83/18)
حُكْم: إذا تَلَتْها [انّ] كانت همزتها مكسورة: [إنّ]، وقد تقدّم من أمثلة ذلك: [كلاّ إنّ الإنسان…] و[كلاّ إنّ كتابَ…].
* * *

(156/1)


كَمَا
أداة مؤلفة من كلمتين هما: كاف التشبيه(1)، و[ما] المصدرية. وتختصّ بالدخول على الجمل اسميةً وفعليةً، نحو: [اُدرسْ كما درس خالد] و[أنت مجتهد كما خالدٌ مجتهد].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [كما]
· قال زياد الأعجم:
فإن الحُمْر مِن شرِّ المطايا كما الحبِطاتُ شَرُّ بني تميمِ
(الحبطات: هم بنو الحارث بن عمرو بن تميم).
[الحبطاتُ] مبتدأ، و[شرُّ] خبره. وقد دخلت [كما] على جملة اسمية.
· وقال نهشل بن حرِّي، يرثي أخاه:
أخٌ ماجدٌ لم يَخْزُني يوم مشهدٍ كما سيفُ عمرولم تَخُنْهُ مَضارِبُهْ
(عمرو: هو عمرو بن معديكرب، واسم سيفه: الصمصامة).
[سيفُ] مبتدأ، وجملة [لم تخنه…] خبره. وقد دخلت [كما] على جملة اسمية.
· ]فاصبِرْ كما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِن الرُّسُل[ (الأحقاف 46/35)
[صبر أولو…] جملة مؤلفة من فعل ماضٍ وفاعل، دخلت عليها [كما]، وذلك من دخولها على الجمل الفعلية.
· ]فإنَّهُم يألَمُونَ كما تألَمُون[ (النساء 4/104)
[تألمون] جملة مؤلفة من فعلٍ مضارع وفاعلٍ هو واو الضمير. دخلت عليها [كما]، وذلك من دخولها على الجمل الفعلية.
· ومن أمثالهم السائرة: [كما تَدين تُدان] (مجمع الأمثال 2/155)
وفيه دخول [كما] على جملة فعلية.
* * *
1- انظر: [الكاف] في قسم الأدوات.

(157/1)


[كَمْ] الاستفهاميّة(1)
اسمٌ غامض مبهم، مبنيٌّ على السكون، يُستفهم به عن العدد، نحو: [كم طالباً نجح؟]. وتفتقر دوماً إلى موضِّح(2) يُزيل إبهامها وغموضها، ولها حكمٌ واحد، وأمّا الموضِّح، الذي يُزيل إبهامها وغموضها فله أربعة أحكام.
أوّلاً: حكمُها:
* لها الصدارة، فلا يتقدّم عليها إلاّ حرفُ جرّ أو مضافٌ، نحو: [بكم درهماً اشتريت الخاتَم؟] و [رأيَ كم خبيراً أخذت؟](3) .
ثانياً: أحكامُ الاسم الذي يوضِّحها:
* لا يكون إلاّ نكرةً مفرداً منصوباً، كما جاء في الأمثلة الثلاثة آنفاً: [طالباً – درهماً – خبيراً] ويُعرَب تمييزاً.
* ويجوز جرّه بـ [مِن]، إذا جُرَّتْ هي بحرف جرّ، نحو: [بكم مِنْ درهمٍ اشتريتَ الكتاب؟].
* ويجوز فصله عنها نحو: [كم عندك كتاباً؟] و[كم اشتريتَ كتاباً؟](4).
* ويجوزحذفه للعلم به (وحذفُ ما يُعلَم جائز)، نحو: [كم … لبثتُم؟ = كم يوماً لبثتم؟].
تنبيه:
يقترن البدل بعدها بالهمزة، نحو: [كم كتاباً اشتريت؟ أخمسةً أم عشرة؟].
ملاحظة:
تجد نماذج استعمال [كم] الاستفهامية مع نماذج [كم] الخبرية. وإنما فعلنا ذلك ليكون التقابل والتلاقي والتباين، أعون على الجلاء والوضوح.
* * *
1- إعراب [كم] الاستفهامية و [كم] الخبرية سواء. ويَسهُلُ إعرابهما، إذا تغافل المرء عنهما، وجعل إعرابهما هو إعراب الاسم الذي بعدهما؛
ففي نحو: [كم ساعةً انتظرتَ ؟] و [كم ساعةٍ انتظرتَ !!] يُتغافَل عن [كم] فيبقى [ساعةً انتظرت]، فتُعرب [كم] إعراب [ساعةً] أي: ظرف زمان.
وفي: [كم كتاباً قرأتَ ؟] و [كم كتابٍ قرأتَ !!] يُتغافَل عنهما فيبقى [كتاباً قرأت]، فتُعرب [كم] إعراب [كتاباً] أي: مفعولاً به. وهكذا…
2- تسمّيه كتبُ الصناعة: (المميِّز)، وهي نسبة تلتبس بكلمة (التمييز) فتُنشئ تشويشاً، وقد استعملنا مكانها كلمةَ: (الموضِّح) لصحّتها ولما تنفيه من اللبس والتشويش.

(158/1)


3- تقدُّمُ حرف الجرّ والمضاف عليها، لا ينافي تصديرَها، لأنّ كلاًّ من الجارّ والمجرور معاً، والمضاف والمضاف إليه معاً، كالكلمة الواحدة.
4- [كم]: في العبارة هي المفعول به. و [كتاباً]: تمييز .

(158/2)


[كَمْ] الخبريّة(1)
اسمٌ غامض مبهم، مبنيٌّ على السكون، يُكنى به عن التكثير نحو: [كم مِنْ كتابٍ عندك !!]، و[كم كتابٍ عندك !!] وتفتقر دوماً إلى موضِّح(2) يُزيل إبهامها وغموضها، ولها حُكْمٌ واحد، وأما الموضِّح الذي يُزيل إبهامها وغموضها فله ثلاثةُ أحكام.
¨ أوّلاً: حُكمها:
* لها الصدارة، فلا يتقدَّم عليها إلاّ حرفُ جرٍّ أو مضافٌ، نحو: [إلى كم بلدٍ سافرت !!] و[قراءةَ كم كتابٍ أَتممت !!].
¨ ثانياً: أحكامُ موضِّحها:
* لا يكون إلاّ مجروراً بـ [مِن]، ظاهرةً أو مقدَّرة، سواء أَفَصَلَ فاصلٌ بينهما أم لم يفصل. فظهورُها نحو: [كم مِنْ كتابٍ قرأتُ !!]، وتقديرُها نحو: [كم كتابٍ قرأتُ !!]. (أي: كم من كتاب قرأتُ!!)
* يجوز إفرادُه ويجوز جمعه، نحو: [كم كتابٍ عندك !!] و [كم كتبٍ عندك!!]. وهو واجبُ التنكير في كل حال.
* يجوز حذفُه للعِلمِ به، نحو: [كم ذكرناك وأنت غائب !! = كم مرّةٍ ذكرناك وأنت غائب!!].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [كم] استفهاميةً وخبريّة(3)
· قال القطاميّ (الديوان – ليدن – عام 1902 – صفحة / 6):
كم نالني منهمُ فضلٌ على عدمٍ إذ لا أكاد من الإقتار أَحتملُ
[كم]: في البيت خبرية، تفيد التكثير. أي: كم مرةٍ نالني منهم المعروف!!. و[فضلٌ: فاعلُ نالني]، وأما الموضِّح: [مرةٍ] فمحذوف، وحذفه فاشٍ في التنْزيل العزيز وفي الشعر والنثر. وسيأتيك منه نماذج، عن قريب.
· قال الفرزدق، يهجو جريراً:
كم عَمَّةٍ لكَ يا جريرُ وخالةٍ فَدْعاءَ، قد حلَبَتْ عليَّ عِشاري
(فدعاء: في رسغها اعوجاج من كثرة الحَلْب. العِشار: جمع عُشَراء، وهي الناقة التي مضى على حملها عشرة أشهر. يريد أنّ عمات جرير وخالاته يحلبن نياقَ الشاعر لهوانهنّ).

(159/1)


[كم عمّةٍ لك]: كم، في البيت خبرية، تفيد التكثير. والشاعر يريد أنّ كثيراً منهنّ قد حلبن نياقه. و[عمّة] موضِّح [كم] مجرورٌ بـ [مِنْ] مقدّرة. فـ [كم عمةٍ = كم مِنْ عمةٍ]. وإذا كانت [كم] خبرية، جاز أن يكون موضِّحها مفرداً، أو جمعاً. وهو في البيت مفرد.
ومثله في الإفراد قول الشاعر (شرح الأشموني 2/384):
وكم ليلةٍ قد بِتُّها غيرَ آثِمٍ …………………….
[كم ليلةٍ]: كم خبرية، موضِّحُها [ليلةٍ]، مجرور بـ [مِنْ] مقدَّرة: [كم ليلةٍ = كم مِن ليلةٍ]. وقد قلنا آنفاً: إذا كانت [كم] خبرية، جاز أن يكون موضِّحُها مفرداً، أو جمعاً. وهو في البيت مفرد.
· قال الشاعر (شرح الأشموني 2/384):
كم ملوكٍ بادَ مُلْكُهمُ ونعيم سُوْقةٍ بادُوا
(بادَ: هلك. سوقة: جمع سوقيّ، وهم دون الملك).
[كم ملوكٍ]: كم، خبريّة تفيد التكثير، أراد أن كثيراً منهم كذلك. و[ملوكٍ] موضِّح [كم] مجرورٌ بـ [مِنْ] مقدّرة. فـ [كم ملوكٍ = كم مِنْ ملوكٍ]. وإذا كانت [كم] خبرية، جاز أن يكون موضِّحها مفرداً، أو جمعاً. وهو في البيت جمع.
· ]وكم مِنْ مَلَكٍ في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً[ (النجم53/26)
[كم مِنْ ملكٍ]: كم، خبريّة تفيد التكثير، و[ملكٍ] موضِّح، [كم] مجرور بـ [مِنْ] ظاهرة. وإذا كانت [كم] خبرية، جاز أن يكون موضِّحها مفرداً، أو جمعاً. وهو في الآية مفرد. ومثل هذا طِبقاً قولُه تعالى: ]وكم مِن قريةٍ أهلكناها[ (الأعراف 7/4) فـ [كم] خبرية، و[قريةٍ] موضِّحها. وهو مفرد مجرور بـ [مِنْ] ظاهرة.
· قال الشاعر (معاهد التنصيص 1/148):
كم عالمٍ لم يَلِجْ بالقَرع بابَ مُنىً وجاهلٍ قبلَ قرع الباب قد وَلَجا
[كم عالمٍ]: كم، في البيت خبرية، تفيد التكثير، أراد أن كثيراً من العلماء كذلك. و[عالمٍ] موضِّح [كم] مجرور بـ [مِنْ] مقدّرة. فـ [كم عالمٍ = كم مِنْ عالمٍ]. ومثل ذلك مبنىً ومعنىً قول الآخَر:

(159/2)


كم عالمٍ عالمٍ أَعْيَتْ مذاهبُهُ وجاهلٍ جاهلٍ تلقاه مرزوقا
· ]كم تركوا مِنْ جَنّاتٍ وعُيون[ (الدخان 44/25)
[كم]: خبرية تفيد التكثير؛ موضِّحها [جنّات] مجرور بـ [مِن] ظاهرة. ويُلاحَظ الفصلُ بينها وبين موضِّحها بجملة هي: [تركوا]، وذلك جائز.
· قال المتنبي (الديوان 4/143):
إلى كم تَرُدّ الرسْلَ عمّا أتَوا بهِ كأنّهمُ فيما وَهَبْتَ مَلامُ
(يريد أن سيف الدولة يردّ رُسُلَ ملك الروم الذين يأتون في طَلَب الهدنة، كما يردّ مَن يلومونه على سخائه وكرمه).
[إلى كم]: الذي نريده من هذا البيت شيئان:
الأول: إيراد نموذج فصيحٍ، فيه إدخال حرف الجرّ على [كم]. وذلك أنّ [كم] لها الصدارة – سواء أكانت استفهاميةً أم خبرية – فلا يتقدّم عليها إلاّ حرف جرٍّ (فتكون في محلّ جرٍّ به)، أو مضافٌ (فتكون في محلّ جرٍّ مضاف إليه).
والثاني: إظهار القارئ على أنّ موضِّح [كم] محذوف، ويأتي ذلك كثيراً في الكلام: شعراً ونثراً. وقد نوّه بذلك مجمع اللغة العربية بالقاهرة، (في دورته /51 لعام 1985) وأوصى بإذاعته في الأمة، وذلك قوله: [لمّا كان جمهرة النحاة لا يُصرّحون بجواز الحذف في كلا الاستعمالين (أي: استعمال كم الاستفهامية والخبرية)، وكانت كتب القواعد التعليمية تُغفل ذلك؛ ترى اللجنة ضرورة النصّ على ذلك تعويلاً على المأثور في الفصيح، وعلى ما ذكره بعض النحاة …](4).
· ]قال كم لبثتَ قال لبثتُ يوماً أو بعضَ يوم[ (البقرة 2/259)
[كم لبثتَ؟]: [كم] في الآية استفهامية. وفيها شاهد على حذف موضِّح [كم]. إذ لولا الحذف لقيل: [قال كم يوماً لبثتَ؟].
· قال معن بن أوس (مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق60/388):
وكم علّمتُهُ نظْمَ القوافي فلمّا قال قافيةً هجاني
[كم علّمتُه]: [كم] في البيت خبرية تفيد التكثير؛ وقد حُذِف موضِّحُها، ولو لم يُحذَف، وأعان الوزن على ذكره، لقال الشاعر: [كم مرّةٍ علّمته نظم القوافي!!].

(159/3)


· قال جعفر بن عُلْبة الحارثيّ (شرح ديوان الحماسة 1/47):
ولم نَدْرِ إنْ جِضْنا من الموت جَيْضَةً كم العمرُ باقٍ والمدى متطاوِلُ
(جاض عن عدوّه: عَدَلَ وانحرف)
[كم]: هي الاستفهامية، موضِّحها منصوب محذوف، ولو ذُكِر لقيل: [كم يوماً العمرُ باقٍ؟]. و[العمرُ]: مبتدأ، والخبر [باقٍ]: اسم منقوص مرفوع والأصل: [باقي] ثم حُذِفت الياء تخفيفاً.
· قال الجاحظ (البيان والتبيين 3/89):
[انظرْ – أبقاك اللهُ – في كم فنٍّ تصرَّف فيه ذكرُ العصا من أبواب المنافع والمرافق!! وفي كم وجهٍ صرّفته الشعراءُ وضُرِب به المثل!!].
[في كم فنٍّ] ومثله طِبقاً: [في كم وجهٍ]: هاهنا مسألتان:
الأولى: أنّ [كم] لها الصدارة، فلا يتقدّم عليها إلاّ حرف جرّ، أو مضاف. وفي العبارتين تقدّم عليها حرف الجرّ [في].
والثانية: مجيء الموضِّح بعدها مجروراً على المنهاج. وإنما يُجَرّ موضِّحها بـ [مِنْ] ظاهرةً أو مقدّرة. أي: [كم مِنْ فنٍّ وكم من وجهٍ]، وقد جُرّ بها مقدّرةً في الموضعين.
· قال عليّ-كرّم اللهُ وجهه-في ذمّ الدنيا (نهج البلاغة – د. الصالح /165):
[كم من واثقٍ بها قد فَجَعَتْه، وذي طمأنينة إليها قد صرعتْه].
[كم]: خبرية، موضِّحها مجرور بـ [مِن] ظاهرة. ولو حُذِفت [مِنْ] فقيل: [كم واثقٍ بها قد فجعته] لَجاز. وذلك أن موضِّحها يجوز أنْ يُجَرّ بـ [مِنْ] ظاهرة، أو مقدّرة. وقد جُرَّ بها مقدّرةً هاهنا في الموضعين.
· قال مُحَلِّم بن فراس يرثي (البيان والتبيين 2/272):
كم فيهمُ لو تملَّينا حياتَهمُ مِن فارسٍ يومَ رَوْعِ الحيِّ مِقدامِ
[كم من فارسٍ]: [كم]، خبرية يُقصد بها التكثير، وقد جُرَّ موضِّحُها وهو [فارس]، بـ [مِنْ] ظاهرة، على المنهاج.
* * *
1- ذكرنا في حاشية [كم] الاستفهامية، أن إعرابها وإعراب [كم] الخبرية سواء. فمن شاء رجع إلى إعراب [كم] الاستفهامية، في حاشيةِ بحثها.
2- موضِّحها (مميِّزها) في المثالين هو كلمة [كتابٍ] المجرورة.

(159/4)


3- خلطنا نماذج [كم] الاستفهامية والخبرية، ليكون التقابل والتلاقي والتباين، أعون على الجلاء والوضوح.
4- مجلّة مجمع اللغة العربية بدمشق 60/386، 387.

(159/5)


كَذَاْ
تأتي على وجهين:
* الأول: أن تكون مؤلفةً من كلمتين هما: كاف التشبيه، واسم الإشارة: [كذا = ك + ذا] نحو قولك: [كذا أنا فارْضَ أو اغضبْ !!].
* الثاني: أن تكون كلمةً واحدة، فيُكنى بها عن عدد، أو غير عدد، نحو: [اشتريت كذا وكذا كتاباً، من مكتبةٍ تقع بمكان كذا].
أحكام:
¨ إذا كُنِيَ بها عن عدد، افتقرتْ إلى تمييز منصوب، نحو: [اشتريت كذا كتاباً].
¨ تأتي في الكلام معطوفاً عليها، ومكررة، ومفردة، نحو: [اشتريت كذا وكذا كتاباً، ثمنها كذا كذا درهماً، وكذا فلساً].
¨ إذا كانت كلمة واحدة، أُعرِبَت على حسب موقعها من العبارة، فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليه إلخ(1) …
* * *
1- إعرابها في نحو: [سافر كذا صديقاً]: فاعل، وفي نحو: [ودّعت كذا صديقاً]: مفعول به، وفي نحو: [مدرستنا بمكان كذا] مضاف إليه، وهكذا…

(160/1)


كِلاَ وكِلْتَا(1)
اسمان لفظُهما مفرد، ومعناهما مثنّى(2). ولذلك يجوز مراعاة لفظهما أو معناهما، نحو: [كلا الطالبين مجتهدٌ، وكلا الطالبين مجتهدان].
الأحكام:
¨ يعربان على حسب موقعهما من العبارة: فاعلاً أو مفعولاً أو توكيداً(3) إلخ…
¨ يلزمان الإضافة أبداً إلى مثنّىً معرفةٍ، نحو: [نجح كلا الطالبَيْن، فهنّأت كليهما].
¨ إذا أُضيفتا إلى اسمٍ ظاهر، عوملتا معاملة الاسم المقصور، فقُدِّرت الحركات الثلاث على ألفهما، كما تقدَّر على ألف العصا والفتى، نحو: [سافر كلا الرجلين، فودّعت كلا الرجلين، ووثِقت بكلا الرجلين].
وإذا أُضيفتا إلى ضمير، عوملتا معاملة المثنى، فتُرفعان بالألف، وتُنصبان وتُجرّان بالياء، نحو: [عاد كلاهما، فاستقبلت كليهما، وسلّمت على كليهما].
فائدة: الأصل أنّ [كلا] للمذكّر و [كلتا] للمؤنث، ولكن قد تُستعمل [كلاهما] للمؤنث فيقال مثلاً: [نجحت الطالبتان كلاهما]. قال هشام بن معاوية:
يَمُتُّ بقُربى الزينبين كليهما إليكَ وقُربى خالدٍ وحبيبِ
وكان الأصل أن يؤنّث فيقول: [كلتيهما]. ولكنه أوقع المذكّر موقع المؤنث فقال: [كليهما]، وذلك جائز.
* * *
نموذج فصيح يقاس عليه
· ]كِلْتا الجَنَّتَينِ آتَتْ أُكُلَها[ (الكهف 18/33)
[كِلتا]: لفظها مفرد، ودليل ذلك أنها لا تثنى ولا تُجمع. فليس في اللغة [كليان أو كلوان]، ولا [كلتيان] ولا [كلتيات].
ثم هاهنا دليل آخر على أن لفظها مفرد، هو أن خبرها جاء بصيغة المفرد، فقيل: [آتَتْ]؛ ومن المقرر أن المفرد يُخبَر عنه بالمفرد، فلا يصحّ أن يقال مثلاً: [التلميذان قصيرٌ].
ثم لو رُوعِيَ معنى [كلتا] وهو مثنى، لقيل: [آتتا] وهو في العربية جائز غير معيب. لكنْ لمّا لم يُرَد معناها، بل أريد لفظها وهو مفرد، أُتِيَ بالخبر هنا مفرداً.
وتبقى في الآية مسألتان:

(161/1)


الأولى: أنّ [كلا و كلتا] يلزمان الإضافة أبداً إلى مثنى معرفة، وذلك متحقق في الآية، إذ أُضيفت [كِلتا] إلى كلمةِ [الجنّتين] وهي مثنى معرَّف بـ [ألـ].
والثانية: أنّ [كلتا] مبتدأ مرفوع بضمة مقدَّرة على الألف، وذلك أنّ [كلا وكلتا] إذا أُضيفتا إلى اسم عوملتا معاملة الاسم المقصور، فقُدِّرت العلامات الثلاث على ألفهما كما تقدّر على ألف [العصا والفتى] كما جاء في الآية. وأما إذا أُضيفتا إلى ضمير فإنهما تعاملان معاملة المثنى، فتُرفعان بالألف، وتُنصبان وتُجَرّان بالياء.
* * *
1- قد نجتزئ خلال البحث، بالكلام على إحداهما، إيجازاً. إذ هما متساويتان في كل حُكْم، ماعدا أنّ [كِلا] للمذكّر، و [كِلتا] للمؤنث.
2- اعتدّوا لفظهما مفرداً، لأنّه لا يثنى ولا يُجمَع. فليس في اللغة مثلاً: [كِليان] أو [كِلوان]، ولا [كِلتيان]، ولا [كِلتيات]. وأما أنّ معناهما مثنى فلقولهم مثلاً: [درس خالدٌ وزهيرٌ فنجح كلاهما].
3- [كِلا]: في [جاء كلاهما] فاعل، وفي [رأيت كليهما] مفعول به، وفي [سافر المعلّمان كلاهما] توكيد، وفي [سلّمت على كليهما] اسم مجرور بـ [على] وهكذا…

(161/2)


خَلاَ
أداةٌ يستثنى بها، لتضمّنها معنى [إلاّ]. والاسمُ بعدها يجوز جرُّه ونصبُه(1). ومن بيِّنات جواز الوجهين قول الأعشى (الخزانة 3/314):
خلا اللهَِ ما أرجو سِواكَ، وإنما أَعُدُّ عِيالي شُعْبَةً مِنْ عِيالِكا
فقد رُويَ لفظُ الجلالة في البيت بالجر والنصب.
فإذا اقترنت بها [ما] وجب النصب، وامتنع الجرّ، ومنه قولُ لبيد (الديوان /256):
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطِلُ وكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائلُ
* * *
1- يذهب النحاة إلى أنه في حالة الجرّ حرفُ جرّ، وفي حالة النصب فِعل.

(162/1)


كلّ
– تدخلها الألف واللام – خلافاً للأصمعيّ – فيقال مثلاً: [الكلّ حضروا]، كما يقال: [حضر كل القوم].
– الأصل أن يتلوها مضاف إليه، نحو: ]كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت] (1)، فإذا حُذِف نُوِّنَتْ، ومنه ]كلٌّ في فَلَكٍ يسبحون] (2).
¨ إعرابها:
لها في العبارة حُكْمُ ما تضاف إليه. فلو وُضِع المضاف إليه موضعها، لكان إعرابه هو إعرابَها(3).
¨ معناها:
معناها هو معنى المضاف إليه بعدها، إفراداً وتثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً، سواء أكان مذكوراً أم محذوفاً(4) . ولذلك يعود الضمير إليها، على حسب ما يكون المضاف إليه في الحالات المذكورة(5).
تنبيه:
إذا كان المضاف إليه بعدها معرفةً، جازت المطابقةُ والإفرادُ فيقال مثلاً: [كلُّهم حضروا] و [كلُّهم حضر].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [كلّ]
· ]كُلُّ امرئٍ بما كسب رهينٌ[ (الطور 52/ 21)
[كل امرئ]: كل، معناها معنى ما تضاف إليه. وقد أضيفت في الآية إلى [امرئ] وهو مفرد مذكر، فكلّ إذاً مفرد مذكر. ومن هنا أن عاد الضمير إليها من الخبر مفرداً مذكراً: [رهين (هو) + كسب (هو)].
· ]كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ[ (آل عمران 3/185)
[كل نفس]: كل، معناها معنى ما تضاف إليه. وقد أضيفت في الآية إلى [نفس] وهي مفرد مؤنث، فكلّ إذاً مفرد مؤنث. ومن هنا أن عاد الضمير إليها من الخبر مفرداً مؤنثاً: [ذائقة].
· قال الشاعر:
وكلّ رفيقَي كلِّ رَحلٍ-وإنْ هما تعاطى القنا قوماهما-أَخَوانِ
[كل رفيقَيْ]: كل، معناها معنى ما تضاف إليه. وقد أضيفت إلى [رفيقَيْ] وهو مثنى مذكر، فكلّ إذاً مثنى مذكر. ومن هنا أن عاد الضمير إليها من الخبر مثنى مذكراً: [أخوان (هما)].
· قال الشاعر:
وكلُّ أناسٍ سوف تدخل بينَهمْ دُوَيْهِيةٌ تصفرُّ منها الأنامِلُ

(163/1)


[كل أناس]: أضيفت [كل] إلى [أناس] ومعناها جمع مذكر، ولما كان معنى [كل] هو معنى ما تضاف إليه، كان معناها جمعاً مذكراً. ولذلك عاد إليها الضمير من: [بينهم] ضميرَ جمعٍ مذكر.
· قال الشاعر:
وكلُّ مصيباتٍ تصيب فإنها سوى فرقةِ الأحبابِ هينةُ الخَطْبِ
[كل] أضيفت إلى [مصيبات]، وهي جمع مؤنث. ولما كان معنى [كل] هو معنى ما تضاف إليه، كان معناها جمعاً مؤنثاً. ولذلك عاد إليها الضمير من [تصيب] ضميرَ جمعٍ مؤنث. ونوجّه النظر إلى أن جمع ما لا يعقل وهو هنا [المصيبات] يجوز في ضميره الإفراد والجمع. أي: [هي = هنّ].
· [كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أَبَى] (حديث شريف) (فتح الباري 13/249)
[يدخلون]: فاعله الواو، ضمير لجمع المذكر، لأن معنى المضاف إليه: [أمتي] جمعٌ للمذكر. ولو أريد لفظُ كلمة: [أمّة] وهو مؤنث، لقيل: [كل أمتي تدخل (هي)]، فيعود الضميرالمؤنث: [هي] إلى [أمة] باعتبار تأنيث لفظها.
· كلُّكم هداة للخير، وكلكم داعون إليه.
[هداة – داعون]: كلاهما جمع مذكر، لأن المضاف إليه: [كم] ضميرٌ لجمع المذكر(6).
· ]قل كُلٌّ يعمل على شاكلته[ (الإسراء 17/84)
حُذِف المضاف إليه بعد [كلّ] فنُوِّنَتْ، والأصل: [كلّ أحدٍ يعمل]. وفاعلُ [يعمل (هو)] ضمير للمفرد المذكر، لأن المضاف إليه المحذوف [أحد] مفرد مذكر.
· ]وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كُلٌّ في فلك يَسْبحون[
(الأنبياء21/ 33)
حُذف المضاف إليه بعد [كلّ] فنُوِّنتْ، والأصل: كلّ هؤلاء يسبحون. وفاعلُ [يسبحون] هو الواو، ضمير لجمع المذكر، لأن المضاف إليه المحذوف [هؤلاء] لجمع المذكر.
· ]وكُلاًّ ضربنا له الأمثال[ (الفرقان 25/ 39)
حُذِف المضاف إليه فنُوِّنت [كلّ]، والأصل: [وكلّ إنسان ضربنا له الأمثال].
· ]فسجد الملائكة كُلُّهُمْ أجمعون[ (ص 38/ 73)
[كل] في الآية توكيدٌ للملائكة، لأنّها تعرب على حسب موقعها من العبارة.
· قال الشاعر:

(163/2)


إذا المرءُ لم يَدْنَس من اللؤم عِرضهُ فكلُّ رداءٍ يرتديهِ جميلُ
[كل]: إعرابها على حسب موقعها من البيت: مبتدأ، خبره [جميل].
· ]قد علم كُلُّ أناس مشربهم[ (البقرة 2/60)
[كل]: فاعل لـ [عَلِمَ].
· ]وإنْ يَرَوْا كُلَّ آية لا يؤمنوا بها[ (الأنعام 6/25)
[كل]: مفعول به.
· ]فلا تميلوا كُلَّ الْمَيْل فتذروها كالمعلقة[ (النساء 4/129)
[كل]: مفعول مطلق. وضابطُ ذلك أن تكون [كلّ] مضافةً إلى المصدر كما ترى هاهنا. ونذكّر بأننا قلنا في تضاعيف البحث: [كل] لها حكم ما تضاف إليه، فلو وضع المضاف إليه موضعها لكان إعرابه هو إعرابَها. وتطبيقاً لذلك يكون إعرابها مفعولاً مطلقاً، لأن [الميل] مِن [لا تميلوا ميلاً] هو مفعول مطلق.
* * *
1- آل عمران 3/185
2- (الأنبياء 21/33). لولا الحذف لكان يقال:[كلُّ هؤلاء (أي: الشمس والقمر والنجوم) في فلكٍ يسبحون].
3- فهي: فاعل إن أضيفت إلى فاعل، نحو: [جاء كلُّ الناس = جاء الناسُ]، ومفعولٌ مطلق إن أضيفت إلى مفعول مطلق، نحو: [لا تُفْرِطْ كلَّ الإفراط = لا تفْرِطْ إفراطاً]، وظرفٌ إن أضيفت إلى ظرف، نحو: [سهرت كلَّ الليل = سهرت الليل] وهكذا …
4- ذلك أن المضاف إليه بعد [كلّ] إذا كان محذوفاً فإنه يُقدَّر، فكأنه مذكور.
5- ففي التذكير والإفراد والتثنية والجمع: كلُّ طالبٍ يجتهد – كلُّ طالبين يجتهدان – كلُّ الطلاب يجتهدون
وفي التأنيث والإفراد والتثنية والجمع: كلُّ طالبةٍ تجتهد – كلُّ طالبتين تجتهدان – كلُّ الطالبات تجتهدْنَ
وفي الحذف: كلٌّ يجتهد – يجتهدان – يجتهدون.
كلٌّ تجتهد – تجتهدان – تجتهدْنَ
لا فرق بين الضمير والاسم في حكم المطابقة، ولذا يقال مثلاً: [كل طالبة مجتهدة] كما يقال: [كل طالبة تجتهد] وقس على هذا.

(163/3)


6- نبّهنا في آخر البحث على أنّ المضاف إليه إذا كان معرفة، جاز مع المطابقة الإفراد، فلو قال قائل: [كلكم هاد] [وكلكم داع] لكان ذلك جائزاً، بل يقول فريق من النحاة هو الأفصح.

(163/4)


كلَّما
أداة مؤلفة من [كلّ] و [ما]. وتُجمِع كتب الصناعة على أنّ [كلّ] منصوبة على الظرفية. وأمّا [ما] فمصدرية ظرفية. فالمعنى في قوله تعالى: ]كلَّما دخلَ عليها زكريّا المحراب وجد عندها رِزْقاً[ (آل عمران 3/37) هو: كلَّ وقتِ دخول:
[كلَّ]: ظرف زمان منصوب وهو مضاف، متعلق بالجواب المعنوي (1) الذي هو [وَجَدَ].
[ما]: مصدرية ظرفية. والمصدر المؤول منها ومن الفعل بعدها في محل جرّ مضاف إليه(2).
حكم:
تدخل [كلّما] على الفعل الماضي، وتفيد التكرار، ولا بدّ لها من جواب.
* * *
1- قلنا: [الجواب المعنوي]، كي لا يُظَنَّ أنّ المراد هو جواب شرط.
2- يقول بعض الناس في أيامنا هذه، مثلاً: [كلما درسَ فلانٌ كلما زادت فرصُ نجاحه]؛ وهو خطأ يسهل تصحيحه، بأنْ تُحذَف [كلما] الثانية.

(164/1)


لا
تكون على وجوه:
الأول: النافية للجنس:
* وتستغرق نفي جميع أفراد الجنس. وتعمل بشرطين: أن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وألاّ يفصلها عن اسمها فاصل، نحو: [لا رجلَ في البيت](1).
* ويُنصب اسمها بما تُنصب به الأسماء عادةً: بالفتحة إذا كان مفرداً، وبالكسرة إذاكان جمع مؤنث سالماً، وبالياء إذا كان مثنى أو جمع مذكر سالماً، غير أنه لا ينون إلاّ إذا كان مفرداً أوجمع مؤنث سالماً، مشتقّاً عاملاً فيما بعده في الحالتين، نحو: [لا قارئاً كتاباً نادمٌ] و [لا ضارباتٍ طفلاً مصيباتٌ]: ودونك مزيداً من الأمثلة وإلى جانبها التعليق:
[لا رجلَ في البيت]: اسمها منصوب بفتحة، غير منوّن.
[لا رجلَ علمٍ مَهين]: اسمها منصوب بفتحة، غير منوّن.
[لا معلِّماتِ عندنا]: اسمها غير منوّن، منصوب بالكسرة، لأنّه جمع مؤنث سالم.
[لا تلميذَين عندنا]: اسمها منصوب بالياء لأنه مثنى، والمثنى لا ينوّن.
[لا معلّمِين عندنا]: اسمها منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجمع المذكر السالم لا ينوّن.
[لا قارئاً كتاباً نادمٌ]: اسمها منوّن لأنه مفردٌ مشتقّ عاملٌ فيما بعده: نَصَبَ [كتاباً] على أنه مفعول به لاسم الفاعل.
[لا ضارباتٍ طفلاً مصيباتٌ]: اسمها منوّن لأنه جمع مؤنث سالم مشتقّ عاملٌ فيما بعده: نَصَبَ [طفلاً] على أنه مفعول به لاسم الفاعل.
* قد يُحذَف اسمها، نحو: [لا عليك = لا بأس عليك]. وقد يُحذَف خبرها، نحو: [لا بأس = لا بأسَ عليك].
* اسم [لا] النافية للجنس، نعْتُه منصوب منوَّن في كل حال، نحو: [لا طالبَ كسولاً عندنا]. ولا يستثنى من هذه القاعدة الكلية، إلاّ أن يَفصِل بينهما فاصل، فيجوز عند ذلك التنوين وعدمه نحو: [لا طالبَ – عندنا – كسولاً أو كسولَ](2).

(165/1)


الثاني: العاطفة: وشرطها أنْ تُسبَق بأمرٍ أو إيجاب، نحو: [خذ الكتابَ لا القلمَ]، و[سافر زهيرٌ لا خالدٌ]. فإذا اقترن بها حرفُ عطفٍ آخرَ، كان الآخرَ هو العاطف نحو: [ما سافر زهيرٌ ولا خالدٌ](3).
الثالث: الناهية الجازمة للفعل المضارع: نحو: [لا تُقصِّرْ في عملك].
الرابع: حرفُ جوابٍ يُناقض [نَعَمْ]، نحو أنْ تُسْأَل: هل سافرتَ إلى بيروت؟ فتجيب: [لا].
الخامس: الزائدة: وتفيد التوكيد نحو: ]ما منعك ألاّ تسجد[ (أي: ما منعك أن تسجد).
السادس: المكرّرة: وتكرارُها إمّا واجبٌ، وإمّا غيرُ واجب:
فهو غير واجب إذا تلاها دعاءٌ نحو: [لا عَثَرَ حَظُّك]، أو قَسَمٌ نحو: [والله لا فعلت هذا أبداً]، أو فعلٌ مضارع، نحو: [زهيرٌ لا يُريح] أو [زهيرٌ لا يُريح ولا يستريح].
وهو واجب فيما عدا ذلك، ودونك مواضع ونماذج:
– دخولها على جملة اسمية نحو: ]لا الشمسُ ينبغي لها أن تُدرك القمر ولا الليلُ سابقُ النهار[.
– دخولها على فعل ماض: ]فلا صَدَّقَ ولا صلّى[.
– دخولها على خبر: [خالدٌ لا نائمٌ ولا مستيقظ].
– دخولها على نعت: [سلّمت على رجلٍ لا مغرورٍ ولا متعالم].
– دخولها على حال: [حضر زهيرٌ لا مبكّراً ولا متأخّراً].
السابع: النافية (ولا عمل لها): نحو: ]لا فيها غَوْلٌ… [ ؛ وقد تُحذَف بعد القسم، إن كان الفعل مضارعاً نحو: ]تاللهِ تفتأ تذكر يوسف[ (أي: تاللهِ لا تفتأ تذكر). وقد تعترض بين الجارّ والمجرور نحو: [سافر محمّدٌ بلا حقيبة](4).
* * *
1- إذا فَصَلَها عن اسمها فاصل، بطل عملها وكُرّرت، نحو: [لا في البيت رجلٌ ولا امرأةٌ].

(165/2)


2- من أمثلةِ نصبِ النعتِ منوّناً وغير منوّن، قولك: [لا طالبَ علمٍ كسولاً أو كسولَ عندنا] و [لا طالباً علماً كسولاً أو كسولَ عندنا] و [لا طالبَ محبّاً للكسل عندنا]. وأمّا قولُك: [لا طالبَ محبَّ كسلٍ عندنا]، فكان حقّ النعت فيه أن ينصب منوناً، إذ لا فاصل هاهنا بينه وبين الاسم. لكنْ لما كان النعت مضافاً: [محبَّ كسلٍ]، وكان المضاف في العربية لا ينوّن، لم يكن سبيل إلى ظهور التنوين.
3- العاطف في مثالنا: [ما سافر زهيرٌ ولا خالدٌ] هو الواو، والعاطف في قولنا. [نجح سعيد لا، بل عليٌّ]: هو: [بل]؛ وأما [لا]، فهي في المثالين لتوكيد النفي.
4- لا: في المثال نافية لا عمل لها، و [الحقيبة] اسم مجرور بالباء.

(165/3)


لَعَلَّ
* من الأحرف المشبهة بالفعل، تنصب الاسم وترفع الخبر. (انظر الأحرف المشبهة بالفعل) وقد تُحذَفُ لامها الأولى، فيقال: [علَّ] وهي لغةٌ فيها.
* ولها معانٍ أشهرها التوقّع، وهو تَرَجِّي ما يُحَبّ، نحو: [لعلّ المغتربَ راجعٌ]، والإشفاقُ مما يُكرَه، نحو: [لعلّ الصَديقَ قليلٌ].
* ويكثر اقتران خبرها بـ [أنْ]، نحو: [لعلّ المسافر أنْ يعود].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [لعلّ]
· قال صخر بن جعد (المغني /165):
فقلتُ عساها نارُ كأسٍ وعَلَّها تَشَكَّى فآتي نحوَها فأعودُها
(كأس: اسم امرأة، وتَشَكّى = تَتَشكّى).
[عَلَّ]: هي [لَعَلَّ]، حُذِفت لامُها الأولى، وهي لغة فيها. ويَكثر على ألسنة الناس قولهم: [علّ وعسى].
· وقال امرؤ القيس (الديوان /107):
وبُدِّلْتُ قَرحاً دامياً بعدَ صِحَّةٍ لعلَّ منايانا تَحَوَّلْنَ أَبؤُسا
[لعلّ]: خبرها في البيت هو جملة الفعل الماضي: [تحوّلن]، وقد كان بين الأئمة نزاع حول مجيء خبر [لعلّ] ماضياً. والبيت شاهد على صحة ذلك. وأمّا مجيء خبرها فعلاً مضارعاً، فمنه قوله تعالى: ]وما يُدريك لعلّه يزّكّى[ (عبس 80/3) وقوله: ]لعلّه يتذكّر أو يخشى[ (طه 20/44)
· قال جميل بثينة(1):
أتَوني فقالوا: يا جميلُ تبدَّلَتْ بُثينةُ أبدالاً، فقلتُ لعلّها
الأصل: [لعلّها فعلت ذلك]، لكن الشاعر حذف الخبر لدلالة السياق عليه. وحذْفُ ما يُعلَم جائز.
· قال العُجَيْر السَّلُولِيّ (الإنصاف /122):
لكَ الخَيْرُ علِّلْنا بها، علَّ ساعةً تمرُّ وسِهْواءً من الليلِ يذهبُ
(السِّهواء: ساعةٌ من الليل، أو صدرٌ منه).
[علّ ساعةً تمرّ]: حذَف الشاعر اللام الأولى من [لعلّ]، وحذْفها لغة فيها. ويلاحظ أنّ الخبر – وهو جملة [تمرّ] – فِعْلُه مضارع على المنهاج. على حين يجوز أن يكون ماضياً، وإن كان قليلاً.
· وقال نافع بن سعد الطائيّ (الإنصاف / 122):
ولستُ بلوّامٍ على الأمر بعدما يفوت، ولكنْ علَّ أن أتقدّما

(166/1)


في البيت مسألتان، الأولى أنّ الشاعر حذف اللام الأولى من [لعلّ]، وذلك لغةٌ فيها. والثانية أنّ خبرها اقترن بـ [أنْ]، وذلك في الاستعمال كثير، ومنه قول كثيّر عزّة (الديوان / 77):
أقول إذا ما الطيرُ مَرَّتْ سحيقةً لعلّكَ يوماً – فانتظرْ – أن تنالها
* * *
1- رواية الديوان /191: وقالوا نراها يا جميلُ تبدّلت وغيّرها الواشي. فقلتُ: لعلّها

(166/2)


لَدَىْ
لدى: ظرف للمكان مبنيّ على السكون، بمعنى [عند].
أحكام:
* تلزم الإضافةَ إلى المفرد(1) مِن اسمٍ أو ضمير، إلاّ أنّها إذا أضيفت إلى الضمير قُلِبَت ألِفُها ياءً. نحو: [لدى زيدٍ ولدينا كتبٌ].
* تُستعمل للحاضر فقط. فيقال مثلاً: [لديّ مالٌ]، إذا كان المال حاضراً. [ويقال: (عندي مالٌ) سواء كان المال حاضراً أو غائباً].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [لدى]
· ]لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد[ (ق 50/35)
[لدينا]: أُضيفَت لدى إلى الضمير، على المنهاج. ومتى كان ذلك قُلِبت ألفها ياءً، كما في الآية. ومثل ذلك طِبقاً، قوله تعالى: ]ولدينا كتابٌ ينطق بالحقّ[. (المؤمنون 23/62)
· ]إذ القلوبُ لدى الحناجر[ (غافر 40/18)
[لدى الحناجِر]: أُضيفتْ لدى إلى الاسم، على المنهاج، إذ لا تخلو من أن تكون مضافة إلى اسم أو ضمير. وهذا معنى قول النحاة: تلازم [لدى] الإضافة إلى المفرد، إذ المراد به أنها تُضاف إلى اسمٍ أو ضمير، ويمتنع أن تُضاف إلى جُملة أو شبه جملة.
· ]وألْفَيا سيّدَها لدى الباب[ (يوسف 12/25)
[لدى الباب]: أي عند الباب، وورودها بمعنى [عند] على المنهاج.
· ]ما يُبَدَّل القول لديَّ وما أنا بظلاّمٍ للعبيد[ (ق 50/29)
[لديّ]: الأصل هنا [لدى + ي (ياء الضمير)] وقد أُضيفت [لدى] إلى الضمير فقُلبت ألفها ياءً، على المنهاج. ثمّ أُدغِمت الياء في الياء فكان التشديد.
* * *
1- المراد بالمفرد هنا: ما ليس جملة ولا شبه جملة.

(167/1)


لَدُنْ
ظرفٌ للزمان أو المكان – على حسب الحال – بمعنى [عند]، يدلّ على بداية كلٍّ منهما، مبنيٌّ على السكون. نحو: [سافرنا لدُنْ طلوعِ الشمس: للزمان] و[جئت من لدنْ صديقي: للمكان].
أحكام:
¨ هو في الكلام فضلة (أي: لا يفتقر إليه انعقاد الكلام، إذ ليس مسنداً ولا مسنداً إليه).
¨ يلازم الإضافة أبداً، فيضاف إلى الضمير(1) والاسم والجملة، نحو: [أرسلتُ إليك كتاباً من لدُنّي (ضمير)، فجاءك لدنْ غروبِ الشمس (اسم)، وكنت تنتظره من لدنْ طلعَتْ (جملة)]، فإذا كانت إضافته إلى الجملة تمحّض للزمان.
¨ إذا تلته كلمةُ [غُدْوَة]، نحو: [سافرنا لدنْ غُدوة]، جاز جرّها، ونصبها، ورفعها(2).
¨ قد يُجَرّ بـ [مِنْ] دون سواها من حروف الجرّ، نحو: [أعطيته مِن لَدُنِّي كتاباً].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [لَدُنْ]
· قال القُطاميّ (الخزانة 7/111):
صريعُ غوانٍ راقَهُنَّ ورُقْنَهُ لَدُنْ شَبَّ حتى شابَ سُودُ الذَّوائِبِ
(الذوائب: ج ذؤابة وهي الضفيرة من الشعر).
[لدنْ]: ظرف يكون للزمان والمكان على حسب الحال. يلازم الإضافة أبداً، إلى ضمير أو اسم أو جملة، غير أنه إذا أُضيف إلى الجملة تمحّض للزمان – كما هو الشأن في البيت – إذ أُضيف إلى جملةِ [شبَّ]، فاعتُدّ ظرف زمان. ولا فرق في ذلك بين أن تكون الجملة فعلية، كما هو الشأن هنا، أو اسمية كما في قول الشاعر (الدرر اللوامع 1/184):
وتَذْكُرُ نُعماهُ لدنْ أنتَ يافعٌ إلى أنتَ ذو فَوْدَيْنِ أبيض كالنسرِ
(الفَوْدان: مثنى، مفرده فَوْد: الضفيرة من الشعر).
فقد أُضيف الظرف [لدنْ] إلى الجملة الاسمية: [أنت يافع]، ودلّ على بداية الزمان في كلا البيتين. ففي الأول: بداية شيب الشعر، وفي الثاني: بداية اليُفُوع، أي: مراهقة العشرين.
· قال أبو سفيان بن حرْب (والد معاوية) يومَ أُحُد (همع الهوامع 3/217):
ومازال مُهري مَزْجَرَ الكَلْبِ منهمُ لدُنْ غُدْوةً حتى دنتْ لغروبِ

(168/1)


(زجره: طرده مع صوت، ومزجر الكلب: ظرف مكان سماعيّ، للكناية عن المسافة [أي: البُعد] بينه وبين أصحاب رسول الله يوم أُحد).
[لدنْ غدوةً]: يَستشهد النحاة بهذا البيت على أنّ كلمة [غُدْوة] تنفرد من دون غيرها من الكلمات في العربية بانتصابها بعد [لدنْ] ؛ ويُعربونها تمييزاً.
ونذْكر هنا أنه يجوز مع نصبها، جرُّها على أنها مضاف إليه، ورفعُها على أنها فاعل لفعلِ [كان] التامة المحذوفة؛ إلى غير هذا من تخريجات. وبكلمة: يجوز نصبها – بعدَ لدنْ – وجرّها ورفعها.
· ]وعلّمناه من لدنّا علماً[ (الكهف 18/65)
[مِن لدنّا]: مِنْ حرف جرّ؛ وهذا الحرف دون سواه من حروف الجرّ، يجوز أن يَجُرّ [لدنْ]. ولعلّ من المفيد أن نذْكر – للاستئناس – أنّ تشديد نونِ [لدنّا] هو من إدغام نونها في نون الضميرِ [نا]، إذ الأصل: [لدنْ + نا = لدنّا]، وأما التشديد في [لدنّي] فهو من إدغام نونِ [لدنْ] في نون الوقاية، إذ الأصل: [لدنْ + نون الوقاية + ياء المتكلّم = لدنّي].
· ]فَهَبْ لي من لدنكَ ولِيّاً[ (مريم 19/5)
[مِنْ لدنْكَ]: مِنْ حرف جرّ، [لدنْ] ظرف للمكان مبني على السكون في محل جرّ بـ [مِن]، ولا يُجَرّ الظرف [لدنْ] بغير هذا الحرف من حروف الجرّ الأخرى.
* * *
1- إذا كانت إضافته إلى ياء المتكلم اتّصلت به نون الوقاية و أُدغِمت في نونه: [لدنّي = لدن+نون الوقاية+ي].
2- يقول المعربون: بعدَ [لدنْ]، تُجَرُّ [غُدوة] على أنها مضاف إليه، وتُنصب على أنها تمييز، وتُرفع على أنها فاعل لفعلٍ محذوف هو: [كان] التامّة، أو [وُجِد]، والتقدير: [سافرنا لدن كانت غدوةٌ] أو: [لدنْ وُجِدَت غدوةٌ]. ولهم تخريجات أخرى غير هذه !!

(168/2)


لَيْتَ
من الأحرف المشبهة بالفعل، تنصب الاسم وترفع الخبر. تكون في تمنّي الممكن والعسير والمستحيل، نحو: [ليت خالداً يزورنا، ليت العنصرية تزول، ليت ما مضى يرجع] (انظر الأحرف المشبهة بالفعل).
حكمان:
1- يُحذَف خبرها وجوباً في قولهم: [ليت شعري…]، والتقدير: [ليت شعري حاصلٌ]. ولا بدّ في هذه الحال من أن يتلوها استفهام، نحو: [ليت شعري هل تزورنا غداً؟]
2- إذا اتّصلت بها ياء المتكلّم، فصلت بينهما نون الوقاية، نحو: [ليتني سافرت].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [ليت]
· قال وَرْقاءُ بن زهير العبسي – وأمه تماضر – وقد ضرب بسيفه قاتلَ أبيه خالدَ ابنَ جعفر بن كلاب فنبا السيف (الأغاني 11/89):
فيا ليتَ أني قبل ضربة خالدٍ ويومِ زهيرٍ لم تلدني تماضرُ
في قوله [يا ليت أنّي لم تلدني تماضر] مسائل إليكها:
* [يا]: للتنبيه، إذ نودي بها ما لا ينادَى.
* [أني لم تلدني تماضر]: هاهنا مصدر مؤوّل من أنّ واسمها وخبرها سدّ مسدّ اسم ليت، وهذا وارد في كلامهم جائز، والبيت في كل حال شاهدٌ على صحته.
* جاء استعمال [ليت] في تمني المستحيل، وطلب ما لا يُطمَع فيه.
· قال ابنُ ميّادة (الأغاني 2/ 284):
ألا ليتَ شِعْري هل إلى أُمِّ جَحْدَرٍ سبيلٌ؟ فأمّا الصبرُ عنها فلا صَبْرا
[ليتَ شِعري هل…؟]: من تراكيبهم قولُهم [ليت شِعري]، ويريدون به: [ليتني أشعر، وأعلم]. وفيه حذْفُ خبر [ليت] وجوباً، والتقدير: [ليت شعري حاصلٌ]، وفي هذه الحال، لا بدّ من أن يتلوها استفهام، وقد تحقق ذلك إذ قال الشاعر بعدها: [هل…؟].
· قال أبو العتاهية (الديوان /32):
فيا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً فأُخبرَهُ بما صنع المشيبُ
[ليت الشباب يعود] الشبابَ: اسمُ ليت منصوب، وقد جاء استعمالها في تمني المستحيل، وطلبِ ما لا يُطمَع فيه، فما ينقضي من العمر لا يرجع !!
· ]يا ليتني كنتُ معهم[ (النساء 4/73)

(169/1)


استعمال فِعلِ [كان] بعد [ليت] كثير في التنْزيل العزيز، ومنه: ]يا ليتها كانت القاضية[ (الحاقّة 69/27).
· قال قُرَيْط بن أُنَيْف (شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/9-10)، يهيج قومَه ويهزّهم – بما يدنو من الذمّ – لينصروه:
لكنّ قومي وإنْ كانوا ذوي عَدَدٍ ليسوا من الشرِّ في شيءٍ وإنْ هانا
فليتَ لي بهمُ قوماً إذا ركبوا شَنُّوا الإغارةَ فرساناً ورُكبانا
في قوله [ليت لي بهم قوماً…]: تمنّي المستحيل الذي لا يُطمَع فيه، فهمْ قومه شاء أو أبى، وليس إلى أن يستبدل بهم غيرَهم سبيل !!
· كتب أبو فراس الحمداني – وهو أسير – إلى سيف الدولة (الديوان/41):
فَلَيْتكَ تحلو، والحياةُ مَرِيرةٌ ولَيْتَكَ تَرضى والأنامُ غِضابُ
وليتَ الذي بيني وبينكَ عامِرٌ وبيني وبين العالمِينَ خرابُ
استعمل الشاعر [ليتَ] ثلاث مرّات في البيتين. وكان تمنّيه فيها جميعاً تمنّي ما يمكن تحقيقه، لو شاء سيف الدولة.
· قال مالك بن الرَّيْب:
ألا ليت شِعري هل أبيتنَّ ليلةً بجنب الغضى أُزجي القِلاص النواجيا
[ليت] من أخوات [إنَّ]، تنصب الاسم وترفع الخبر. فإذا قيل: [ليت شعري]، حُذِف خبرها وجوباً. والتقدير في هذه الحال: [ليت شعري حاصل]. ولا بدّ عند ذلك من أن يتلوها استفهام، وقد تحقق هذا الشرط إذ قال الشاعر بعدها: [هل أبيتنّ؟].
* * *

(169/2)


لَيْسَ
تأتي على وجهين:
الأوّل: فعل ماضٍ جامد(1) يفيد النفي، يرفع الاسم وينصب الخبر، نحو: [ليس خالدٌ مقصِّراً].
والثاني: حرف نفي لا عمل لها، بمنْزلة [ما] و [لا] النافيتين، وذلك إذا دخلت على الجملة الفعلية نحو: [ليس يعلم الغيبَ إلاّ الله] و[ليس خلَق الله مثلَه].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [ليس]
· ]أليسَ اللهُ بكافٍ عبدَه[ (الزمر 39/36)
[أليس]: الهمزة للاستفهام، و [ليس] فعل ماضٍ ناقص من أخوات [كان] ترفع الاسم وتنصب الخبر. لفظ الجلالة: اسمها، والباء حرف جرّ زائد، والخبر [كافٍ] مجرور لفظاً بالباء الزائدة، منصوب محلاًّ. ودخول هذه الباء على خبر [ليس] كثير جدّاً في كلامهم.
· قال النابغة الذبياني (الديوان /84):
يَهدِي كتائبَ خُضراً ليس يَعْصِمُها إلاّ ابتدارٌ إلى موتٍ بإِلجامِ
(يقول: إنّ حامل اللواء في جيش ممدوحيه بطلٌ يتقدّم كتائب خضراً تُرى مسودّة من كثرة السلاح، يعصمها من عدوِّها إلجام الخيل لا الهرب).
[ليس يعصمها]: ليس، حرف نفي بمنْزلة [لا] النافية، لا عمل لها. وكذلك تكون حين تدخل على جملة فعلية.
· قال البحتريّ (الديوان 2/1160):
ليس يُدرَى أصُنْعُ إنسٍ لِجِنٍّ سكنوه أم صنعُ جِنٍّ لإنْسِ
[ليس يُدرى]: ليس، حرف نفي بمنْزلة [لا] النافية، لا عمل لها.
· قال طرفة بن العبد (الديوان /29):
ولستُ بحلاّل التِّلاع مخافةً ولكنْ متى يَسترفِدِ القومُ أرفِدِ
(التلاع جمع تَلعَة: ما ارتفع من الأرض).
[لستُ بحلاّل]: [ليس] فعل ماضٍ من أخوات [كان] يرفع الاسم وينصب الخبر. والتاء (ضمير المتكلم) اسمها، والباء حرف جرّ زائد، والخبر [حلاّل] مجرور بالباء الزائدة لفظاً، منصوب محلاًّ. وقد قلنا آنفاً إنّ دخول هذه الباء على خبر [ليس] كثير جدّاً في كلامهم.
· قال الأعشى (الديوان /136)(2):
لهُ صَدَقاتٌ ما تُغِبُّ ونائِلٌ وليس عطاءُ اليومِ مانعَهُ غدا

(170/1)


[ليس]: فعل ماض من أخوات [كان] يرفع الاسم وينصب الخبر، [عطاء]: اسمها مرفوع، و [مانعَه] خبرها منصوب.
* * *
1- لم يُستعمَل منه مضارعٌ ولا أمر.
2- للبيت رواية أخرى هي: لهُ نافلاتٌ ما يُغِبُّ نوالُها وليس عطاءُ اليومِ مانعَهُ غدا

(170/2)


لكنْ
لكنْ: حرفٌ يقع بين نقيضين أبداً، ويفيد الاستدراك أبداً.
وهو حرفُ عطف، بشروط ثلاثة: أن يكون المعطوف بعده مفرداً لا جملةً، وأن يسبقه نفي أو نهي، وألاّ يقترن بالواو. مثال ذلك: [ما شربتُ اللبنَ لكن الماءَ] (1).
فإذا تخلّف أحدُ هذه الشروط الثلاثة (أي: تلته جملة، أو اقترنت به الواو، أو لم يسبقه نفي أو نهي) كان حرفَ ابتداء واستدراك، يدخل على جملة، نحو: [نعملُ صباحاً ولكنْ نَقِيلُ ظُهراً](2)، وتكون الواو في هذه الحال هي العاطفة.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [لكنْ]
· قال زهير بن أبي سُلمى:
إنّ ابنَ وَرْقاءَ لا تُخشَى بَوادِرُهُ لكنْ وَقائِعُهُ في الحرب تُنْتَظَرُ
[لكنْ وقائعُه تُنتظَر]: لكنْ في البيت حرف ابتداء، إذ تلتها جملة هي: [وقائعه تنتظر]. ومجيء جملةٍ بعدها، يوجب اعتدادَها حرفَ ابتداء، ويمنع من اعتدادها حرفَ عطف. (شروط العطف: ألاّ تتلوها جملة، وألاّ تقترن بالواو، وأن يسبقها نفي أو نهي).
· قال الشاعر (الأمالي للقالي 1/82):
وليس أخي مَنْ وَدَّنِي رأيَ عيْنِهِ ولكنْ أخي مَنْ وَدَّنِي وهو غائبُ
[ولكنْ أخي مَنْ….]: لكنْ في البيت حرف ابتداء، إذ اقترنت بها الواو، واقترانها بها أوجب اعتدادَها حرفَ ابتداء، ومَنَع مِن اعتدادها حرفَ عطف. (شروط العطف: ألاّ تتلوها جملة، وألاّ تقترن بالواو، وأن يسبقها نفي أو نهي). ومن ثمّ تكون الواو في هذه الحال حرف عطف، يعطف جملة على جملة. [عطفت هنا جملةَ: (لكن أخي مَن…) على جملةِ: (ليس أخي مَن…)].
هذا، وحتى لو أسقطنا الواو – جدلاً – وأغفلناها، لظلّ في البيت مانعٌ آخر يمنع مِن أن تكون [لكنْ] حرف عطف، وهذا المانع هو مجيء جملة بعد [لكن]، فيَحْتِم اعتدادها حرف ابتداء.
· ومثل ما تقدّم طِبقاً، قول الشاعر:
إذا ما قَضَيت الدَّينَ بالدَّينِ لم يكن قضاءً، ولكنْ كان غُرْماً على غُرمِ

(171/1)


فقد اقترنت [لكن] هاهنا بالواو أيضاً، فالواو إذاً هي حرف العطف، وأما [لكن] فحرف ابتداء. وذلك أنّ اقترانها بالواو يمنع مِن اعتدادها حرفَ عطف. (شروط العطف: ألاّ تتلوها جملة، وألاّ تقترن بالواو، وأن يسبقها نفي أو نهي).
ودعْ عنك أنّ في البيت مانعاً آخر يمنع مِن أن تكون [لكنْ] حرف عطف، وهو مجيءُ جملةٍ بعدها، فيَحْتِم اعتدادها حرف ابتداء.
· قال تعالى: ]ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكنْ رسولَ الله[
(الأحزاب 33/40)
[ولكنْ رسولَ الله]: اقترنت [لكنْ] بالواو، فالواو إذاً عاطفة، و[لكن] حرف ابتداء واستدراك، وبعده جملة، على المنهاج، أي: ولكن كان رسولَ الله.
* * *
1- [لكنْ] في المثال حرف عطْف، عطَفَ [الماء] على [اللبن]، إذ تحققت له الشروط الثلاثة: لم يقترن بالواو، وسبقه نفي، وتلاه مفرد لا جملة.
2- في قولنا: [نعمل صباحاً ولكنْ نَقِيلُ ظهراً]، تخلّفت جميع شروط العطف (إذ اقترنت بالواو، ولم يسبقها نفي أو نهي، وتلتها جملة). وكان يكفي أن يتخلّف شرط واحد منها فقط، حتى يمتنع أن تكون عاطفة. وعلى ذلك فهي حرف ابتداء واستدراك، والواو هي العاطفة.

(171/2)


لكنّ
* حرف مشبّه بالفعل – من أخوات إنّ – ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، ويفيد الاستدراك. نحو: [حضر خالدٌ لكنّ سعيداً غائب]. (انظر الأحرف المشبهة بالفعل)
* إذا خُفِّفت أو اتصلت بها [ما] الزائدة بطل عملها نحو: [سافر زهيرٌ لكنْ خالدٌ مقيمٌ]
و [حضر الطلاب لكنّما سعيدٌ غائبٌ].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [لكنّ]
· قال امرؤ القيس:
ولكنّما أَسْعَى لِمجدٍ مُؤَثَّلٍ وقد يُدْرِكُ المجدَ المُؤَثَّلَ أَمْثالِي
[لكنّما]: اتّصلت [ما] الزائدة بـ [لكنّ] فبطل عملها وزال اختصاصُها بالدخول على الأسماء. ومن هنا أنها دخلت على فعل: [أسعى]. ولهذا تقول كتب النحو: [لكنّما: كافّة ومكفوفة]، يريدون بذلك أنّ [ما] كَفَّتْ، و [لكنّ] كُفَّت، فالأولى كافّة، والثانية مكفوفة.
· قال الشاعر:
إنّ ابنَ ورقاءَ لا تُخشى بوادرُه لكنْ وقائعُه في الحرب تُنتَظَرُ
[لكنْ] مخففة من [لكنّ]، ومتى خُفِّفت بطل عملُها. فـ[وقائعه] مبتدأ، وجملة [تُنتظر] خبر.
· قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (الأغاني 12/233):
وعَيْنُ الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ولكنّ عينَ السخطِ تُبدِي المَساوِيا
[لكنّ]: جاءت في البيت – على المنهاج – عاملةً عمل الأحرف المشبهة بالفعل، فقد نصبت كلمةَ [عين] اسماً لها، وخبرها جملة [تبدي] في محلّ رفع.
* * *

(172/1)


لَمّا
لَمّا: على وجهين:
الأول: حرفٌ يجزم الفعل المضارع، ويقلب زمنه إلى الزمن الماضي، وينفيه نفياً يمتدّ إلى زمن التكلّم، نحو: [حضر المدعوّون ولمّا يحضر خالدٌ].
الثاني: ظرف زمان معناه [حين](1)، تدخل على فعلٍ ماض، وتقتضي جواباً يكون فعلاً ماضياً، أو جملة اسمية مقترنة بـ [إذاْ] الفجائية. فالأول نحو: ]فلمّا جاء أمرنا نجّينا صالحاً] (2) والثاني نحو: ]فلمّا جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون] (3).
وقد يتقدم عليها جوابها نحو: [أكرمته لمّا زارني = لمّا زارني أكرمته].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [لمّا]
· ]بل لمّا يذوقوا عذاب[ (ص 38/8)
[لمّا يذوقوا]: لمّا، حرفٌ يجزم الفعل المضارع، ويقلب زمنه إلى الزمن الماضي، وينفيه نفياً يمتدّ إلى زمن التكلّم، فيكون المعنى: لم يذوقوا عذابي حتى وقت نزول الآية. وكان المضارع قبل الجزم: [يذوقون].
· قال الممزّق العبديّ (طبقات فحول الشعراء /232):
فإنْ كنتُ مأكولاً فكنْ خيرَ آكلٍ وإلاّ فأَدْركْني ولمّا أُمَزَّقِ
[لمّا أُمَزَّق]: لمّا، حرف جازم ينفي ما يجزمه نفياً يمتدّ إلى زمن التكلّم، فيكون المعنى في البيت: لم أُمزَّق حتى وقت النطق بهذا الكلام.
· ]فلمّا نجّاكمْ إلى البرّ أعرضتم[ (الإسراء 17/67)
[لمّا نجّاكم… أعرضتم]: لمّا، في الآية ظرفية (حينية)، ومتى كانت ظرفية دخلت على فعلٍ ماض، واقتضت جواباً يكون: إما فعلاً ماضياً كما في الآية، وإما جملة اسمية مقترنة بـ [إذاْ] الفجائية. ومثل ذلك طِبقاً قوله تعالى:
· ]فلمّا جاء أمرنا نجّينا صالحاً والذين آمنوا معه[ (هود 11/66)
فهي هنا أيضاً ظرفية، والفعل بعدها ماض، وجوابها ماضٍ كذلك.
· ]فلمّا نجّاهم إلى البرّ إذا هم يُشرِكون[ (العنكبوت 29/65)

(173/1)


[لمّا نجّاهم… إذا]: لمّا، ظرفية (حينية)، ومتى كانت ظرفية دخلت على فعلٍ ماض، واقتضت جواباً يكون: إما جملة اسمية مقترنة بـ [إذاْ] الفجائية، كما في الآية، وإما فعلاً ماضياً. ومثل ذلك طِبقاً قولُه تعالى:
· ]فلمّا جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون[ (الزخرف 43/47)
* * *
1- من هنا أنهم يسمّونها أيضاً: [حينيّة].
2- هود 11/66
3- الزخرف 43/47

(173/2)


لَنْ
لَنْ: حرف نفي ونصب واستقبال، نحو قوله تعالى: ]وقالوا لَنْ نُؤمن لك حتى تَفجُرَ لنا من الأرض يَنبوعاً] (1)، وقولِ أبي طالب يخاطب ابنَ أخيه رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم:
واللهِ لن يَصِلوا إليكَ بِجَمعِهمْ حتى أُوَسَّدَ في التراب دَفِينَا
* * *
1- الإسراء 17/90

(174/1)


لاتَ
حرف نفي، تعمل عمل [كان] فترفع الاسم وتنصب الخبر، ويُشترط فيهما أن يكونا من أسماء الزمان، كالحين والوقت والأَوان والساعة إلخ… وأن يكون الأول منهما (أي اسمها) محذوفاً(1)، نحو: [نَدِمنا ولاتَ ساعةَ نَدَمٍ = ولاتَ الساعةُ ساعةَ ندَمٍ].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [لات]
· قال تعالى: ]كم أهلكنا مِن قبلهم مِن قَرنٍ فنادَوا ولاتَ حينَ مناصٍ[
(سورة ص 38/3)
اسم [لاتَ] محذوف على المنهاج، والأصل قبل الحذف: ولاتَ الحينُ حينَ مناص. أي: ليس الحين حينَ مهرَب ولا مَنجَى.
· قال أبو زبيد الطائي (المغني 282و758):
طلبوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ(2) فأجبنا: أنْ لاتَ حينَ بقاءِ
اسم [لاتَ] في عجز البيت محذوف، والأصل قبل الحذف: ولاتَ الحينُ حينَ بقاءٍ.
· قال الشاعر (شرح ابن عقيل 1/320):
ندِمَ البُغاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْدَمٍ والبغيُ مَرتَعُ مبتغيه وَخِيمُ
أي: ولاتَ الساعةُ ساعةَ مَندم، ثمّ حذف اسمها فقال: [ولاتَ ساعةَ مَنْدَمٍ].
* * *
1- قال سيبويه: (لا تكون لاتَ إلاّ مع الحين، تُضمِر فيها مرفوعاً وتنصب الحين… ولم يستعملوها إلاّ مضمَراً فيها) الكتاب – بولاق 1/28. وقال المراديّ: (ولم يُسمع الجمع بين اسمها وخبرها) الجنى الداني /488
2-لم نلتفت إلى ما جاء في صدر البيت مِن مجيء كلمةِ [أوانٍ] بعد [ليت] مجرورةً، إذ جَرُّ ما بعدها شاذّ، لا يُلتفت إليه.

(175/1)


لَوْ
تأتي على وجوه:
الأول: حرف مصدري، يُسبَك منه ومما بعده مصدرمؤوّل، نحو: ]يودّ أحدُهم لو يُعَمَّر ألفَ سنة[ (أي: يودّ أحدُهم التعميرَ) (1).
الثاني: حرف تقليل، نحو: [اِلْتَمِسْ ولو خاتَماً من حديد](2).
الثالث: حرفٌ للعَرض، وللتمنّي، نحو: [لو تنْزل عندنا فتُصيبَ خيراً] و[لو تأتيني فتُحدِّثَني]، ويتلوها فعل مضارع منصوب بعد فاء السببية. (انظر: نصب الفعل المضارع).
الرابع: حرف وصل (يؤتى به لتقوية المعنى، ووصل بعض الكلام ببعض)، نحو قوله تعالى: ]واللهُ مُتِمُّ نوره ولو كره الكافرون[، وقوله: ]وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قُربى[.
الخامس: حرف شرط، غير جازم(3) . ولا بدّ له – كسائر أدوات الشرط – من شرط وجواب. ولا تخرج أحكامهما في كل حال، عما يلي:
¨ فعل الشرط بعدها ماضٍ أو مضارع. وأمّا جواب الشرط فلا يكون إلاّ ماضياً(4)، مقترناً باللام أو عارياً منها، نحو:
– ]لو نشاء لجعلناه حطاماً[ (الشرط مضارع والجواب ماضٍ مقترنٌ باللام).
– ]لو نشاء جعلناه أُجاجاً[ (الشرط مضارع والجواب ماضٍ عارٍ من اللام).
– ]ولو شاء اللهُ لَذهب بسمعهم وأبصارهم[ (الشرط ماضٍ والجواب ماضٍ مقترن باللام).
– ]قال ربِّ لو شِئتَ أهلكتَهم[ (الشرط ماضٍ والجواب ماضٍ عارٍ من اللام).
¨ قد تتلوها جملة اسمية: ضميراً كان مبتدؤها نحو: ]لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذاً لأمسكتُم[، أو اسماً، نحو قولِ عديّ بن زيد:
لو بغير الماء حَلْقي شَرِقٌ كنتُ كالغَصّان بالماء اعتِصاري
(اعتصر – اعتصاراً: شرب الماء قليلاً قليلاً ليُسيغَه).
¨ يكثر أنْ تتلوها [أنّ] وصِلَتُها، نحو: ]ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم] (5)
* * *
1- يكثر أن يأتي قبل [لو] المصدرية فعلُ [وَدَّ] أو ما في معناه، نحو: [أَحبَّ – تَمنّى …].

(176/1)


2- ورد هذا في مزايا [كان]، ومنها حذف كان واسمها وإبقاء الخبر منصوباً. وعلى هذا تكون المسألة مشتركةً بين مزايا [كان] وبين [لو] حين تكون حرف تقليل. والتقدير في كل حال: [اِلتمس ولو كان الملتمَسُ خاتماً من حديد] (انظر: كان وأخواتها (66)).
3- يقول المعربون: هي حرف امتناع لامتناع، يريدون بذلك أنّها تدلّ على امتناع الجواب لامتناع الشرط. ففي نحو: [لو درس لنجح] امتناع النجاح لامتناع الدرس.
4- إذا جاء جواب الشرط مضارعاً، وجب أن يكون مجزوماً بـ [لم]، لأنها تقلب زمان المضارع إلى الماضي. ومنه قول زهير لممدوحه:
فلو كان حمدٌ يُخْلِدُ الناس لم تَمُتْ ولكنّ حَمْدَ الناسِ ليس بمُخْلِدِ
5- يرى سيبويه أنّ [أنّ] وصلتها مبتدأ خبره محذوف.

(176/2)


لَوْلا
[لولا]: على ثلاثة وجوه:
· الوجه الأوّل: أن تكون للتوبيخ، فتختصّ بالفعل الماضي، نحو قولك للمتأخّر: [لولا جئتَ مبكِّراً].
· الوجه الثاني: أن تكون للتحضيض والعرض، فتختص بالمضارع نحو: [لولا تُنظِر المُعسِر](1).
· الوجه الثالث: حرف شرط غير جازم، (يقول المعربون: حرف امتناع لوجود)، يدخل على جملتين: اسميةٍ ففعلية، فتمتنع الثانية منهما بسبب وجود الأولى، نحو: [لولا خالدٌ لسافرت]؛ (امتنع السفر لوجود خالد)(2). ويجوز في جوابها مجيء اللام، وعدمُ مجيئها: [لولا خالدٌ لسافرت = لولا خالدٌ سافرت].
يكون المبتدأ بعد الشرطية اسماً، أو ضميراً، وأما الخبر فمحذوف دوماً نحو: [لولا خالدٌ لسافرت] و [لولا أنتم لسافرت] و [لولاكَ لسافرت].
تنبيه: [لولا] الداخلة على الفعل قد تُفصَل منه بواحدة مِن ثلاث [إذْ – إذا – جملة شرطية معترضة] نحو:
]ولولا إذْ سمعتموه قلتم… [
]فلولا إذا بلغت الحلقوم… [
]فلولا إنْ كنتم غير مَدِينِينَ تَرْجِعونها… [
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [لولا]
· ]ولولا إذْ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا[ (النور 24/16)
[لولا… قلتم]: في الآية توبيخ لمن سمع فلم يقل: [ما يكون لي أن أتكلّم بهذا]. والقاعدة: أنّ [لولا] تختص بالدخول على الفعل الماضي إذا كانت للتوبيخ. وقد تحقق ذلك هاهنا. وفُصِل بين [لولا] وفعلها بـ [إذ]، والآية شاهد على ذلك.
· قال جرير يرثي زوجته (الديوان /862):
لولا الحياءُ لَعادَني استعبارُ ولَزُرتُ قبرَكِ والحبيبُ يُزارُ
[لولا الحياءُ لَـ…]: لولا في البيت حرف امتناع لوجود: فقد امتنع الاستعبار (البكاء) لوجود الحياء. وقد دخلت على جملة اسمية، أما المبتدأ فيها فهو: [الحياءُ]، وأما الخبر فمحذوف. وجمهور النحاة على وجوب هذا الحذف. وقد دخلت اللام على جوابها [عادني]، لكنّ عدم دخولها جائز أيضاً، أي يصحّ أن يقول الشاعر: [لولا الحياء عادني استعبار].

(177/1)


· قال نُصَيْب (لسان العرب 1/170):
ولولا أن يُقالَ صَبا نُصَيْبٌ لقلت: بنفسِيَ النَّشَأُ الصِّغارُ
(النشَأ: جمع ناشئ للمذكر والمؤنث، مَنْ جاوز حدّ الصِغر).
[لولا أن يقال]: لولا في البيت حرف امتناع لوجود: فقد امتنع قولُه: [بنفسي النشأ الصغار] لوجود قولِ قائلٍ: [صبا نصيب]. وقد دخلت [لولا] على جملة اسمية، أما المبتدأ فيها فهو: المصدر المؤوّل من [أن يقال]، وأما الخبر فمحذوف. وذلك أنّ المصدر المؤوّل بمنْزلة الاسم، وهو في البيت في محل رفع مبتدأ، فكأنه قال: [لولا قولُ قائلٍ…]، والخبر محذوف على المنهاج. وقد دخلت اللام على جوابها [قلت].
· ]فلولا إذا بلغت الحلقومَ وأنتم حينئذٍ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكنْ لا تبصرون فلولا إنْ كنتم غير مدينين تَرْجِعُونَهَا إنْ كنتم صادقين[ (الواقعة 56/83-87)
في الآية تقديم وتأخير، ولولا ذلك لكان النص: [لولا ترجعون الروحَ إذا بلغت الحلقوم]. وقد تقدّمت [إذا] ففصلت بين [لولا] وفعلها [ترجعون]. والقاعدة أن [لولا] الداخلة على الفعل، قد تُفصَل منه بواحدة من ثلاث هي: [إذ – إذا – جملة شرطية معترضة].
· ]يقول الذين استُضْعِفوا للذين استكبروا لولا أنتم لَكُنا مُؤمنين[(سبأ34/31)
[لولا أنتم لكنّا]: لولا حرف امتناع لوجود: فقد امتنع إيمان المستضعفين لوجود المستكبرين. وقد دخلت [لولا] على جملة اسمية، أما المبتدأ فيها فهو الضمير: [أنتم]، وأما الخبر فمحذوف، وهو ما عليه جمهور النحاة. ومجيء المبتدأ ضميراً، على المنهاج، إذ يجوز أن يكون المبتدأ بعد [لولا] اسماً أو ضميراً. وقد دخلت اللام على جوابها [كُنّا]، لكنّ عدم دخولها جائز أيضاً، ولو لم يكن الكلام قرآناً لجاز أيضاً: [لولا أنتم كنّا مؤمنين].
· قال أبو العلاء المعريّ يصف سيف ممدوحه (شروح سقط الزند1/104):
يُذيبُ الرعبُ منه كلَّ عَضْبٍ فلولا الغِمْدُ يُمسِكُهُ لَسالا
(العضب = السيف).

(177/2)


وقد حكم النحاة على المعري هاهنا باللحن. وبيان ذلك: أنّ [الغمد] مبتدأ، وجملة: [يمسكه] خبر لهذا المبتدأ، وجمهور النحاة على أنّ حذف خبر المبتدأ بعد [لولا] حَتْم. وكان الصواب أنْ يقول: [لولا الغمدُ لسال]. ومع ذلك فإن فريقاً من النحاة حاولوا إيجاد مخرج للمعرّي!! ومن ذلك مثلاً قول بعضهم: إن جملة [يمسكه] ليست خبراً، بل هي حالية، وقول آخرين: إن حذف خبر المبتدأ بعد [لولا] ليس حتماً…
· قال عمر بن أبي ربيعة (الديوان / 479):
أَوْمَتْ بعينيها مِنَ الهودجِ لولاكَ في ذا العامِ لم أَحْجُجِ
[لولاكَ…لم أحجُج]: في البيت مسألتان، الأولى مجيء المبتدأ – على المنهاج – ضميراً بعد [لولا] التي هي حرف امتناع لوجود. وذلك أنّ المبتدأ بعدها يجيء اسماً ويجيء ضميراً. والثانية أنه يجوز في الأصل مجيء اللام في جواب [لولا] ويجوز عدم مجيئها. ولكن جوابها جاء في البيت منفيّاً بـ [لم]، فامتنع اقتران اللام به، إذ ليس من العربية أن يقال: [لَلَم أحجج] !!
· ]قال ياقومِ لِمَ تَستعجلون بالسيئة الحسنةَ لولا تستغفرون اللهَ لعلكم ترحمون[
(النمل 27/46)
[لولا تستغفرون]: دخلتْ [لولا] على فعل مضارع فتعين أن تكون للتحضيض، وهو ما عليه المعنى في الآية، إذ فيها يحضّ النبيُّ صالحٌ قومه ثمودَ على الاستغفار، لعلّ الله يرحمهم.
· ]وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموتُ فيقول ربِّ لَوْلاَ أخرتني إلى أجل قريب[ (المنافقون 63/10)
[لولا أخرتني]: هاهنا مسألتان:
الأولى أنّ في الآية عرضاً مضمونه طلب التأخير: [ربّ لولا أخرتني]. والقاعدة أنّ [لولا] إنما تكون للعرض والتحضيض إذا دخلت على فعل مضارع. والفعل في الآية: [أخرتني] فعل ماضٍ لا مضارع. فما علّة ذلك.
الجواب: أنّ فِعل [أخرتني]، وإن كان في الظاهر اللفظي فعلاً ماضياً، هو في المعنى مضارع، أي: [لولا تؤخرني].

(177/3)


والثانية أنّ [لولا] في الآية للتحضيض، إذ هي داخلة على فعل مضارع (في المعنى). ولكنْ لما كان التحضيض طلباً بحثٍّ وإزعاج، وكان الخطاب متّجهاً إلى الله تعالى، كان اللائق – تأدباً – أن يسمى ذلك في الآية (عرضاً، لا تحضيضاً)!!
· ]لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذْ لَمْ يأتوا بالشهداء فأولئك عند اللهِ هم الكاذبون[ (النور 24/13)
[لولا جاؤوا]: لولا في الآية داخلة على فعل ماض، ومتى كان ذلك، كانت للتوبيخ، وهو ما عليه المعنى في الآية، فإنّ فيها ذمّاً وتوبيخاً لمن جاء بالإفك فرمى المحصَنات، ولم يجئ على ما قال بأربعة شهداء.
* * *
1- الفرق بين التحضيض والعرض، أنّ الأول طلبٌ بحثٍّ وإزعاج، والثاني طلبٌ بلِينٍ وتأدُّب.
2- لهذا قال المعربون: هي حرف امتناع لوجود.

(177/4)


لَوْمَا
[لوما] و [لولا] سواءٌ في الأحكام والمعاني والاستعمال، يقال: [لوما خالد لسافرت] = [لولا خالد لسافرت]. ودونك من استعمال [لوما] نموذجين للاستئناس:
* ]لَوْمَا تَأتِينا بالملائكة إنْ كُنتَ مِنَ الصادقين[
[لوما تأتينا]: دخلت [لوما] على فعلٍ مضارع، فهي للتحضيض.
* قال الشاعر:
لَوما الإصاخةُ لِلوُشاةِ لَكانَ لِي مِنْ بَعْدِ سُخْطِكَ في رِضاكَ رَجاءُ
[لوما الإصاخةُ… لَكان…]: لوما: في البيت حرف امتناع لوجود، بعدها مبتدأ محذوف الخبر على المنهاج، وقد دخلت اللام على جوابها: [كان].
* * *

(178/1)


لَمْ
لَمْ: حرفٌ يجزم الفعل المضارع، وينفيه، ويقلب زمنه إلى الزمن الماضي. نحو: ]لَمْ يَلِدْ ولم يولَد](1)، [ألَمْ نشرح لك صدرك](2).
* * *
1- الإخلاص 112/3
2- الشرح 94/1

(179/1)


مَاْ
تأتي على وجوه:
الأول: الاستفهامية: ويُستفهَم بها عن غير العاقل، من الحيوان والنبات والجماد والأعمال؛ وعن حقيقة الشيء عاقلاً كان أو غير عاقل نحو: [ما الإنسان؟ وما الحيوان؟]، وعن صفته، نحو: [ما المتنبي في الشعراء؟]. وقد يسبقها حرف جرّ، فتُحذَف ألِفُها نطقاً وكتابةً نحو: علامَ، حتّامَ، إلامَ، مِمَّ إلخ … ومنه قوله تعالى: ]عَمَّ يتساءلون[.
تذييل: [ماذا]
تأتي [ذا] بعد [ما] الاستفهامية في ثلاث صور:
¨ اسم إشارة نحو: [ما ذا الكتاب؟] أي: [ما هذا الكتاب؟ (ما + ذا: مبتدأ وخبر)].
¨ اسم موصول نحو: [ما ذا أتى بك؟] أي: [ما الذي أتى بك؟ (ما + ذا: مبتدأ وخبر)(1)].
¨ مركَّبة مع [ما]، فتكونان معاً كلمةً واحدةً تُعرَب على حسب موقعها من العبارة نحو: [ماذا أكلتَ؟ (ماذا: مفعول به)] و [لماذا جئت؟ (لماذا: جارّ ومجرور)].
الثاني من وجوهها: النافية: وتكون عاملة وغير عاملة.
¨ فغير العاملة: هي التي تدخل – مُهمَلَةً – على المبتدأ والخبر نحو: [ما زهيرٌ مسافرٌ]، أو على الفعل الماضي والمضارع، نحو: [ما سافر خالدٌ، وما ينبغي له أن يسافر].
¨ والعاملة: هي التي تعمل عمل ليس، فترفع المبتدأ وتنصب الخبر: نحو: ]ما هذا بشراً[، وإنما تعمل بشروط ثلاثة، فإنْ تخلّف أحدُها أُهمِلَتْ فلم تعمل، وهي:
آ- ألاّ يتقدّم خبرُها على اسمِها. فإن تقدم، لم تعمل نحو: [ما مسافرٌ زهيرٌ].
ب- ألاّ تتلوها [إنْ]. فإن تلتها، لم تعمل نحو: [ما إنْ خالدٌ كاذبٌ].
ج- ألاّ يكون في جملتها [إلاّ]. فإن كانت، لم تعمل نحو: [ما زهيرٌ إلاّ طالبُ عِلْم].
الثالث: الشرطية: وتجزم فعلين مضارعين: نحو: ]وما تفعلوا مِن خيرٍ يعلمْهُ الله[ (البقرة 2/197) ( انظر: جزم الفعل المضارع).
الرابع: الموصوليّة: وتستعمل لما لا يعقل، نحو: ]ما عندكم ينفَدُ وما عند الله باق] (2) (النحل 16/96)

(180/1)


الخامس: التعجّبية: وليس لها في الكلام إلاّ تركيب واحدٌ فقط لا تعدوه، هو [ما أَفْعَلَه!!]. مثال ذلك: [ما أَجْمَلَ الربيعَ !! – ما أَقْبَحَ الظُلمَ !!]، فقِسْ عليه. (انظر بحث التعجّب).
السادس: المصدرية: وتُسبَك هي وما بعدها بمصدر مؤوَّل.
ثمّ إمّا أن تكون مصدريةً زمانية، إن كان ما بعدها دالاًّ على زمان، نحو: ]وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمتُ حيّاً[ (أي: مدّة دوامي حياً).
أو تكون مصدريةً بَحْتاً نحو: ]لهم عذابٌ شديدٌ بما نَسُوا يومَ الحساب[ (أي: بنسيانهم يومَ الحساب).
السابع: الكافّة(3): وتَمْنَعُ العاملَ من العمل. من ذلك:
– اتّصالُها بـ [إنّ] وأخواتها، فيكون ما بعدهنّ مبتدأً وخبراً نحو: [إنما خالدٌ طالبُ عِلْمٍ].
– واتّصالُها بـ [ربّ]، فيقال: [ربّما زهيرٌ قادمٌ]، وتدخل عندئذٍ على الأفعال فيقال: [ربّما يسافر زهير].
الثامن: ما الواقعة بعد [نِعْمَ وبِئْسَ] نحو: [نِعمَ ما فعل زهيرٌ + بِئسَ ما فَعَل] (انظر: نعم وبئس).
التاسع: الإبهاميّة: وتقع صفةً لاسمٍ قبلها تفخيماً أو تحقيراً نحو: [لأمرٍ ما يتوالى الليل والنهار] و[أعطِ السائل شيئاً ما].
العاشر: الزائدة: وتقع بين المتلازمين نحو: ]فبما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم[، ]أينما تكونوا يأتِ بكم الله[، ]عمّا قليلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادمين[، ]مِمّا خطيئاتهم أُغرقوا[. وتقع كثيراً بعد [إذا] نحو: [إذا ما زرتنا أكرمناك].
* * *
1- تنطبق هذه الأحكام أيضاً على [مَنْ] الاستفهامية إذا تلتها [ذا].
2- قد تستعمل [ما] للعاقل إذا اختلط بغير العاقل: ]يسبّح لله ما في السماوات وما في الأرض[، أو كان للعاقل أنواع: ]فانكحوا ما طاب لكم من النساء[، أو كان أمره مبهَماً: ]نذرتُ لك ما في بطني[.
3- سُمِّيَت كافّةً، لأنها تكفّ العامل عن أن يعمل، أي تمنعه من العمل. كنحو أنْ تتصل بـ [إنّ] فتكفها عن نصب الاسم ورفع الخبر، فيكون ما بعدها مبتدأً وخبراً، نحو: [إنما خالدٌ تلميذٌ].

(180/2)


مَع
[مع]: اسم منصوب (1) له استعمالان:
الأول: ظرف للمكان أو للزمان، نحو: [جلس سعيد معَ (2) خالد في الغرفة (ظرف مكان)] و [سافر زهيرٌ مع الفجر (ظرف زمان)].
الثاني: أن يحذف المضاف إليه بعدها فتنوَّن، وتُعرَب على حسب موقعها من العبارة. نحو: [سافر زهيرٌ وخالدٌ معاً]، ومنه قولُ متمّم بن نويرة يرثي أخاه مالكاً:
فلما تَفَرَّقْنا كأني ومالكاً لِطُولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً مَعا(3)
* * *
1- دليل اسميتها أنّها تنوّن، وإنما تُنَوَّن الأسماء، يقال مثلاً: (سافر خالدٌ وزهيرٌ معاً).
2- ذكروا أنّ قبيلة ربيعة تسكّن العين، فتقول مثلاً: [زهيرٌ مَعْ خالد].
3- [معاً] في بيت متمّم، وفي المثال قبله: حال منصوب.

(181/1)


مَهْمَا
اسمُ شرط يجزم فعلين. ويقول المعربون: تُعْرَب مفعولاً به، إذا تلاها فعلٌ لم يَستَوفِ مفعولَه، وإلاّ أُعربَت مبتدأً. ففي نحو: [مَهما تصنعْ أَصنعْ مثلَه] هي مفعول به(1)، وفي نحو: [مهما تقرأْهُ يُفِدْكَ] و [مهما تَتأَخَّرْ ننتظرْك] هي مبتدأ(2).
* * *
1- [تصنعْ]: فعلٌ متعدٍّ لم ينصب مفعولاً به، ومن ثَمّ تكون [مهما] هي مفعولَه.
2- [تقرأْ] فعل يطلب مفعولاً به، وقد استوفاه إذ نصب هاء الضمير، وأما فعلُ [تتأخّرْ] ففعلٌ لازمٌ لا ينصب مفعولاً به أصلاً، ومن ثَمّ تكون [مهما] مبتدأً في المثالين.

(182/1)


مَنْ(1)
على وجوه:
الأول: شرطية جازمة: نحو [مَن يَدرسْ ينجَحْ].
الثاني: استفهامية: نحو: [مَن زاركم؟]. وتُفيد معنى النفي إذا جيء بعدها بـ [إلاّ]، نحو: [مَنْ يفعلُ هذا إلاّ خالدٌ؟ = لا يفعل هذا إلاّ خالدٌ].
الثالث: اسم موصول: نحو: [نودّعُ مَنْ يسافر = نودّع الذي يسافر]. وقد يُراد بها المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، على حسب موقعها من العبارة، نحو: [سافر مَن نجح – سافرتْ من نجحت – سافر من نجحا – سافر من نجحوا – سافر من نجحنَ]. وهي في الأصل للعاقل، ولكن قد تُستَعمَل لغيره(2).
ملاحظة: قد يُؤتَى بها زائدةً، نحو قولك: [لا نتعالى على مَنْ غيرِنا = لا نتعالى على غيرِنا].
* * *
نماذج فصيحة مِن استعمال [مَنْ]
· ]ومَنْ يَتَّقِ اللهَ يجعلْ له مخرجاً[ (الطلاق 65/2)
[مَنْ]: شرطية، جزَمَت فعلين: [يتَّقِ] وعلامة جزمه حذف الياء، و[يجعلْ] وجُزم بالسكون، ولولا الجزم لقيل: يتّقي… ويجعلُ.
· قال الفرزدق، ولبيته روايتان نقف عندهما كلتيهما، الأولى:
ومَنْ يَميلُ أمال السيفُ ذِرْوَتَهُ حيثُ التقى مِنْ حِفافَي رأسِهِ الشَّعَرُ
(ذِروته: أي رأسه – حفافا رأسه: جانباه).
[مَنْ]: في هذه الرواية، اسم موصول، بمعنى [الذي]. ألا ترى أنها لم تجزم فعل: [يميل]، ولو جَزَمَته لقيل: [ومَن يمِلْ].
والرواية الثانية:
ومَنْ يَمِلْ يُمِلِ المأثورُ ذِروتَهُ حيثُ التقى مِنْ حِفافَي رأسِهِ الشَّعَرُ
(المأثور: السيف).
[مَنْ]: في هذه الرواية، شرطيّة، جزمت فعلين مضارعين هما: [يَمِلْ ويُمِلِ]. ولولا الجزم لقيل: [يَميلُ ويُميلُ].
· وقال الفرزدق أيضاً يخاطب الذئب (الديوان 2/329):
تَعَشَّ، فإنْ واثَقْتَني لا تَخونُني نكُنْ مِثلَ مَنْ يا ذِئْبُ يصطحبانِ

(183/1)


[مَنْ]: اسم موصول، أُريد به المثنى، لأنّ المعنى: نَكُنْ مثلَ اللّذَيْنِ يصطحبانِ. وإذا كانت [مَنْ] موصوليّة فقد يُراد بها المفرد أو المثنى أو الجمع، والمذكّر أو المؤنث، على حسب موقعها من الكلام.
· ]ومنهم مَنْ يستمعون إليك[ (يونس 10/42)
[مَنْ]: في الآية اسم موصول، أُريد به الجمع، لأنّ المعنى: ومنهم الذين يستمعون إليك. ونقول هنا ما قلناه آنفاً: متى كانت [مَنْ] موصوليّة فقد يُراد بها المفرد أو المثنى أو الجمع، والمذكّر أو المؤنث، على حسب موقعها من الكلام.
· ]قال ومَنْ يقنَطُ مِن رحمة ربّه إلاّ الضالّون[ (الحِجْر 15/56)
[مَنْ]: هاهنا استفهامية، وقد جيء بعدها بـ [إلاّ] فأفادت معنى النفي، أي: [لا يقنطُ… إلاّ]. وكذلك تكون كلما جيء بعدها بـ [إلاّ]، إذ تُشْرَب في هذه الحال معنى النفي. ومثل ذلك طِبقاً قولُه تعالى:
· ]ومَنْ يغفرُ الذنوب إلاّ الله[ (آل عمران 3/135)
فـ [مَنْ] استفهامية، جيء بعدها بـ [إلاّ] فأفادت معنى النفي، والمعنى: لا يغفر الذنوب إلاّ الله.
· وقولُه: ]مَنْ ذا الذي يَشْفَع عنده إلاّ بإذنه[ (البقرة 2/255)
والمعنى: لا يُشفَع عنده إلاّ بإذنه.
* * *
1- تشترك [ما] و [مَن] الاستفهاميتان، في مجيء [ذا] بعدهما، وفي الصور والأحكام التي تكون عند ذاك. وقد أوضحنا ذلك في بحث [ما]، فارجع إليه هناك.
2- تستعمل [مَنْ] لغير العاقل، إذا نُزِّل منْزلة العاقل؛ كأن يُنادى مثلاً، وغير العاقل لا يُنادى، نحو: [أَسِرْبَ القَطا هَلْ مَنْ يُعِير جَناحَهُ]، أو شَمَلَ العاقلَ وغيرَ العاقل حُكْمٌ واحد نحو: ]يسجد له مَن في السماوات ومَن في الأرض[، أو اقترن غيرُ العاقل بالعاقل في عمومٍ مُفَصَّلٍ بـ [مَن] نحو: ]واللهُ خلق كُلَّ دابّةٍ مِن ماءٍ: فمنهم مَنْ يمشي على بطنه ومنهم مَنْ يمشي على رجلَين ومنهم مَنْ يمشي على أربع[.

(183/2)


متى
تأتي على وجهين:
الأوّل: اسم استفهام يُستفهم به عن الزمان ويعربونه ظرفاً، نحو: [متى سَفَرُكَ ومتى ترجِعُ؟]. وقد يُجَرّ بـ [إلى] و [حتى]، نحو: [إلى متى تَتَّبعُ هواك وحتى متى تطيعُه؟].
الثاني: اسم شرط يجزم فعلين، ومنه قول الحطيئة (الديوان /81):
متى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عندها خَيْرُ مُوقِدِ(1)
وقد تلحقه [ما] الزائدة للتوكيد، ومنه قول الشاعر:
متى ما تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ………………………..
* * *
1- فعْل الشرط [تأتِ]، وجواب الشرط [تجدْ] وبه تتعلّق [متى] باعتبارها ظرفاً.

(184/1)


مِنْ
حرف جرّ، ولها معانٍ أشهرها:
* ابتداء الغاية المكانية نحو: ]سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً مِنَ المسجدِ الحرام إلى المسجدِ الأقصى[
* ابتداء الغاية الزمانية نحو قول النابغة:
تُخُيِّرْنَ مِن أزمانِ يومِ حليمةٍ إلى اليومِ قد جُرِّبْنَ كلَّ التجارِبِ
* التبعيض: ]لن تنالوا البِر حتى تنفقوا مِمّا تحبون[ (أي: بعض ما تحبون).
* البيان (بيان الجنس): اشتريت خاتماً من ذهب.
* البدلية: ]أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة[
* التعليل والسببية: ومن ذلك قول الفرزدق:
يُغْضِي حياءً ويُغْضَى مِن مهابتهِ فما يُكَلَّمُ إلا حين يَبتسِمُ
* وقد تأتي زائدة فتفيد التوكيد(1)، شريطة أن تتلوها نكرة، ويتقدّم عليها نفيٌ أو نهيٌ أو استفهام، نحو:
– هل استقبلتَ مِن أحدٍ؟ = هل استقبلتَ أحداً؟: (مفعول به)
– ما زارني مِن أحدٍ = ما زارني أحدٌ: (فاعل)
– لا تَزُرْ من أحد: لا تَزُرْ أحداً: (مفعول به)
– هل في البيت مِن أحدِ؟ = هل في البيت أحدٌ؟: (مبتدأ مؤخَّر)
* * *
1- ضابط زيادتها أن تحذفها فلا ينقص من معنى العبارة إلا التوكيد، الذي ينشأ عن زيادتها.

(185/1)


مُذْ و مُنْذُ
[مُذْ] و [مُنْذُ] ظرفَاْ زمان، معناهما: إما ابتداء المدة نحو: [ما زرتنا منذ يوم الجمعة] أو جميع المدة نحو: [ما زرتنا منذ عام]. وهما مبنيّتان تتماثلان في كلّ شيء إلا اللفظ(1)، وتدخلان على الجُمل والأسماء، ولا يمتنع بعدهما إلاّ مجيء الاسم منصوباً.
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [مذ ومنذ]
· قال الفرزدق (المغني /373):
مازال مُذْ عَقَدَتْ يداه إزارَهُ وسَما فأدركَ خمسةَ الأشبارِ
يُدني كتائبَ مِنْ كتائبَ تلتقي في ظلِّ مُعْتَرَكِ العَجاجِ مُثارِ
[مذْ عقدتْ يداه]: شاهد لدخول [مذ] على جملة فعلية: (عقدت يداه).
· وقال الأعشى (الديوان /135):
وما زلتُ أَبغي المالَ مذ أنا يافعٌ وليداً وكهْلاً حين شِبْتُ وأمرَدا
[أنا يافعٌ]: مبتدأ وخبر. وذلك شاهد لدخول [مذ] على جملة اسمية.
· وقال دِعْبِل الخُزاعي (الديوان /85):
ألَمْ تَرَ أنّي مُذْ ثلاثون حِجّةً أروحُ وأغْدو دائِمَ الحَسَراتِ
[مذ ثلاثون…] شاهد لمجيء الاسم بعد [مذ] مرفوعاً. (ثلاثون: ملحق بجمع المذكر السالم، مرفوع بالواو).
· وقال امرؤ القيس (الديوان /89):
قِفا نبكِ مِن ذكرى حبيبٍ وعرفانِ ورَبْعٍ عَفَتْ آثارُه منذُ أزمانِ
[منذُ أزمانِ] شاهد لمجيء الاسم بعد [مذ] مجروراً.
* * *
1- نظراً إلى تماثلهما، جرينا على استعمال هذه أو تلك على حسب الحال، في كل موضع، بدون تفريق.

(186/1)


نَعَمْ
حرف جواب، يفيد الإثبات في الجواب عن السؤال المثبَت، والنفيَ في الجواب عن السؤال المنفي.
ففي جواب: [أسافر خالد؟]، إن قيل: [نعم]، فالمعنى: نعم سافر.
وفي جواب: [أما سافر خالد؟]، إنْ قيل: [نعم]، فالمعنى: نعم ما سافر.
فائدة: لا يكاد كتاب في النحو يخلو – عند البحث في [بلى] و [نعم] من إيراد المسألة التالية:
قال تعالى: ]ألست بربكم قالوا بَلَى[ (الأعراف 7/172). فقال ابن عباس معلّقاً، لو قالوا: [نَعَم] لكفروا.
ووجه ذلك أنّ [نَعَم] – كما ذكرنا آنفاً – لا تُغَيِّر من النفي والإثبات شيئاً؛ فلو أجابوا قائلين: [نَعَم]، لكان تأويل ذلك: [نعم لست ربّنا]، ولكان ذلك كفراً.
* * *

(187/1)


نِعْمَ وبِئْسَ
[نِعْمَ و بِئْسَ]: كلمتان جامدتان (لا تتصرّفان). الأولى للمدح نحو: [نِعْمَ الرجلُ زهيرٌ] والثانية للذمّ نحو: [بئس الرجلُ خالدٌ]. ويسمي النحاة كلمة [زهيرٌ] اصطلاحاً: [المخصوص بالمدح]، وكلمة [خالدٌ] المخصوص بالذم(1).
¨ تراكيبهما:
آ- أن يكون بعدهما اسم:
فإن كان محلّى بـ [ألـ]، (أو مضافاً إلى محلّى بها) فهو مرفوع أبداً، نحو: [نِعم الرجلُ زهيرٌ]، (أو نعم صديق الرجل زهيرٌ)].
وإن كان نكرة [غير محلّى بها] فهو منصوب أبداً، نحو: [نِعم رجلاً زهيرٌ].
ب- أن يكون بعدهما [ما]، وذلك ثلاث حالات:
الأولى: ألاّ يكون شيءٌ بعد [ما]، نحو: [غسلت الثوب غسلاً نِعِمّا] ( أي: نِعْمَ الغسل؛ إذا مدحتَ غسلَه).
الثانية: أن يكون بعد [ما] مفرد(2) نحو: [نِعمّا هو] (أي: نِعْمَ ما هو).
الثالثة: أن يكون بعد [ما] فعلٌ نحو: [نعمّا تفعل] (أي: نِعْمَ ما تفعل).
تنبيه:
قد تلحقهما تاء التأنيث، ومنه الحديث:[مَن توضّأ يوم الجمعة فبِها ونعمَتْ].
¨ المخصوص بالمدح أو الذمّ:
قد يتقدّم الاسمُ المخصوص بالمدح أو الذمّ نحو: [زهيرٌ نعم الرجلُ + خالدٌ بئس الرجلُ]، وقد يُحذف إنْ دلّ عليه دليل، نحو: ]نعم العبد[ (أي: نعم العبدُ أَيّوب).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [نِعم وبئس]
· قالت ليلى الأخيلية تذكر تَوبَة:
ونِعْمَ الفتى يا تَوبُ كنتَ لخائفٍ أتاكَ لكي يُحمَى، ونِعْمَ المُنازِلُ
[نِعمَ المنازلُ]: الاسم بعد [نِعم] محلّى بـ [ألـ] مرفوع، على المنهاج. ومثل ذلك طِبقاً، قولها في أول البيت: [نعم الفتى]، غير أن الضمة لم تظهر على آخر [الفتى] لأنه اسم مقصور.
ثم إنّ في البيت مسألة أخرى هي أنّ الأصل في مدح الشاعرة لتوبة هو: [نعم الفتى أنت، ونعم المُنازِلُ أنتَ]، لكنها حذفت المخصوص بالمدح وهو [أنت]، لدلالة السياق عليه.
· ]نِعم الثوابُ وحسُنَتْ مُرتفَقاً[ (الكهف 18/31)

(188/1)


[نِعم الثوابُ]: الاسم بعد [نعم] محلّى بـ [ألـ] مرفوع حُكماً، على المنهاج. ثمّ إنّ الأصل: [نعم الثواب الجنة]، لكن حُذف المخصوص بالمدح وهو [الجنة]، لوجود ما يدلّ عليه في سياق الآية.
· قال الشاعر (شرح ابن عقيل 2/162):
لَنِعْمَ موئلاً المولى إذا حُذِرَتْ بَأْساءُ ذي البغيِ واستيلاءُ ذي الإحَنِ
(الإحَن: جمعٌ مفرده إحْنَة، وهي الحقد).
[لنعم موئلاً]: الاسم (موئلاً) بعد [نِعم] متجردٌ من [ألـ] (نكرة) وما كان كذلك فحقّه النصب، جرياً مع القاعدة.
· ]إنّ اللهَ نِعِمَّا يعظكم به[ (النساء 4/58)
[نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه]: في الآية إدغام الميم في الميم [نعمّا = نِعْمَ ما]، ومجيءُ الفعل بعد [ما] هو أحد تراكيب نعم وبئس. ومثله قوله تعالى ]بئس ما اشتروا به أنفسَهم[
(البقرة 2/90)
· ]إنْ تُبْدُوا الصدقاتِ فنِعِمّا هي[ (البقرة 2/271)
[نعمّا هي]: إدغام الميم في الميم هاهنا، مطابق لنظيره في الآية السابقة، [نعمّا = نِعْمَ ما]. ومن تراكيب [نِعْمَ] مجيءُ اسم مفردٍ بعدها، سواء أكان ضميراً – كما في الآية – أم غير ضمير. نحو: [بئسما تزويجٌ ولا مَهْر].
· قال ابن المعتزّ:
غرائب أخلاقٍ حباني بحفظها زماني، وصرفُ الدهرِ نِعمَ المؤدبُ
الأصل أن يأتي الشاعر بالمخصوص بالمدح بعد نِعم والاسمِ المرفوع بعدها، فيقول: [نعم المؤدِّبُ صروفُ الدهر]، لكنه اختار أن يقدّم المخصوص بالمدح، وهو [صرف الدهر]، وكلاهما جائز.
· قال زهير بن أبي سلمى (الديوان /89):
ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنتَ إذا دُعِيَتْ نَزَالِ، ولُجَّ في الذعْرِ
الضمير [أنت] هو المخصوص بالمدح. والأصل أن يقول الشاعر: [نعم الحشوُ أنت]، فيكون بعد [نعم] اسم مرفوع لأنه محلّى بـ [ألـ]، لكن لما كانت كلمة [حشو] مضافاً، وكان الاسم لا تجتمع عليه الإضافة والتحلية بـ [ألـ]، انزلقت [ألـ] إلى المضاف إليه حكماً.

(188/2)


هذا، على أنّ الإضافات قد تتعدّد، فتُزحلَق [ألـ] إلى آخر مضاف إليه، ومن ذلك قول أبي طالب (الديوان /36):
فنِعْمَ ابنُ أختِ القومِ غيرَ مُكَذَّبٍ زهيرٌ، حساماً مفرداً مِن حَمَائِلِ
فقد أُضيفت كلمة [ابن] إلى [أُخت]، ثم أُضيفت كلمة أُخت إلى [القوم]، فكان أنْ زُحلِقت [ألـ] إلى المضاف إليه الأخير. ومَن أراد، ظلّ يزحلقها ما استقام له الكلام، فكان يقول مثلاً: فنعم ابنُ أختِ سيّدِ أمراءِ القوم !!
· ]بئس الشرابُ[ (الكهف 18/29)
حُذِف المخصوص بالذمّ، أي: الماء الذي يُسقَونه.
· ]نعم دارُ المتقين[ (النحل 16/30)
حُذف المخصوص بالمدح، أي: الجنة. وزُحلِقت [ألـ] إلى المضاف إليه.
· ]نعم العبدُ[ (ص 38/44)
حُذف المخصوص بالمدح، أي: نِعْمَ العبدُ أيوب.
* * *
1- ليس بين نعم وبئس من فرق، إلا أنّ الأولى للمدح والثانية للذم. وأمّا أحكام استعمالهما فجارية عليهما جميعاً، مما يُتيح الاقتصار على التمثيل بإحداهما.
2- المراد بالمفرد أنه لا يتلوه شيء، لا أنه المفرد الذي ليس مثنى ولا جمعاً.

(188/3)


قَدْ
قد: تدخل على الفعل ماضياً ومضارعاً. فتكون مع الماضي حرف تحقيق، نحو: [قد سافر زهيرٌ]. ومع المضارع حرف تقليل، نحو: [قد يسافر خالدٌ]. ولا يجوز فصلها عن الفعل إلاّ بقَسَم، نحو: [قد – واللهِ – سافر زيد](1).
تنبيه: قد تكون [قد] مع الفعل المضارع للتحقيق، إذا دلّ على ذلك سياق الكلام والقرائن، نحو: ]قد يعلم اللهُ الذين يتسلّلون[ (النور 24/63)
فائدة: في تاريخ اللغة، أنّ [قد] كانت استُعمِلت بمعنى [حَسْب] وبمعنى [يكفي]، نحو: [قَدْ زهيرٍ كتابٌ = حَسْبُ زهيرٍ كتابٌ] و [قَدْنِي درهمٌ = يكفيني درهمٌ].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [قد]
· ]قد نرى تقلُّبَ وجهكَ في السماء[ (البقرة 2/144)
[قد نرى]: الأصل أن تجيء [قد] مع الفعل المضارع للتقليل، نحو: [قد نسافر]. لكن لما كان فاعلُ الفعل المضارع في الآية هو اللّه تعالى – وكان تقليل الرؤية وكثرتها مما لا يجوز على الله!! – كان معنى [قد] في الآية، التحقيق. وتزداد المسألة وضوحاً بالتوقف عند قوله تعالى: ]قد يعلم اللهُ الذين يتسلّلون[ (النور 24/63)
فإنّ [قد] مع الفعل المضارع للتقليل أصلاً، ولكنّ تقليل العلم على الله تعالى محال، فامتنع اعتدادها للتقليل، وصحّ اعتدادها للتحقيق، استرشاداً بالقرائن.
· ومثل هذا طِبقاً، قولُه تعالى ]قد يعلم ما أنتم عليه[ (النور 24/64)
فالتقليل هاهنا ممتنع محال، واعتدادها للتحقيق، هو الموافق للعقل والمنطق، استرشاداً بالقرائن.
· قال الشاعر (ديوان امرئ القيس /225):
قد أشهدُ الغارةَ الشَّعواءَ تحملني جرداءُ معروقةُ اللَّحْيَيْنِ سُرحُوبُ
(الشعواء: المتفرّقة – الجرداء: الفرس القصيرة الشعر – المعروقة اللحيين: القليلة لحم الخدّين – سرحوب: طويلة مشْرِفة).

(189/1)


[قد أشهد]: الفعل مضارع، ومع المضارع تكون [قد] أصلاً للتقليل. لكنّ الشاعر هاهنا يفخر بأنه فارس مغوار، ومن كان هذا شأنه لم يفخر بقلّة غاراته، فبَطَلَ أن تكون [قد] للتقليل، وصحّ اعتدادها مع الفعل المضارع للتحقيق.
· ومثله قول عَبِيْد بن الأبرص (الديوان /49):
قد أترك القِرْنَ مُصْفَرّاً أناملُه كأنّ أثوابَهُ مُجَّتْ بفِرْصادِ
(القِرن: المثيل في الشجاعة – مُجّت: يريد أنها صُبغَت – الفِرصاد: التُّوت: شبّه الدم بعصارة التوت الحمراء)
فالشاعر يفتخر، ومع الفخر لا يكون التقليل. واسترشاداً بالقرائن والسياق تعتدّ [قد] في البيت مع الفعل المضارع للتحقيق.
· ]قد أفلح المؤمنون[ (المؤمنون 23/1)
[قد] في الآية للتحقيق، وذلك أنها متصلة بفعل ماض: [أفلح]. ومتى كان ذلك كذلك فهي للتحقيق، على المنهاج. ومنه طِبقاً قوله تعالى: ]قد سمع اللهُ قَولَ التي تجادلك[
(المجادلة 58/1)
· قال الشاعر يخاطب خالد بن عبد الله القسريّ (المغني /186):
أخالدُ قد – والله – أوطأتَ عشوةً …………………….
(أراد: ركبتَ أمراً على غير تبيُّن).
وقد فصل بين [قد] والفعل بقَسَم: [واللهِ]. ومن المقرّر أنّ [قد] تلزم الفعل بغير فاصل. والنحاة يقولون في التعبير عن هذا: (قد مع الفعل كجزء منه فلا يُفصَل بينهما إلاّ بقَسَم). والذي أتى به الشاعر هنا، إنما هو استفادة من هذا الجواز. فقد فصل بينهما بالقسَم: [والله]، فيكون ما أتى به على المنهاج. ومنه قول الآخَر – طِبقاً – (المغني /186):
فقد – واللهِ – بَيَّنَ لي عَنائي بوشْكِ فراقهم، صُرَدٌ يَصيحُ
(الصرد: طائر، وقد أراد الشاعر أنّ صياح هذا الطائر كان شؤماً عليه ففارقه من يحبّهم).
ومثل ذلك أيضاً أنه سُمِع: [قد – لعَمْري – بِتُّ ساهراً] و [قد – واللهِ – أحسنتَ].
* * *

(189/2)


1- منع فريق من العلماء وقوع [لا] النافية بعد [قد]، أي: منعوا أن يقال مثلاً: [قد لا أفعل]. لكنّ هذا الفصل ورد في الشعر الجاهلي وأمثال العرب وكلام الفصحاء، مما يقطع بصحة هذا الاستعمال، ويُثبت أنّ منعه تحكُّمٌ على غير أساس.

(189/3)


قَطُّ
قَطُّ: ظرفُ زمانٍ يختصّ بالماضي ويستغرقه، مبني على الضمّ. يسبقه في الاستعمال نفي أو استفهام نحو: [ما زارنا قطُّ] و [هل زارنا قطُّ؟](1) .
* * *
1- في تاريخ اللغة، أنّ [قطّ] كانت استعملت ساكنةَ الآخر بغير تشديد بمعنى [حسْب]، نحو: [قطْ زيدٍ درهمٌ = حسب زيدٍ درهم]، وبمعنى [يكفي]، نحو: [قطني درهمٌ = يكفيني درهمٌ].

(190/1)


رُبَّ(1)
رُبَّ: من حروف الجرّ، معناها التقليل أو التكثير، على حسب الحال. ومن سياق الكلام يتبيّن المراد.
أحكام:
¨ تدخل [رُبّ] على اسم نكرة مجرور. ويكون جوابها(2) اسماً مرفوعاً، أو جملة. نحو: [ربَّ ضارّةٍ نافعةٌ]، و[ربّ جهلٍ ستره الغِنى] و[ربّ مُدّعٍ يفضحه تعالمُه]
و[ربّ فقيرٍ معدمٍ عِلمُه غزير].
¨ كثيراً ما تُحذف في الشعر، وتنوب عنها الواو(3).
¨ قد تتصل بها [ما] الزائدة، فتختص بالدخول على الجُمل ماضويةً ومضارعية، نحو: [ربّما سافر خالد، وربّما تطول غيبته](4). وقد تخفّف باؤها فيقال: [رُبَما سافر].
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [ربّ]
· قال جَذِيمة الأبرَش (الكتاب – هارون 3/516):
رُبَّما أَوْفَيْتُ في عَلَمٍ تَرْفَعَنْ ثَوبِي شَمالاتُ
[العَلَم: الجبل، والشمالات: جمع شَمال، وهي الريح تهب من ناحية الشَّمال. والشاعر يفخر بأنه يحفظ أصحابه إذا خافوا، فيكون لهم طليعةً في رأس الجبل، لما يدلّ عليه ذلك من قوة في الجسم: (حدّة البصر)، وقوّة في النفس: (شهامة)].
اتّصلت [ما] الزائدة بـ [ربّ]، فاختصّت بالدخول على الجُمل: [أوفيت].
· ]رُبَما يودّ الذين كفروا لو كانوا مُسْلِمين[ (الحجر 15/2)
في الآية مسألتان: الأولى: اتصالها بـ [ما] واختصاصها مِن ثَمّ بالدخول على الجمل. (يودّ). والثانية: تخفيف الباء.
· قال أميّة بن أبي الصلت (الكتاب – هارون 2/109):
ربّما تَكرهُ النفوسُ مِنَ الأمرِ لهُ فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ
اتصلت [ما] بـ [ربّ] فاختصّت بالدخول على الجمل: [تكره].
· قال ثابت قطنة، يرثي يزيد بن المهلب:
إنْ يقتلوك فإنّ قتْلكَ لم يكن عاراً عليك، ورُبَّ قتلٍ عارُ
دخلت [ربّ] على اسم نكرة: [قتلٍ]، وجوابُها اسمٌ مرفوع هو: [عارُ]. وكلا الأمرين على المنهاج.
· قال المتنبي:
ذَلَّ مَن يَغْبِطُ الذليلَ بعيشٍ رُبّ عيشٍ أَخَفُّ منه الحِمامُ

(191/1)


دخلت [ربّ] على اسم نكرة: [عيشٍ]، وجوابها جملة اسمية: [أخفُّ منه الحِمام].
· قال امرؤ القيس (الديوان / 29):
فيارُبَّ يومٍ قد لَهَوْتُ وليلةٍ بآنسةٍ كأنها خَطُّ تِمْثالِ
دخلت [ربّ] على اسم نكرة: [يومٍ]، وجوابها جملةُ: [لَهَوْت]. وكلاهما على المنهاج.
· قال جَحْدَر العُكْلِيّ (الأمالي 1/278):
فإنْ أهْلِكْ فربّ فتىً سيبكي عَلَيَّ مُهذبٍ رَخْصِ البَنانِ
دخلت [ربّ] على اسم نكرة: [فتى]، وجوابها جملةُ: [سيبكي]. وكلاهما على المنهاج.
· قال امرؤ القيس (الديوان /18):
وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سُدولَهُ عَلَيَّ بأنواع الهموم ليبتلي
الأصل في البيت: [ربّ ليلٍ]، ثم حُذفت [ربّ] فنابت عنها الواو: (واوُ ربّ). ولا يكون ذلك إلاّ في الشعر. ومثل ذلك طِبقاً قولُ صخر بن عمرو بن الشريد:
وعاذلةٍ هَبَّتْ بليلٍ تلومني ألا لا تلومِيني،كفى اللومَ ما بِيَا
وقولُ معنِ بن أَوْس المُزَنيّ (الأمالي 2/99):
وذي رَحِمٍ قلّمْتُ أظفارَ ضِغْنِهِ بحِلْميَ عنهُ، وهْوَ ليس لهُ حِلْمُ
ففي البيتين كليهما حُذفت [ربّ] ونابت عنها الواو: [واو ربّ].
* * *
1- عِيْبَ على الجوهري أنه لم يذكر من معاني [ربّ] في الصحاح إلا أربع عشرة لغة، منها: ربّ، ربّما، ربّتما، ربْ،… وقيل: [هو قصور ظاهر]!! لأن [ربّ] لها سبعون لغة!! انظر: (تاج العروس 2/475).
2- تسمية ما يتم به الكلام بعدها: [جواباً]، مصطلح يعبّر عن حاقّ مسمّاه، وكان الخطيب التبريزي يجري على استعماله، ومنه قبسناه. انظر (شرح المفضليات 1/38).
3- يسمّي النحاة هذه الواو: [واو ربّ]. ولا تكون إلاّ في الشعر.
4- قال سيبويه: [جعلوا (ربّ) مع (ما) بمنْزلة كلمة واحدة، وهيّؤوها ليُذكر بعدها الفعل، لأنهم لم يكن لهم سبيل إلى (ربّ يقول)] (كتاب سيبويه – هارون 3/115).

(191/2)


سَوْفَ
سوف: حرف يختصّ بالفعل المضارع، ويخلصه للمستقبل مثل السين، غير أنّ [سوف] في رأي فريق من النحاة، أوسع من السين في مدّة الاستقبال. وتدخل عليها لام التوكيد، نحو: ]ولَسوف يُعطيك ربُّك فترضى[ (الضحى 93/5)
* * *

(192/1)


سِوَى
سِوَى: لها معانٍ، أشهرها [غير]. يقال مثلاً: [زارني سواك = زارني غيرُك]. وهي اسمٌ يجري عليه ما يجري على الأسماء، فيكون فاعلاً ومفعولاً وصفةً ومستثنى إلخ…نحو:
ما جاء سوى زهيرٍ (فاعل).
ولم نَصحبْ سوى خالدٍ (مفعول به).
ولا استقبلْنا ضيفاً سواه (صفة).
وسافر الطلاّبُ سوى محمّدٍ (اسم منصوب على الاستثناء).
وما سافرت الطالباتُ سوى هند (يجوز بعد النفي، النصب والبدلية: النصبُ على الاستثناء، والرفعُ بالإتباع على البدلية من الطالباتُ)(1).
* * *
نماذج فصيحة من استعمال [سوى]
تمهيد: يتبيّن من النماذج التالية أنّ إعراب [سوى] يكون على حسب موقعها من العبارة:
· قال المتنبي (الديوان 3/286):
سِوى وَجَعِ الحُسّادِ داوِ فإنّهُ إذا حَلَّ في قلبٍ فَلَيسَ يَحُولُ
[سوى… داوِ]: الأصل [داوِ سوى…]، فـ [سوى] مفعول به وقد تقدّم على فعله: [داوِ].
· قال مجنون ليلى (الديوان /108):
أَأَتْرُكُ ليلى ليس بيني وبينَها سِوى ليلةٍ إني إذاً لَصَبُورُ
[ليس… سوى]: ليس، من أخوات [كان] ترفع الاسم وتنصب الخبر، و[سوى] اسمها مؤخر، وخبرها الظرف: [بيني و…].
· قال الفِنْد الزِّمّانيّ (شرح ديوان الحماسة 1/35):
ولمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فأَمْسَى وهو عُرْيانُ
ولم يَبْقَ سوى العُدْوا ……. نِ دِنّاهمْ كما دانُوا
[لم يبقَ سوى…]: يبقَ فعل مضارع مجزوم، فاعله: [سوى].
· قال الشاعر (شرح ابن عقيل 1/614):
لَدَيْكَ كفيلٌ بالمنى لِمُؤَمِّلٍ وإنّ سواكَ مَن يُؤَمِّلُهُ يَشقَى
[إنّ سواكَ…]: سِوى اسم إنّ منصوب بفتحة مقدّرة على الألف.
· قال عمر بن أبي ربيعة على لسان صاحبته (الديوان /260):
وصَرَمْتُ حَبلَكَ إذ صَرَمْتُ، لأنني أُخْبِرْتُ أنكَ قد هوِيْتَ سِوانا
[سوانا]: مفعول به لفعل [هويت]، و[نا] مضاف إليه.
· قال ابن المولى ليزيد بن حاتم (شرح ديوان الحماسة 4/1761):
وإذا تُباع كريمةٌ أو تُشتَرَى فسِواكَ بائعُها، وأنت المشتري

(193/1)


[سواك بائعها]: سوى مبتدأ، خبره بائع.
* * *
1- انظر بحث المستثنى بـ[إلاّ].

(193/2)


ثَمَّ
ثَمَّ: اسم يشار به إلى المكان البعيد. مبني على الفتح، ويكون في العبارة ظرفاً للمكان، نحو: ]وإذا رأيتَ ثَمَّ رأيتَ نعيماً ومُلكاً كبيراً[ (الإنسان 76/20)، وقد يُجَرّ بـ [مِنْ]، فيقال: [مِن ثمَّ].
وقد تلحقه تاء التأنيث فيقال: [ثَمَّةَ]، وتُلفَظ عند الوقف هاءً: [ثَمَّهْ].
* * *

(194/1)


ثُمَّ
حرف عطف، معناه الترتيب والتراخي، ويفيد مشاركة المعطوف للمعطوف عليه في الحكم والإعراب، نحو: [سافر خالدٌ ثمّ زهيرٌ](1).
أحكام:
¨ تعطِف الجملةَ والمفرد، نحو: [سافر زهير ثم عاد] و [زارنا زهير ثم خالد].
¨ تدخل عليها همزة الاستفهام، نحو: ]أثُمَّ إذا ما وقع آمنتم به[
(يونس 10/50)
¨ قد تتصل بها تاء التأنيث، فتختصّ – في هذه الحال – بعطف الجمل، ومن ذلك البيت المشهور لشَمِر بن عمرو الحنفي (الأصمعيات /137):
ولقد مررْتُ على اللئيمِ يسبّني فمضَيْتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنينِي
* * *
1- المسافر الأول خالد والثاني زهير: (ترتيب)، وبين سفرهما مدّة: (تراخٍ في الزمن)، وكلاهما سافر: (مشاركة في الحكم)، وكلاهما مرفوع: (مشاركه في الإعراب).

(195/1)


وَاْ
هي حرف مختصّ بالندبة (أي: التفجّع على الميت)، فلا يُندَب إلاّ بها. نحو: [وا خالداهْ] (الهاء: هاء السكت).
* * *

(196/1)


يا
حرف ينادى به القريب والبعيد، ويجوز حذفه، نحو: [زهيرُ أقْبِلْ].
مزاياها:
* قد يُنادى بها ما لا يُنادى، فتُعَدّ حرفَ تنبيه، نحو: [يا ليتني سافرت].
* لا ينادَى لفظُ الجلالة إلاّ بها، فيقال: [يا أللّهُ]. (بإثبات الهمزة)
* لا يَدخل على [أيّها وأيّتها] إلاّ هي، نحو: [يا أيها الطالب ويا أيتها الطالبة].
* لا يستغاث إلاّ بها كنحو: [يا لَلأقوياءِ لِلْضعفاءِ].
* لا يدخل على أساليب التعجب الثلاثة إلاّ هي، كنحو: [يا بَحرُ !! – يا لَلْبحرِ !! – يا بَحْرَاْ !!].
* * *

(197/1)


Pos ini dipublikasikan di Uncategorized. Tandai permalink.